إسلام ويب

ما حقيقة كخيالللشيخ : علي عبد الخالق القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه المحاضرة سفر حافل يتحدث عن واقع المسلمين في الالتزام بدينهم، وقد بين فيها الشيخ مكمن الداء، ونقطة الضعف، ومنبع الخطر، وبين العلاج لذلك بأسلوب أدبي أخاذ.. فعليك بمطالعتها إن كنت ممن يهمه أمر المسلمين.

    1.   

    الهداية الحقة

    اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض، فكل الحمد لك، اللهم لك الشكر لنعمٍ لا نحصيها، فكل الشكر لك، اللهم لك التذلل والخضوع، فلا معبود غيرك، نسألك الأمن من هول يومٍ يستوي فيه القوي والضعيف، والشريف والوضيع، فالناس فيه سكرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حقٍ وصدقٍ أتولى بها الله ورسوله والذين آمنوا تترى، وأتبرأ بها براءةً كاملةً من كل طاغوتٍ وندٍ معبودٍ ظلماً وزوراً؛ من دون الله الولي الأعلى، شهادةً صادرةً عن يقين صادقٍ واعتقادٍ صحيح؛ لا شكوك فيها ولا أوهام والله المولى، نسأله الثبات عليها، والعمل بمقتضاها حتى يأتي اليقين وهو أرحم الراحمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، خصه الله بجوامع الكلم، وأنزل عليه القرآن المبين.

    صلى عليه ربنا وسلما     والآل والصحب الكرام الفضلا

    الأنجم الزهر الهداة النزلا     والتابعون السادة الغرُّ الألى

    قد نقلوا الدين لنا مكملا     أزكى صلاةٍ وسلامٍ مثقلا

    تدوم ما اسود الظلام وانجلا

    أما بعد:

    فيا إخوتي في الله! حياكم الله -والتحايا مفاتيح القلوب- تحيةً طيبةً لطالما ثملت في الصدر ثمول النار في الحجر، ثم وافتكم الليلة كعبير السحر، تتنفس في لقائكم شذى الريحان والورد والمسك والعنبر، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تحية الإسلام تبعثها الروح إلى الروح، من كبدٍ مقروح، لامطففة ولا جموح، فللأمور دلائل، وللحقائق مخايل، وبين النفوس تعارف وتآلف، وما يخفى المريب والأمين، ولا يشتبه الصحيح الصريح بالمتهم الضنين، القلوب عرفاء، والأوجه شهداء، والأبصار أدلاء.. فلا خفاء.

    أحياكم الله وحياكم، وأبقاكم للأمة ذخراً، تصلون أسبابها، وتعيدون لها نضرتها وشبابها، وللإسلام ترفعون أعلامه، وتدفعون ظلامه، وتؤدون فرضه، وتردون قرضه، وتصونون عرضه، وتصعدون سماءه، فتحفظون أرضه برحمة الله ومنه.

    وهبنا الله التوفيق، وهدانا إلى سواء الطريق.

    لابد من التطبيق لنلحق بالسلف في الركب

    أحبتي في الله! إن مقارنةً يجريها المنصف بين أمتنا في سابق عهدها وهي مطويةٌ في بطون الأرض والكتب، وبين هذه الأمة التي تجوب في حاضرها اليوم على وجه الأرض؛ يجد الفرق شاسعاً، والبون عظيماً، وأوجه الشبه تكاد تكون مفقودةً مع وجود الاشتراك في النسب والاسم، ولو التمسنا السبب بحق لوجدناه قريباً منا، والله ما هو إلا هدى القرآن، أقامه الأولون، وجمعوا عليه قلوبهم، وعلى أخلاقه روضوا أنفسهم، رباهم، وأدبهم، وزكاهم، وصفى قرائحهم، وجلى مواهبهم، وصقل ملكاتهم، وأرهف عزائمهم، وهذب أفكارهم، ومكن للخير في نفوسهم.

    حفز أيديهم للعمل النافع وأرجلهم للسعي الصالح، ثم ساقهم على ما في الأرض من باطل فطهروها منه تطهيراً، وعمروها بالصلاح تعميراً، واتخذت الأمة الآن إلا من رحم الله القرآن مهجوراً، تقيم حروفه وتهمل حدوده، فحقت عليها كلمة الله في أمثالها، فإذا السفينة غارقةٌ في أوحالها، وركابها كالغنم تساق إلى الذبح لاهيةً؛ تخطف الكلأ من على حافتي الطريق لا تدري ما يراد بها، فمن لي بمن يرسلها معي كما أرسلها الإبراهيمي وغيره من قبل إلى المهتدين صورةً وحقيقةً ومعنى، إلى المهتدين صورةً ومظهراً وخيالاً، إلى المهتدين بالهوية والوراثة دعوى بلا بينةٍ ليس إلا، إلى المسلمين عموماً شيباً وشباباً، من يرسلها معي صيحةً داويةً مدوية: يا أهل القرآن! لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، يا أهل القرآن! ما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.

    ما سراب كشراب، وما غمض يظهر من خلال المقال.. رزقنا الله وإياكم حسن المآل. إلهي:

    أرجوك حقق ما بالنفس من أمل     وكن معيني على إدراك غاياتي

    اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.

    إن الصفات أيها المسلمون! لا تتحقق إلا بظهور آثارها في الخارج، وبشهادة الواقع؛ فالوعي لابد أن يصحبه رعي، ويعقبه سعي، ليكون على الحقيقة الوعي عين الوعي.

    والهداية على الحقيقة لابد أن يصحبها علمٌ وحزم، ويتبعها عزم، يسوقها إقدامٌ بلا إحجام، يحدوها على الإقدام إلى الأمام.

    ما حقيقةٌ كخيال:

    لا تعظم الأشياء بالأسماء     ولا يقاس النور بالظلماء

    إن السراب البيج غير الماء، لئن كان في الرياح لواقح الأشجار، ففي حقيقة الهداية لقاح الأفئدة والضمائر والأبصار.. ما حقيقةٌ كخيال.

    لئن كان من الريح ما يحرق الورق، ففي الهداية على الحقيقة ما يطفئ الحرق.. ما حقيقةٌ كخيال.

    اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

    من كلام المقبلي عن الهداية الحقة

    يقول اليماني في إيثار الحق ما مضمونه ونقول به: إن طلب الحق والهداية إلى الصراط المستقيم أجلى وأحلى في النفوس الأبية من الشمس في رابعة النهار، ومحورٌ تدور عليه همم الأخيار، وعباب تنصب منه جداول شمائل الأطهار، ومتى علت الهمة في طلب الحق والهدى، حملت صاحبها على مفارقة العوائد وطلب الأوابد، فإن الحق في مثل هذه الأعصار قلًّ ما يعرفه إلا واحد، وإذا عظم المطلوب قلًّ المساعد. البدع والشبه قد فشت، والشهوات انتشرت وطغت، وكثر الداعون إليها والمعاونون عليها..

    فكيف لو رآنا اليوم، وقد صار طالب الحق اليوم من أمره في حيرة؟ ولكن كل مطلوب بإذن الله مدرك، فكم أدرك الحق طالبه في زمن الفترة، وكم عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة، فاعتبر.. فإن الحق ما زال عزيزاً نفيساً كريماً، لا ينال مع الإضراب والإعراض عن طلبه، وعدم التشوف والتشوق إلى سببه، لا يهجم على المبطلين المعرضين، ولا يفاجئ أشباه الأنعام الغافلين، ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطلٌ ولا ضال، ولا جاهلٌ ولا غافلٌ ولا بطال.. ما حقيقةٌ كخيال.

    أيها المسلمون! اطلبوا الهداية على الحقيقة في وحي الله من الله تجدوها، لا تستأثرنكم دونها عادات وتقاليد ومظاهر وأعراف، فتكونوا لقمةً بين فكي أسد وطبقتي رحى، بل لساناً ولا أسنان، وأشباحاً ولا أرواح، وخيالاً ولا حقيقة.

    إن العالم يلهث ويلهث ويتطلع في خضم تيهه وشقائه إلى منقذ، وحاله حال أهل جهنم: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف:50] هل عندنا ماء الهداية الزلال أم أننا نملك السراب والآل؟ أم أننا كالعيس العطاش الهلكى في البيداء وعلى ظهورها الماء في القلال؟ ما حقيقةٌ كخيال.

    شرف الهداية الحقة وفضلها

    إن الهداية إلى الصراط المستقيم، والسير في ركاب الصالحين، والتجافي عن طريق الضالين؛ لهو أعزُّ وأنفس وأغلى ما يملكه المرء، وهو أتم نعمةٍ يمتن بها الله على العبد: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] إنها حصن الله الحصين، من دخله كان من الآمنين، وهي الباب العظيم الذي من ولجه كان إلى الله من الواصلين، نوره يسعى بين يديه وبأيمانه إذا أطفئت أنوار المبتدعة والمنافقين، قال الله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] كلا.

    من تكن همته نسج الحصير     فهو لا يعلم ما نسج الحرير

    من رام الهداية على الحقيقة طلبها وبحث عنها، وحشد همته، وعبأ طاقته، وجرد نفسه من كل شاغل، وعالج عثرات طريقه، ومن علم الله صدقه أعطاه وهداه وآتاه، ومن أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً، وما يذكر إلا أولو الألباب، قال الله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:178] وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً [الإسراء: 97].

    زيد بن عمرو بن نفيل وطلب الهداية

    وفي القدسي: {يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم} يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء.

    سبحانه وسعت آثار رحمته     أهل الأراضي وسكان السماوات

    فمن استهداه هداه، ومن توكل عليه كفاه، يقول ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كما في صحيح البخاري : [[إن زيد بن عمرو بن نفيل -وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه- يقول: إن زيداً هذا خرج إلى الشام يسأل عن الدين -يبحث عن الهداية في وقت فترةٍ من الرسل- من الشام إلى الموصل إلى الجزيرة، فلقي عالماً من علماء اليهود، فسأله عن دينه، فقال: لعلي أن أدين بدينكم، فأخبرني، فقال اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله!

    قال زيد : ما أفرُّ إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، وأنَّى أستطيعه؟! فهل تدلني على غيره؟

    قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال زيد : وما الحنيف؟

    قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله.

    فخرج زيد ، فلقي عالماً من علماء النصارى، فقال مثله: أخبرني عن دينكم لعلي أن أدين به.

    فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله.

    قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنًّى أستطيع؛ فهل تدلني على غيره؟

    قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟

    قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله.

    فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام، خرج وبرز، ورفع يديه لمولاه، وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم]].

    عبد الله! أن يتجه العبد إلى الله وحده دون سواه؛ طلبةٌ عزيزة منيعةٌ تحتاج إلى اصطبار، وطريقٌ يحتاج إلى مجاهدة ليخلص القلب من اتباع الهوى إلى حب مولاه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] تتلوها لذةٌ لا يعرفها إلا من ذاق طعمها وعرف حلاوتها، لكنها تبقى عزيزةً إلا بمشقة، فإذا تجاوزت تلك المشقة، منحتك عطرها، فتنسمت عرفها وريحها وكنت من أهلها، وإلا:

    فما أنت من أرض الحجون ولا الصفا     ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم

    فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم: 65] فكان زيدٌ وقد ذاق حلاوة الهداية يقول فيما روي عنه: لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، ثم يخر لله ساجداً، ويقول: والله لو أعلم أحب الوجوه إليك، لعبدتك به، ثم يخرُّ ساجداً على الأرض، تقول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: [[رأيت زيداً قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم أحدٌ غيري]] وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يئد ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، وحاله:

    فإن أك مشغولاً بشيءٍ فلا أكن     بغير الذي يرضى به الله أشغلُ

    رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدرك بعثته، وكان يتلمس خروجه ليؤمن به ويتبعه، وقد آمن ومات قبل ذلك، وكان يقول رحمه الله فيما يقول:

    وأسلمت وجهي لمن أسلمت     له الأرض تحمل صخراً ثقالا

    دحاها فلما استوت شدها     سواءً وأرسى عليها الجبالا

    وأسلمت وجهي لمن أسلمت     له المزن تحمل عذباً زلالا

    إذا هي سيقت إلى بلدةٍ     أطاعت فصبت عليها سجالا

    وأسلمت وجهي لمن أسلمت     له الريح تصرف حالاً فحالا

    سأل سعيد -ابنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه، فقال صلى الله عليه وسلم -واسمع إلى ما قال- قال: {رحمه الله، لقد مات على دين إبراهيم، ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً، يبعث يوم القيامة أمةً وحده، فيما بيني وبين عيسى عليه السلام}.

    فاهنأ بمنزلك الجميل ونم به     في غبطةٍ وانعم بخير جوارِ

    رضي الله عن الرجل، بل عن الرجال، بل عن الأمة زيد بن عمرو ، استهدى الله فهداه، ودعاه فأجابه سبحانه.

    سبحان من لا يشبه الأناما     وعزَّ رب العرش أن يناما

    وكل خلقه له فقيرُ     وكل أمرٍ شاءه يسيرُ

    يهدي الذي يشاء ذاك فضلُ     ويبتلي البعض وذاك عدلُ

    ولا يرد ما به الله قضى     وكل أمرٍ في الكتاب قد مضى

    1.   

    قصة سلمان الفارسي في طلب الهداية على الحقيقة وما فيها من عبر

    أي أخي! هيهات للسيل -أعني سيل الهداية على الحقيقة- هيهات للسيل إذا أتى أن يقف قبل أن يمد مده ويبلغ حده.

    ومن يسد طريق العارض الهطل؟!

    أرأيت سلمان ابن الإسلام، سابق الفرس، المنارة الشامخة في طلب الهداية، من تشتاق له الجنة، لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله مثله، قال فيه علي رضي الله عنه بسند رجاله ثقات: [[أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحرٌ لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت]] طلب الهداية في مظانها، فوفقه الله ليصحب رسوله صلى الله عليه وسلم، هبت رياح الهداية في بيداء الأكوان، ونجم الخير، وهدأت الريح، فإذا أبو طالب في لجة الهلاك بلا أمان، وسلمان على ساحل السلامة في أمان، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه في تيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم في غير ما كبرٍ ولا تيه، والنجاشي في أرض الحبشة يعج بلبيك اللهم لبيك، وبلال على ظهر الكعبة يصدح بالأذان ليسمع الآذان ويوقظ الجنان، لما قضي في القدم سلامة سلمان ، أقبل يناظر أباه في دينٍ أباه، فلما علاه بالحجة لم يعرف أبوه جواباً إلا القيد، وهذا جوابٌ مرذولٌ يتداوله أهل الباطل من يوم: حَرِّقُوهُ [الإنبياء:68] ويوم لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] فنزل بـسلمان ضيفُ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ [محمد:31]، فنال بإكرامه مرتبة: (سلمان منا).

    سمع أن ركباً على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه وما قطع، ركب راحلة العزم يرجو إدراك السعادة والسيادة، وقف نفسه على خدمة الأدلاء وقوف الأذلاء، ليكون من الأجلاء السعداء.. وكان، فلما أحسَّ الرهبان بانقطاع دولتهم، سلموا إليه أعلام الإعلان على نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إن زمانه قد أظل، فاحذر أن تضل، وإنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين.

    فلو رأيتموه قد فلَّ الفلا والدليل شوقه، وخلى الوطن فلم يزعجه تطلعه وتوقه، ورحل مع رفقةٍ لم يرفقوا به، فشروه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة، ابتاعه يهوديٌ بـالمدينة ، فلما رأى الحرتين، توقد حرُّ شوقه، وما علم المنزل بلهفة النازل:

    أيدري الربع أيُّ دمٍ أراقا     وأيُّ قلوب هذا الركب شاقا

    لنا ولأهله أبداً قلوب     تلاقي في جسوم ما تلاقى

    فبينا هو يكابد ساعات الانتظار، قدم البشير بقدوم البشير النذير والسراج المنير؛ عليه صلوات الحكيم الخبير، وسلمان في رأس نخلة، كاد الفرح أن يلقيه لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص:10] ثم عجل النزول لتلقي ركب السيارة، ولسان حاله يقول:

    خليلي من نجدٍ قفا بي على الربى     فقد هبَّ من تلك الديار نسيمُ

    فصاح به مالكه: ما لك ولهذا؟ انصرف إلى شغلك، فأجاب بلسان حاله:

    كيف انصرافي ولي في داركم شغلُ

    فأخذ مالكه يضربه، فأخذ لسانه يترنم لو سمع الأطروش الأصم:

    خليلي لا والله ما أنا منكما     إذا علمٌ من آل ليلى بدا ليا

    فلما لقي الرسول صلوات الله وسلامه على الرسول، عرض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافق وطابق، فإلى الهداية سيق فسابق، حرر نفسه من هواها، فانتصرت يوم زكاها وحماها، ضعفت الأخلاط، فخفت الأغلاط، وتجدد النشاط، وهدي سلمان إلى سواء الصراط، ما آل كبلال، ، وما حقيقةٌ كخيال..

    يا محمد! صلوات الله وسلامه على نبينا محمد، أنت تريد أبا طالب ، والله يريد سلمان ، أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال: عبد مناف، وإذا انتسب فللآباء، وإذا ذكر المال عد الإبل، وسلمان إن سئل عن اسمه، قال: عبد الله، وعن نسبه، قال: ابن الإسلام، وعن لباسه، قال: التواضع، وعن طعامه، قال: الجوع، وعن شرابه، قال: الدموع، وعن وساده، قال: السهر، وعن فخره، قال: (سلمان منا) وعن قصده، قال: يريدون وجهه.

    قصدنا الله حجتنا     يوم يأتي الناس بالحججِ

    نورٌ مسخ الظلام، وهدىً محق الضلال، وحقٌ محق الباطل.

    طلع الصباح فأطفئ القنديلا

    ما حقيقةٌ كخيال..

    الهداية على الحقيقة نورٌ من الله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35] ومنةٌ وهبةٌ من الله: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25] ورحمةٌ من الله إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    رحمة الله لا تعزُّ على طالبٍ في أي مكان ولا في أي حال، كما يقول صاحب الظلال في تصرف: وجدها إبراهيم عليه السلام في النار: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] ووجدها يوسف عليه السلام في الجب: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15] ثم وجدها أخرى في السجن: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:54-56] ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفلٌ رضيعٌ مجردٌ من كل قوة ومن كل حراك: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] ثم وجدها أخرى في قصر فرعون وهو عدوٌ له متربصٌ به، يبحث عنه ليقتله، فإذا به يغذوه قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص: 9] وقد ألقى الله عليه المحبة، فما رآه أحدٌ إلا أحبه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت في الظلمات يوم نادى: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88] وجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [الكهف:16] وجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهم ويقصون الآثار: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما قال: لا تحزن إن الله معنا) وجدها كل من أوى إلى الله يائساً من كل ما سواه، منقطعاً عن كل شبهةٍ في قوة، ومظنةٍ في رحمة، قاصداً باب الله وحده:

    إلهي وجهت وجهي إليك     فحقق منايا وأحلاميا

    وهب لي من العزم ما أرتجي     وحقق بفضلك آماليا

    وثبت فؤادي في حاضري     وتمم قوابل أياميا

    الهداية على الحقيقة نورٌ وحبور وسرور، والنور لا يحل إلا في قلبٍ صحيحٍ سليمٍ من الهوى والحقد والغل والحسد كما يقول الحميدي ، أما القلب المريض، فإنه محجوبٌ عن ذلك النور، ولو كان الفكر في غاية الذكاء والفهم والعلم، فهو أحير من ضب؛ إذا بعد عن جحره خبن، وأهل الصحراء أعلم بذلك.

    هذه حقيقة عارية، من أنكرها فهو ساعٍ على جسر الخيال، مستبدل بالماء الآل، وما حقيقةٌ كخيال.

    1.   

    إنما يهدي الله من اهتدى

    هاهو غلامٌ أسودٌ راعٍ يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ لبعض حصون خيبر ، معه غنم هو أجيرٌ فيها لرجلٍ من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض عليَّ الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحداً أن يعرض عليه الإسلام، فعرض عليه الإسلام فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وباح الصباح بأسراره     وحرُّ الهوى في حشاه استعر

    قال: يا رسول الله! إني كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم، وهي أمانةٌ عندي، كيف أصنع بها؟ فقال صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: (اضرب في وجوهها ترجع إلى ربها، فقام فأخذ حفنة من حصى، فرمى بها في وجوه الغنم، وقال: ارجعي، لا أصحبك والله أبداً، فخرجت كأن سائقاً يسوقها حتى دخلت حصن اليهودي، ثم تقدم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل، فأصابه حجرٌ، فقتله وما صلى لله صلاةً قط، لم يكن بين إسلامه وقتله صلاة، فيؤتى به ويوضع خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسجى بشملةٍ كانت عليه، ثم يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من أصحابه، ثم يعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله! لم أعرضت عنه؟ فقال فيما روي عنه: إن معه الآن زوجتيه من حور العين).

    تحول عنه الأذى وانتهت     صروف الحياة وأشجانها     

    سقاه الغوادي رحمانها     وحياه بالخلد رضوانها

    وحور الجنان وولدانها

    هكذا يا معاشر المسلمين أبصر نور الهداية أسود راعٍ مملوك، بينما حجبت عن علماء أهل الكتاب في حصونهم مع أنهم يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ليسوا للهداية بأهل: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ [الأنفال:23] اتبعوا الهوى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص:50] زاغوا: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5] وكتموا الحق وهم يعلمون، فبئس ما يصنعون.

    إذا ما تردى في الضلالة جاهلُ     فما عذر من يأبى الهدى وهو عارفُ

    يظنون ألن ينسف الله ما بنوا     ولن يثبت البنيان والله ناسفُ

    سيلقون بؤساً بعد بؤسٍ ومحنةً     فلا العيش فياحٌ ولا الظل وارف

    العبرة بالمسميات لا بالأسماء

    الهداية على الحقيقة لا الخيال استقامةٌ حقةٌ على تكاليف الدين، والتزامٌ بها، وعدم سلوك ما يناقضها.

    حقيقة الهداية ليست بمجرد الانتساب، أعني: الانتساب إلى الدين مع ارتكاب كل مناقضٍ له:

    إذا اعتلت الأفعال جاءت عليلةً     كحالاتها أسماؤها والمصادر

    أما إن الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل، وإن العبرة بالمسميات لا بالأسماء فحسب، وبالأفعال لا بالأقوال فقط، ولو أن كل من سمته أمه صالحاً كان صالحاً على الحقيقة، وكل من سمي عادلاً كان عدلاً على الحقيقة، لكنا سعداء بكثرة الصالحين والعدول فينا، ولو أن كل من تسمى حسناً لا يأتي إلا الفعل الحسن، لعظم وطغى الحسن على القبيح، ولكن وراء هذه الأسماء والألقاب الجميلة أفق الواقع تتهاوى فيه كثيرٌ من هذه الأسماء والألقاب، وتنفلق فلا تجد إلا الحقيقة من فعلٍ يصدق ذلك أو يكذبه:

    ومن يقل الغراب أبو القمارى     يكذبه إذا نعب الغرابُ

    ذكر أبو الفرج أن تأبط شراً الشاعر ثابت بن جابر لقي ذات مرة رجلاً من ثقيف يكنى بأبي وهب، وكان رجلاً أهوج أحمق وعليه حلةٌ جميلة فارهة، فقال أبو وهب لـتأبط شراً: بم تغلب الرجال يا ثابت: كيف تغلب الرجال وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ -نظر إلى المظاهر وترك الحقائق- قال ثابت : أغلبهم باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبط شراً ، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت.

    فقال الثقفي: أبهذا فقط؟!

    قال: ليس إلا.

    قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟

    قال: نعم.. ولكن ما الثمن؟

    قال: هذه حلةٌ جميلة مع كنيتي، قال: أفعل، ففعل، وعندها قال تأبط شراً : لك اسمي ولي اسمك، وأخذ الحلة وأعطاه طمريه، ثم انصرف تأبط شراً وهو يقول مخاطباً زوجة الثقفي:

    ألا هل أتى الحسناء أن حليلها     تأبط شراً واكتنيت أبا وهبٍ

    فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه     فأين له صبري على معظم الخطبِ؟!

    وأين له بأسٌ كبأسي ونجدتي؟!     وأين له في كل فادحةٍ قلبي؟!

    مضى وتركه وهو يعيش باسمٍ دون مسمى، وخيالٍ أشبه بالخبال.

    وبعض الداء ليس له شفاءُ     وداء الحمق ليس له دواءُ

    لكأنك به عند أول لقاء وقد هزم، وذهبت حلته وبقي له حمقه وكنيته، وحاله:

    وفي الهيجاء ما جربت نفسي     ولكن في الهزيمة كالغزال

    إخوتي في الله! ليس كل من تزيا بزي الشجعان، وأخذ ألقابهم وأسماءهم وكناهم، وتحدث حديثهم، وردد عباراتهم وشعاراتهم يعتبر شجاعاً، حتى يكون في ذاته وهمه وشعوره، وتصوره وإقدامه وقوة قلبه كالشجعان حقاً، ليس كل من ارتدى مسوح أهل العلم، وإن كان في غاية البلادة في الفهم، والضحالة في العلم، والغباء في الذهن، ورسوخ الجهل؛ يعتبر عالماً حتى يكون في همته وشعوره، وتصوره وإدراكه، وفهمه واتباعه وخشيته كالعلماء حقاً.

    من ادعى وصف الكرام البررة     فاستشهدوا أخلاقه وسيره

    ليس كل من تزيا بزي المستقيمين المهتدين، ولبس لباسهم، وردد ألفاظهم؛ يعتبر مستقيماً مهتدياً حقاً، حتى يكون في شعوره وولائه، وحبه وبغضه، وهمته وجديته، وسمته وخلقه، وتعامله وكبح جماح نفسه على الخير كالمستقيمين حقاً.

    ليس كل من ادعى سبيلاً، وتشدق بأبعاده ومراميه يكون من أهل ذلك السبيل؛ حتى يكون بفصيح لسانه وبليغ ما يخط بنانه ويعتقد جنانه حقاً كما قال، فليست العبرة بالمظاهر فحسب، بل بالمظاهر مع الحقائق، فاعلم وعِ:

    لا يخلبنك بارقٌ متلمعُ     إن البروق تكون في ظلمائها

    عدي بن حاتم بين دين الحقيقة ودين الخيال

    إليك عدي بن حاتم يتحدث عن نفسه فيما رواه ابن إسحاق والإمام أحمد في مسنده وروى الشطر الأخير منه البخاري في صحيحه رحم الله الجميع، يقول: كنت امرءاً شريفاً نصرانياً أسير في قومي بالمرباع -يأخذ ربع الغنيمة وهي لا تحل له قبل أن تقسم- وكنت في نفسي على ديني ملكاً في قومي لما يصنع بي، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كرهته أشد ما كرهت شيئاً قط.

    ألقى الشيطان في روعه كره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيل له أنه سيسلبه ملكه، ليحول الشيطان بينه وبين الملك الكبير ثمة في الجنة، قال الله: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [الإنسان:20].

    يقول: فقلت لغلامٍ لي كان راعياً لي إبلي: لا أب لك، اعدد لي من إبلي أجمالاً جللاً سماناً، فاحتبسها قريباً مني، فإذا سمعت بجيش محمد- صلى الله وسلم على نبينا محمد- قد وطئ هذه البلاد، فآذنّي، ففعل، وأتاني ذات غداة، فقال: يا عدي! ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمدٍ فاصنعه الآن، فإني رأيت رايات أقبلت، وسألت عنها، فقيل: هذه خيله، قال: فاحتملت أهلي وولدي، وخلفت بنت حاتم في الحاضر، وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصيب ابنة حاتم في السبايا، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام ، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا، فقامت إليه، وكانت امرأةً جزلة عاقلةً أصيلة الرأي، فقالت: يا رسول الله! هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك، قال: {ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم ، قال: الفار من الله ورسوله، إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي} ومنَّ عليها بعد أيام، وقدم ركبُ من بلي أو قضاعة فكساها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطاها دابةً ونفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام أقصى أرض العرب مما يلي الروم، يقول عدي : فوالله إني لقاعدٌ في أهلي، إذ نظرت إلى ظعينةٍ تؤمنا وتنحدر إلينا، فقلت: ابنة حاتم ، فإذا هي هي، فلما وقفت عليَّ، انسحلت تلوم وتشتم، وتقول: القاطع الظالم، احتملت أهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك، قلت: أي أخيه! لا تقولي إلا خيراً، فوالله ما لي من عذر، ولقد صنعت ما ذكرتِ، فنزلت، فقلت لها وكان امرأةً حازمةً ذات رأي: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: أرى أن تلحق به سريعاً، إن يكن نبياً فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تذل وأنت عنده، ووصفت له من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاملته ما وصفت، وماذا تصف؟!!

    فما حملت من ناقةٍ فوق ظهرها     أبرَّ وأوفى ذمةً من محمدِ

    صلوات الله وسلامه عليه.

    يقول عدي : وقد كرهت مكاني أشد مما كرهت مكاني الأول، فقلت: لو أتيته، فسمعته إن كان كاذباً لم يَخْفَ عليَّ، قال: فأتيته، فانتشر في الناس أن قالوا: جاء عدي بن حاتم ، ودخلت المسجد، وسلمت، فقال صلى الله عليه وسلم: {من؟ قلت: عدي بن حاتم ، قال: الفار! ثم أخذ بيدي، وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعائد بي إلى بيته، إذ لقيته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ معها ابنها، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلمه، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك -وهو أعرف بحياة الملوك- قال: ثم دخلت بيته، وتناول وسادةً من أدمٍ جلدٍ محشوةً ليفاً، وقال: اجلس، وجلست بين يديه، فما رأيت في بيته شيئاً يرد البصر، قلت: ووالله ما هذا ببيت ملك، وما أمره بأمر ملك، ثم قال- يعني: صلى الله عليه وسلم-: إيه يا عدي ! أسلم تسلم، أسلم تسلم} حاله:

    إلى الله فارغب يا عدي بن حاتمِ     ودع دين من يبغي العمى غير نادمِ

    فقلت: إني لعلى دين، قال صلى الله عليه وسلم: {أنا أعلم بدينك منك، ألست رسوسياً؟ قلت: بلى، قال: ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى، قال: ألست تأخذ المرباع؟ قلت: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: فإن ذلك لا يحل لك في دينك، قال: فلم ألبث أن اتضعت لها، ووجدت عليًّ فيها غضاضة، قلت: نبيٌ مرسل يعلم ما يجهل}.

    كشف أمره، وحصل لديه يقينٌ بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعلم من دينه ما لا يعلمه من حوله، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يزيل بقية العوائق التي تعوق هذا الملك في قومه عن الإسلام، فقال: {يا عدي ! لعلك إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجة أهله، فوالله إن طالت بك حياة، ليوشكن أن يفيض المال حتى ترى الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، فلا يجد أحداً يأخذه.

    لعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، والله لئن طالت بك حياة، ليوشكن أن ترى الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله.

    قال: فقلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُّعار طي الذين سعروا البلاد؟ -أين قطاع الطرق؟- ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا عدي لعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم- يعني: فارس والروم- وايم والله إن طالت بك حياة، لترين قصور بابل البيض وكنوز كسرى قد فتحت، قلت: كسرى بن هرمز ؟! قال: كسرى بن هرمز.

    قال: فقلت: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله}.

    وكشفت الحجب، وزالت العوائق، ولا غرابة في عودة الشيء إلى أصله وفطرته، فحاله:

    ومن يعدل بحب الله شيئاً     كحب الجاه ضل هوىً وخابا

    يقول عدي : [[وايم الله لقد رأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت في أول خيلٍ أغارت على المدائن فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ، وايم الله لئن طالت بكم الحياة لترون ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليفيضن المال حتى لا يوجد من يقبله]] إنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مغالب الحق مغلوب، ومحارب الهدى محروب، ولا ينير الدنيا هلال مقنع، وعند غربال السبق خبرٌ يقين، وما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال..

    معاشر المسلمين! الهداية الحقة ليست بمجرد الانتساب وإظهار الولاء فحسب، إن من يظهر الانتساب للإسلام ولا يطبق أحكامه، ويرتكب ما يناقضه؛ لا يكون مسلماً حقاً كما كان عديٌ على غير دينٍ الحقيقة، ولما كان عدي غير مستقيمٍ على دينه السابق؛ صار دعايةً سيئةً لذلك الدين، ومنفراً عن اعتناقه، فكذلك من ينتسبون إلى الإسلام وسلوكهم يناقض أحكامه وآدابه، هم صادون عنه وإن كانوا يحملون اسمه، فهم كالطائر قص جناحاه، فلا يغنيه مع ذلك أن يكون اسمه طائراً.

    إن الانتماء إلى الإسلام ليس انتماء وراثة، ولا هوية، ولا مظهر فحسب، وإنما هو انتماء للإسلام، والتزام به، واستقامة على أحكامه، تكيف به في كل مناحي الحياة، كنزٌ ثمين، فلنشد عليه يد الضنين:

    فلو لم يكن الزهر في البستان.. ما غرد قمري على الأغصان، وما صدحت الحناجر بأعذب الألحان.

    منزل الشاهين في أوج السحاب     لا له أن يك في وكر الغراب

    هكذا وإلا: إليك عني.. إليك عني.. فلست منك ولست مني..

    الهداية الحقة احتكام إلى الوحي

    الهداية على الحقيقة تحولٌ جذري في السلوك والفكر، والتصور والمعتقد، والشعور والانتماء والمعاملة، والظاهر والباطن، إنها باختصار إسلام النفس لله وحكمها بوحي الله، أقوال المهتدي حقاً، وأعماله، وعطاؤه ومنعه، وحبه وبغضه، ومعاملته؛ لوجه الله، لا يريد بذلك جزاءً من الناس ولا شكوراً، ولا ابتغاء جاهٍ عندهم، ولا طلب محمدةٍ ومنزلةٍ في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، قد عدَّ الناس بمنزلة أهل القبور، لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، عرف الناس فأنزلهم منازلهم، وعرف الله فأخلص له، وأصلح ما بينه وبينه، فمقاله: أسلمت وجهي لله.

    همه لله لا في غيره     ولأجل الله مولاه خضع

    وحاله:

    عملٌ أريدَ به سواك فإنه     عملٌ وإن زعم المرائي باطلُ

    فإذا رضيت فكل شيءٍ هينٌ     وإذا حصلت فكل شيءٍ حاصلُ

    هاهو أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجلاً مأموناً يتاجر في أموال قريش، واقتنع أن دين الله هو الحق، وأسلم سراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع ليرد الأموال، فقيل له وهو عازمٌ على أن يؤدي الأمانات إلى أهلها في مكة : هل لك أن تأخذ هذه الأموال، إنما هي أموال المشركين؟ فقال في اعتزاز المسلم وأمانته وطهره، وتحوله عن كل جاهلية: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. رعدٌ يجلجل.. يخلب لبك، ويأخذ سمعك، وتحولٌ عظيم يزأر صاحبه وحاله:

    على المال والجاه حرص الجميع     فمن ذا على دينه يحرص؟

    ومن يعرف الله لا ينقصُ

    أنا لله وليٌ لا لعزى أو مناة      أنا شمس ليس تطفى بهبوب العاصفات

    ما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.

    1.   

    عبر وعظات

    قصة شاب اهتدى بسبب حادثة

    عبد الله! قف على ساحل بحرٍ لجي من العبر والمثلات؛ في صياغة الهداية على الحقيقة للمرء صياغةً جديدة، قفها مع أحد التائهين يذكر قصة هدايته كما أوردها القاسم حفظه الله، ومضمونها ما يلي في تصرف: في أيام العشر الأواخر من رمضان.. العيد قاب قوسين أو أدنى، لا أعرف أين أذهب، أنتظر صديق الطفولة بلهفة، الجزء الأكبر من وقتنا ليلاً نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع، وفي النهار نلزم المضاجع، وجاء عبد الرحمن، وركبت معه، وسألني: هل جهزت ثوباً جديداً.. لقد أقبل العيد؟ قلت له: لا، قال: نذهب للخياط الآن، قلت: بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد، أين نجد خياطاً يسابق العيد؟ انطلق بنا في سيارته، لم يكلمني حتى توقف أمام خياط، وفاجأني بالسلام الحار على ذلك الخياط، فهو يعرفه منذ زمن، قال له: نريد أن نفرح بالعيد، ونلبس الجديد، فضحك الخياط، وقال له: كم بقي على العيد؟! لماذا لم تأت مبكراً؟ قال عبد الرحمن، وهو يهز يده بحركة تفيد: سنزيد لك في الأجرة، المهم أن ينتهي بعد غد.. نعم بعد غد.

    ويدفع جزءاً من الثمن وهو يردد: بعد غد، لا تنس الموعد.

    قال: وإلى قبيل الفجر ونحن لاهون ساهون غافلون، مضت الليلة كاملة لم نذكر الله فيها مرة واحدة، ولربما كانت ليلة القدر، حياةٌ لا طعم فيها، وسعادةٌ لا مذاق لها.

    أعيش في قلقٍ حيران مضطربا     وإن تخلني هنيء العيش منشرحا

    ولجنا المعاصي من كل باب، وهتكنا منها كل حجاب، وفي القلب همٌ وغمٌ ونكدٌ وحسرات، ونظهر السعادة، ونملأ المكان بالضحكات.

    أعمالنا تكشفنا وتفضحُ     ما في الوعا على الوعاء ينضحُ

    افترقنا قبيل الفجر، يجمعنا الليل والسهر والعبث، ويفرقنا النوم الطويل الذي يمتد من الفجر إلى العصر، صيامٌ بلا صلاة، وصلاة بلا خشوع، ساعات الصيام التي أستيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام.. أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة، وقراءة الصحف الهابطة، وبينا أنا أنتظر موعد أذان المغرب حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء، وصوته متغير، يقول: أما علمت أن عبد الرحمن مريض؟ قلت له: لا.. مساء البارحة إلى الفجر وهو معي.. كان بصحةٍ وعافية، قال: إنه مريض.. وأنهى المكالمة.

    والأمر لا يعني لي شيئاً سوى معلومةٍ غير صحيحة، فأنا معه إلى الفجر، وإذا بالمؤذن يرفع أذان العشاء، وإذا بالهاتف يرن ، إنه شقيق عبد الرحمن الأكبر، قلت في نفسي: إنه سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن، فلعل أحداً أخبره بزلةً من زلاتنا وسقطاتنا..

    ويأتي صوته منهكاً مجهداً، عبراته تقطع الحديد، وأخبرني الخبر، وياله من خبر! مات عبد الرحمن..!!

    لا إله إلا الله..!! دهشت.. لم أصدق.. لا أزال أراه أمامي، صوته يرن في أذني، كيف مات؟!! قال: وهو عائدٌ إلى المنزل ارتطم بسيارة أخرى قادمة، وحمل إلى المستشفى، وفارق الحياة ظهر اليوم، وسنصلي عليه الظهر غداً، أخبر زملائك.. وقفل الهاتف، أذني لا تكاد تصدق ما تسمع، الليل موعدنا في سوق كذا، وغداً موعد ثياب العيد، لا إله إلا الله! الأمر جدٌ لا هزل فيه، انقضت أيام عبد الرحمن، والموت حق، وغداً موعدنا هناك في المقبرة لا عند الخياط، لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد، عبرٌ تثار، وعبراتٌ تسيل، تسمرت في مكاني، تشتت ذهني، أصبت بدوار في رأسي، التراب يابس، والمرعى عابس، قررت الذهاب إلى منزل عبد الرحمن لأستوضح الفاجعة، ركبت السيارة، فإذا شريط الغناء لم يزل في جهاز التسجيل، أخرجته، ثم فتحت الراديو، فإذا إمام الحرم من المذياع يخاطب الجنان لا الآذان، أنصتُّ بكل جوارحي، أرهفت سمعي، لكأن الدنيا انقلبت والقيامة قامت، أوقفت سيارتي أستمع وأستمع، وكأني لأول مرةٍ أسمع القرآن، وبدأ الإمام بدعاء القنوت، كانت دمعاتي أسرع من صوت الإمام، قلبي يردد صدى تلك العبرات ليعلنها توبةً صادقةً في حسرةٍ وتأسفٍ على ما سلف وفات.

    كأنما أنا طيرٌ لا جناح له      فما استطاع بغير الدمع تبيانا

    ميلادٌ جديد، حياةٌ جديدة بدأتها بصحبةٍ طيبة، ورفقةٍ صالحة، لله ما أجمل السير في ركاب الصالحين!! من كرهتهم هم أحب الناس اليوم إلي، من تطاولت عليهم هم أرفع الناس في عيني، من استهزأت بهم هم أكرم الناس عندي، كنت على شفا جرفٍ هارٍ، ولكن الله رحمني:

    يا من عليه اعتمادي     في الأمر بعضاً وكلا

    بك اهتديت ومن لم يرج الهدى منك ضلا

    إنها الهداية على الحقيقة، تحولٌ جذري حقيقي.

    فاضرب بسهمٍ في سهام أئمةٍ     سبقوك في هذا السبيل القيمِ

    وافتح مغاليق القلوب لتهتدي     وعلى إلهك فاعتمد واستعصمِ

    يا ويل كل مفرطٍ مستسلمِ!

    قال: وبعد شهرين فاجأت الخياط، وسألت عن ثوبي، فسأل عن عبد الرحمن، قلت له: مات، قال: لا إله إلا الله! عبد الرحمن؟! قلت له: مات، فأعطاني ثوبه، وبدأت أقول في نفسي، وآخذ شريط الذكريات في ذهني: هل حقاً مات؟! ثوبي بجوار ثوبه! مقعدي في السيارة بجوار مقعده! مضى، وبقي لي أجل لعلي أستدرك فيه ما فات، من يهرب من شيءٍ تركه وراءه إلا القبر؛ فما يهرب منه أحدٌ إلا وجده أمامه، ينتظر غير متململ ، وأنت متقدم إليه غير متراجع، فانظر ما أنت عامل، يقول: وما هي سوى فترة من الزمن، وهدوء النفس يزداد يوماً بعد يوم، وتقرُّ عيني، وتطرأ السعادة الحقيقية على قلبي، انشراحٌ في الصدر، وسكينةٌ ووقار، وصدق الله: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ))[الأنعام: 125] حمدت الله كثيراً، ولكن بقي لي أخ لا يزال على عينيه غشاوة، هل أتركه؟ لا، لن أتركه وقد هداني الله، لا أنسى عبد الرحمن، لا، لن أترك هذا الأخ، وقد هداني الله، هناك كتاب، وهناك شريط، وهناك مطوية، وبيني وبينه نصيحة، والدين النصيحة.

    فمن لم يعش بعد بيت هدى     شقيٍ وإن بلغ الفرقدا

    إذا وجدت النملة ذخيرةً من القوت، أسرعت إلى سربها تحمل لها البشرى، وتأتي بها إلى الغنيمة لترى غزوها وفتحها، ثم يتكاسل ويضعف حامل الهدى!

    الهنود يغارون على بقر تهان فتطيح الرقاب، ثم لا يغار المسلم على حرمات دينه ويسعى في تبليغه.

    إنه الهوى.. من أطاعه هوى

    شراب الهوى حلوٌ ولكنه يورث الشرغ

    أرأيت عبد الله كيف تحولت مقاييس هذا الرجل واهتماماته ونظراته! إنها هداية الحقيقة لا الخيال، تحولٌ جذري، وعزلةٌ شعورية كاملةٌ بين ماضي الإنسان في غوايته وحاضره في هدايته، وإنما يكلّ من كان في ريبٍ من أمره.

    هذا السبيل فأين يذهب من أبى؟     أوليس نور الله قد كشف الدجى؟

    بلى.. ما حقيقةٌ كخيال.

    الهداية على الحقيقة -معاشر المسلمين- تسرّ صاحبها وترقيه، وتبشره وتهديه، تنفعه وترفعه، فلا يزال يحلق في سماء المعالي حتى لا ينتهي تحليقه دون عليين برحمة أرحم الراحمين، فمن سار مهتدياً على ذكر الحقيقة لا الخيال، رجونا له الوصول وإن طال الدجى:

    فأول ما يكون الليث شبلٌ     ومبدأ طلعة البدرِ الهلال

    علي بن أسد يتوب لسماع آية

    علي بن أسد رحمة الله على ذاك الأسد، مرَّ ليلة بـالكوفة ، فإذا برجل يقرأ في جوف الليل قول الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] صادفت قلباً مزاح العلة، فتمكنت منه، فقال: أعد عليَّ رحمك الله، فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، ثم عمد إلى بيته فاغتسل، ثم غسل ثيابه، وانطلق وجدَّ على جسر الحقيقة، فلم يزل يرتقي في مدارج العبودية حتى عمشت عيناه من كثرة البكاء من خشية الله، وصارت ركبتاه كركبتي البعير، ويداه كثفن الإبل من كثرة قيامه وسجوده لله رب العالمين، وحاله:

    قصدي المؤمل في جهري وإسراري     ومطلبي من إلهي الواحد الباري

    شهادةٌ في سبيل الله خالصةٌ     تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ

    تاقت نفسه للجهاد في سبيل الله، فغزا مع المسلمين في البحر، ولقي الروم، فقرن مركبه ومن معه بمركب العدو، ثم قال: آن لك أي علي بن أسد ألا تطلب الجنة بعد اليوم أبداً، والحال الحال:

    شهادةٌ في سبيل الله خالصةٌ     تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ

    إن المعاصي رجسٌ لا يطهرها     إلا الصوارم في أيمان كفارِ

    فاقتحم بنفسه عليهم في سفائنهم؛ رجلٌ يطلب إعلاء كلمة الله، والموت في سبيل الله لا حيلة فيه، يحب الموت كما يحب أولئك الكفار الحياة، فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا حتى مالوا في شقٍ واحدٍ من سفينتهم، فانكفأت عليه وعليهم، فغرق وعليه درعه، وغرقوا جميعاً، شتان بين غريق وغريق، غريقٌ في الصد عن سبيل الله، وغريقٌ في سبيل الله، هداة:

    تقدم في الله أرواحها     وتبذل في الله أموالها

    فحيِّ الأسود وأشبالها

    أسلافنا -أيها المسلمون- ركبوا البحر غزاةً فاتحين، فكان البحر -وإن غرقوا فيه- لهم عرشاً،، ولما تخلف من تخلف بعدهم عمَّا هم عليه، ركبوا البحر لأغراضهم وشهواتهم، فكان البحر لهم نعشاً، ما تغير البحر، ولكن تغيرت نفوس الراكبين.

    1.   

    محاكمة في العراء لبيان حقيقة الاهتداء

    عبد الله! من لم يهتد على الحقيقة ويأخذ بأسباب الهداية، ولم تنهض همته لها، لا يزال قلبه في حضيض طبعه محبوساً منكوسا، راعٍ مع الهمل، سائمة مع الأنعام، استطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل والبلادة:

    ليس ضليلٌ حائرٌ كمهتدي

    << فاسمع وعِ لترشدِ

    واقع الأمة العقدي

    عبد الله! لننزع البرقع، وهلم فلنحتكم على سفور وإن كنا لا نبيحه للغانيات.

    أليس فينا معشر المسلمين من اهتدى اسماً وخيالاً منذ سنين، ولم يزل بعيداً عن هدي القرآن، عاكفاً على القباب والأوهام، ألهته عن دنياه، وأفسدت عليه أخراه، شد لها الرحل، وقدم لها النذر، وسألها ما لا يكون إلا لله الرحيم البر.

    قد فتن البعض بقبر زينب     وتركوا الله مزيل الكربِ

    وفتن البعض بقبر الهادي     وتركوا ذا الطول والأيادي

    وفتن البعض بقبر المهدي     وتركوا من يبتلي ويهدي

    بقبر عيدروس قد ضل الغبي     وتركوا منهاج أحمد النبي

    صلوات الله وسلامه عليه..

    هل يكون مهتدياً على الحقيقة من هذا حاله؟ كلا. إنه يعيش الخيال، إنه يدفع نفسه إلى بحرٍ لا يجيد السباحة فيه، وإن نهايته الغرق المحتوم ولا شك، ما حقيقةٌ كخيال.

    دع كل بابٍ غير باب ربي     ولذ به وسله كشف الكرب

    هل يكون مهتدياً على الحقيقة من يأخذ من الدين ما يوافق هواه ويطرح ما عداه؟ كلا.

    ما عهدنا أن نرى في الليل شمسا     أو نرى في وهج القيظ هلالا

    ما حقيقةٌ كخيال.

    هل يكون مهتدياً حقاً من يوالي أعداء الله ويتخذهم بطانةً من دون المؤمنين، ولو صلى وصام وحج وزكى؟ يكرم من أهانه الله، ويعز من أذله الله، ويدني من أبعده الله، ثم يدعي هداية الله.

    لكم يُرتجي ظل الغمامة كلما     تبوأ منها للمقيل اضمحلتِ

    ما حقيقةٌ كخيال.

    التعامل مع الله والخلق بين الحقيقة والخيال

    هل يكون مهتدياً حقاً من ظاهره الاستقامة، ثم في انهزامية مقيتة وبحجة ضغط الواقع يتراجع عن ثوابت ومسلمات؟ أما إن الحق لا ينقلب باطلاً، ولا الباطل يصير حقاً مهما كانت التبعات.

    هل يكون مهتدياً على الحقيقة من يهمل حقوق الخلق ويسيء في المعاملات، لا يتقبل النصح ويرى ذلك اتهامات، يعيش الفوضى وعدم الانضباط، مضيعاً وقته، غير منتظمٍ في درسٍ، أو محاضرةٍ، أو عملٍ نافعٍ، أو حلقات، ومع ذا منشغلٌ بالملهيات، مغرقٌ في سماع الأناشيد والتمثيليات، سيارته ومكتبه مستودعٌ للأناشيد والطرائف الاحتفالات؛ يحفظها حفظاً يفوق حفظ الأحاديث والآيات، حتى إن بعضهم ليذهب مع اللحن يترنم ويطرب، ثم يبكي ما لا يبكيه عند سماع قوارع الآيات، ولربما صاحبها الدف، وترخص في ذلك، فلم يشعر إلا وهو من أهل الأغنيات؟ فالهبوط سهلٌ والارتقاء صعب التبعات.

    عفواً إخوتي: من كتم داءه، قتله، آن لنا أن نعلنه لعلنا نتعاون فنصلحه، عظم الاهتمام بالتحسيني والكمالي، وترك الحاجي والضروري، صارت الكماليات عندنا ضروريات، فنأكل الحلوى ونحن في بلوى كما قيل، وبعضنا من هو مهتمٌ بمظهره اهتماماً يفوق اهتمام البنيات، ألف السطحية والمظهرية، فهو تمثال خشبٍ لا يخيف ولا يرهب، يمني نفسه ويسوف، وقد أمن الهرم كما أمن الصيد حمام الحرم.

    يدٌ فارغة، ويدٌ لا شيء فيها، فضولٌ بلا فضل، وسنٍ بلا سنة، وطولٌ بلا طَول، وعرضٍ بلا عِرض، متساهلٌ في الأمر الخطير، متشددٌ في الأمر السهل اليسير، لم يتخلص من رواسب الجاهلية من صورٍ وقنوات ومجلات، لا يتورع عن المشتبهات، يتهاون بالسنن والمندوبات، ويفرط في الواجبات، جلساؤه قبل أن يهتدي هداية الخيال هم جلساؤه، مع أنهم أخطر شيءٍ عليه إذ هم أعرف الناس بنقاط ضعفه، فهم له كالمجذوم؛ تصافحه تحيةً وسلاما، فلا يبلغه منه إلا الجذام والمرض.

    ونور الشمس يحجبه الغبارُ

    فما معنى الخضاب وأنت تدري     بأن العيب من تحت الخضاب

    عاداته، أفكاره، اهتماماته.. هي هي لم تتبدل، لم يزل مصراً على بعض المال المشتبه، حتى إذا ما تورع عن حرام، لم يزل لسانه يسري في أعراض الأحياء والأموات؛ يشتم ذا ويجرح ذاك ويعدل ذلك.

    أمانيه، حبه، بغضه، عطاؤه، منعه.. هي هي، ولاؤه لمصلحته، عداؤه لكل ما يقف في طريقها، نفعيٌّ ذاتي، مستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله:

    حياته عارضةٌ وصفية     فألغين عارض الوصفية

    أيكون من هذا حاله مهتدياً على الحقيقة؟ كلا.. إنما هو عش حمامة؛ عودٌ من غرب وعود من ثمامة، بل غيمٌ حمى الشمس ولم يمطر ولم يكف.

    حقيقة الهداية والمهتدي

    أيها المهتدي! الهداية تحولٌ جذري؛ مظهريٌ ومخبري، والله ما يجدر بحامل الهداية أن يظهر بمظهرٍ يرده الشرع، فلو خالف حامل الهداية، لكان كل مخالف أشرف منه، فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود كما قيل.

    أنت للهداية لا للتلبيس.. ذاك خلق إبليس.

    أنت للنور لا للظلمة، ربما زلةٍ أهلكت، وعثرةٍ قتلت، وفائت لا يستدرك، لا يبنى على الصلاح إلا صالح، وكل ما بني على الفساد فهو فاسد، ولن يأتي يومٌ فيقول مهتدٍ على الحقيقة لإبليس: رضي الله عنه"! بل نعوذ بالله منه.

    إذا ما الجرح رمَّ على فساد     تبين فيه تفريط الطبيب

    الهداية ليست كلمةٌ تقال، بل هي حقيقةٌ ذات تكاليف، وأمانةٌ ذات أعباء، وجهادٌ يحتاج إلى صبر، وجهدٌ يحتاج إلى احتمال، وما حقيقةٌ كخيال.

    الهداية على الحقيقة لا الخيال عبوديةٌ مطلقةٌ لله رب العالمين، والعبد المطلق كما يقول ابن القيم في كلامٍ قيم مضمونه في تصرف: لا تملكه رسوم، ولا تقيده قيود، عمله على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه في سواه، ملبسه ما تهيأ، مأكله ما تيسر، شغله ما أمر به في وقته، مجلسه حيث انتهى وخالياً وجد، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رسم، حرٌ مجردٌ، دائرٌ مع الأمر المأمور به حيث دار، يأنس به كل محب، ويستوحش منه كل مبطل؛ كالغيث حيثما وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعةٌ حتى شوكها، حزمٌ مع المخالفين لأمر الله، غضبٌ إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله، ومع الله، واهٍ له ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته! وما أعظم أنسه بالله وفرحه وطمأنينته وسكونه، والله المستعان! وعليه التكلان، ما حقيقةٌ كخيال.

    هذا دأب المهتدي حقيقةً في السير إلى الله، كلما رفعت له منزلة سار إليها واشتغل بها، حتى تلوح له منزلةٌ أخرى، ولم يزل هذا دأبه حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته بذاته معهم، وفي سمتهم وعلمهم وزيهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين والمحسنين رأيته معهم، وإن رأيت العاكفين الخاشعين المخبتين رأيته معهم:

    كالليث يسرف في الفعا     ل وليس يسرف في الزئير

    ما حقيقةٌ كخيال.

    هداية الحقيقة تمثيلٌ للدين في تصريف شئون الحياة، واستخلافٌ للمهتدين في الأرض، وتبديل للخوف بالأمن، وعدٌ واقعٌ ماله من دافع، إنه وعد الله، ووعد الله حق، ولن يخلف الله وعده، قال الله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] وعدٌ من الله للعصبة المهتدية في كل عصر، وسنةٌ من الله: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الفتح:23].

    إذا لم يكن الغيث هامياً؛ فلا ترج أن يكون النبت نامياً؛ فما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.

    قصة للاعتبار بين الحقيقة والخيال

    ماذا كان العرب قبل الهداية إلى منهج الله وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قد كانوا حفاةً عراةً رعاءً، لا شأن لهم في الأرض، ولا ذكر لهم في السماء، يتقلبون من شدق الأفعى إلى ناب الأفعوان، حتى إن سابور أحد قادة الفرس كان يقوم بتعذيب الأسرى عن طريق نزع أكتافهم، فنزع أكتاف خمسين ألفاً من تميم وبكرٍ وغيرهم، حتى قالت عجوزٌ عربية وهي ترى ذلك المنظر: إن لهذا قصاصاً ولو بعد حين.

    وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5] * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:6] ورفع الله شأن الأمة المهتدية حقاً ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإذا بثلةٍ من مهتديها حقاً يقفون أمام يزدجر يدعونه لخيري الدنيا والآخرة الإسلام، وإلا فالجزية، وإلا فالقتال، فيقول وهو يعرف سابق العرب قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول -وصدق وهو كذوب-: والله ما أعلم قوماً أشقى منكم، ولا أسوأ ذات بينٍ، ولا أقل عدداً منكم، وقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، فلا تقومون لهم، فإن كثر عددكم فلا يغرنكم، وإن كان إنما هو الجوع والفقر، فرضنا لكم طعاماً وكسوةً وملكنا عليكم من يرفق بكم، إنا لا نشتهي قتلكم ولا أسركم.

    فقال المغيرة رضي الله عنه: دعوني أرد عليه، قالوا: كفءٌ كريم، قال: اختر ولا تكثر، تسلم فتنجو ومن معك، أو الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، أو السيف حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

    إن كنت من ريح فيا ريح اسكني     أو كنت من لهبٍ فيا لهب اخمدي

    قال: أتستقبلني بمثل هذا أيها العبد! قال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك ما استقبلته، قال: أما إنه لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا حاجة لكم عندي، ارجعوا ليس لكم إلا رستم يدفنكم غداً في خنادق القادسية ، قالوا: ستعلم ونعلم.

    ورجعوا وقد دخل الرعب إلى أعماق قلبه، رأى قوماً صيغوا بالهداية الحقة صياغةً جديدة، فليسوا بالعرب الذين يعرفهم من قبل، وطلب من قائدٍ من قادته أن يكر على المسلمين كرة على غرة ليأسر أضعف المسلمين، ليرى هل هم جميعاً على هذا المستوى، فكروا، ورجع المسلمون متحرفين لقتال، فلحقوا بأضعفهم فاختطفوه أسيراً، وعادوا به لقائدهم، فقال له: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ فقال أضعف المسلمين: جئنا نطلب موعود الله.

    قال: وما موعود الله؟ قال: أرضكم ودياركم وأبناؤكم ونساؤكم إلا أن تسلموا، أو تسلِّموا، قال: فإن قتلناكم قبل ذلك؟ قال: موعود الله لمن قتل الجنة، ولمن بقي أرضكم ودياركم وأموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، إنا لعلى يقين!

    قال: إذاً وضعنا الله بين أيديكم؟! قال: ويحك، بل أعمالكم وضعتكم، وبها الله أسلمكم، لا يغرنك من حولك، إنك لست تحارب الإنس، إنما تحارب قضاء الله وقدره، ونحن قضاء الله وقدره.

    إني وإن كان ردائي خَلِقا     قد جعل الله لساني مطلقا

    فاستشاط غضباً، وأمر بقتله، فقتل رحمه الله، وبدأ الاستعداد، وقربت ساعة الصفر، وأسرجوا لـرستم فرساً، وقد كان محارباً بارعاً، وخبيراً عسكرياً مجرباً، فقفز قفزةً واحدةً ليستوي على ظهر جواده دون أن يمس الركاب، ثم قال لجنده عن المسلمين: غداً ندقهم، فقال له رجلٌ: إن شاء الله، فرد عليه في كبرياء مقيتةٍ ومجوسيةٍ بغيضةٍ: وإن لم يشأ، إنما ضغا الثعلب حين مات الأسد، يعني: كسرى، وأخشى أن تكون سنة القرود.

    له الويل، وبفيه الحجر:

    فكان كعنز السوء قامت بظلفها     إلى مدية تحت التراب تثيرها

    وطلع النهار، وبدأت المعركة، ووصلت وحدةٌ من جيش الإسلام إلى حيث يوجد رستم ، عثرت على سريره ولم يعثروا عليه فوقه، إذ كان بجوار بغلٍ محملٍ بعدلين من مسك، يستظل بالظل ويشم الرائحة، ويدير المعركة، واقترب رجلٌ من المسلمين من بني تيم؛ هلال التيمي ، وهو لا يعلم بوجود رستم ، فضرب الحبال التي تشد العدلين إلى ظهر البغل فقطعها، فوقع أحد العدلين على ظهر رستم ، وكان ثقيلاً جداً، فأصابه إصابةً بالغة أثرت في فقرةٍ من فقار ظهر رستم ، ثم ضرب هلال العدل، يريد أن يعرف ماذا يحوي هذا العدل، فضربه بالسيف، فانبعثت رائحة المسك، فعرف أنه رستم ، تسلل رستم هارباً نحو النهر، وعرفه هلال وتوجه نحوه، ورماه رستم بسهمٍ فأصابه في قدمه، وهو يقول له بالفارسية: كما أنت، وأوغل في الهرب وهلال خلفه نحو النهر، ولما رأى أن هلالاً سيدركه، بدأ يتخفف من سلاحه وعدته، فرمى بدرعه، ثم رمى بسيفه، ثم قذف بنفسه في النهر، فلم يدع له هلال فرصة النجاة، إذ اقتحم النهر خلفه، وهو يعوم في الماء لم يشعر إلا وهلال يأخذ برجله يجذبه ويسحبه حتى خرج به إلى البر، ثم ضرب جبينه بالسيف ففلق هامته، وضرب أنفه، وحاله:

    الآن أدقك يا من كان يتبجح بالأمس بغداً ندقهم.

    لله دره! وبوركت يمينك، أي هلال ما أثبتك!

    من ذا يجاريك وأنت السيل     والسيل فيه غرقٌ وويل

    والأرض أحوج لدرء العيش     منها إلى جلب الحيا والغيث

    فسحب جثته حتى رمى بها بين أرجل البغال، ثم صعد على سرير رستم ، ونادى بأعلى صوته: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ معشر المسلمين إليَّ، فأطافوا به، ورأوا مصرعه، فكبروا من فوق سريره، وتهدم قلب جيش الفرس، وعمتهم الهزيمة، وبقوا بدون قائد ينظم انسحابهم، فصار همهم النجاة بأنفسهم، ركبهم الذل والهوان، حتى إن الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم، فيأتي حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه المسلم بسلاحه، ويأمر أحدهم بقتل صاحبه، فيفعل كما روى الطبري رحمه الله، ومنهم ثلاثون ألفاً من مغاوريهم -وما فيهم مغوار- قد وطنوا أنفسهم على الموت، فاقترنوا بالسلاسل، وعندما رأوا الهزيمة، تهافتوا في النهر يجر بعضهم بعضاً كالحمر لاقت قسورة، فما أفلت منهم مخبر، ولم تسمع لهم ركزا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-9].

    من حاد عن هدي الإله تعنتاً     يتبدل الأدنى ويلق الأحقرا

    والله الذي لا إله إلا هو ما من مرة سارت فيها هذه الأمة على هداية الله على الحقيقة؛ ليكون الدين كله لله، إلا تحقق لها وعد الله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40] إذا كانت الهداية لمنهج الله سبب استخلاف وتمكين جيل محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، فهي كذلك سببٌ استخلاف وتمكين الطائفة التي هي على ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، يقول صاحب مدارج العبودية : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصف الجيل المؤمن المنتظر وهو يستأصل شأفة اليهود المغضوب عليهم، أحفاد القردة والخنازير، وقتلة الأنبياء؛ لينقذ البلاد والعباد من مكرهم وخبثهم، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم.. يا عبدالله.. هذا يهوديٌ خلفي تعال فاقتله}.

    إن الشجر والحجر لينادي ذلك الجيل: يا مسلم يا عبد الله! وأنا أناديك: يا مسلم يا عبد الله! حقق العبودية لله، وأقم منهج الله يكن لك التمكين والاستخلاف، وعد الله قائم، وشرط الله معروف، من أراد الوعد فليقم الشرط، ومن وفى وفّي له: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] ولكنكم تستعجلون.

    إن هذا لا يعني -يا معشر المسلمين- أن نبقى دون إعدادٍ وتربية؛ منتظرين ظهور المهدي ونزول عيسى عليه السلام، واليهود يعيشون في أرض المسلمين ينقصونها من أطرافها، ولا يعني أن يستعجل المسلمون موهنين الإعداد والتربية الإيمانية القائمة على تحقيق العبودية، فيؤتى على غراس الإسلام فيستأصل قبل أن يبلغ السعي، بل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة [الأنفال:60] وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    1.   

    أعظم طاعونين أخلاقيين مرت بهما البشرية

    يا أيها الجيل! إن العالم لم يكد يشهد مذ أن برأه الله على ظهر البسيطة إفساداً عاماً، وطاعوناً أخلاقياً جارفاً إلا مرتين على كثرة ما شهد من الطواعين الجسمانية، كما يقول صاحب الآثار ، إحداها في الجاهلية قبل الإسلام، يوم كان العالم فريسةً للأثرة والاستعباد والاستبداد، والفساد والإفساد، يوم كان العقل عبداً للهوى، والفكر عبداً للوهم، والحقيقة للخرافة، والفطرة رهينة الاعتلال والاختلال، ولكن الله تداركهم بالإسلام، وكتابه القرآن، ورسوله الأمين صلى الله وسلم عليه، فما هي سوى فترة حتى أصبح يمرح ويسبح من النعيم في النعيم.

    وأما الثانية فهي في عهدنا هذا، ولو أننا استشهدنا التاريخ: أيُّ المرتين كانت أشد وأدهى وأمر؛ لقال غير متجانفٍ لإثم: إن شر المرتين الثانية، الآخرة الحاضرة، الشر في الأولى كان من بعض دواعيه الجهل، أما الشر في الثانية، فكل دواعيه العلم، قد كان الشر يعرض على الناس باسمه وفي ثوبه الحقيقي، فأصبح اليوم يعرض باسم الخير وفي ثوب الخير، كان العالم متباعد الأجزاء، وفي تباعد الأجزاء تقليلٌ من بواعث الشر، واليوم أصبح العالم حياً واحداً الشر فيه يسري ويستشري.

    لابد من حلٍ ومن علاج     من غير تطويلٍ ولا لجاج

    هذا هو داء العالم، والقرآن دواؤه، هذا مرض العالم العضال، والقرآن طبيبه.

    داء دواؤه القرآن

    فيا مشفقاً على العالم انصحه بالعودة إلى القرآن، ويا أهل القرآن لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، ويا أيها المهتدي على الحقيقة العالم في عذاب وعندك توجد الرحمة، العالم في اضطراب وعندك منبع الأمان، العالم في غمة من الشك وعند مشرط اليقين، فهل يجمل بك أن تكون معه خيالاً لا حقيقة وآلاً لا بلال؟ حققوه في وجودكم يتحقق، وتكونوا أطباء، ويكن بكم دواء.

    يا أهل القرآن! لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن..

    أقيموه

    وهللوا وكبروا

    فالفجر لاح

    والديك صاح

    والعطر عطر الحق فاح

    ما حقيقةٌ كخيال.

    أخيراً: أيها الجيل المهتدي على الحقيقة إخواننا في أرض فلسطين ، وفي كل صقعٍ مشردون في الفيافي، أبدانهم للسوافي، أشلاؤهم للعوافي، فهل نحن من الرحمة والنصرة والولاء مجربون؟

    ما كان لمسلم أن يبخل بماله ومهجته في سبيل الله والانتصار لدينه، وهو يعلم أنه قربةٌ إلى الله، ما كان له أن يرضى الدنية في دينه إذا رضيها في دنياه؟

    ألا هل أتى عباد الفلس والطين ما حل ببني دينهم في فلسطين ؟

    يا أهل القرآن! ما زالت التضحية بالأقوال والأهواء متبعة، فالزعامة زعم، والنصر تصفيق، والفضيلة مائعة، والتذكير سطحي، كما قال صاحب الآثار : قد فرقت منا الليوث، وأكثرت فينا الشياة، وضاعت الهوية أو كادت، إن بين جنبي ألماً يتنـزى، وإن في جوانحي ناراً تتلظى، وإن بين فكي لساناً سمته أن يجري فجمح، وأن يسمح فما سمح، وفي ذهني معاني أنحى عليه الهم فتهافتت، وعلى لساني كلمات حبسها الغم فتخافتت.

    فلو أن قومي أنطقتني رماحهم     نطقت ولكن الرماح أجرت

    ما آلٌ كبلال، وما حقيقةٌ كخيال.

    يا أبناء الإسلام! الصراع عقديٌ أبدي: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120] وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217] والحل الناجع مواجهتهم بسلاح العقيدة الصحيحة؛ لساناً وسناناً وفعالاً، وحقيقةً لا خيالاً، لاستئصال شرهم، وإبادة خضرائهم؛ جهاداً في سبيل الله في كل ميدان، وما عدا ذلك سرابٌ وصابٌ وعلقمٌ وإذلال.

    فلكل من رفع علم الجهاد في سبيل الله في الشيشان وفي فلسطين وفي كشمير وفي أندنوسيا ، وفي كل بلاد العالمين.. قد أقدمتم فصمموا، وبدأتم فتمموا، وحذار التراجع؛ فإن اسمه الصحيح الهزيمة، وحذار من التردد، فإنه ثل العزيمة: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104].

    لا يخدعنكم وعد، ولا يزعجنكم وعيد، ولا تلهينكم محادثات؛ فكلها ضياع أوقات، وإطالة ذل، ولقد جربتم ولدغتم من جحرٍ واحدٍ مرات ومرات، هذه هي الحقيقة، من أخبركم بغير هذا فقد غشكم، لا تحسبوه شراً لكم!

    لسنا على شيء حتى نقيم القرآن

    ويا أيها المسلمون! إن من العار أن نطلب لهم الحياة ممن يحاول أن يميتهم، ونسأل لهم القوت ممن يجهد بالجوع أن يهلكهم.

    إن علينا أن نعرف عدونا حق المعرفة من خلال كتاب ربنا، ونتعامل معه بثاقب بصيرة، ولا نأخذ منه ولو من مباحٍ إلا بقدر ما يباح للمضطر من الميتة لإضعافه، والاقتصاد عامل قوة فخذها بقوة، ولنربِّ أنفسنا، ونشد أيدينا على البراءة من عدونا، وبغضهم، والإعداد لهم، فإن أعمالنا ونصرتنا لإخواننا لم تزل إبلاً يوردها سعد، وعواطف لا عضد لها ولا ساعد ولا زند، فلنجرد سيف الحقيقة العقدي من الغمد، فما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.

    فوالذي خلق القلوب مضغاً، وبث فيها شعلاً من نور الإيمان؛ لئن عدنا إلى الله، ليعود الله لنا بالنصر كما وعدنا، ولئن غيَّرنا ليغير، حققوا الشرط معشر المسلمين يحقق الله الجزاء إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7] نصر الله واقعٌ حال لمن اهتدى بهداية القرآن على الحقيقة لا الخيال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

    يا أهل القرآن! لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، يا أهل القرآن! ضعوا الأساس على صخرةٍ وإلا انهار البناء، يا أهل القرآن! إن لم يكن فعال، فليكن حسن فال، ما حقيقةٌ كخيال.

    يا أهل القرآن! إنه خلق نبينا صلى الله عليه وسلم، فزينوا القرآن بالفعال، ما حقيقةٌ كخيال، يا أهل القرآن.

    ما خضب رأسٍ كخضبٍ في بنان يدي     وحمرة الفجر ليست حمرة الشفق

    يا شباب القرآن! أربأ بكم ونفسي بالله أن نكون رواد خيال، ما آلٌ كبلال، وما حقيقةٌ كخيال.

    يا أهل القرآن! لا يستوي المصباح والإصباح.

    يا أهل القرآن! القرآن القرآن! القرآن القرآن! عملاً وحسن فال، إنما هي غمرات ثم ينجلين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    فيا فالق الإصباح والحب والنوى     ويا نافذ التدبير ما شاء يفعلُ

    ويا هادي النحل إلى بيته.

    ويا هادي الطفل إلى ثديه، اهدنا بهداية القرآن، واهد بنا ويسر الهدى لنا.

    ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك، ويا حي يا قيوم، يا قوي يا عزيز، يا من لا يهزم جنده، ولا يغلب أولياؤه، يا ذا العزة التي لا تضام، والركن الذي لا يرام.. نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر إخواننا في فلسطين وكشمير والشيشان وأندنوسيا ، وفي جميع بلاد العالمين، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وتول أمرهم، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء يا سميع الدعاء، اللهم اشدد وطأتك على عدوهم، اللهم أحص عدوهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أنت حسبنا، ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

    اللهم اغفر لعلماء المسلمين، اللهم عوض على الأمة خيراً في علمائها، اللهم اجعل في الأمة من يخلف من ذهب، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، أنت مولانا نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734483337

    عدد مرات الحفظ

    684431654