اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ما حقيقة كخيال للشيخ : علي عبد الخالق القرني


ما حقيقة كخيال - (للشيخ : علي عبد الخالق القرني)
هذه المحاضرة سفر حافل يتحدث عن واقع المسلمين في الالتزام بدينهم، وقد بين فيها الشيخ مكمن الداء، ونقطة الضعف، ومنبع الخطر، وبين العلاج لذلك بأسلوب أدبي أخاذ.. فعليك بمطالعتها إن كنت ممن يهمه أمر المسلمين.
الهداية الحقة
اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض، فكل الحمد لك، اللهم لك الشكر لنعمٍ لا نحصيها، فكل الشكر لك، اللهم لك التذلل والخضوع، فلا معبود غيرك، نسألك الأمن من هول يومٍ يستوي فيه القوي والضعيف، والشريف والوضيع، فالناس فيه سكرى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة حقٍ وصدقٍ أتولى بها الله ورسوله والذين آمنوا تترى، وأتبرأ بها براءةً كاملةً من كل طاغوتٍ وندٍ معبودٍ ظلماً وزوراً؛ من دون الله الولي الأعلى، شهادةً صادرةً عن يقين صادقٍ واعتقادٍ صحيح؛ لا شكوك فيها ولا أوهام والله المولى، نسأله الثبات عليها، والعمل بمقتضاها حتى يأتي اليقين وهو أرحم الراحمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، خصه الله بجوامع الكلم، وأنزل عليه القرآن المبين.صلى عليه ربنا وسلما والآل والصحب الكرام الفضلا الأنجم الزهر الهداة النزلا والتابعون السادة الغرُّ الألى قد نقلوا الدين لنا مكملا أزكى صلاةٍ وسلامٍ مثقلا تدوم ما اسود الظلام وانجلا أما بعد:فيا إخوتي في الله! حياكم الله -والتحايا مفاتيح القلوب- تحيةً طيبةً لطالما ثملت في الصدر ثمول النار في الحجر، ثم وافتكم الليلة كعبير السحر، تتنفس في لقائكم شذى الريحان والورد والمسك والعنبر، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تحية الإسلام تبعثها الروح إلى الروح، من كبدٍ مقروح، لامطففة ولا جموح، فللأمور دلائل، وللحقائق مخايل، وبين النفوس تعارف وتآلف، وما يخفى المريب والأمين، ولا يشتبه الصحيح الصريح بالمتهم الضنين، القلوب عرفاء، والأوجه شهداء، والأبصار أدلاء.. فلا خفاء.أحياكم الله وحياكم، وأبقاكم للأمة ذخراً، تصلون أسبابها، وتعيدون لها نضرتها وشبابها، وللإسلام ترفعون أعلامه، وتدفعون ظلامه، وتؤدون فرضه، وتردون قرضه، وتصونون عرضه، وتصعدون سماءه، فتحفظون أرضه برحمة الله ومنه.وهبنا الله التوفيق، وهدانا إلى سواء الطريق.
 زيد بن عمرو بن نفيل وطلب الهداية
وفي القدسي: {يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم} يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء. سبحانه وسعت آثار رحمته أهل الأراضي وسكان السماوات فمن استهداه هداه، ومن توكل عليه كفاه، يقول ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كما في صحيح البخاري : [[إن زيد بن عمرو بن نفيل -وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه- يقول: إن زيداً هذا خرج إلى الشام يسأل عن الدين -يبحث عن الهداية في وقت فترةٍ من الرسل- من الشام إلى الموصل إلى الجزيرة، فلقي عالماً من علماء اليهود، فسأله عن دينه، فقال: لعلي أن أدين بدينكم، فأخبرني، فقال اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله!قال زيد : ما أفرُّ إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، وأنَّى أستطيعه؟! فهل تدلني على غيره؟قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال زيد : وما الحنيف؟قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله.فخرج زيد ، فلقي عالماً من علماء النصارى، فقال مثله: أخبرني عن دينكم لعلي أن أدين به.فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله.قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنًّى أستطيع؛ فهل تدلني على غيره؟قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله.فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام، خرج وبرز، ورفع يديه لمولاه، وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم]].عبد الله! أن يتجه العبد إلى الله وحده دون سواه؛ طلبةٌ عزيزة منيعةٌ تحتاج إلى اصطبار، وطريقٌ يحتاج إلى مجاهدة ليخلص القلب من اتباع الهوى إلى حب مولاه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] تتلوها لذةٌ لا يعرفها إلا من ذاق طعمها وعرف حلاوتها، لكنها تبقى عزيزةً إلا بمشقة، فإذا تجاوزت تلك المشقة، منحتك عطرها، فتنسمت عرفها وريحها وكنت من أهلها، وإلا:فما أنت من أرض الحجون ولا الصفا ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم: 65] فكان زيدٌ وقد ذاق حلاوة الهداية يقول فيما روي عنه: لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، ثم يخر لله ساجداً، ويقول: والله لو أعلم أحب الوجوه إليك، لعبدتك به، ثم يخرُّ ساجداً على الأرض، تقول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: [[رأيت زيداً قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم أحدٌ غيري]] وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يئد ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، وحاله:فإن أك مشغولاً بشيءٍ فلا أكن بغير الذي يرضى به الله أشغلُ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدرك بعثته، وكان يتلمس خروجه ليؤمن به ويتبعه، وقد آمن ومات قبل ذلك، وكان يقول رحمه الله فيما يقول:وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا دحاها فلما استوت شدها سواءً وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا إذا هي سيقت إلى بلدةٍ أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالا سأل سعيد -ابنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه، فقال صلى الله عليه وسلم -واسمع إلى ما قال- قال: {رحمه الله، لقد مات على دين إبراهيم، ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً، يبعث يوم القيامة أمةً وحده، فيما بيني وبين عيسى عليه السلام}.فاهنأ بمنزلك الجميل ونم به في غبطةٍ وانعم بخير جوارِ رضي الله عن الرجل، بل عن الرجال، بل عن الأمة زيد بن عمرو ، استهدى الله فهداه، ودعاه فأجابه سبحانه.سبحان من لا يشبه الأناما وعزَّ رب العرش أن يناما وكل خلقه له فقيرُ وكل أمرٍ شاءه يسيرُ يهدي الذي يشاء ذاك فضلُ ويبتلي البعض وذاك عدلُ ولا يرد ما به الله قضى وكل أمرٍ في الكتاب قد مضى
قصة سلمان الفارسي في طلب الهداية على الحقيقة وما فيها من عبر
أي أخي! هيهات للسيل -أعني سيل الهداية على الحقيقة- هيهات للسيل إذا أتى أن يقف قبل أن يمد مده ويبلغ حده.ومن يسد طريق العارض الهطل؟! أرأيت سلمان ابن الإسلام، سابق الفرس، المنارة الشامخة في طلب الهداية، من تشتاق له الجنة، لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله مثله، قال فيه علي رضي الله عنه بسند رجاله ثقات: [[أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحرٌ لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت]] طلب الهداية في مظانها، فوفقه الله ليصحب رسوله صلى الله عليه وسلم، هبت رياح الهداية في بيداء الأكوان، ونجم الخير، وهدأت الريح، فإذا أبو طالب في لجة الهلاك بلا أمان، وسلمان على ساحل السلامة في أمان، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه في تيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم في غير ما كبرٍ ولا تيه، والنجاشي في أرض الحبشة يعج بلبيك اللهم لبيك، وبلال على ظهر الكعبة يصدح بالأذان ليسمع الآذان ويوقظ الجنان، لما قضي في القدم سلامة سلمان ، أقبل يناظر أباه في دينٍ أباه، فلما علاه بالحجة لم يعرف أبوه جواباً إلا القيد، وهذا جوابٌ مرذولٌ يتداوله أهل الباطل من يوم: حَرِّقُوهُ [الإنبياء:68] ويوم لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] فنزل بـسلمان ضيفُ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ [محمد:31]، فنال بإكرامه مرتبة: (سلمان منا).سمع أن ركباً على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه وما قطع، ركب راحلة العزم يرجو إدراك السعادة والسيادة، وقف نفسه على خدمة الأدلاء وقوف الأذلاء، ليكون من الأجلاء السعداء.. وكان، فلما أحسَّ الرهبان بانقطاع دولتهم، سلموا إليه أعلام الإعلان على نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، وقالوا: إن زمانه قد أظل، فاحذر أن تضل، وإنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين.فلو رأيتموه قد فلَّ الفلا والدليل شوقه، وخلى الوطن فلم يزعجه تطلعه وتوقه، ورحل مع رفقةٍ لم يرفقوا به، فشروه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة، ابتاعه يهوديٌ بـالمدينة ، فلما رأى الحرتين، توقد حرُّ شوقه، وما علم المنزل بلهفة النازل:أيدري الربع أيُّ دمٍ أراقا وأيُّ قلوب هذا الركب شاقا لنا ولأهله أبداً قلوب تلاقي في جسوم ما تلاقى فبينا هو يكابد ساعات الانتظار، قدم البشير بقدوم البشير النذير والسراج المنير؛ عليه صلوات الحكيم الخبير، وسلمان في رأس نخلة، كاد الفرح أن يلقيه لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص:10] ثم عجل النزول لتلقي ركب السيارة، ولسان حاله يقول:خليلي من نجدٍ قفا بي على الربى فقد هبَّ من تلك الديار نسيمُ فصاح به مالكه: ما لك ولهذا؟ انصرف إلى شغلك، فأجاب بلسان حاله:كيف انصرافي ولي في داركم شغلُ فأخذ مالكه يضربه، فأخذ لسانه يترنم لو سمع الأطروش الأصم:خليلي لا والله ما أنا منكما إذا علمٌ من آل ليلى بدا ليا فلما لقي الرسول صلوات الله وسلامه على الرسول، عرض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافق وطابق، فإلى الهداية سيق فسابق، حرر نفسه من هواها، فانتصرت يوم زكاها وحماها، ضعفت الأخلاط، فخفت الأغلاط، وتجدد النشاط، وهدي سلمان إلى سواء الصراط، ما آل كبلال، ، وما حقيقةٌ كخيال..يا محمد! صلوات الله وسلامه على نبينا محمد، أنت تريد أبا طالب ، والله يريد سلمان ، أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال: عبد مناف، وإذا انتسب فللآباء، وإذا ذكر المال عد الإبل، وسلمان إن سئل عن اسمه، قال: عبد الله، وعن نسبه، قال: ابن الإسلام، وعن لباسه، قال: التواضع، وعن طعامه، قال: الجوع، وعن شرابه، قال: الدموع، وعن وساده، قال: السهر، وعن فخره، قال: (سلمان منا) وعن قصده، قال: يريدون وجهه.قصدنا الله حجتنا يوم يأتي الناس بالحججِ نورٌ مسخ الظلام، وهدىً محق الضلال، وحقٌ محق الباطل.طلع الصباح فأطفئ القنديلا ما حقيقةٌ كخيال..الهداية على الحقيقة نورٌ من الله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35] ومنةٌ وهبةٌ من الله: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25] ورحمةٌ من الله إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].رحمة الله لا تعزُّ على طالبٍ في أي مكان ولا في أي حال، كما يقول صاحب الظلال في تصرف: وجدها إبراهيم عليه السلام في النار: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] ووجدها يوسف عليه السلام في الجب: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [يوسف:15] ثم وجدها أخرى في السجن: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:54-56] ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفلٌ رضيعٌ مجردٌ من كل قوة ومن كل حراك: فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] ثم وجدها أخرى في قصر فرعون وهو عدوٌ له متربصٌ به، يبحث عنه ليقتله، فإذا به يغذوه قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص: 9] وقد ألقى الله عليه المحبة، فما رآه أحدٌ إلا أحبه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت في الظلمات يوم نادى: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88] وجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [الكهف:16] وجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهم ويقصون الآثار: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما قال: لا تحزن إن الله معنا) وجدها كل من أوى إلى الله يائساً من كل ما سواه، منقطعاً عن كل شبهةٍ في قوة، ومظنةٍ في رحمة، قاصداً باب الله وحده:إلهي وجهت وجهي إليك فحقق منايا وأحلاميا وهب لي من العزم ما أرتجي وحقق بفضلك آماليا وثبت فؤادي في حاضري وتمم قوابل أياميا الهداية على الحقيقة نورٌ وحبور وسرور، والنور لا يحل إلا في قلبٍ صحيحٍ سليمٍ من الهوى والحقد والغل والحسد كما يقول الحميدي ، أما القلب المريض، فإنه محجوبٌ عن ذلك النور، ولو كان الفكر في غاية الذكاء والفهم والعلم، فهو أحير من ضب؛ إذا بعد عن جحره خبن، وأهل الصحراء أعلم بذلك.هذه حقيقة عارية، من أنكرها فهو ساعٍ على جسر الخيال، مستبدل بالماء الآل، وما حقيقةٌ كخيال.
 زيد بن عمرو بن نفيل وطلب الهداية
وفي القدسي: {يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم} يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء. سبحانه وسعت آثار رحمته أهل الأراضي وسكان السماوات فمن استهداه هداه، ومن توكل عليه كفاه، يقول ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كما في صحيح البخاري : [[إن زيد بن عمرو بن نفيل -وهو ابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه- يقول: إن زيداً هذا خرج إلى الشام يسأل عن الدين -يبحث عن الهداية في وقت فترةٍ من الرسل- من الشام إلى الموصل إلى الجزيرة، فلقي عالماً من علماء اليهود، فسأله عن دينه، فقال: لعلي أن أدين بدينكم، فأخبرني، فقال اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله!قال زيد : ما أفرُّ إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، وأنَّى أستطيعه؟! فهل تدلني على غيره؟قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال زيد : وما الحنيف؟قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله.فخرج زيد ، فلقي عالماً من علماء النصارى، فقال مثله: أخبرني عن دينكم لعلي أن أدين به.فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله.قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنًّى أستطيع؛ فهل تدلني على غيره؟قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله.فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام، خرج وبرز، ورفع يديه لمولاه، وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم]].عبد الله! أن يتجه العبد إلى الله وحده دون سواه؛ طلبةٌ عزيزة منيعةٌ تحتاج إلى اصطبار، وطريقٌ يحتاج إلى مجاهدة ليخلص القلب من اتباع الهوى إلى حب مولاه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] تتلوها لذةٌ لا يعرفها إلا من ذاق طعمها وعرف حلاوتها، لكنها تبقى عزيزةً إلا بمشقة، فإذا تجاوزت تلك المشقة، منحتك عطرها، فتنسمت عرفها وريحها وكنت من أهلها، وإلا:فما أنت من أرض الحجون ولا الصفا ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم: 65] فكان زيدٌ وقد ذاق حلاوة الهداية يقول فيما روي عنه: لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، ثم يخر لله ساجداً، ويقول: والله لو أعلم أحب الوجوه إليك، لعبدتك به، ثم يخرُّ ساجداً على الأرض، تقول أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: [[رأيت زيداً قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم أحدٌ غيري]] وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يئد ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، وحاله:فإن أك مشغولاً بشيءٍ فلا أكن بغير الذي يرضى به الله أشغلُ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يدرك بعثته، وكان يتلمس خروجه ليؤمن به ويتبعه، وقد آمن ومات قبل ذلك، وكان يقول رحمه الله فيما يقول:وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا دحاها فلما استوت شدها سواءً وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا إذا هي سيقت إلى بلدةٍ أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالا سأل سعيد -ابنه- رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه، فقال صلى الله عليه وسلم -واسمع إلى ما قال- قال: {رحمه الله، لقد مات على دين إبراهيم، ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً، يبعث يوم القيامة أمةً وحده، فيما بيني وبين عيسى عليه السلام}.فاهنأ بمنزلك الجميل ونم به في غبطةٍ وانعم بخير جوارِ رضي الله عن الرجل، بل عن الرجال، بل عن الأمة زيد بن عمرو ، استهدى الله فهداه، ودعاه فأجابه سبحانه.سبحان من لا يشبه الأناما وعزَّ رب العرش أن يناما وكل خلقه له فقيرُ وكل أمرٍ شاءه يسيرُ يهدي الذي يشاء ذاك فضلُ ويبتلي البعض وذاك عدلُ ولا يرد ما به الله قضى وكل أمرٍ في الكتاب قد مضى
إنما يهدي الله من اهتدى
هاهو غلامٌ أسودٌ راعٍ يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصرٌ لبعض حصون خيبر ، معه غنم هو أجيرٌ فيها لرجلٍ من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض عليَّ الإسلام، وكان صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحداً أن يعرض عليه الإسلام، فعرض عليه الإسلام فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.وباح الصباح بأسراره وحرُّ الهوى في حشاه استعر قال: يا رسول الله! إني كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم، وهي أمانةٌ عندي، كيف أصنع بها؟ فقال صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: (اضرب في وجوهها ترجع إلى ربها، فقام فأخذ حفنة من حصى، فرمى بها في وجوه الغنم، وقال: ارجعي، لا أصحبك والله أبداً، فخرجت كأن سائقاً يسوقها حتى دخلت حصن اليهودي، ثم تقدم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل، فأصابه حجرٌ، فقتله وما صلى لله صلاةً قط، لم يكن بين إسلامه وقتله صلاة، فيؤتى به ويوضع خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسجى بشملةٍ كانت عليه، ثم يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من أصحابه، ثم يعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله! لم أعرضت عنه؟ فقال فيما روي عنه: إن معه الآن زوجتيه من حور العين).تحول عنه الأذى وانتهت صروف الحياة وأشجانها سقاه الغوادي رحمانها وحياه بالخلد رضوانها وحور الجنان وولدانها هكذا يا معاشر المسلمين أبصر نور الهداية أسود راعٍ مملوك، بينما حجبت عن علماء أهل الكتاب في حصونهم مع أنهم يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ليسوا للهداية بأهل: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ [الأنفال:23] اتبعوا الهوى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص:50] زاغوا: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5] وكتموا الحق وهم يعلمون، فبئس ما يصنعون.إذا ما تردى في الضلالة جاهلُ فما عذر من يأبى الهدى وهو عارفُ يظنون ألن ينسف الله ما بنوا ولن يثبت البنيان والله ناسفُ سيلقون بؤساً بعد بؤسٍ ومحنةً فلا العيش فياحٌ ولا الظل وارف
 الهداية الحقة احتكام إلى الوحي
الهداية على الحقيقة تحولٌ جذري في السلوك والفكر، والتصور والمعتقد، والشعور والانتماء والمعاملة، والظاهر والباطن، إنها باختصار إسلام النفس لله وحكمها بوحي الله، أقوال المهتدي حقاً، وأعماله، وعطاؤه ومنعه، وحبه وبغضه، ومعاملته؛ لوجه الله، لا يريد بذلك جزاءً من الناس ولا شكوراً، ولا ابتغاء جاهٍ عندهم، ولا طلب محمدةٍ ومنزلةٍ في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، قد عدَّ الناس بمنزلة أهل القبور، لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، عرف الناس فأنزلهم منازلهم، وعرف الله فأخلص له، وأصلح ما بينه وبينه، فمقاله: أسلمت وجهي لله.همه لله لا في غيره ولأجل الله مولاه خضع وحاله:عملٌ أريدَ به سواك فإنه عملٌ وإن زعم المرائي باطلُ فإذا رضيت فكل شيءٍ هينٌ وإذا حصلت فكل شيءٍ حاصلُ هاهو أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجلاً مأموناً يتاجر في أموال قريش، واقتنع أن دين الله هو الحق، وأسلم سراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجع ليرد الأموال، فقيل له وهو عازمٌ على أن يؤدي الأمانات إلى أهلها في مكة : هل لك أن تأخذ هذه الأموال، إنما هي أموال المشركين؟ فقال في اعتزاز المسلم وأمانته وطهره، وتحوله عن كل جاهلية: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. رعدٌ يجلجل.. يخلب لبك، ويأخذ سمعك، وتحولٌ عظيم يزأر صاحبه وحاله:على المال والجاه حرص الجميع فمن ذا على دينه يحرص؟ ومن يعرف الله لا ينقصُ أنا لله وليٌ لا لعزى أو مناة أنا شمس ليس تطفى بهبوب العاصفات ما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.
عبر وعظات

 علي بن أسد يتوب لسماع آية
علي بن أسد رحمة الله على ذاك الأسد، مرَّ ليلة بـالكوفة ، فإذا برجل يقرأ في جوف الليل قول الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] صادفت قلباً مزاح العلة، فتمكنت منه، فقال: أعد عليَّ رحمك الله، فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، ثم عمد إلى بيته فاغتسل، ثم غسل ثيابه، وانطلق وجدَّ على جسر الحقيقة، فلم يزل يرتقي في مدارج العبودية حتى عمشت عيناه من كثرة البكاء من خشية الله، وصارت ركبتاه كركبتي البعير، ويداه كثفن الإبل من كثرة قيامه وسجوده لله رب العالمين، وحاله:قصدي المؤمل في جهري وإسراري ومطلبي من إلهي الواحد الباري شهادةٌ في سبيل الله خالصةٌ تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ تاقت نفسه للجهاد في سبيل الله، فغزا مع المسلمين في البحر، ولقي الروم، فقرن مركبه ومن معه بمركب العدو، ثم قال: آن لك أي علي بن أسد ألا تطلب الجنة بعد اليوم أبداً، والحال الحال:شهادةٌ في سبيل الله خالصةٌ تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ إن المعاصي رجسٌ لا يطهرها إلا الصوارم في أيمان كفارِ فاقتحم بنفسه عليهم في سفائنهم؛ رجلٌ يطلب إعلاء كلمة الله، والموت في سبيل الله لا حيلة فيه، يحب الموت كما يحب أولئك الكفار الحياة، فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا حتى مالوا في شقٍ واحدٍ من سفينتهم، فانكفأت عليه وعليهم، فغرق وعليه درعه، وغرقوا جميعاً، شتان بين غريق وغريق، غريقٌ في الصد عن سبيل الله، وغريقٌ في سبيل الله، هداة:تقدم في الله أرواحها وتبذل في الله أموالها فحيِّ الأسود وأشبالها أسلافنا -أيها المسلمون- ركبوا البحر غزاةً فاتحين، فكان البحر -وإن غرقوا فيه- لهم عرشاً،، ولما تخلف من تخلف بعدهم عمَّا هم عليه، ركبوا البحر لأغراضهم وشهواتهم، فكان البحر لهم نعشاً، ما تغير البحر، ولكن تغيرت نفوس الراكبين.
محاكمة في العراء لبيان حقيقة الاهتداء
عبد الله! من لم يهتد على الحقيقة ويأخذ بأسباب الهداية، ولم تنهض همته لها، لا يزال قلبه في حضيض طبعه محبوساً منكوسا، راعٍ مع الهمل، سائمة مع الأنعام، استطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل والبلادة:ليس ضليلٌ حائرٌ كمهتدي
 قصة للاعتبار بين الحقيقة والخيال
ماذا كان العرب قبل الهداية إلى منهج الله وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قد كانوا حفاةً عراةً رعاءً، لا شأن لهم في الأرض، ولا ذكر لهم في السماء، يتقلبون من شدق الأفعى إلى ناب الأفعوان، حتى إن سابور أحد قادة الفرس كان يقوم بتعذيب الأسرى عن طريق نزع أكتافهم، فنزع أكتاف خمسين ألفاً من تميم وبكرٍ وغيرهم، حتى قالت عجوزٌ عربية وهي ترى ذلك المنظر: إن لهذا قصاصاً ولو بعد حين.وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5] * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:6] ورفع الله شأن الأمة المهتدية حقاً ببعثة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإذا بثلةٍ من مهتديها حقاً يقفون أمام يزدجر يدعونه لخيري الدنيا والآخرة الإسلام، وإلا فالجزية، وإلا فالقتال، فيقول وهو يعرف سابق العرب قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول -وصدق وهو كذوب-: والله ما أعلم قوماً أشقى منكم، ولا أسوأ ذات بينٍ، ولا أقل عدداً منكم، وقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، فلا تقومون لهم، فإن كثر عددكم فلا يغرنكم، وإن كان إنما هو الجوع والفقر، فرضنا لكم طعاماً وكسوةً وملكنا عليكم من يرفق بكم، إنا لا نشتهي قتلكم ولا أسركم.فقال المغيرة رضي الله عنه: دعوني أرد عليه، قالوا: كفءٌ كريم، قال: اختر ولا تكثر، تسلم فتنجو ومن معك، أو الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، أو السيف حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.إن كنت من ريح فيا ريح اسكني أو كنت من لهبٍ فيا لهب اخمدي قال: أتستقبلني بمثل هذا أيها العبد! قال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك ما استقبلته، قال: أما إنه لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا حاجة لكم عندي، ارجعوا ليس لكم إلا رستم يدفنكم غداً في خنادق القادسية ، قالوا: ستعلم ونعلم.ورجعوا وقد دخل الرعب إلى أعماق قلبه، رأى قوماً صيغوا بالهداية الحقة صياغةً جديدة، فليسوا بالعرب الذين يعرفهم من قبل، وطلب من قائدٍ من قادته أن يكر على المسلمين كرة على غرة ليأسر أضعف المسلمين، ليرى هل هم جميعاً على هذا المستوى، فكروا، ورجع المسلمون متحرفين لقتال، فلحقوا بأضعفهم فاختطفوه أسيراً، وعادوا به لقائدهم، فقال له: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ فقال أضعف المسلمين: جئنا نطلب موعود الله.قال: وما موعود الله؟ قال: أرضكم ودياركم وأبناؤكم ونساؤكم إلا أن تسلموا، أو تسلِّموا، قال: فإن قتلناكم قبل ذلك؟ قال: موعود الله لمن قتل الجنة، ولمن بقي أرضكم ودياركم وأموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، إنا لعلى يقين!قال: إذاً وضعنا الله بين أيديكم؟! قال: ويحك، بل أعمالكم وضعتكم، وبها الله أسلمكم، لا يغرنك من حولك، إنك لست تحارب الإنس، إنما تحارب قضاء الله وقدره، ونحن قضاء الله وقدره.إني وإن كان ردائي خَلِقا قد جعل الله لساني مطلقا فاستشاط غضباً، وأمر بقتله، فقتل رحمه الله، وبدأ الاستعداد، وقربت ساعة الصفر، وأسرجوا لـرستم فرساً، وقد كان محارباً بارعاً، وخبيراً عسكرياً مجرباً، فقفز قفزةً واحدةً ليستوي على ظهر جواده دون أن يمس الركاب، ثم قال لجنده عن المسلمين: غداً ندقهم، فقال له رجلٌ: إن شاء الله، فرد عليه في كبرياء مقيتةٍ ومجوسيةٍ بغيضةٍ: وإن لم يشأ، إنما ضغا الثعلب حين مات الأسد، يعني: كسرى، وأخشى أن تكون سنة القرود.له الويل، وبفيه الحجر:فكان كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها وطلع النهار، وبدأت المعركة، ووصلت وحدةٌ من جيش الإسلام إلى حيث يوجد رستم ، عثرت على سريره ولم يعثروا عليه فوقه، إذ كان بجوار بغلٍ محملٍ بعدلين من مسك، يستظل بالظل ويشم الرائحة، ويدير المعركة، واقترب رجلٌ من المسلمين من بني تيم؛ هلال التيمي ، وهو لا يعلم بوجود رستم ، فضرب الحبال التي تشد العدلين إلى ظهر البغل فقطعها، فوقع أحد العدلين على ظهر رستم ، وكان ثقيلاً جداً، فأصابه إصابةً بالغة أثرت في فقرةٍ من فقار ظهر رستم ، ثم ضرب هلال العدل، يريد أن يعرف ماذا يحوي هذا العدل، فضربه بالسيف، فانبعثت رائحة المسك، فعرف أنه رستم ، تسلل رستم هارباً نحو النهر، وعرفه هلال وتوجه نحوه، ورماه رستم بسهمٍ فأصابه في قدمه، وهو يقول له بالفارسية: كما أنت، وأوغل في الهرب وهلال خلفه نحو النهر، ولما رأى أن هلالاً سيدركه، بدأ يتخفف من سلاحه وعدته، فرمى بدرعه، ثم رمى بسيفه، ثم قذف بنفسه في النهر، فلم يدع له هلال فرصة النجاة، إذ اقتحم النهر خلفه، وهو يعوم في الماء لم يشعر إلا وهلال يأخذ برجله يجذبه ويسحبه حتى خرج به إلى البر، ثم ضرب جبينه بالسيف ففلق هامته، وضرب أنفه، وحاله:الآن أدقك يا من كان يتبجح بالأمس بغداً ندقهم.لله دره! وبوركت يمينك، أي هلال ما أثبتك! من ذا يجاريك وأنت السيل والسيل فيه غرقٌ وويل والأرض أحوج لدرء العيش منها إلى جلب الحيا والغيث فسحب جثته حتى رمى بها بين أرجل البغال، ثم صعد على سرير رستم ، ونادى بأعلى صوته: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ معشر المسلمين إليَّ، فأطافوا به، ورأوا مصرعه، فكبروا من فوق سريره، وتهدم قلب جيش الفرس، وعمتهم الهزيمة، وبقوا بدون قائد ينظم انسحابهم، فصار همهم النجاة بأنفسهم، ركبهم الذل والهوان، حتى إن الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم، فيأتي حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه المسلم بسلاحه، ويأمر أحدهم بقتل صاحبه، فيفعل كما روى الطبري رحمه الله، ومنهم ثلاثون ألفاً من مغاوريهم -وما فيهم مغوار- قد وطنوا أنفسهم على الموت، فاقترنوا بالسلاسل، وعندما رأوا الهزيمة، تهافتوا في النهر يجر بعضهم بعضاً كالحمر لاقت قسورة، فما أفلت منهم مخبر، ولم تسمع لهم ركزا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-9].من حاد عن هدي الإله تعنتاً يتبدل الأدنى ويلق الأحقرا والله الذي لا إله إلا هو ما من مرة سارت فيها هذه الأمة على هداية الله على الحقيقة؛ ليكون الدين كله لله، إلا تحقق لها وعد الله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [الحج:40] إذا كانت الهداية لمنهج الله سبب استخلاف وتمكين جيل محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، فهي كذلك سببٌ استخلاف وتمكين الطائفة التي هي على ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، يقول صاحب مدارج العبودية : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصف الجيل المؤمن المنتظر وهو يستأصل شأفة اليهود المغضوب عليهم، أحفاد القردة والخنازير، وقتلة الأنبياء؛ لينقذ البلاد والعباد من مكرهم وخبثهم، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم.. يا عبدالله.. هذا يهوديٌ خلفي تعال فاقتله}.إن الشجر والحجر لينادي ذلك الجيل: يا مسلم يا عبد الله! وأنا أناديك: يا مسلم يا عبد الله! حقق العبودية لله، وأقم منهج الله يكن لك التمكين والاستخلاف، وعد الله قائم، وشرط الله معروف، من أراد الوعد فليقم الشرط، ومن وفى وفّي له: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111] ولكنكم تستعجلون.إن هذا لا يعني -يا معشر المسلمين- أن نبقى دون إعدادٍ وتربية؛ منتظرين ظهور المهدي ونزول عيسى عليه السلام، واليهود يعيشون في أرض المسلمين ينقصونها من أطرافها، ولا يعني أن يستعجل المسلمون موهنين الإعداد والتربية الإيمانية القائمة على تحقيق العبودية، فيؤتى على غراس الإسلام فيستأصل قبل أن يبلغ السعي، بل: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة [الأنفال:60] وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].
أعظم طاعونين أخلاقيين مرت بهما البشرية
يا أيها الجيل! إن العالم لم يكد يشهد مذ أن برأه الله على ظهر البسيطة إفساداً عاماً، وطاعوناً أخلاقياً جارفاً إلا مرتين على كثرة ما شهد من الطواعين الجسمانية، كما يقول صاحب الآثار ، إحداها في الجاهلية قبل الإسلام، يوم كان العالم فريسةً للأثرة والاستعباد والاستبداد، والفساد والإفساد، يوم كان العقل عبداً للهوى، والفكر عبداً للوهم، والحقيقة للخرافة، والفطرة رهينة الاعتلال والاختلال، ولكن الله تداركهم بالإسلام، وكتابه القرآن، ورسوله الأمين صلى الله وسلم عليه، فما هي سوى فترة حتى أصبح يمرح ويسبح من النعيم في النعيم. وأما الثانية فهي في عهدنا هذا، ولو أننا استشهدنا التاريخ: أيُّ المرتين كانت أشد وأدهى وأمر؛ لقال غير متجانفٍ لإثم: إن شر المرتين الثانية، الآخرة الحاضرة، الشر في الأولى كان من بعض دواعيه الجهل، أما الشر في الثانية، فكل دواعيه العلم، قد كان الشر يعرض على الناس باسمه وفي ثوبه الحقيقي، فأصبح اليوم يعرض باسم الخير وفي ثوب الخير، كان العالم متباعد الأجزاء، وفي تباعد الأجزاء تقليلٌ من بواعث الشر، واليوم أصبح العالم حياً واحداً الشر فيه يسري ويستشري.لابد من حلٍ ومن علاج من غير تطويلٍ ولا لجاج هذا هو داء العالم، والقرآن دواؤه، هذا مرض العالم العضال، والقرآن طبيبه.
 لسنا على شيء حتى نقيم القرآن
ويا أيها المسلمون! إن من العار أن نطلب لهم الحياة ممن يحاول أن يميتهم، ونسأل لهم القوت ممن يجهد بالجوع أن يهلكهم.إن علينا أن نعرف عدونا حق المعرفة من خلال كتاب ربنا، ونتعامل معه بثاقب بصيرة، ولا نأخذ منه ولو من مباحٍ إلا بقدر ما يباح للمضطر من الميتة لإضعافه، والاقتصاد عامل قوة فخذها بقوة، ولنربِّ أنفسنا، ونشد أيدينا على البراءة من عدونا، وبغضهم، والإعداد لهم، فإن أعمالنا ونصرتنا لإخواننا لم تزل إبلاً يوردها سعد، وعواطف لا عضد لها ولا ساعد ولا زند، فلنجرد سيف الحقيقة العقدي من الغمد، فما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.فوالذي خلق القلوب مضغاً، وبث فيها شعلاً من نور الإيمان؛ لئن عدنا إلى الله، ليعود الله لنا بالنصر كما وعدنا، ولئن غيَّرنا ليغير، حققوا الشرط معشر المسلمين يحقق الله الجزاء إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد:7] نصر الله واقعٌ حال لمن اهتدى بهداية القرآن على الحقيقة لا الخيال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].يا أهل القرآن! لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، يا أهل القرآن! ضعوا الأساس على صخرةٍ وإلا انهار البناء، يا أهل القرآن! إن لم يكن فعال، فليكن حسن فال، ما حقيقةٌ كخيال.يا أهل القرآن! إنه خلق نبينا صلى الله عليه وسلم، فزينوا القرآن بالفعال، ما حقيقةٌ كخيال، يا أهل القرآن.ما خضب رأسٍ كخضبٍ في بنان يدي وحمرة الفجر ليست حمرة الشفق يا شباب القرآن! أربأ بكم ونفسي بالله أن نكون رواد خيال، ما آلٌ كبلال، وما حقيقةٌ كخيال.يا أهل القرآن! لا يستوي المصباح والإصباح.يا أهل القرآن! القرآن القرآن! القرآن القرآن! عملاً وحسن فال، إنما هي غمرات ثم ينجلين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.فيا فالق الإصباح والحب والنوى ويا نافذ التدبير ما شاء يفعلُ ويا هادي النحل إلى بيته.ويا هادي الطفل إلى ثديه، اهدنا بهداية القرآن، واهد بنا ويسر الهدى لنا.ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك، ويا حي يا قيوم، يا قوي يا عزيز، يا من لا يهزم جنده، ولا يغلب أولياؤه، يا ذا العزة التي لا تضام، والركن الذي لا يرام.. نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر إخواننا في فلسطين وكشمير والشيشان وأندنوسيا ، وفي جميع بلاد العالمين، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وتول أمرهم، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء يا سميع الدعاء، اللهم اشدد وطأتك على عدوهم، اللهم أحص عدوهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أنت حسبنا، ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.اللهم اغفر لعلماء المسلمين، اللهم عوض على الأمة خيراً في علمائها، اللهم اجعل في الأمة من يخلف من ذهب، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، أنت مولانا نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ما حقيقة كخيال للشيخ : علي عبد الخالق القرني

http://audio.islamweb.net