إسلام ويب

تفسير سورة الفتح (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد دخول الحرم لأداء العمرة، وقد ساق الهدي وأتى مسالماً لا يريد قتالاً، لكن أهل مكة منعوه من ذلك استكباراً وعناداً، فبين الله عز وجل أن امتناعه عن إنزال العذاب بهم جراء هذا الفعل إنما هو بسبب وجود المؤمنين المستضعفين الذين يقيمون بين ظهرانيهم، ويبشر عباده المؤمنين سبحانه أن بنود الصلح هي في صالح المؤمنين وإن كانت في ظاهرها في صالح المشركين الذين حملتهم حميتهم الجاهلية على التشدد في شروطهم، فجعل الله ثمرة هذه الشروط لصالح المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة الفتح المدنية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات منها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الفتح:25-26].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] ما زال السياق الكريم في أحداث الحديبية، وما تم فيها وما حدث، فقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح:25] يندد بالمشركين ويعيبهم، ويفضحهم لقبح سلوكهم وما فعلوه.

    هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح:25] والكفر معرة وذنب وإثم، ولا أسوأ من هذا الوصف: أنهم كفروا بالله خالقهم، كفروا برسول الله المرسل إليهم، كفروا بكتاب الله المنزل عليهم، نعم كفروا.

    وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع ألف وأربعمائة رجل من المؤمنين من المدينة يريد العمرة، وذلك في السنة السادسة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وما أرادوا سوى أن يعتمروا فقط، فلما وصلوا قريباً من مكة في مكان يسمى الحديبية نزلوا به، وراسلوا المشركين ليفسحوا المجال لهم ليطوفوا بالبيت ويعودوا إلى المدينة، ولكن المشركين رفضوا، قالوا: واللات والعزى لا نسمح له أن يدخل بلادنا وقد قتل أبناءنا.

    فقال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] أي: عن العمرة في المسجد الحرام بمكة، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا [الفتح:25] إذ خرج المؤمنون بهديهم معهم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعون بعيراً، عكفوها فكانت معكوفة مربوطة قبل أن تدخل مكة، لماذا؟ لأنهم جاءوا بها لينحروها في مكة في الحرم، هدي أهدوه لربهم.

    وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح:25] أي: المكان الذي يحل فيه نحره وذبحه والانتفاع به، ألا وهو داخل مكة والحرم، لا في الحديبية خارج الحرم.

    معنى قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم)

    ثم قال تعالى: وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ [الفتح:25] أي: لكان يقع ما يقع، فما معنى هذا؟

    لولا أولئك المؤمنون والمؤمنات في مكة الذين يجحدون إسلامهم وما يظهرونه، يخافون أن يضربوهم ويقتلوهم، فكان في مكة في تلك الساعة مؤمنون ومؤمنات، فالله عز وجل قدر وحكم ألا يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ليقاتلوا أهل مكة؛ إذ لو دخلوا وأذن لهم لقتلوا المؤمن والكافر، فاسمع ماذا يقول تعالى: وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ [الفتح:25] قطعاً، ولو كان نساء المؤمنين والرجال منهم في جهة والكفار في جهة فنعم لأذن الله لهم في قتال المشركين ودخول مكة، لكنهم مختلطون ما يفرق بين هذا وهذا، فلو أذن الله لهم ودخلوا لكانوا يقتلون المؤمنين والمؤمنات فتلزمهم ديات، ويلزمهم الصيام، فما يسرون ولا يفرحون بذلك، فدبر الله تعالى لهم هذا التدبير فمنعوا من دخول مكة في هذه السنة.

    قال تعالى: وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ [الفتح:25] أي: في مكة، لَمْ تَعْلَمُوهُمْ [الفتح:25] ولم تفرقوا بينهم وبين غيرهم، أَنْ تَطَئُوهُمْ [الفتح:25] بقتلكم إياهم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ [الفتح:25] والمعرة: العار والشنار، وتندمون وتبكون، تقتلون إخوانكم وأخواتكم بغير علم قطعاً، وحاشاهم أن يقتلوا إخوانهم وهم يعلمون أن هذا مؤمن ويقتلونه، أو أن هذه مؤمنة ويقتلونها، أبداً ما كان هذا، لكن يقع القتل بدون علم، هذا في الواقع حيث اختلاط المؤمنين بالكافرين، ولو تميزوا وانفصلوا فنعم، لكن ما هم بمتميزين ولا منفصلين، بل مختلطون، فمن رحمة الله بأولئك المؤمنين وهؤلاء المؤمنين أيضاً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يأذن لهم بقتالهم، والدخول إلى مكة للحرب.

    معنى قوله تعالى: (ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)

    ثم قال تعالى: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [الفتح:25] هذه لطيفة: منعكم من دخول مكة للقتال وقتال المشركين؛ لأن الله يعلم أن هناك من سيؤمن ويدخل في الإسلام، وكم دخل في الإسلام من الناس بعد حادثة الحديبية! لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ [الفتح:25] أي: في الإسلام والإيمان مَنْ يَشَاءُ [الفتح:25]، وبالفعل آمن كثيرون من النساء والرجال لما سمعوا حادث الحديبية وما تم فيه.

    ثم قال تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:25] لو تزيلوا فانفصلوا وتميزوا لسلطناك يا رسولنا والمؤمنين على أولئك المشركين وقتلتموهم، لكن ما تزيلوا وما انفصلوا، فهم مختلطون في مكة، هذا تعليل رباني: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:25] وأنجينا المؤمنين وأبعدناهم من ظلم الظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ...)

    ثم قال تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [الفتح:26] لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم من بعث، وكان آخر من بعث عثمان رضي الله عنه، حينها جاء وفد المشركين على رأسه سهيل بن عمرو في مجموعة، جاءوا للتفاوض في شأن المصالحة، فكان من مواد الصلح: أن المسلم إذا كان في مكة وأراد أن يخرج لا يسمح له أن يلتحق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأن المرتد إذا خرج من المدينة وجاء إلى مكة لا يجب عليهم أن يردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذه الشروط القاسية، فهذه واحدة من حمية الجاهلية.

    الثانية: لما أخذ يكتب الصلح قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وعلي هو الكاتب، فقال سهيل بن عمرو : ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب فقط: باسمك اللهم، أما الرحمن الرحيم فما عرفناه، اكتب: باسمك اللهم.

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو : لا، لو آمنا بأنك رسول الله ما حاربناك، لا تكتب (رسول الله)، اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله! فهذه من حمية الجاهلية أيضاً.

    هنا كادت قلوب المؤمنين تتمزق، ولا يطيق هذا إلا من أطاقه الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: يا علي ! اكتب. والمؤمنين -والله- كادوا يتفجرون، لكن الله عز وجل أنزل السكينة في قلوبهم وسكنوا ورضوا بما رضيه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فأنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، فرضوا بتلك العهود التي لا يحبها مؤمن.

    معنى قوله تعالى: (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)

    إذاً: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ [الفتح:26] على من؟ عَلَى رَسُولِهِ [الفتح:26] لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تألم قبلهم، كيف يقول للكاتب اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، ويقول: لا، ما نعرف الرسول ولا نعرف أبداً إلا محمد بن عبد الله، قد يبكي الإنسان بكاء، فـعمر كاد يتفجر.

    وقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب: باسمك اللهم، فالرسول تألم أكثر منهم، وتألموا، والكل تألم بهذا، فلرحمة الله بهم أنزل سكينته على قلوبهم، فهدءوا، فسكنوا، فاطمئنوا ورضوا بما رضي الله لهم.

    هكذا يقول تعالى وقوله الحق: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [الفتح:26] والعياذ بالله، الأنفة والتطاول، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [الفتح:26] فهدءوا فقبلوا الاتفاقية على أن يعودوا من العام المقبل ليعتمروا، وتفتح لهم مكة ثلاثة أيام، على شرط ألا يأتوا بسلاح معهم إلا سلاح الراكب، هذا تم في المعاهدة، وعلى أن تدوم المعاهدة عشر سنين، ولكن الله سلم، فما هي إلا السنة الثامنة ويفتح الله مكة، فهذا أول فتح فتحه الله تعالى.

    معنى قوله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً)

    قال تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى [الفتح:26]، ألزمهم، أمرهم بها: الزموها، لا تفارقوها، لا تتركوها، عيشوا عليها وموتوا عليها، وهي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه هي كلمة التقوى، من قالها اتقى العذاب والقتل والنار يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله اتقى بهذه الكلمة أن يقتل؛ إذا كان هناك المسلمون يجاهدون، واتقى بذلك عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، هذه هي كلمة التقوى: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذه كلها كلمة التقوى، نتقي بها العذاب والبلاء والشقاء في الدنيا، ونتقي بها العذاب في الآخرة.

    وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26] هذه شهادة الله لرسوله وأصحابه، وكانوا أحق بها من أي إنسان آخر، أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26] متأهلون لهذه الكلمة، ولهذا أرادوا أن يدخلوا مكة ويقاتلوا المشركين ويقتلوهم، ولكن الله صبرهم وحملهم على الثبات بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا يقول تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الفتح:26] ما من شيء إلا والله يعلمه قبل أن يوجد لا بعد أن يوجد، فلذا من لطفه ورحمته بأوليائه أن أنزل السكينة على قلوبهم وصبروا وما قاتلوا ولا قتلوا، وما هي إلا السنة الثانية واعتمروا في ذي القعدة والحمد لله، وفي التي بعدها دخلوا مكة فاتحين لها، وهو أول الفتوحات بعد خيبر.

    أهمية كلمة التوحيد في حياة المسلم وذكر بعض الأوراد المتعلقة بها

    هكذا يقول تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، فهل نحن منهم أو لا؟ والله! إننا لمن أهل كلمة التقوى، نعيش ونموت على لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو نعطى الدنيا بما فيها على أن نتنازل عن هذه الكلمة فوالله! ما تنازلنا، والله! لو نقتل، لو نصلب، لو نحرق على أن نتخلى عنها ما تخلينا، هذه كلمة التقوى بها تتقى النار وجهنم والعياذ بالله تعالى، بها يتقى الظلم والشر والفساد، فاللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله.

    ولا تنسوا الأوراد التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بها ويأمر أمته بها، من بينها ذاك الورد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذا الورد لا بد منه، لا يتخلى عنه مؤمن ولا مؤمنة في اليوم مع صلاة الصبح أو قبلها أو بعدها أو في الضحى، يقول مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأجره ومثوبته كأنما أعتق عشر رقاب، ويكتب الله له مائة حسنة ويمحو عنه مائة سيئة، ولم يأت أحد بمثل ما أتى به من الحسنات في ذلك اليوم إلا من قال مثل ذلك وزاد عليه، فلهذا زيدوا على المائة عشراً وعشرين لتكونوا من أهل هذا الكمال.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان حكم المحصر، وهو من منع من دخول المسجد الحرام وهو محرم بحج أو بعمرة؛ فإنه يتحلل بذبح هدي ويعود إلى بلاده، ويذبح الهدي حيث أحصر، وليس واجباً إدخاله إلى الحرم ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: بيان حكم المحصر، وهو من يخرج محرماً إلى مكة، وأثناء مسيره في طريقه يتعطل فيتوقف حيث يمنعه مانع، فهذا المحصر ماذا يصنع؟ يأتسي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية، أما خرجوا بالإبل أو لا؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان معه سبعون بعيراً، وعكفوها وربطوها عندهم وهم محرمون، فلما منعوا من دخول مكة واتفقوا على أن يعودوا إلى المدينة ماذا فعلوا؟ نحروا هديهم وحلقوا رءوسهم وتحللوا ولبسوا لباسهم، وعادوا إلى المدينة، فهذا الحكم عام، فأيما مؤمن يلبي ويخرج ويتجاوز الميقات محرماً، ثم يحدث له حادث يمنعه من الدخول إلى مكة فماذا يصنع؟ يتحلل وعليه هدي يذبحه، سواء في مكة أو في غيرها، ليس بشرط أن يكون في مكة، ويتحلل أخذاً بهذا الحكم في هذه الآيات.

    قال: [ بيان حكم المحصر، وهو من منع من دخول المسجد الحرام وهو محرم بحج أو بعمرة ]، والمراد من المسجد الحرام مكة بكاملها، [ فإنه يتحلل بذبح هدي ويعود إلى بلاده، ويذبح الهدي حيث أحصر، وليس واجباً إدخاله إلى الحرم ]، فلو أمكن إدخاله أدخله لأهل مكة، ولكن إذا ما أمكنه فلا شيء عليه، يذبحه حيث أمكن.

    فإن كان محرماً وليس معه هدي وأحصر وجب عليه هدي يذبحه مكانه، فإن عجز وما استطاع فإنه يصوم عشرة أيام.

    [ ثانياً: الأخذ بالحيطة في معاملة المسلمين حتى لا يؤذى مؤمن أو مؤمنة بغير علم ].

    هذه لطيفة سياسية علمية: الحيطة والاحتياط للحفاظ على المسلمين، قال مالك رحمه الله: سفينة فيها مؤمنون وكافرون، فهل يجوز لنا أن نضرب السفينة التي فيها الكافرون ومعهم مؤمنون؟ لا يجوز، نحتاط لهم.

    أو حصن كبير عظيم فيه جيش من الكافرين وفيه مسلمون، فهل نضربه وندمره بما فيه من المؤمنين؟ الجواب: لا، هكذا يقول مالك مستدلاً بهذه الآية؛ لأن الله عز وجل لم يسمح للرسول والمؤمنين أن يغزوا مكة، من أجل ماذا؟ لوجود مسلمين ومسلمات فيها، خشية أن يؤذوا ويقتلوا.

    فلو كان هناك مسلمون في سفينة مع كافرين والكافرون حرب علينا ونحن أعداؤهم نريد قتلهم فلا نضربهم، نتربص حتى يخرجوا وينجوا، وكذلك إذا كانوا في حصن من الحصون.

    ومع هذا إذا كان العدد قليلاً وكان هناك ضرورة في هدم هذا الحصن وإلا فسينتصر علينا الكافرون فقد يجوز، نتوكل على الله ونفوض أمرنا إليه ونضرب هذا الحصن؛ لأنه إذا ترك للمشركين هزمونا وانتصروا علينا، فلا بد من ضربه.

    [ ثالثاً: بيان أن كلمة التقوى هي لا إله إلا الله ].

    فإذا قيل لك: عليك بكلمة التقوى، أتعرف ما هي كلمة التقوى؟ هي لا إله إلا لله، تتقي بها عذاب الله في الدنيا والآخرة، في الدنيا لا يقتلك المسلمون لأنك مسلم، وفي الآخرة لا تدخل النار لأنك مؤمن، هي كلمة التقوى.

    والتقوى هي اتخاذ وقاية تقينا من عذاب الله، هذه الوقاية التي تقينا من عذاب الله بعد الإيمان هي طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل الأوامر وترك النواهي، بفعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله، بهذا تتم التقوى، والله يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، وكأن سائلاً يقول: من هم أولياؤك يا رب؟ فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] يتقون عذاب الله، سخط الله، بم يتقونه؟ هل بالحصون، بالجيوش، بالأموال؟ بطاعة الله وطاعة رسوله، بفعل أوامر الله ورسوله، وترك نواهيهما.

    [ رابعاً: الإشارة إلى ما أصاب المسلمين من ألم نفسي من جراء الشروط القاسية التي اشترطها ممثل قريش ووثيقة الصلح، وهذا نص الوثيقة وما تحمله من شروط لم يقدر عليها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما آتاه الله من العلم والحكمة والحلم والصبر والوقار، ولما أنزل الله ذلك على المؤمنين من السكينة فحملوها وارتاحت نفوسهم لها ].

    نص وثيقة صلح الحديبية

    قال: [ نص الوثيقة:

    ورد أن قريشاً لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية بعثت إليه ثلاثة رجال هم: سهيل بن عمرو القرشي ، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ، على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك ]، أي: أن يرجع من عامه هذا ويأتي في العام الآتي [ على أن يخلي له قريش مكة من العام المقبل ثلاثة أيام، فقبل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي بن أبي طالب : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: ما نعرف هذا، اكتب: باسمك اللهم ]، فهذا الذي آلم رسول الله والمؤمنين.

    [ فكتب، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة. فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب ما يريدون. فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم، فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وحلموا، وتم الصلح على ثلاثة أشياء هي:

    أولاً: أن من أتاهم من المشركين مسلماً ردوه إليهم.

    ثانياً: أن من أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم.

    ثالثاً: أن يدخل الرسول والمؤمنون مكة من عام قابل ويقيمون بها ثلاثة أيام لا غير، ولا يدخلها بسلاح.

    فلما فرع من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( قوموا فانحروا ثم احلقوا )].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3001860859

    عدد مرات الحفظ

    718440726