اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الفتح (6) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الفتح (6) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد دخول الحرم لأداء العمرة، وقد ساق الهدي وأتى مسالماً لا يريد قتالاً، لكن أهل مكة منعوه من ذلك استكباراً وعناداً، فبين الله عز وجل أن امتناعه عن إنزال العذاب بهم جراء هذا الفعل إنما هو بسبب وجود المؤمنين المستضعفين الذين يقيمون بين ظهرانيهم، ويبشر عباده المؤمنين سبحانه أن بنود الصلح هي في صالح المؤمنين وإن كانت في ظاهرها في صالح المشركين الذين حملتهم حميتهم الجاهلية على التشدد في شروطهم، فجعل الله ثمرة هذه الشروط لصالح المؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.وها نحن مع سورة الفتح المدنية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات منها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الفتح:25-26].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] ما زال السياق الكريم في أحداث الحديبية، وما تم فيها وما حدث، فقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح:25] يندد بالمشركين ويعيبهم، ويفضحهم لقبح سلوكهم وما فعلوه. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الفتح:25] والكفر معرة وذنب وإثم، ولا أسوأ من هذا الوصف: أنهم كفروا بالله خالقهم، كفروا برسول الله المرسل إليهم، كفروا بكتاب الله المنزل عليهم، نعم كفروا. وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] إذ خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع ألف وأربعمائة رجل من المؤمنين من المدينة يريد العمرة، وذلك في السنة السادسة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وما أرادوا سوى أن يعتمروا فقط، فلما وصلوا قريباً من مكة في مكان يسمى الحديبية نزلوا به، وراسلوا المشركين ليفسحوا المجال لهم ليطوفوا بالبيت ويعودوا إلى المدينة، ولكن المشركين رفضوا، قالوا: واللات والعزى لا نسمح له أن يدخل بلادنا وقد قتل أبناءنا.فقال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح:25] أي: عن العمرة في المسجد الحرام بمكة، وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا [الفتح:25] إذ خرج المؤمنون بهديهم معهم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعون بعيراً، عكفوها فكانت معكوفة مربوطة قبل أن تدخل مكة، لماذا؟ لأنهم جاءوا بها لينحروها في مكة في الحرم، هدي أهدوه لربهم. وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح:25] أي: المكان الذي يحل فيه نحره وذبحه والانتفاع به، ألا وهو داخل مكة والحرم، لا في الحديبية خارج الحرم.
 معنى قوله تعالى: (ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)
ثم قال تعالى: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ [الفتح:25] هذه لطيفة: منعكم من دخول مكة للقتال وقتال المشركين؛ لأن الله يعلم أن هناك من سيؤمن ويدخل في الإسلام، وكم دخل في الإسلام من الناس بعد حادثة الحديبية! لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ [الفتح:25] أي: في الإسلام والإيمان مَنْ يَشَاءُ [الفتح:25]، وبالفعل آمن كثيرون من النساء والرجال لما سمعوا حادث الحديبية وما تم فيه.ثم قال تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:25] لو تزيلوا فانفصلوا وتميزوا لسلطناك يا رسولنا والمؤمنين على أولئك المشركين وقتلتموهم، لكن ما تزيلوا وما انفصلوا، فهم مختلطون في مكة، هذا تعليل رباني: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح:25] وأنجينا المؤمنين وأبعدناهم من ظلم الظالمين.
تفسير قوله تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ...)
ثم قال تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [الفتح:26] لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم من بعث، وكان آخر من بعث عثمان رضي الله عنه، حينها جاء وفد المشركين على رأسه سهيل بن عمرو في مجموعة، جاءوا للتفاوض في شأن المصالحة، فكان من مواد الصلح: أن المسلم إذا كان في مكة وأراد أن يخرج لا يسمح له أن يلتحق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأن المرتد إذا خرج من المدينة وجاء إلى مكة لا يجب عليهم أن يردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذه الشروط القاسية، فهذه واحدة من حمية الجاهلية.الثانية: لما أخذ يكتب الصلح قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وعلي هو الكاتب، فقال سهيل بن عمرو : ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب فقط: باسمك اللهم، أما الرحمن الرحيم فما عرفناه، اكتب: باسمك اللهم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو : لا، لو آمنا بأنك رسول الله ما حاربناك، لا تكتب (رسول الله)، اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله! فهذه من حمية الجاهلية أيضاً.هنا كادت قلوب المؤمنين تتمزق، ولا يطيق هذا إلا من أطاقه الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: يا علي ! اكتب. والمؤمنين -والله- كادوا يتفجرون، لكن الله عز وجل أنزل السكينة في قلوبهم وسكنوا ورضوا بما رضيه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فأنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين، فرضوا بتلك العهود التي لا يحبها مؤمن.
 أهمية كلمة التوحيد في حياة المسلم وذكر بعض الأوراد المتعلقة بها
هكذا يقول تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، فهل نحن منهم أو لا؟ والله! إننا لمن أهل كلمة التقوى، نعيش ونموت على لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو نعطى الدنيا بما فيها على أن نتنازل عن هذه الكلمة فوالله! ما تنازلنا، والله! لو نقتل، لو نصلب، لو نحرق على أن نتخلى عنها ما تخلينا، هذه كلمة التقوى بها تتقى النار وجهنم والعياذ بالله تعالى، بها يتقى الظلم والشر والفساد، فاللهم اجعلنا من أهل لا إله إلا الله.ولا تنسوا الأوراد التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بها ويأمر أمته بها، من بينها ذاك الورد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذا الورد لا بد منه، لا يتخلى عنه مؤمن ولا مؤمنة في اليوم مع صلاة الصبح أو قبلها أو بعدها أو في الضحى، يقول مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأجره ومثوبته كأنما أعتق عشر رقاب، ويكتب الله له مائة حسنة ويمحو عنه مائة سيئة، ولم يأت أحد بمثل ما أتى به من الحسنات في ذلك اليوم إلا من قال مثل ذلك وزاد عليه، فلهذا زيدوا على المائة عشراً وعشرين لتكونوا من أهل هذا الكمال.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 نص وثيقة صلح الحديبية
قال: [ نص الوثيقة: ورد أن قريشاً لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية بعثت إليه ثلاثة رجال هم: سهيل بن عمرو القرشي ، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ، على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك ]، أي: أن يرجع من عامه هذا ويأتي في العام الآتي [ على أن يخلي له قريش مكة من العام المقبل ثلاثة أيام، فقبل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي بن أبي طالب : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: ما نعرف هذا، اكتب: باسمك اللهم ]، فهذا الذي آلم رسول الله والمؤمنين.[ فكتب، ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة. فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتب ما يريدون. فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم، فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وحلموا، وتم الصلح على ثلاثة أشياء هي:أولاً: أن من أتاهم من المشركين مسلماً ردوه إليهم.ثانياً: أن من أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم.ثالثاً: أن يدخل الرسول والمؤمنون مكة من عام قابل ويقيمون بها ثلاثة أيام لا غير، ولا يدخلها بسلاح. فلما فرع من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( قوموا فانحروا ثم احلقوا )].وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الفتح (6) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net