إسلام ويب

المصرون على الهلاكللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتحدث الشيخ عن رحمة الله لخلقه، وعن حكمته في أوامره ونواهيه، ثم يضرب أمثالاً لرحمة الله وحكمته في خلقه، وبعد ذلك ينتقل إلى ذكر أسباب هلاك المجتمعات والأمم بعقاب من الله جل وعلا، فمن أسباب الهلاك التي تكلم عنها الشيخ: الإصرار على الذنوب؛ وجود أئمة في الضلال، كراهية صلاح الناس؛ عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... إلخ.

    1.   

    فضل حلق الذكر

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجه ربنا وعظيم سلطانه، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، الحمد لله حتى يرضى والشكر له إذا رضي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم القيامة، نشهد أن لا إله إلا الله ولا رب ولا معبود بحقٍ سواه، نشهد أن الذي خلقنا هو الله، وأن الذي أحيانا ويميتنا ويبعثنا ويحشرنا وينشرنا هو الله، نشهد أن الذي يرزقنا ويمنعنا ويقبض رزقنا ويبسط في حظنا هو الله جل وعلا.

    نشهد أنه المتصرف المالك المدبر المحيي المميت، المعز المذل، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا الله فلا سجود ولا ركوع ولا توكل ولا حلف إلا به وعليه وله، ولا يجوز صرف قليل أو كثيرٍ من ذلك لغيره: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    أشهد أن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى .. وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180] فأسماء الله حسنى بالغة في الحسن غايتها، وصفات الله جُلَّى لا يشابهه فيها أحد جل عن الشبيه والند والنظير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    أيها الأحبة في الله: أحمد الله الذي جمعنا وإياكم وهدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي منَّ على قلوبنا فأَمرَتْ جوارحنا وانقادت لحضور حلقة من حلق الذكر لا نرجو فيها إلا ثواب الله جل وعلا، أنتم تعلمون أن المكان هنا ليس فيه حظٌ من حظوظ الدنيا، لا مال نقبضه، ولا رزق تقبضونه، ولا مرتبة تنالونها، وإنما اجتمعنا ونشهد الله ربنا المطلع علينا وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور منا، نشهده أنا جئنا حباً لكم في الله وأشهد الله جل وعلا وأشهدوا ربكم على أنفسكم أن ما جاء بكم إلا ابتغاء أن تحفكم الملائكة، وتغشاكم السكينة، وتتنزل عليكم الرحمة، ويذكركم الله فيمن عنده، ففي الحديث (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ من ملئه).

    أحبابنا .. إخواننا يا رجال التوحيد .. يا وجوه الإيمان .. يا عزة الأمة بإذن الله جل وعلا: أيسركم أن تذكروا الآن في السماء السابعة في الملأ الأعلى؟

    الله أكبر! فلان بن فلان تذكره الملائكة في الملأ الأعلى في السماء السابعة، يجلس حلقة من حلق الذكر جاء إليها لا يريد ريالاً ولا درهماً ولا خميصة ولا خميلة، ولا وظيفة ولا منصباً، جاء لكي يرضى الله عنه، وفي الحديث الطويل تعرفونه وأعيده حتى نستذكر النية: (إن لله ملائكة سيارين يبتغون حلق الذكر، فإذا وجدوا نادى بعضهم بعضاً أن هلموا، فإذا اجتمعوا ناداهم ربهم علام اجتمع عبادي هؤلاء؟

    فتقول الملائكة: يا ربنا! اجتمعوا يسألونك الجنة، ويستعيذون بك من النار، فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! وهل رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: لا يا رب! ما رأوها، فيقول الله: كيف لو رأوها؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد لها طلباً، فيقول الله جل وعلا: وهل رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: لا. فيقول الله جل وعلا: يا ملائكتي! كيف لو رأوا ناري؟ فتقول الملائكة: يكونون أشد منها هرباً، فيقول الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت لهم) .

    هنيئاً لنا إن مشت بنا الأقدام إلى هذا المكان خالصين مخلصين لوجه الله لا نريد إلا رضا الله، هنيئاً لنا إن خلصت نياتنا لا نبتغي إلا رضا الله، إن رضي الله عنا فلا نسأل، إن رضي الله عنا فلا نبالي، إن صحت الحال بيننا وبين الله فما بيننا وبين الناس يصلح.

    فليتك تحلو والحياة مريرةٌ     وليتك ترضى والأنام غضاب

    إذا صح منك الود فالكل هينٌ     وكل الذي فوق التراب تراب

    وليت الذي بيني وبينك عامـرٌ     وبيني وبين العالمين خراب

    وفي الحديث وقول النبي أبلغ وقول الله أبلغ: (من ابتغى رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عنه الناس).

    اللهم اجعل لنا من كل همٍ فرجاً، اللهم اجعل لنا من كل ضيقٍ مخرجاً، اللهم اجعل لنا من كل بلاءٍ عافية، ومن كل فتنة عصمة، اللهم جئنا نبتغي خيراً من فضلك ونعمة من نعمك، اللهم فلا تردنا محرومين يا رب العالمين!

    اللهم لا تفرق جمعنا إلا بذنبٍ مغفور، وعيبٍ مستور، وتجارة لا تبور، اللهم لا تدع لهذه الوجوه الطيبة المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا غائباً إلا رددته، ولا أيماً من ذكرٍ أو أنثى إلا زوجته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين!

    1.   

    رحمة الله لخلقه وحكمته فيهم

    أيها الأحبة: حديثنا اليوم بعنوان: " المصرون على الهلاك " تصور أن ناراً ملتهبة وألسنتها تتطاير في السماء، وأنتم ترون مجموعة من الرجال والنساء والفتيان والفتيات كلٌ ينزع ثيابه يريد أن يدخل هذه النار ويقتحمها، وأنتم تمسكون بحجزهم، وتأخذون بأعناقهم، وتدفعونهم إلى الوراء عن النار دفعاً، وهم يقولون: ابعدوا أيها المعقدون! ابعدوا أيها المتشددون! ابعدوا أيها المطاوعة! انقلعوا، يا أيها الذين لا تفقهون! نحن نفقه، هذه ليست ناراً .. هذه حضارة .. هذه مدنية .. هذه جنة .. هذه ليست ناراً .. هذه تقدم وتمدن وتحضر! أولئك هم المصرون على الهلاك.

    المصرون على الهلاك: الظالمون الفاسقون، المصرون على المعاصي الذين لا يريدون أن يتوبوا .. المصرون على الهلاك .. الذين آذوا عباد الله، وناصبوا أولياء الله العداوة، وجعلوا وظيفتهم ومهمتهم إيذاء الصالحين من عباد الله جل وعلا، هؤلاء هم المصرون على الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولن نستعرض اليوم كل المصرين لكن سنستعرض طائفة منهم.

    أيها الأحبة: ديننا عظيم! ديننا عظيم عظيم عظيم! ومادام الذي شرع الدين عظيماً فلا غرابة أن يكون الدين عظيماً، إذا شرع الدين حكيمٌ فلا عجب أن تكون الحكمة فيه، إذا شرع الدين رحيمٌ فلا غرابة أن تكون الرحمة في هذا الدين: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] إن ما ترون مِنْ شرع الله في هذا الدين في كل أمرٍ ونهي فيه من علم الله وصفاته جل وعلا حظاً ونصيباً، فرفع الحرج ودفع المشقة والتخفيف عن الناس من باب الرحمة بالعباد، والرحمة من أين جاءت؟ جاءت من الرحمن الرحيم، الذي نردد ونلهج بذكر اسمه في كل يومٍ في سبع عشرة ركعة في المفروضات:

    بسم الله الرحمن الرحيم: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3] وأنت يوم أن يحرم عليك في الدين شيء ليقال لك: اجتنب .. واترك .. وانزجر .. وابتعد .. وجانب .. ولا تقرب .. إنما ذلك لحكمة؛ لأن الله لا يشرع بلا حكمة، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! لأن الله لا يشرع عبثاً لأن الله لا يشرع حيفاً أو ظلماً أو جوراً، إنما يشرع الله لحكمة: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين:8]؟ بلى.

    إذاً: فإذا قال الله: افعلوا كذا، اجتنبوا كذا، فإن الله ما أمرنا بهذا الأمر تشدداً أو تزمتاً أو هوىً أو ظلماً أو جوراً، إنما ذلك لحكمة يراها الله.

    ما هو رأيكم -يا إخوان- لو أننا زرنا مريضاً في المستشفى ووجدناه ينتفض من البرد، ووجدنا الطبيب قد مد يده هكذا على السرير ووضع المغذي في وريده، ماذا سيكون في المغذي؟ (جلوكوز) أو (دكتروز) سكر ثنائي أو سكر أحادي على ما يقرر الأطباء مع أشياء تنفع المريض في حالة الحمى أو البرد أو انخفاض درجة الحرارة، فإذا جاء واحدٌ من الذين لا يفقهون قال: يا دكتور! لماذا لا تضع في هذا المغذي زنجبيلاً حتى يدفيه؟! هذا مريض بردان ما تراه ينتفض من البرد؟ ما رأيك لو أننا أخذنا حقنة زنجبيل وجعلناها في المغذي لأجل يستدفئ الرجل فيتصبب عرقاً!! ماذا يقول الطبيب؟ يقول: يا أحمق! وهل تفقه في الطب شيئاً؟! هل تظن أننا جعلنا هذا المغذي من هذا النوع من فصيلة هذا الدواء عبثاً، أم أننا جعلناه لحكمة يعرفها الأطباء، ويعرفون أنها حينما تسري في بدن المريض فإن حرارته تعتدل من الانخفاض إلى الاعتدال أو من الارتفاع إلى الاعتدال؟! إذاً الطبيب لا يقرر من هوى نفسه حينما يعطيك دواءاً، وإنما يقرر لحكمة يعرفها درسها في الطب أن الذي يناسب هذا المريض هذا الدواء.

    الطبيب حينما يكشف عليك ويقلب السماعات على صدرك -والحمد لله أن السماعات ما تخرج ما في القلوب لو أن السماعة تخرج ما يفكر به الإنسان لما ذهب أحد إلى المستشفى؛ لأن الناس في نفوسهم الشيء الكثير الكثير، ومن رحمة الله أن الله جل وعلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) فحديث النفس معفو عنه، قال جل وعلا: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284] قال الصحابة: يا رسول الله! إن كان الذي نبديه نحاسب عليه، وإن كان الذي نخفيه نحاسب عليه فقد هلكنا، فأنزل الله جل وعلا: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:184-286].

    فإذا كان حديث النفس مما لا يقدر الإنسان على رده وكبحه، وإذا كانت خطرات الفكر مما لا يستطيع الإنسان أن يردها فحينئذٍ يعفى عن ذلك، وقال الله جل وعلا حينما دعاه المؤمنون، قال: قد فعلت قد فعلت .. رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286] وفي كلٍ يقول الله: قد فعلت قد فعلت، فالله جل وعلا لحكمة سلمنا وعافانا من حديث القلوب وما يدور في الخطرات، الحاصل أنك حينما تذهب إلى الطبيب ثم يعطيك الكبسولة الحمراء والصفراء والخضراء فإذا ذهبت إلى (الصيدلي) وأعطيته الورقة وقلت له: تفضل .. الطبيب كشف عليَّ وأعطاني هذا العلاج، فقام (الصيدلي) ونظر ما كتب الطبيب فأخذ كبسولاتٍ صفراء وحمراء وخضراء، لا يمكن أن يقول أحد: يا أخي! أنا هلالي أريد كبسولة زرقاء وبيضاء، أو أنا نصراوي أريد كبسولة صفراء وزرقاء! لا. القضية ليست أمزجة وهوى، المسألة مسألة حكمة، الطبيب يعرف ما يناسبك من الدواء فلا تتجاوز ذلك.

    إذاً: فليست هوى، أتظن أن الطبيب الذي يصرف لك من الدواء ما يناسبك ولا يتعداه إلى ما تشتهي أو تهوى، يعطيك الدواء المر وأنت تشتهي الحلو، ويحرمك هذا الحلو ويختار لك المر؟ الطبيب يفعل ذلك لحكمة، أفتظن أن الله حرم عليك شيئاً وأباح لك شيئاً لغير حكمة؟! الله أكبر! الله جل وعلا ما شرع عبثاً وما خلق عبثاً: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ [المؤمنون:115-116] تعالى الله ربنا، جل تعالى وتقدست أسماؤه! ننزه ربنا أن يحرم علينا أشياء هوى، أو أن يأمرنا بأشياء مزاجاً وإنما هي لحكمة، وقد عرفنا أن الطبيب يأمرك لحكمة وينهاك عن حكمة، ويأمرك بأكل هذا الطعام وينهاك ويحجبك عن الطعام الآخر لحكمة، فإن الله أحكم الحاكمين يوم أن يأمرك وينهاك أيها العبد الفقير الذليل المسكين! يوم أن ينهاك عن الربا وعن التحاكم إلى غير شرعه، وينهاك عن الظلم، ويأمرك بالصلاة، ويأمرك على لسان نبيه بإعفاء لحيتك، ويأمرك بترك اللهو، ويأمرك بترك المعاصي، ليس ذلك عبثاً وإنما ذلك لحكمة جليلة.

    إذا عرفنا ذلك -أيها الأحبة!- فإن كل خصال الدين مبنية على الحكمة، والله جل وعلا لا يقدِّر عبثاً.

    من رحمة الله عدم محاسبته على حديث النفس

    الطبيب حينما يكشف عليك ويقلب السماعات على صدرك -والحمد لله أن السماعات ما تخرج ما في القلوب لو أن السماعة تخرج ما يفكر به الإنسان لما ذهب أحد للمستشفى؛ لأن الناس في نفوسهم الشيء الكثير الكثير، ومن رحمة الله أن الله جل وعلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) يعني: حديث النفس معفو عنه، قال جل وعلا: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284] قال الصحابة: يا رسول الله! إن كان الذي نبديه نحاسب عليه، وإن كان الذي نخفيه نحاسب عليه فقد هلكنا، فأنزل الله جل وعلا: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:184-286].

    فإذا كان حديث النفس مما لا يقدر الإنسان على رده وكبحه، وإذا كانت خطرات الفكر مما لا يستطيع الإنسان أن يردها فحينئذٍ يعفى عن ذلك، وقال الله جل وعلا حينما دعاه المؤمنون، قال: قد فعلت قد فعلت .. رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة:286] وفي كلٍ يقول الله: قد فعلت قد فعلت، فالله جل وعلا لحكمة سلمنا وعافانا من حديث القلوب وما يدور في الخطرات، الحاصل أنك حينما تذهب إلى الطبيب ثم يعطيك الكبسولة الحمراء والكبسولة الصفراء والكبسولة الخضراء فإذا ذهبت إلى الصيدلي وأعطيته الورقة وقلت له: تفضل الطبيب كشف عليَّ وأعطاني هذا العلاج، فقام الصيدلي ونظر ما كتب الطبيب فأخذ كبسولاتٍ صفراء وحمراء وخضراء، لا يمكن أن يقول أحد: يا أخي! أنا هلالي أريد كبسولة أزرق وأبيض، أو أنا نصراوي أريد كبسولة أصفر وأزرق! لا. القضية ليست أنسجة وهوى، المسألة مسألة حكمة الطبيب يعرف أنما يناسبك من الدواء الكبسولة الزرقاء والخضراء والحمراء لا تتجاوزها.

    إذاً: فليست هوى، أتظنون أن الطبيب الذي يصرف لك من الدواء ما يناسبك ولا يتعداه إلى ما تشتهي أو تهوى يعطيك الدواء المر وأنت تشتهي الحلو، ويحرمك هذا الحلو ويختار لك المر، الطبيب يفعل ذلك لحكمة، أفتظن أن الله حرم عليك شيئاً وأباح لك شيئاً إلا لحكمة؟! الله أكبر! الله جل وعلا ما شرع عبثاً وما خلق عبثاً: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ [المؤمنون:115-116] تعالى الله يجل ربنا جل تعالى تقدست أسماؤه تنزه ربنا أن يحرم علينا أشياء هوى، أو أن يأمرنا بأشياء مزاج وإنما هي لحكمة، وقد عرفنا أن الطبيب يأمرك لحكمة وينهاك عن حكمة، ويأمرك بأكل هذا الطعام وينهاك ويحجبك عن الطعام الآخر لحكمة، فإن الله أحكم الحاكمين يوم أن يقول وينهاك أيها العبد الفقير الذليل المسكين يوم أن ينهاك عن الربا وينهاك عن التحاكم إلى غير شرعه، وينهاك عن الظلم، ويأمرك بالصلاة، ويأمرك على لسان نبيه بإعفاء لحيتك، ويأمرك بترك اللهو، ويأمرك بترك المعاصي، ليس ذلك عبثاً وإنما ذلك لحكمة جليلة.

    إذا عرفنا ذلك -أيها الأحبة!- فإن كل خصال الدين مبنية على الحكمة، والله جل وعلا لا يقدر عبثاً.

    مثال يدل على حكمة الله

    حدثني قبل يومين رجلٌ عن صديقٍ له قال: توفيت زوجته أثناء الولادة رحمها الله، والمرأة التي تموت بالولد شهيدة، وهذه من كرامات النساء إن المرأة إذا ماتت أثناء الولادة فلها أجر الشهيد عند الله جل وعلا، قال: ماتت هذه المرأة وقد أنجبت طفلة وخرجت الطفلة إلى الحياة، روحٌ تخرج وروحٌ تصعد! روحٌ تخرج إلى الحياة من ظلمات ثلاث وروحٌ تصعد إلى باريها! انتهى أجلها، فأين الثدي الذي يرضع هذه البنية؟! من يربي هذه الفتاة؟! من يلتفت لها؟! كتب الله أن تزوج الرجل زوجة أخرى، فمكث معها سنة وسنتين وثلاث سنوات ما أنجبت فأراد أن يطلقها، قال له أحد العلماء: لا تطلقها يا أخي، لا تعجل والله جل وعلا سيقسم لك رزقاً، فبلغت السنة الرابعة ما أنجبت، فأبى الرجل يريد أن يطلق قال له الشيخ: يا بن الحلال! لا تطلق، الله عز وجل يريد لك خيراً، فلما جاءت السنة السابعة حملت المرأة فأنجبت، فجاء الرجل إلى الشيخ وقال: يا شيخ! أنجبت المرأة في السنة السابعة، قال: لو أنجبت المرأة في أول سنة لانشغلت بولدها عن طفلتك، فمنعها الله الحمل سبع سنين حتى تتفرغ لرعاية ابنتك الصغيرة، ولما بلغت سبع سنين في بداية التمييز، أذن الله بالنطفة أن تلتقي في رحمها بما أودع في جوفها فكان إنساناً كونه الله وهو أرحم الراحمين.

    أحبابنا .. لا تظنوا أن الله جل وعلا قدر شيئاً عبثاً، وما دامت مقادير الله في العباد ليست عبثاً، فمن باب أولى أن شرع الله دينه الذي هو مبني على افعل .. ولا تفعل .. التزم واجتنب .. وأن تلتزم وتفعل وأن تنتهي وتترك هذه مبنية على الحكمة البالغة.

    دخول الجنة برحمة الله لا بالأعمال

    أيها الأحبة: قال صلى الله عليه وسلم: (الجنة أدنى إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك) إن الجنة التي عرضها السماوات والأرض، الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الجنة التي يقول فيها ابن القيم :

    يا سلعة الرحمن لست رخيصة     بل أنت غالية على الكسلان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحدٌ لا اثنان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ     ـخطاب عنك وهم ذوو إيمان

    خودٌ تزف إلى ضرير مقعدٍ     يا محنة الحسناء بالعميان

    الجنة قريبة إلينا، إن بغياً من بغايا بني إسرائيل نزلت بئراً لتستقي فشربت، فلما خرجت من البئر إذ بها تر ى كلباً يأكل الثرى من العطش، فقالت الزانية: لقد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي من العطش، فنزلت مرة أخرى إلى البئر فنزعت موقها -أي: خفها- ثم ملأته ماءً وخرجت به إلى الكلب فسقت الكلب؛ فغفر الله لها فدخلت الجنة.

    يا إخوان .. أتظنون أن الله جل وعلا محتاج إلينا حتى يجعل قضية الجنة محاسبة، القضية مبنية على الرحمة، وبعد ذلك على الاستجابة، الله جل وعلا حينما يدخلك الجنة لا يدخلك الجنة بأعمالك فقط، إنما قبل عملك برحمته، وبعد رحمته ينظر إلى استجابتك، ولو أن من عصى الله لا يدخل الجنة، ما دخل الجنة إلا المعصومون، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إنه لن يدخل الجنة أحد بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).

    من رحمة الله مناداة المسرفين بـ(يا عبادي)

    فيا أحبابنا .. الجنة قريبة لنا، والجنة تفتح أبوابها صباح مساء، والتوبة أبوابها مفتوحة .. والغني ينادي الفقراء، العزيز ينادي الأذلاء، والقوي ينادي الضعفاء: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] الذنوب جميعاً: اللواط، الزنا، المخدرات، المسكرات، الأفلام، المجلات، الملاهي، كل هذه إن نتب إلى الله توبة صادقة يغفرها الله جميعاً، بعض الناس يظن أن المغفرة تتناول أو تقبل النظرة والغلطة واللمسة والهمسة والقبلة والضمة فقط، أما الزنا واللواط والمخدرات والربا والفواحش فهذه كبائر لا يغفرها الله، لا. الله جل وعلا ما نادى المذنبين ما قال: أيها المذنبون! بل حببهم إلى نفسه وقال: (يا عبادي) وكلمة (عبد) حينما يسمي الله عبداً من عباده أو خلقاً من خلقه بلفظ العبد فهو نداء التحبيب والتقريب والتشريف، قال الله جل وعلا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1] وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَاب [الكهف:1] وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).

    الله جل وعلا ينادينا نحن المذنبين المفرطين المسرفين، وينادي معنا الذين زنوا، والذين فعلوا اللواط، والذين أكلوا الربا، والذين اقترفوا المكس، والذين نشروا الملاهي، والذين فعلوا..، الذي يتوب منهم توبة نصوحاً بشروطها يغفر الله له: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر:53] ما قال: أذنبوا فقط، بل أسرفوا وبالغوا في الذنوب: أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] (وأنيبوا) نريد إنابة! نحتاج إلى استجابة: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

    وهذا نداءٌ فيه بشارة وبعده تحذير: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] لأن الله ما دعانا ليشق علينا، وإنما دعانا لكي يحيينا ويسعدنا وينفعنا ويجعل الطمأنينة في قلوبنا، وإن لم نستجب، وإن لم نتب؟ فإن ذلك يعني أن الإنسان قد يحال بينه وبين قلبه، ويصبح كالذي أصيب بحالة إدمانٍ لا يمكن معها الشفاء إلا برحمة الله جل وعلا.

    أرجو ألا يقول سامعٌ: إنني في حالة إدمان ولست من الذين يشفون، لا. أنت الآن بإمكانك الشفاء، والطريق بين يديك، وباب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أو أن روحك بلغت الحلقوم وأصبحت في حال الغرغرة فحينئذٍ تنتهي القضية، لكن لا شك أن الذين يتوبون من قريب خيرٌ من الذين يتوبون من بعيد، الذي يتوب بعد فاحشة واحدة أقرب إلى الله من الذي يتوب بعد عشر فواحش، والذي يتوب إلى الله بعد ذنب أقرب إلى الله منه بعد كبيرة، والذي يتوب إلى الله بعد كبيرة أقرب إلى الله من الذي يتوب إلى الله بعد كبائر، وكل الناس قربهم من الله بحسب تقواهم، وبحسب إخباتهم إلى الله جل وعلا، المهم أن نعرف أن ديننا يدعونا إلى الخير، ويقربنا إلى الجنة، ويفتح لنا أبواب السعادة

    عطايانا سحائب مرسلات     ولكن ما وجدنا السائلينا

    وكل طريقنا نورٌ وعزٌ     ولكن ما رأينا السالكينا

    من سعة رحمة الله عدم مضاعفة السيئات بعكس الحسنات

    الله جل وعلا حينما تفعل حسنة من الحسنات لا يضيعها، ولا يجعلها تذهب هباءً منثوراً إذا حافظت عليها ولم تضيعها؛ لأن من الناس من يفعل الحسنات ويعطيها الناس، إنسان يصلي الفجر مع الجماعة، افرض كتبت له ألف حسنة، ثم صلى الظهر مع الجماعة وكتبت له ألف حسنة، ثم تصدق بعد الظهر بألف ريال وكتبت له ألف حسنة، -على سبيل المثال- جمع الرجل ذلك اليوم ثلاثة آلاف، لكنه بعد صلاة العشاء عاد يعلب البلوت، ومع اللعب يدخل في السباب والشتام واللعان، تنتهي اللعبة وقد استهلك بسبب اللعان والشتائم والكلام الزور الذي لا يرضي الله جميع حسناته، عنده ثلاثة آلاف حسنة ذهبت خمسمائة حسنة أثناء اللعب، ثم يجلس ويلعب الحجر ويأخذ المعسل ويبدأ مع زملائه بالغيبة: فلان ما فيه خير، وفلان فيه كذا، وفلان .. وفلان .. حتى استهلك ثلاثة آلاف وخمسمائة حسنة، بمعنى: أنه كتبت عليه أربعة آلاف سيئة من بعد المغرب إلى الساعة الثانية عشرة من الليل، والرجل جمع الصباح ثلاثة آلاف حسنة، فخرج ذلك اليوم عليه خسارة قدرها ألف حسنة؛ لأن الرجل جمع ثلاثة آلاف حسنة وفعل أربعة آلاف سيئة، والله جل وعلا من رحمته يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40].

    من بركات هذا الدِّين أن السيئة سيئة والحسنة حسناتٌ تتضاعف، لكن الذين يعاجلون الحسنات، بعض الناس منذ أن يعمل حسنة يتبعها بسيئة، نحن أولاً متى نعرف أن الحسنة قبلت؟ متى نعلم أن هذه العبادة قبلت حتى تكتب لنا بها حسنة؟ فليس كل من صلى كتبت له الحسنات، إن من الناس من يدخل الصلاة فلا يكتب له إلا نصفها .. إلا ثلثها .. إلا ربعها، ومن الناس من يخرج من الصلاة لم يكتب له منها شيء، بمعنى أنه يؤدي الركوع والسجود ويحضر الجماعة فقط ليسلم من الإثم لكن قد لا يكسب حسنات يكبر: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وقلبه في درج المدير.

    وفيما يروى أن موسى عليه السلام قال: يا رب! إن عبدك فلان يدعوك فلا تستجيب له، فقال الله: يا موسى! إنه يدعوني وقلبه عند ماله. لو أن أحدكم يكلم المدير أو الضابط أو الرئيس وتنظر بعينك إلى وجهه، وقلبك عند الغنم أو عند الإبل، ولله المثل الأعلى، ولا نقيس الخالق بالمخلوق، لكن حتى تعرف أن المسألة ليست مجرد أفعال بل هي أفعالٌ وعبادة قلب، فمن حضر قلبه نفعته عبادته بإذن الله جل وعلا.

    1.   

    من هم المصرون؟

    قال صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى ) سبحان الله! يوجد إنسان يأبى أن تفتح له أبواب الجنة يقول له: تفضل، يقول: لا أريد (قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟) من هو المجنون الذي يأبى؟ من هو الذي لا عقل له يدعى إلى الجنة فيأبى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).

    أيها الأحبة: إننا بحاجة أن نبلغ اليقين أن وعد الله حق، إذا بلغنا هذه الدرجة وأدركنا أن الله إذا توعد بوعيدٍ فإن وعيده يحل، وإذا وعد بوعدٍ فإنه يعطي؛ والله يعطي عطاء لا حدود له، والناس إن أعطوك اليوم يمنون عليك غداً، وإن أعطوك غداً منعوك بعد غد، وإن أعطوك بعد غد، منوا عليك وطردوك وأقفلوا الباب في وجهك.

    الله يغضب إن تركت سـؤاله     وبُني آدم حين يُسأل يغضب

    لا تسألن بُني آدم حاجة     وسل الذي أبوابه لا تحجب

    قال الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود:102-104] هذا يوم القيامة .. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:105-106] هؤلاء المصرون على الهلاك الذين دعوا إلى السعادة فاختاروا الشقاوة، والذين دعوا إلى الهدى فاختاروا الضلالة، والذين دعوا إلى الاستقامة فاختاروا الانحراف، والذين دعوا إلى التوبة فاختاروا الإصرار على المعصية: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:106-107] الله فعال لما يريد، من الذي يشفع لك عند الله؟ من الذي يتوسط لك عند الله إذا كتبت لك النار وأخذت كتابك بشمالك وعدت تدعو ثبوراً لتصلى سعيراً؟

    خطر قرناء السوء

    جاء إلي شاب -والله- ما لبث دقائق حتى أخذ يبكي، قلت: ماذا فيك يا فلان؟ قال: والله أنا أذنبت وأسرفت .. وفعلت .. وتعرف ما هو؟ قال: أنا أشعر بعقدة الذنب، أنا أشعر أنني حينما أخطئ أعرف أنني أخطأت، أنا ما أرتكب معصية وأقول: إني صليت، أو أفعل فاحشة وأقول: إني تصدقت، وأعرف أن للفاحشة شؤماً، وأن للمعصية عاقبة وخيمة، ولكن عندي مجموعة أصدقاء يقولون لي: يا أبا فلان! لا يهمك، نحن نتوسط لك وسنقف معك، ولا نتركك أبداً.

    قلت: يا أخي الحبيب! هذا كلامٌ لا ينفع، ولكن افرض أن أصدقاءك كانوا صادقين جادين فيما يقولون، أنك إذا وقعت في ورطة خلصوك منها، هل يستطيع إخوانك إذا حملت على النعش أن ينزلوك من النعش وتمشي على قدميك؟!

    هل يستطيع زملاؤك إذا جاءت الملائكة لتقبض روحك أن يدفعوا الملائكة عنك بواسطة؟!

    هل يستطيع زملاؤك إذا جاء أقرباؤك وأدخلوك القبر ثم أدخلوك ظلمة اللحد، وضرب رأسك على الأرض؟!

    أحد الإخوان في البارحة قال: كنا في مسجد الشيخ ابن قعود قال: وإذ بي أجد شاباً شعره ما شاء الله، مسرف على نفسه -أسأل الله لنا وله الهداية- أجده متأثراً ويستغفر ويقرأ القرآن، يقول: فرأيت فيه علامات الانكسار وظاهره الانحراف، فسلمت عليه، فقال: يا (مطوع)! تعرف تدفن ميتاً؟ قلت: خيراً إن شاء الله، نصلي وبعد ذلك ندفنه، قال: فصلينا ثم صلينا على الجنازة، وكل واحد منكم سيُصَلَّى عليه، وسوف تُخْلَعُ ثيابه، ويُصَبُّ الماء على بدنه، وأنا أولكم وسوف أُغسَّل وتُغسَّلُون، وأُكفَّن وتُكفَّنُون، ونُحمل على النعش وتُحْمَلُون، وندخل في ظلمة اللحد وتدخلون، وسوف نُسْأَل وتُسْأَلون، وسوف يغلق اللِبنَ -ويمكن أن لبنةً تنـزلق على وجهك في القبر- وسوف يغلق اللبن علينا ويغلق عليكم، وحينئذٍ لا تجد بصيص نور ولا شمعة أو نصف شمعة أو ربع شمعة في اللحد، هذه الفلل الفسيحة التي تتمشى فيها وتتعب من المشي، أين تتمشى في اللحد؟! لا تستطيع أن تحرك كتفك هكذا ولا هكذا، هذه قضية ضعوها بين أعينكم، وهذا المصير سوف يجمع كل الناس، الملوك .. الأمراء .. الوزراء .. الأثرياء .. الأغنياء .. الفقراء كلهم سيدخلون المقابر، كلهم سوف يوضع اللبن على رءوسهم، كلهم سوف يدخلون ظلمة اللحود، كلهم سوف يلبسون الشاش الأبيض وتنزع منهم الملابس وكل ما تحلو به في الدنيا.

    تذكروا هذا جيداً يقول صاحبنا: فلما صلينا على الجنازة وذهبنا إلى المقبرة ثم نزلنا، وهؤلاء لا يعرفوا كيف يقبرون؟ وهذا صديقٌ له وربما من أهله كذلك.

    أحياناً -يا إخوان- تعجب! والله رأيت بعيني جنازة ويتبعها ثلاثة أو اثنين فقط، سنة اتباع الجنائز مضيعة، الناس لا تتبع إلا جنازة من تعرف، وإذا جاء الناس دخلوا المقابر يتفاخرون، وأعجب ما ضحكت له -وشر البلية ما يضحك- قبل مدة كنا في المقبرة وإذ بي أجد شخصاً قاعداً يوزع على الناس قوارير ماء بارد، جزاكم الله خيراً يوزع على الناس ماءً بارداً، أيها الحبيب! اجعلهم يذوقون العطش قليلاً، أنت الآن توزع على الموجودين الذين دفنوا الميت ماءً بارداً، لكن هذا الميت الذي نشف ريقه، والتراب انهال على رأسه، من الذي يعطيه قارورة ماء؟

    القضية صعبة صعبة جدا،ً ولكن الناس في غفلة، والغافلون من المصرين على الهلاك، الذين يستمرون ويصرون على الغفلة هم من المصرين على الهلاك.

    قال صاحبنا: فنـزلنا وأخذنا الشاب الذي نريد أن ندفنه، ونزلت في القبر ومعي صاحبي قال: فلما جئنا ننـزله هكذا تعرفون الإنسان عندما يقف على شفير اللحد، أنت حينما تضع الميت ربما تضع رجلاً في اللحد ورجلاً فوق اللحد أو رجليك فوق اللحد وأنت تنحني لتضع الميت في القبر، قال: فلما وضعته هكذا سألت نفسي، قلت: ماذا ينفعه الآن؟ هل ينفعه أنه فلان بن فلان آل فلان؟!

    هل ينفعه أنه فلان بن فلان من قبيلة كذا أو من قبيلة كذا أو من نسب كذا؟!

    هل ينفعه أن أباه كان صاحب ملايين؟!

    هل ينفعه أن عنده شهادة ترجمة؟!

    هل ينفعه أن عنده وعنده؟!

    والله لا ينفعه إلا عمله الصالح: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89].

    يقول صلى الله عليه وسلم: (يموت ابن آدم ويتبعه ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وولده ويبقى عمله) ثم إذا وضعوك في اللحد وأغلقوا اللحد باللِبن وأهالوا التراب، ثم بعد ذلك ذهبوا وتركوك، أيها الناس! في فصل الشتاء لا أحد يعطينا بطانية، درجة البرودة في الأرض عالية لا يوجد شيء ينفع، عندك عمل صالح يدفئك في البرد، أيها الناس! درجة الحرارة خمسين، وباطن الأرض ملتهب بالحرارة .. لا أحد يعطينا (مكيفاً) .. لا أحد يعطينا ماء .. لا أحد يرش على القبر ماء حتى يصلنا .. أيها الناس! كلبٌ من الكلاب يتبول على القبر لا أحد يبعد الكلب عن القبر! أنا فلان بن فلان ما يدخل علي أحد إلا بعد أن يستأذن من السكرتير، الآن الكلب بن الكلب يدخل ويبول على القبر ولا أحد يرده عن القبر؟! أيها الحبيب! هذا مصير الدنيا.

    افتكر في منتهى حسن الـذي     أنت تهواه تجد أمراً جلل

    آخر الشراب بول نجس، وآخر الطعام خراءة وعذرة، وآخر الجمال دودٌ وضعف، وآخر التفتح ذبولٌُ ونهاية.

    إن الذين يتأملون حقيقة الدنيا وما تئول إليه يزهدون فيها حتى لو اجتمعت بين أيديهم، نسأل الله أن يبصرنا بحقيقة هذه الدنيا: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

    تبرؤ الأصحاب والأحباب منك يوم القيامة

    أيها الأحبة: المصرون على الهلاك الذين شقوا في النار لهم فيها زفير وشهيق: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107] من الذي يرد عنك عذاب الله؟ من الذي يحول بينك وبين ملائكة جهنم؟

    من الذي يثبت لك الجسر على الصراط حتى تمر عليه مطمئناً؟ من ينفعك: رئيسك؟ قريبك؟ حبيبك؟ أميرك؟ ما ينفعك إلا الله ثم عملك الصالح؛ فتعلق بهذا يا مسكين.

    وقال كل خليل كنت آمله     لا ألهينك إني عنك مشغول

    أمك التي جعلت جوفها لك حواءً، وثديها لك سقاء، وسهرت عليك الليل، وزالت عنك القذى والأذى بيمينها التي تأكل بها تأتيك وتقول: أعندك حسنة يا ولدي؟

    فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] إذا نفخ في الصور تضيع الأنساب، الأم ما عادت أماً، والأب ما عاد أباً، والزوجة لم تعد زوجة، والقريب لم يعد قريباً: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] ما الذي ينفع؟: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [المؤمنون:102-103] خسروا أنفسهم، ما خسر المال .. ولا خسر سيارته، ولا خسر وظيفته، بل خسر نفسه، أولئك الذين نسوا الله فنسيهم، خسروا أنفسهم.

    فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [المؤمنون:101-105] وهذا السؤال لكل مصرٍ على المعصية ولكل مصممٍ على الذنب، ولكل متكبرٍ على التوبة والأوبة والرجوع إلى الله: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:105-106] الشقاوة جلساء السوء الشيخ فلان بن فلان في الجمهورية الفلانية العربية يفتي بجواز الربا، وأخذت بفتواه واكتتبت في بنك كذا، اذهب نادي الشيخ بسلامته واجعله يحاج لك عند الله جل وعلا: هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء:109].

    الشيخ الذي أفتى الناس بجواز الربا إذا جاء يوم القيامة رب العباد يفصل بينهم ويحاسبهم ولا تخفى عليه منهم خافية يقول: يا ألله! أنا الذي أفتيتهم، لا. أبداً أنت كنت تعرف أن الشيخ ابن باز أتقى علماء الأرض، وأنت تعرف أن الشيخ ابن عثيمين لا يحابي أحداً، وأنت تعرف أن الشيخ ابن جبرين من أتقى عباد الله الصالحين، نحسبه ولا نزكي على الله أحداً، فما الذي جعلك تترك فتوى الصالحين الأتقياء الأبرار الأطهار الأخيار وتختار فتوى المدخنين وفتوى الذين ربما أفتوا مداهنة للحكام وإرضاء للعوام؟

    أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:105-106] كانت شطارة ومعلومات صحافة وتحدياً وإمعاناً في العناد، الأصوليون يفعلون، والمتشدقون يتوصلون والذين يفعلون يتركون، وهلم جرا .. غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ [المؤمنون:106] لكن عندنا طلب .. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:107-108] .

    انتهت القضية .. فصل الأمر .. طويت الصحف .. جفت الأقلام .. وقف الناس للقضاء .. إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:109-110] أولئك المصرون على الهلاك الذين يستهزئون بدين الصحوة، الذين يستهزئون بالذين نوَّر الله وجوههم بالطاعة، وشرَّف الله جباههم بالسجود، وكرم أنوفهم بالركوع، المستهزئ بهؤلاء ولم يتب من المصرين على الهلاك: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:109-110] تستهزئون بهم .. تعلقون عليهم (كاريكاتير) .. زاوية صحفية .. تنكيت مجالس (مطاوعة) .. هيئة أمر بمعروف ونهي عن منكر، (مطاوعة معقدون): إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا [المؤمنون:111] .

    لقد كان الاستهزاء يؤذينا، لقد كان (الكاريكاتير) يجرح قلوبنا، لقد كانت الكتابات الصحفية تؤذينا: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111] هذه النتيجة في الصبر والثبات بإذن الله جل وعلا.

    1.   

    أسباب الهلاك

    من أسباب الهلاك: الإصرار على الذنوب

    أيها الأحبة: إن الإصرار على الذنوب من أسباب الهلاك، والمصرون على الذنوب هم المصرون على الهلاك، الذين يدعوهم الله جل وعلا، ويدعوهم نبي الله، ويدعوهم الدعاة إلى الله بكلام الله وكلام رسوله فيصرون، يقول الله جل وعلا وياليتنا نتدبر القرآن: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [الأنعام:6].

    أنتم الآن تعيشون على أرضٍ عاش فيها قومٌ قبلكم، ومنهم من أهلكهم الله جل وعلا، ومن هذه الأمم التي كانت قبلكم كانت أشد منكم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرناها نحن، لا تظنوا أننا سخر لنا في الأرض ما لم يسخر لمن قبلنا، بل لقد سخر للذين من قبلنا أشياء أعظم مما سخرت لنا: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر:1-11] قبلنا أمم أقوى منا فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ بعدهم قرناً آخرين.

    أفتظنون أنا معاشر هذا القرن نكون أقوى ممن قبلنا، أو نكون أقوى على الله جل وعلا؟

    لا والله؛ والله ما صنعنا شيئاً وإنما أودع الله في الكون شيئاً وخلق لنا عقولاً أدركته فاستفادت منه، الذين صنعوا الطائرة هل صنعوا القوانين التي ترفعها من الأرض، أم أن الله جل وعلا جعل قوانين الجاذبية والسرعة وقوانين أخرى تتناسب مع سرعةٍ معينة في اتجاه ريحٍ معينة، في دفعٍ معين أن ترتفع الأجسام بسببها عن الأرض، إذاً نحن ما خلقنا الهواء الذي له دورٌ في رفع الأجسام عن الأرض، ونحن ما خلقنا قانون الجاذبية الذي يثبت هذه الأمور على الأرض، وإنما هدانا الله إلى سنن أودعها في الكون فعملنا بها وأنتجنا.

    هذه السنن لا يختص بها الكفار، بعض الناس يتوقع أنه لا ينتج إلا كافر، ولا يخترع إلا كافر، بل الذي يعمل عقله ينتج، بوذي ينتج .. نصراني ينتج .. يهودي ينتج .. مسلم ينتج، المهم من أعمل عقله وتفكر في سنن الله جل وعلا فإنه ينتج ويطور ويخترع ويبتكر، وإلا فما معنى أن شخصاً يسافر من إسرائيل يدرس في كندا ، وشخصاً يسافر من دول عربية يدرس في كندا، وآخر يسافر من كوريا ويدرس في كندا، ورابع يسافر من الصين ويدرس في كندا، فيرجع ثلاثة يخترعون والرابع لا يخترع؟ هل العقل العربي عقل منتهي الصلاحية لا يخترع والعقل الإسرائيلي والعقل الكوري والعقل الصيني يخترع؟

    لا. القضية قضية اعمل .. وفكر .. وطور .. وادرس .. وحلل .. واستنتج .. واستقرئ .. حينئذٍ تستطيع أن تعلم أن القضية ليست قضية عجز، أنوفنا كأنوفهم، وعيوننا كعيونهم وآذاننا كآذانهم لا نستطرد كثيراً، المهم ينبغي أن ندرك ذلك جيداً، فهناك أمم أقوى منا عاشت على الأرض وملكت أكثر مما ملكنا، وأبدانهم أقوى من أبداننا، ومع ذلك لم يبال الله بهلاكهم، فلنتنبه جيداً.

    ولذلك قارون لما قال قومه له: لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:76-77] ماذا قال؟

    قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] ماذا قال الله؟

    أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [القصص:78] إذا أصر الإنسان على الذنوب وأصبح في هذه الحالة من العناد والإصرار والمكابرة والغفلة فهو مصرٌ على الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    من أسباب الهلاك: كراهية الصلاح للأمة

    المصرون على الهلاك أولئك الذين يريدون لنا ألا تصلح بيوتنا ومجتمعاتنا وأمتنا؛ لأن الله جل وعلا قد جعل سنة كونية إن نحن اجتهدنا في الإصلاح أن الله لا يهلكنا، وإن تهاونا ورأينا المعروف يضمحل ويقل، والمنكر يزيد ويكبر وسكتنا، وكلٌ جعل عمامته على وجهه وكأن الأمر لا يعنيه، هذا مؤشر الهلاك، قال تعالى: فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116] اسمع: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117] يعني: إذا أصلحنا أنفسنا فإن الله لن يهلكنا، وإذا تساهلنا وقعد بعضنا يثبط بعضاً وقع الهلاك.

    ما رأيت أقبح من الذين يلومون المصلحين على العمل، تجد عبداً من عباد الله وداعية من الدعاة إلى الله مجتهداً في الإصلاح، فإذا ابتلي بنوعٍ من أنواع البلاء يأتي أحد عامة الناس، ويقول: ما الذي جعله يتدخل في الناس؟ لماذا يتدخل فيما لا يخصه؟ نحن أمة خير فضلنا الله لأننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونصلح مجتمعاتنا وندعو إلى الله، أما أمة الماعز هذه ليست أمة الإسلام، أمة الغنم! أمة النعاج! هذه ليست أمة الإسلام.

    ولذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: (أنتم يومئذٍ كثير) تصور! الأمة جفنة من الطعام وكل الأيدي تخدش وتأكل من الطعام، وتنهش من كل جانب: (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟ قال: لا. أنتم يومئذٍ كثير -الآن العالم الإسلامي مليار مسلم، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة، ولكن قال صلى الله عليه وسلم- أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يصيبكم الوهن، وينزع الله المهابة من صدور أعدائكم؟ قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) أصبحت أمة غثائية إلا من رحم الله وقليلٌ ما هم، ولو كانت أمة شهادة أمة تضحية أمة فداء أمة تتاجر بالدم ما يقتربها صربي ولا يقتربها كرواتي ولا شيوعي ولا غربي ولا نصراني.

    نقول أيها الأحبة: إن ترك الإصلاح من أسباب الهلاك، والذين يثبطون أو يرجفون بالمصلحين أولئك الذين يريدون الهلاك، ولماذا لا نتعاون على إصلاح بعضنا بعضاً، إصلاح بيوتنا، إصلاح مجتمعاتنا؟ فإن من حذرنا ونهانا وأبعدنا وطردنا عن الإصلاح فذلك الذي يريد هلاكنا علم بذلك أو لم يعلم:

    فإن كان لا يدري فتلك مصيبة     وإن كان يدري فالمصيبة أعظم

    من أسباب الهلاك: انتشار الظلم

    أيضاً من أسباب الهلاك: الظلم، هلكت أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتعٍ فيه.

    أيها الأحبة: الظلم من أخطر الأمور، رب عبدٍ من عباد الله يرتكب ذنباً فيما بينه وبين الله فيتوب منه، ورب شاب يفعل فاحشة ثم يتوب توبة نصوحاً بعدها، لكن الظلم من أخبث أسباب الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله! قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [يونس:13] وقال ابن تيمية رحمه الله عند قوله جل وعلا: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] قال: وإن دلت الآية ابتداء وأصالة على أن الظلم الوارد فيها معنيٌ بالذي جاء في سورة لقمان: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] لكن يدخل فيه ظلم العباد بعضهم بعضاً.

    وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه) لأن هذا فلان بن فلان! هذا له واسطة! هذا له جاه! (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع) أحضروا هذا الذي لا يستحي، هذا الذي ليس بكفوٍ، أحضروه لنا: (أقاموا عليه الحد) هذا من أسباب الهلاك؛ لأن هذه صورة من صور الظلم، إذا كان الظالم قوياً لا ينتصف منه للمظلوم فبقي المظلوم مظلوماً.

    تنام عينك والمظلوم منتبهٌ     يدعو عليك وعين الله لم تنم

    وما من يدٍ إلا يد الله فوقها     ولا ظالمٍ إلا سيبلى بأظلم

    هذه من صور الظلم والحيف والجور في التطبيق، ولذلك ينبغي أن نتواصى في أن يكون الإنكار على الشريف والوضيع، والصغير والكبير، فإن كان منكراً كلٌ ينكر عليه، ويؤتى إليه، ويعطى ما يناسبه، لكن لا يعني ذلك محاباته ومداهنته، وإن كانت القضية حداً من حدود الله: (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) لما سرقت المخزومية فعظم ذلك على قومها فقالوا: بمن نشفع؟ من الذي يتوسط لنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حب رسول الله وابن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد بن حارثة، كان الرسول يحبه ويحب أباه، فجاء أسامة يتوقع أن المسألة شفاعة عادية، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم واحمر وجهه وانتفخت أوداجه: (يا أسامة! أتشفع في حدٍ من حدود الله؟! وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

    فإذا رأيت الأمة تقام فيها الحدود على الصغير والكبير، والشريف والوضيع، والعالي والحقير فهي علامة من علامات سلامتها، وإذا رأيت الأمة في محاباة: فلان يفعل .. وفلان لا يفعل .. وفلان يسجن .. وفلان لا يسجن .. وفلان يقام عليه الحد، وفلان لا يقام عليه الحد، وفلان تقع عليه العقوبة وفلان لا تقع عليه العقوبة .. وفلان عليه القانون وفلان لا قانون عليه، فهذه من علامات الهلاك ومن مؤشرات الهلاك.

    من أسباب الهلاك: الترف والإعراض عن المواعظ

    المصرون على الهلاك أولئك المتسلطون بالترف، المعرضون عن المواعظ، المصرون على الذنوب، الغارقون في وحل الشهوات، القاعدون بكل صراطٍ يوعدون وكما قال الله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ [الأنعام:26] ينهون الناس عن الخير، وهم أيضاً ناءون عن الخير، يعني: لم يقتصر شره على نفسه أنه بعيد عن الخير لوحده، بل هو بعيدٌ ويقول للناس: ابتعدوا، قال تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] إذا رأيت المترفين الفساق متسلطين معرضين فتلك من علامات الهلاك، قد تقول: يا ربنا! وما بالنا نحن، هؤلاء مترفون مصرون غارقون؟! لا. لأن الأمة إذا رضيت بالمنكرات وسكتت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر النصيحة، مصيبة الأمم الآن ألسنة في المجالس الخاصة، حال الشخص إذا أغلق المجلس في الأربعة الجدران قام يتكلم وينتقد (فيلسوف) وأستاذ، وإذا خرج وجلس مجلساً لا ينكر منكراً ولو برسالة، إذا كنت لا تستطيع أن تواجه لقصور أو لعدم قدرة أو لعدم تعود، اكتب رسالة إلى صاحب المنكر الذي تراه وقل له: اتق الله وأنت فلان بن فلان.

    أعرف شاباً لم يؤت لساناً فصيحاً ولم يؤت بلاغةً ولم يؤت علماً ولا شيئاً يذكر، ولكن متخصص في أسلوب من أساليب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول: أنا أنصح بالرسالة، أي إنسان صاحب منكر أرسل له رسالة، وأرسل له الرسالة الثانية، ومستمر معه في الرد، أنا ماذا أخسر؟ حبر أكتبه على ورقة، والدافع الغيرة على الأمة إرضاء لله جل وعلا، تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليوشكن الله أن يعمكم بعقاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم).

    فقعودنا وسكوتنا عن إنكار المنكرات فيما نرى في مجتمع لا أحد يقول: مجتمعنا خير، نعم. مجتمعنا فيه خير عظيم، أقول: في مجتمعنا خير عظيم، لكن لا يعني وجود الخير عدم وجود الشر، ولذلك كان لا بد من الثناء على الخير وعرفان الفضل لأهله، ولا بد من إنكار المنكر، وأنزلوا الناس منازلهم، وحدث الناس بما يفقهون حتى لا يكذب الله ورسوله.

    البطر أيضاً من الأسباب التي تذكر ضمن الترف، والتي من وقع فيها وأصر عليها ولم يلتفت لطاعة الله حريٌ بأن يختم له بخاتمة السوء ما لم يتب إلى الله جل وعلا قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58] بطرت من البطر والأشر.

    يا أمة محمد! أسأل الله ألا يأتي زمان يقال: كان هنا أمة يقال لهم: أمة كذا.

    أسأل الله ألا يأتي زمانٌ بعدنا يقال: كان في ذلك المكان بيوتٌ ودورٌ وضِياعٌ ومزارع.

    أسأل الله ألا يأتي يومٌ يقال: كان في البلد الفلانية كذا وكذا من المنشئات والطرق، وغيرها؛ لأن الله تعالى قال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58] نعم، كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ [الدخان:25-28] القضية قضية عبودية لله، خلقنا للعبادة فلماذا نضيع الوقت في بنيات الطرق، أنت مخلوقٌ للعبادة أين كان منصبك؟ وأين كان موقعك؟

    الناس للناس من بدوٍ ومن حضرٍ     بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم

    الناس وجدوا ليخدم بعضهم بعضاً: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف:32].

    من أسباب الهلاك: الإصرار على الكبر

    أيضاً من أسباب الهلاك: الإصرار على الكبر والإصرار على التعالي والإصرار على ادعاء الفضل للنفس، يوسف عليه السلام لما عبر الرؤى للمساجين في السجن، وأثنوا على تعبيره والتفتوا إليه وأعجبوا به قال لهم: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف:37] لم يقل: معكم شخص محترم، أنتم معكم إنسان متخصص في تعبير الأحلام بالقدرة الخارقة والتنبؤات الصادقة: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:37] .. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] اعترف أن الفضل لله واشتغل بالدعوة إلى الله في السجن.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ:50] ما نسب النبي صلى الله عليه وسلم الهداية إلى نفسه أو قوته الذاتية أو قدراته الشخصية، قال: إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ:50] ولذلك فالمتكبرون من المصرين على الهلاك بالتكبر وغمط الناس.

    أولاً نقول لكل متكبر: يا سعادة المتكبر! إذا ذهبت إلى دورة المياه ما الذي يخرج من جوفك؟ عسل مصفى، إن ذبابة النحل أطيب منك، يخرج من جوفها عسل: شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ [النحل:69].

    الذي يفتخر بطوله وعرضه وشحمه ولحمه يقال له:

    لا تحقر الرأي يأتيك الصغير به     فالنحل وهو ذبابٌ طائر العسل

    المتكبر نقول له: إذا دخلت إلى دورة المياه فانظر ماذا يخرج من جوفك؟ لا يخرج إلا نجاسة، فالذي يتكبر فلينظر ماذا يخرج؟ يخرج العذرة، مر أحد الضعفاء بجوار واحد من المتكبرين أخذ يبحلق ويلتفت ولا يراه إلا بطرف عينه، فقال ذلك المتكبر للمسكين: أنت أما تعرفني؟ قال: بلى والله أعرفك؛ أنت ابن آدم المسكين، تحمل في جوفك العذرة، وبعد موتك جيفة قذرة، وتدميك البعوضة، وتقتلك الشرقة:

    إلى الماء يسعى من يغص بلقمة     إلى أين يسعى من يغص بماء

    الماء الذي أنت تسعى إليه لكي تدفع الغصص إذا شرقت بالماء هلكت، وتقتلك الشرقة، فعلامَ الكبر إذاً؟

    ولذلك المتكبرون من صورة هلاكهم قال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، يطؤهم الناس بأقدامهم) نعم. يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر من هوانهم على الله، قال ربنا جل وعلا: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري) من الذي ينازع الله في صفاته؟

    وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الجاثية:37] الله جل وعلا له الكبرياء فالمتكبر على العباد هذا أهون الناس يوم القيامة.

    فيا أخي الحبيب: كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد) وكان صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين يتواضع، تأخذه العجوز وتجره إلى قارعة الطريق وتتحدث معه الساعة، فيسمع حاجتها ثم ينتهي ويعود إلى صحابته، والصبي يقابله ويكلمه، ويجلس الصبيان على حجره، ويحمل أمامة بنت زينب بنت بنته على كتفه، وجدها تتعثر فحملها صلى الله عليه وسلم وصلى وهي معه، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، نسأل الله أن يمنح المسلمين التواضع.

    من أسباب الهلاك: التنطع والتشدد

    أيضاً من أسباب الهلاك: التنطع والتشدد الذي يخرج الإنسان عن دائرة تعبد الله بالشرع حتى يخرج عن الشرع، النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث قال: (هلك المتنطعون! هلك المتنطعون! هلك المتنطعون!) من هم المتنطعون؟

    الذين يتقربون إلى الله بالتشديد على أنفسهم في الامتناع عن أمورٍ أباحها الله لكي يتقوى بها العباد على طاعة الله، أولئك الذين جاءوا إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وسألوا عن عبادته فأجيبوا عما سألوا فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: وما نحن بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن نحن ينبغي أن نتعبد عبادة خاصة، فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: وأما أنا فلا أستظل، وقال الآخر: وأما أنا فلا أتزوج النساء، وقال أحدهم: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك غضب وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني، إني آكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).

    أسباب أخرى للهلاك

    من الناس من يهلك نفسه ويصر على الهلاك بأن يرى أن الناس هؤلاء كلهم ليس فيهم خير ولا أمل أن ينجوا أو يتوبوا ولا يدخل أحد منهم الجنة ولا يبقى إلا هو فتجده متنطعاً متشدداً، حتى يأتي اليوم الذي ربما مل من العبادة فعصى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله على بصيرة! وقد سمعنا بأناس عجباً لشأنهم تجده يتقرب إلى الله بما ليس من أسباب القربة، التقرب إلى الله يكون بما شرع الله جل وعلا.

    أيضاً إذا انتشر الفساد وكثر الخنا والخبث فإن ذلك من علامات الهلاك، قالت عائشة : (أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث) والخبث هو الزنا ودواعيه، فإذا رأيتم البلاد ينتشر فيها ما يدعو ويقرب إلى الزنا، ويتيح الاتصال الممنوع بين الرجال والنساء عبر كل صعيدٍ ومجال فذلك نذير الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    ومن علامات الهلاك: ترك الإنفاق في سبيل الله، كان الصحابة في غزوة فحمل أحد المسلمين على الروم، فقال الناس: أما هذا فألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري : نزلت فينا نحن معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه؛ كنا أهل ضياعٍ وزراعة، فقلنا: لو عدنا إلى زراعتنا وضياعنا، فأنزل الله جل وعلا: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فاعلم أنها من علامات الهلاك، إذا وقف الصائح يصيح تبرعوا للمسلمين الذين ذبحوا ذبح الشياه، تبرعوا للبوسنة والهرسك تبرعوا لـأفغانستان، تبرعوا لـكشمير، تبرعوا للفليبين، تبرعوا لـبورما، تبرعوا لـأرومو، تبرعوا لكذا، ورأيت الناس يمرون معرضين لا يبالون، وإذا نظروا إليه يبيع أحذية بريالين سارعوا إليه معرضين عن الإنفاق في سبيل الله مقبلين على عرضٍ تافه من الدنيا حقير. فهي خطيرة جداً ومن الذي يدعى إلى ذلك إلا الذي يجد فضلاً من المال، أما الذي لا يجد إلا ما يكفي نفسه وأولاده فلا حرج عليه: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91].

    من أسباب الهلاك: وجود أئمة الضلال

    من المصرين على الهلاك أولئك الذين يَضلون ويُضلون وينهون عن الحق وينئون عنه، أولئك الذين يحملون أوزارهم ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون، مجموعة علمانيون يجلس بعضهم يقول: اللحى سبب التخلف .. الثياب القصيرة سبب التخلف .. من يوم نظرنا هؤلاء (المطاوعة) ونحن نرجع عشر سنين إلى الوراء، يا أخي الحبيب! ولو حلق الناس لحاهم هل يستطيعون صنع طائرة؟ لو أسبل الناس ثيابهم هل يصنعون صاروخاً؟ سبحان الله! كأن اللحى هي التي منعت التقنية والتطور، كأن اتباع السنة في الثياب هو الذي منعنا من التقدم، وكأن بيننا وبين أن ننافس في صناعة القنبلة الذرية إلا أن نشتري في كل بيتٍ طبلةً وعوداً وبثاً مباشراً، سبحان الله العلي العظيم!

    إذا كان -كما يقول العلمانيون وأذنابهم- هؤلاء المتدينون المتشددون المعقدون هم سبب التخلف والتمدن، ففي المقابل سيكون الفن والسينما وما أدراك ما تحت هذه الأسماء من أسباب التقدم، هل رأينا شيئاً؟! الدول تدخل في حروب فحينما يشتد حمى الحرب، فهل نذهب ونرسل ثلاثين فناناً وثلاثين طبالة على الحدود من أجل أن يرجع العدو؟! لا. لا ينفع إلا جندي في قوة، ويقاتل على عقيدة وفي سبيل الله، وعالِمٌ يثبت بقال الله وقال رسوله، ويعد الناس إن صدقوا وجاهدوا لتكون كلمة الله هي العليا بالجنة، هذا الذي يدفع عن البلاد الشر.

    أحياناً أجلس في مجالس وقد لا أعرف فيها، بل أُعد من عامة الناس بفضل الله جل وعلا، أحضر مجلساً بدون (بشت) وبدون شيء وأجلس، وأستمع فيأتيك شخص يقول: والله -يا أخي- هؤلاء المعقدون .. هؤلاء (المطاوعة) والله لا يدرون ما في الدنيا، هؤلاء الملتحون هم سبب التخلف، أقول: الذين عصوا وعاندوا هل هم الذين قدموا للأمة الخير؟

    ماذا قدم مجموعة من أولئك الذين أخذوا ينتقدون الدين والمتدينين والأصوليين ولا همَّ لهم إلا: الهيئة فعلت .. الهيئة طاردت .. الهيئة لاحقت شخصاً، والهيئة شخص قفز من السور ومات، والهيئة .. والهيئة..؟!

    يا أحباب: هل تظنون أننا إذا حلقنا لحانا سوف نتقدم؟! وهل إذا أسبلنا الثياب سوف نتقدم؟! وإذا عصينا الله سوف نتقدم؟ والله ما يزيدنا ذلك إلا هلاكاً: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) لقد عرفنا أناساً أهل ذنوب ومعاصي لكن إذا تلكم علماء الدين والشباب الذين يدعون إلى الدين ورقعته قبلوا ذلك، نعم. سيجارته في جيبه لكن كل شيء يهون إلا الدين فلا يترك أحداً يتعرض للدين وأهله، أنا صاحب معصية لكن إياك أن تتعرض للدين! فهذا ترجو له خيراً عظيماً، فذلك العاصي الذي يحب الصالحين ويحب الدعاة وأهل الخير، تسأل الله له بحبه الصالحين أن يمن عليه وأن يرزقه ويستر عليه، وأن يعينه ويعافيه ويهديه إلى التوبة، وربما يأتيك إنسان قد يكون ربما أقل ذنوباً ومعاصيَ، لكن يكره شيئاً له دين ومتدين، وكلمة حق، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، هذا فليبشر بالفضيحة، وليبشر بالمصيبة: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب).

    اللهم من أراد بنا فتنة فأشغله في نفسه، اللهم من أراد بنا سوءاً فأشغله بنفسه، اللهم من أراد بنا وبعلمائنا وولاة أمرنا وحكامنا هلاكاً فأشغله بنفسه، اللهم اجمع شملنا وعلماءنا ودعاتنا وحكامنا على طاعتك، اللهم لا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم عليك بأعداء الصالحين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم من افترى عليهم فأخرس لسانه، وعطل أركانه، وأهلك بنانه ولسانه يا رب العالمين!

    اللهم إنك قلت: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) اللهم من عادى الصالحين بغضاً فيهم ومن عادى العلماء كرهاً لهم، ومن عادى الدعاة أشراً وبطراً وكبراً، اللهم أهلكه وخذه أخذ عزيزٍ مقتدر، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين!

    إنهم لا يعجزونك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام!

    ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وصلى الله وسلم على محمد.

    1.   

    الأسئلة

    السبيل الأمثل في البعد عن الملاهي

    السؤال: ما هو السبيل الأمثل في البعد عن الملاهي والملذات التي توقع الإنسان في المعاصي والهلاك؟

    الجواب: أول طريقٍ إلى ذلك التخلص؛ فالذي يريد أن يتخلص من الخمر لا يبقي عنده قوارير منه، والذي يريد أن يتخلص من المخدرات لا يبقي حبيبات فوق الرف، والذي يريد أن يتخلص من المجلات الخليعة يحرقها كاملة، والذي يريد أن يتخلص من الأغاني والصور الخليعة فعليه أن يحرقها جميعاً، هذا أمرٌ ينبغي أن ندركه، أنت كيف تتخلص من نفايات بيتك؟

    تخرجها من البيت وترميها في الزبالة، فكذلك زبالة المعاصي وحثالة الذنوب تتخلص منها بإبعادها.

    الأمر الثاني: بأن تبتعد أنت عن أهلها، لا تجالس أصحابها، ولا يعني ذلك أن تترك مجالسة أهل الشر وتبقى وحيداً، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، لكن عليك أن تبحث عن الأخيار وأن تجالسهم.

    خطاب يمنع توظيف النساء في ميادين عمل الرجال

    أيضاً هذا خطاب يقول: إشارة لحالة سعادة وكيل وزارة الصحة المبني على إحالة معالي وزير الصحة لخطاب سماحة الشيخ ابن باز الرئيس العام للإفتاء والدعوة، المعطوف على ما جاء في اللائحة التنفيذية لنظام المؤسسات الطبية الخاصة للمادة (27) فقرة (د) حول قيام بعض العيادات الخاصة بتوظيف نساء في الاستقبال يستقبلن الرجال والنساء في مرافق العيادات والتحدث معهن وهن متبرجات، وقد كثرت الشكاوى في هذا الجانب، وعليه فيجب مراعاة عدم توظيف النساء في ميادين عمل الرجال، كما يجب أن تكون العيادات غير مختلطة بين الرجال والنساء، مع التأكيد على منع التبرج والسفور من الموظفات والطبيبات، نأمل الاطلاع والتمشي بما جاء به.

    مدير عام للشئون الصحية في منطقة الرياض الدكتور/ بدر بن عبد العزيز الربيع جزاه الله خير الجزاء وفرج عنه كل كربة، وصلى الله وسلم على محمد.