إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (879)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم إعطاء البيعة لغير ولي الأمر كما يفعله الصوفية

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز.

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول: محمد أكرم حسين ، أخونا ذيل رسالته بقوله: آمل أن يجيب على هذا السؤال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز .

    بدأ رسالته على النحو التالي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.

    سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: أنا شاب من الهند جئت إلى المملكة العربية السعودية الرياض لمنحة دراسية للدراسة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بكلية أصول الدين قسم العقيدة، والحمد لله تخرجت منها العام الماضي، وبفهمي لما درسته عرفت ما عليه بلادنا في الهند من المسلمين من الشرك والطرق الصوفية والبدع المنتشرة؛ فذهبت بعزم على الدعوة إلى الله وتصحيح العقيدة وتخليصها من كل ما يشوبها من شرك أو صوفية، لكن عندنا في الهند مشهور المبايعة على الطرق، وكأنهم يعتقدون أنه من لم يبايع فليس بمسلم، لذلك وجدت صعوبة في الدعوة، وجاءت في نفسي فكرة، ولكن لم أفعلها وأنا أستشيركم فيها، وهي: أن أبايع من يأتي على صورة قول الصحابي: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، الحديث، لكن في هذه البيعة أبين لهم فيها أن المطلوب هو: إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأبين فيها البدع وتحريم الطرق الصوفية بأسلوب حسن، وأحثهم على التمسك بالسنة والمحافظة على الصلوات الخمس، وقراءة القرآن، وذكر الله الذكر المشروع عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا الفعل يكون عندهم مبايعة، ويغنيهم عن الذهاب للصوفية، وهو في الحقيقة أمر بما جاء عن الله عز وجل وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ما هو رأي سماحتكم في هذا الفعل، أفتونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فلا نعلم أصلاً لهذه البيعة، إلا ما يحصل لولاة الأمور، فإن الله شرع سبحانه أن يبايع ولي الأمر على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، وفي الأثرة على المبايع، كما بايع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم نبينا عليه الصلاة والسلام، فالبيعة تكون لولاة الأمور على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يقولوا بالحق أينما كانوا، وألا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، أما بيعة الصوفية بعضهم لبعض فلا أعلم لها أصلاً، وهذا قد يسبب مشاكل، فإن البيعة قد يظن المبايع أنه يلزم المبايع طاعته في كل شيء، حتى ولو قال بالخروج على ولاة الأمور، وهذا شيء، شيء منكر لا يجوز، فالواجب على الداعي إلى الله عز وجل والمبلغ عن الله: أن يبين للناس الحق، ويحثهم على التزامه، ويحذرهم من مخالفة أمر الله ورسوله من غير حاجة إلى أن يبايعوه على ذلك، فإن البيعة على هذا الأمر قد يظن بها، ويعتقد فيها أنها لازمة لهذا الشخص، بالنسبة إلى الشخص المبايع، وأنه لا يخالف فيما يقول له، وأنه يسمع له ويطيع كما يكون لولاة الأمور، وهذا يسبب الفرقة والاختلاف بين المسلمين والنزاع والفساد، ولكن يأمره بطاعة الله ويوصيه بطاعة الله، ويحثه على الالتزام بأمر الله، ويحذره من محارم الله، هكذا الداعي إلى الله عز وجل، وهذا هو الذي أعلم من الشرع المطهر، ولا أعلم في الشرع المطهر بيعة لغير ولاة الأمور على السمع والطاعة، وعلى اتباع الكتاب والسنة.

    وفي إمكان الداعي إلى الله جل وعلا -أينما كان- أن يبصر الناس ويرشدهم إلى توحيد الله وطاعته، ويحذرهم من البدع، ويتلو عليهم النصوص من الآيات الكريمات والأحاديث النبوية التي فيها بيان الحق والدعوة إليه، وفيها التنبيه على أنواع الباطل والتحذير منه، وهذا هو الذي أراه لازماً ومتعيناً في حق الدعاة إلى الله عز وجل، حتى لا يتأسوا بالصوفية فيما يفعلون، وحتى لا يفتحوا على الناس باب شر لكل أحد، كل من أراد أن يبايع أحداً قال: بايعني كما بايع فلان وكما بايع فلان، والله المستعان.

    المقدم: جزاكم الله خيراً، سماحة الشيخ! أعلم أن هناك إحدى الجماعات أحسبها -ولا أزكي على الله أحد- تهتم بأمر الدعوة إلى الله، لكن من ضمن ما تعمله هذا الذي يسمى المبايعة، هل من توجيه لسماحة الشيخ؟

    الشيخ: نعم، نعم، الذي أوصي به إخواني جميعاً ترك هذه الطريقة -وهي المبايعة- وأن يكتفي الداعي إلى الله جل وعلا بالدعوة إلى الله وإرشاد الناس إلى الخير والنصيحة، والحث على اتباع الحق ولزومه، وترك ما خالفه أينما كان، وليس المقصود بيعة فلان أو فلان، المقصود: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، والالتزام بذلك، فالله ألزم الناس بطاعة الله ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، وإن لم يكن هناك بيعة، فإن المؤمن يلزمه طاعة الله ورسوله في كل شيء، وترك ما نهى الله عنه ورسوله في كل شيء، سواء كان من الصحابة أو من غير الصحابة، لكن البيعة من باب التأكيد على التزام الحق الذي بعث الله به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا ولاة الأمر بعده كـالصديق وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، يلزم الرعية أن يطيعوه في المعروف، وإن لم يكن بيعة، لكن البيعة من باب التأكيد ومن باب الإلزام بالحق لهذا الذي ولاه الله أمر المسلمين؛ حتى يكون ذلك حافزاً للمبايع على السمع والطاعة في المعروف، وعلى الالتزام بالحق، أما غير خليفة المسلمين وغير ولي أمر المسلمين، فليس هناك حاجة إلى هذه البيعة، المقصود: إنما هو تنبيهه على الخير ودعوته إليه، وتحذيره من الشر فقط، وليس المقصود: أن يباع على هذا الشيء، أنه يلتزم برأي فلان أو قول فلان، إنما اللازم: أن يلتزم الحق ويستقيم على الحق الذي دعاه إليه فلان، أو بلغه من كتاب الله أو من سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا هو الواجب، والمعول على الكتاب والسنة لا على رأي فلان وفلان، وإنما العلماء يبينون ويرشدون وينقلون للناس الآيات والأحاديث، ويبصرونهم بمعناها، وليس المقصود: تحكيم رأي فلان أو فلان. نعم.

    المقدم: بارك الله فيكم، كون جماعة من الناس أو قطر معين اعتاد على هذه البيعة، وإن كانت لغير ولاة الأمور، هل يبيح لنا سماحة الشيخ أن نرضيهم بهذا المسلك؟

    الشيخ: ما يظهر لي هذا، الذي أعلمه من الشرع: أنه لا بيعة إلا لولاة الأمور أو نوابهم إذا استنابوا أحد يأخذ البيعة لهم، فأميرهم في الأقطار نائب عنهم في أخذ البيعة، سواء كان عالماً أو أميراً أو قاضياً، المقصود: إذا استنابه ولي الأمر أن يأخذ البيعة من أهل البلد الفلانية والقبيلة الفلانية؛ أخذ البيعة لولي الأمر بالنيابة.

    1.   

    بعض أحكام كفارة اليمين

    السؤال: ننتقل إلى مواضيع أخرى ورسائل أخرى أيضاً، رسالة وصلت إلى البرنامج من أحد الإخوة المستمعين يقول: حماد عبد الرحمن الشواف من الدوادمي، أخونا بعث برسالة مطولة أيضاً بعض الشيء ويقول فيها: علمت بهذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:89]، يستطيع المرء إطعام عشرة مساكين، ولكن إذا لم يجد المساكين ويعرف مسكيناً واحداً أو اثنين، هل يجوز أن يعطي الكفارة نقوداً على هؤلاء المساكين، أو إطعام المسكين الواحد عشر مرات لعدم معرفتي أكثر من ذلك، ثانياً: هل يجوز إعطاء الكفارة للمساكين رز أو قمح أو زبيب دون عمل طعام لهم في بيته، ثالثاً: هل الكفارة تكون بالترتيب أو أن يختار كما يشاء، أرجو إجابتي على هذه القضايا، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الواجب أن يلتمس العشرة، ولا يجوز أن يكتفي بواحد ولو كرر ذلك عليه عشر مرات؛ لأن الله نص على عشرة مساكين، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89]، فالواجب أن يلتمسهم ولو في غير بلده ولو في بلد أخرى ينقلها إليهم، ولا بأس أن يخرجها من قوت بلده، من رز أو تمر أو حنطة أو زبيب أو أقطٍ أو غير هذا من قوت بلده يدفعها إليهم، أو يطبخ ذلك ويدعوهم إلى ذلك، فيدعوهم إلى طعام ناضج مطبوخ في بيته، ولو كانوا متفرقين، كأن يدعو يوماً اثنين، ويوماً اثنين، ويوماً أربعة، ويوماً اثنين لا بأس بذلك، إن جمعهم أو فرقهم، ولا يجوز إعطاؤهم دراهم، بل إما طعام وإما كسوة وإما عتق، هكذا قال الله عز وجل: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]، بالتخيير يخير إن شاء أطعم، وإن شاء كسا، وإن شاء أعتق، ولا يجوز أن يدفع إليهم دراهم، بل ليس له إلا هذه الثلاث: إما إطعام وإما كسوة وإما عتق، فإن عجز عن الثلاث المذكورات انتقل إلى الصيام، وهو صيام ثلاثة أيام، كما بينه الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    حكم قول: (صدق الله العظيم) أو قراءة الفاتحة بعد قراءة القرآن

    السؤال: يسأل أخونا سؤالاً آخر ويقول: رأيت في بعض المساجد أنه بعد أن يقرأ أحد القراء للقرآن بصوت عالٍ يقول: صدق الله العظيم، ثم الفاتحة، أي: يأمر الناس الموجودين في المسجد بقراءة الفاتحة، هل هذا من السنة، أم هو بدعة حسنة، أم هو بدعة سيئة، جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً؟

    الجواب: ما يفعله بعض الناس إذا فرغ من قراءة القرآن في المسجد أو غيره، قال: صدق الله العظيم، ليس له أصل، بل هو من البدع، ولا ينبغي اتخاذ ذلك ولا استعمال ذلك، ولا ينبغي الاغترار بالناس في هذا، فهذا شيء لا أصل له، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد القراءة يقول ذلك، ولا الصحابة يقولون ذلك، وإنما هو شيء أحدثه الناس، فلا يجوز اعتياد ذلك، لكن لو فعله بعض الأحيان لداعٍ دعا إلى ذلك أن يقرأ آية تعجبه أو يرى آثارها فيقول: صدق الله العظيم، لقد وجد هذا.. ولقد صار هذا.. من باب التعجب مما وقع، مثلما قد يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في.. أو يقوله بعض الصحابة إذا رأى شيئاً يوافق القرآن والسنة، يقول: صدق الله ورسوله، فيما بين وفيما أوضح الله وفيما أوضح الرسول عليه الصلاة والسلام.

    المقصود: أن اعتياد هذا الأمر بعد القراءة في الصلاة أو خارجها بدعة، وإذا كان مع هذا يقول: اقرءوا الفاتحة كذلك بدعة أخرى، فلا أصل لهذا ولا لهذا، وإنما إذا فرغ من القراءة يكتفي بذلك، إن كانت القراءة انتهت باسم من أسماء الله قال: سبحانه وتعالى، مثل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، أو ما أشبه ذلك، وإلا فلينتهي والحمد لله، ولا يشرع له شيء، لكن لو انتهت القراءة على شيء من أسماء الله، شرع له تسبيح الله وتعظيمه، كما في آية التغابن: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [التغابن:18]، وما أشبه ذلك، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74]، إلى أشباه ذلك؛ لأن السنة للمؤمن إذا مر بآية فيها رحمة سأل، وبآية فيها عذاب تعوذ، وبآية فيها أسماء الله عظمها وسبحه سبحانه وتعالى، كان النبي يفعل هذا في التهجد في الليل، ولم يحفظ عنه أنه كان يفعله في الفرائض، بل كان يستمر في قراءته عليه الصلاة والسلام، في الفرائض، وإنما فعل هذا في تهجده بالليل، لكن إذا كان في النهاية اسم من أسماء الله في القراءة قبل أن يركع وسبح الله عز وجل فلا بأس؛ لأنه في هذه الحالة ليس في حال قراءة.

    1.   

    حكم تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة

    السؤال: أخونا يشير إلى ما يشاع بين الناس من أن هناك بدعة حسنة وبدعة سيئة؟

    الجواب: الصواب أنه ليس هناك بدعة حسنة، كل بدعة ضلالة، كما بينه النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه قال عليه الصلاة والسلام في خطبته في الجمعة: (أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)، وهكذا جاء في حديث عائشة وفي حديث العرباض بن سارية وغيرها، فالبدع كلها ضلالة كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وأما ما رآه بعض العلماء من تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، فهو اصطلاح جديد ورأي من بعض العلماء لا يعول عليه، والصواب: أن كل بدعة ضلالة، وما ظنه بعض العلماء أنه بدعة حسنة، فليس الأمر كذلك، ولكنه مشروع، ولا يقال له: بدعة، وإن قيل بدعة من جهة اللغة كما قال عمر رضي الله عنه في التراويح: نعمت البدعة، هذا من حيث اللغة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستمر عليها في حياته، خاف أن تفرض عليهم؛ فصلاها ليالي ثم ترك، وقال: (إني أخشى أن تفرض عليكم)، فلما توفي عليه الصلاة والسلام، رأى عمر رضي الله عنه وأرضاه أن إقامتها أمر طيب ومشروع؛ لأن افتراضها على الناس قد أمن بموته عليه الصلاة والسلام، فلهذا لما أمرهم بذلك ورآهم يصلون قال: نعمت البدعة هذه، يعني: من حيث اللغة؛ لأن البدعة في اللغة: ما فعل على غير مثال سابق، والتراويح لم تكن على مثال سابق، من جهة الاستمرار في ليالي رمضان، وإلا فهي سنة، التراويح سنة وقربة وطاعة لله، ليس بدعة من حيث الشرع، فهكذا ما يسمى بدعة من حيث اللغة؛ لأنه لم يكن موجوداً، كالمدارس المنظمة وأشباه ذلك، هذا إذا قيل له بدعة من حيث اللغة، لا يضر، لكن ليس ببدعة من حيث الشرع، فإن المدارس إنما أوجدت لتعليم كتاب الله وتعليم سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وبيان أحكام الشرع، فهي قربة إلى الله مثلما تبنى المساجد لإقامة الصلاة فيها وحلقات العلم، فليست بدعة فتعمير المساجد بغير الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تعمر بالمسلح.. بالأحجار.. بالساج، هي قربة وطاعة ومأمور بها، وإن كانت على غير الغرار الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد بنى عثمان رضي الله عنه وأرضاه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم على غير الطريقة التي بناها عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بناه بالحجر المنقوش وبالساج؛ تعظيماً لهذا المسجد وتشريفاً له، لما رأى الناس غيروا وحسنوا بيوتهم بالبناء؛ فأحب أن يحسن مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام اجتهاداً منه رضي الله عنه وأرضاه، فهكذا ما يوجد من المساجد بالمسلح أو بالحجر المنقوش أو كذا، لا يقال: بدعة، ولكن يستحب للمسلم عند بناء المساجد أن يخليها من النقوش ومما يشوش على المصلين، ولكن إذا بنيت ببناء محكم مضبوط؛ فهذا شيء مطلوب لما فيه من الحيطة للمسلمين، أما النقوش في المساجد، من داخل المساجد هذا يكره؛ لما في ذلك من التشويش وإشغال المصلي.

    1.   

    الأولى في مسائل الخصومة في الطلاق الرجوع إلى المحكمة الشرعية

    السؤال: ننتقل إلى رسالة وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات المستمعات من جمهورية مصر العربية تقول: (ن. م. ع) أختنا بدأت رسالتها بقولها: بسم الله الرحمن الرحيم. إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، بعد تقديم وافر الشكر والاحترام لسيادتكم بالتفضل والإجابة على سؤالي هذا: أنا شابة في العشرين من عمري متزوجة منذ عامين، رزقت خلالهما بطفلة، ومنذ حوالي ثمانية أشهر حدث خلاف بيني وبين زوجي تبادلنا فيه الأخطاء، وقام زوجي بطردي من المنزل، وبالتالي ذهبت أنا إلى بيت أبي وهو كذلك، وفي أثناء تواجده عند أهله، قام بقول هذه العبارة: أشهد الله بأنها طالق بعد النفاس، فهل يقع هذا الطلاق؟ مع العلم بأنني كنت نفساء في هذه الفترة، وإن كان يقع، فإن زوجي يرفض تطليقي عند المأذون -أي: الطلاق القانوني- إلا بعد أن أبريه من كافة مستحقاتي: مؤخر الصداق ونفقة المتعة وغير ذلك، وكذلك إعطاؤه ألفين جنيه على سبيل التعويض، وإلا فسوف يتركني هكذا معلقة، مع العلم بأنه لا ينفق علي أو على ابنته خلال هذه الشهور؛ أرجو من سيادتكم إبداء النصح والإرشاد لي ولزوجي فيما فيه الخير، جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: أيتها الأخت في الله! هذه مسألة خصومة ونزاع بينك وبين زوجك، والواجب أن تحل من طريق القاضي في المحكمة، فعليك أن ترفعي الأمر إلى الحاكم، والحاكم ينظر في الأمر، فيحضرك وزوجك ووليك، ثم ينظر في الأمر ويحكم بينكما بما يقتضيه الشرع المطهر، وإن تيسر الصلح بينكما على وجه لا يخالف الشرع؛ فلا مانع من ذلك، ولكن النظر في الطلاق ووقوعه وعدم وقوعه يكون للقاضي الشرعي، للعالم الذي ينظر في قضيتكم، وفيما يراه الحاكم الشرعي أو العالم البصير بدين الله فيه الكفاية إن شاء الله، فأنصح أن تحضري معه عند أحد العلماء المعروفين بالعلم والفضل والبصيرة في أمر الشرع، حتى ينظر في أمركما، وينصحكما، ويصلح بينكما، أو عند الحاكم الشرعي وهو ينظر في الأمر، نسأل الله لك وله التوفيق.

    1.   

    حكم من طلق زوجته ثلاثاً إثر مشادة بينهما

    السؤال: رسالة أخرى وصلت إلى البرنامج من إحدى الأخوات المستمعات، بعثت تقول: أشكركم سماحة الشيخ على اهتمامكم بأمور الناس وحل مشاكلهم، وجزاكم الله عنا كل خير: أنا من المستمعات للبرنامج ومن أشد محبيه، ثم تقول: أنا امرأة متزوجة، ولدي طفلان وحامل بالطفل الثالث، وفي الشهر الثامن من الحمل تخاصمنا في يوم؛ فحصل بيننا بعض المشادة؛ ذلك أن الرجل ضربها بكف كما تقول، وكان بيدي كوب من الشاي فرميته به، وتلفظت بكلام غير لائق من شدة الغضب، فخرج من الغرفة وذهبت وراءه، فدخل إلى غرفة أخرى وأقفل الباب عليه، وأنا أحاول فتح الباب عليه للمشاجرة، فلم أستطع ذلك، فقلت له كلاماً غير مستحب، فلما قلت ذلك خرج وقال لي: أنا لم أتصرف معك تصرفاتك، فأنت طالق، طالق بالثلاثة، وبعد ذلك قال لي: أنا لم أطلقك، ومر على ذلك سنتان، وكنت معه وأنجبت الطفل الرابع، ولما ذهب إلى أحد العلماء ليسأله عن الحكم، قال: لا تعتبر طالقاً، ولكن ذهبت طلقة واحدة، علماً أنني أقيم في المملكة مع زوجي، وأهلي بعيدين عني؛ فلا أستطيع ترك البيت، أرجو من سماحتكم التوجيه والإرشاد حول ما ذكرت جزاكم الله خيراً؟

    الشيخ: أين محلها؟

    المقدم: أختنا لم تحدد البلد الذي أرسلت..

    الجواب: الواجب عليك أيتها الأخت في الله السائلة: أن تحضري مع زوجك لدى الحاكم الشرعي في البلد التي أنت فيها، فإما أن يفتيكما، وإما أن يكتب لي في الموضوع وأنا أنظر في ذلك إن شاء الله، عليك أن تحضري مع الزوج، ومع وليك عند الحاكم في البلد التي أنت فيها، وهو إن شاء الله ينظر في الموضوع، ويفتيكم في الواقع بما يرشده الله إليه، وإن رأى فضيلة القاضي الذي تحضرون عنده إرسال ذلك إلي بعدما يكتب كلامك وكلام زوجك وكلام وليك؛ نظرت في الموضوع إن شاء الله وأجبته، وفق الله الجميع. نعم.

    المقدم: وإن كانت الأخت من داخل المملكة سماحة الشيخ، هل تفضلون حضورها إليكم؟

    الشيخ: هي تقول في المملكة، هي تقول في المملكة.

    المقدم: نعم.

    الشيخ: عند القاضي أسهل عليهم.

    المقدم: عند القاضي أسهل.

    الشيخ: أسهل عليهم، فإما أن يفتيهم وإما أن يرسل المسألة إلي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً..)

    السؤال: رسالة وصلت إلى البرنامج من جيزان وباعثها أخونا عبد الغني محمد عبد السلام ، أخونا عرضنا بعض أسئلته في حلقة مضت، وفي هذه الحلقة يسأل عن تفسير قوله تعالى في سورة النور -بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم-: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:60]، أرجو من سماحة الشيخ أن يتكرم بتفسير هذه الآية الكريمة؟

    الجواب: هذه الآية الكريمة يراد منها: العجائز اللاتي قد انتهت رغبتهن في النكاح؛ فلا بأس أن يضعن ثيابهن، ولا يتحجبن تحجب الشابات إذا كن بهذه الصفة، كما قال الله عز وجل: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ [النور:60]، فهما شرطان: كونها من القواعد، وكونها غير متبرجة بالزينة التي تدعو الرجال إلى الميل إليها والرغبة فيها، ثم بين سبحانه وتعالى أن استعفافهن -وإن كن قواعد- خير لهن وأبعد من الفتنة، وهذا يبين لنا أموراً، منها: أن الشابة ليس لها أن تضع ثوبها، بل عليها أن تستتر وأن تحتجب كما قال الله عز وجل: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب:53]، تكون ساترة لبدنها وشعرها ووجهها وأطرافها، وهكذا قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب:59]، والجلباب: ما يطرح على المرأة من فوق رأسها تستر به بدنها، علاوة على القميص الذي عليها، وهكذا قوله جل وعلا: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31].. الآية، فعليها أن تستر زينتها، ولا تبدي زينتها إلا للمحارم -كما بينه الله عز وجل- والوجه من أعظم الزينة، والشعر من أعظم الزينة، تستر بدنها، وتستر شعرها ووجهها وأطرافها، إلا عن محرمها وهو أخوها وعمها ونحوهما.

    أما العجوز التي لا تريد النكاح ولا تبرج بزينة؛ فلا حرج أن تطرح الثوب والجلباب الذي عليها، فيبدو وجهها مثلاً، يبدو أطرافها أطراف يديها؛ فلا بأس بذلك، وقال بعض أهل العلم: حتى الشعر الذي هو شعر الرأس إذا كانت لا تشتهى وليست بمتزينة ولا تريد النكاح، ولكن مثلما قال الله عز وجل -استعفافها خير لها- ولو كانت كبيرة السن، ولو كانت غير متزينة ولا متبرجة، ولو كانت لا تريد النكاح؛ فإن كل ساقطة لها لاقطة، فينبغي للعجوز التعفف، ولو كانت كبيرة السن، ولو كانت غير متبرجة، ولو كانت لا تريد النكاح، كما ربنا عز وجل: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور:60]، لكن لو كشفت وجهها، أو طرحت عنها الجلباب الذي عليها وهي غير متبرجة، وغير تريد النكاح، وليس فيها فتنة، بل كبر السن ظاهر عليها؛ بحيث لا يميل إليها الرجال، جاز لها أن تفعل ذلك، بأن تكون مكشوفة الوجه، ليس عليها الجلباب الذي يفعله الشابات، ولكن كونها تفعل الجلباب، وكونها تستر وجهها وتستر نفسها، هذا خير لها وأكبر، وأعظم في حقها، وأبعد عن الفتنة.

    1.   

    تقييم كتاب رياض السامعين وبستان الواعظين

    السؤال: يسأل أخونا أيضاً ويقول: هل كتاب رياض السامعين وبستان الواعظين صحيح، ذلكم أني رأيت فيه كثيراً من الترهيب الشديد؟

    الجواب: لست أعرف الكتاب المذكور، ليس عندي علم بالكتاب المذكور، ولكن يغني عنه رياض الصالحين؛ فإنه كتاب جليل، كتاب طيب، وأغلبه صحيح، فالاستفادة من رياض الصالحين أولى؛ لأنه كتاب معروف عند أهل العلم، وهو كتاب مفيد، فينبغي الاعتياض عن هذا برياض الصالحين، أما هذا الكتاب فلا أعرفه، فإذا تفضل السائل بإرسال هذا الكتاب، وإلا سوف نسأل عنه إن شاء الله، وبعد ذلك نتكلم عنه إن شاء الله في حلقة تأتي إن شاء الله، وسنعمد إن شاء الله من يلتمسه؛ حتى نتكلم عنه بما يقتضيه الحال. نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيراً.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل -بعد شكر الله سبحانه وتعالى- على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لكم مستمعي الكرام، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.