إسلام ويب

اعرف عدوكللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العداوة سنة ماضية، ووجود الأعداء أمر محتوم .. فهناك عداوة الشيطان، وعداوة الإنسان نفسه لنفسه، وعداوة الزوجة والبنين والبنات ... هذا ما تحدث عنه الشيخ، ثم تحدث عن درجات العداوة، وذكر بعضاً من صورها، ثم ذكر أن وجود العداوة لا يضرنا شيئاً ما دمنا واثقين بالله وبنصره.

    1.   

    التذكير بعظمة الله تعالى وقوته

    الحمد لله، الحمد لله الذي لم يزل بعباده خبيراً بصيراً، أحمده سبحانه وتعالى جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله إلى الثقلين الجن والإنس بشيراً ونذيراً.

    أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    يا أهل هذه البلدة الطيبة! يا أهل القويعية ! علم الله أنا نحبكم فيه، وعلامات المحبة بادية واضحة، ولعل التكرار على التقصير منا قد ظهر، وعلى أية حال فأقول كما قال القائل:

    يا رب لا تحرمني حبهم أبـداً     ويرحم الله عبداً قال آمينا

    إني والله أحبكم في الله، وما أرى الخطى في الطريق إليكم إلا كماءٍ عذبٍ رقراقٍ تدفق إلى قاعة من الصفاء والمودة، أسأل الله أن يجعل اجتماعكم وسعينا إليكم وجلوسنا وحديثنا وفائدتنا منكم أن يجعلها خالصةً لوجهه، كما أسأله سبحانه وتعالى ألا يجعل عملنا هباءً منثوراً، وأسأله بأسمائه وصفاته ألا يجعل أعمالنا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وأسأله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ألا يجعل أعمالنا كرماد اشتد به الريح في يوم عاصف.

    أيها الأحبة: لا تَنْفعِ اللهَ أعمالُنا، ولا كلامنا واجتماعنا، فالله غنيٌ عنا، كما قال ربنا في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما ضرني ذلك شيئاً .. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما نفعني ذلك شيئاً .. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ منكم، ثم اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ، فغفرت لهم، ثم سألوني، فأعطيت كل واحدٍ مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    الله الغني، الله القوي، الله الجبار، الله القهار، الله المدبر، الله المتصرف، مكور الليل على النهار، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ما يعبأ الله بكم، مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء:147]، قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان:77]، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [محمد:38] وإن تتولوا لا تضروه شيئاً.

    يا عباد الله! فلنتذكر عظمة الله، ولنذكر عز الله وذلنا، وقوة الله وضعفنا، وغنى الله وفقرنا، وقوة الله ومسكنتنا، فإن هذا من أعظم أبواب العبودية.

    من أعظم أبواب العبودية -أيها الأحبة- أن نشهد الفرق في عظمة الخالق وانحطاط المخلوق، وقوة الخالق وذلة المخلوق، فمن تأمل هذا استحى من ربه، ومن عرف ذلك استحى من خالقه، ومن عرف ذلك كان لله في قلبه قدر ووقار، ولذلك قال نوح: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13] لقد كان عدم الوقار في قلوبهم لله سبباً أدى بهم إلى أن استغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً، ولم يستجيبوا بعد أن دعاهم سراً وجهاراً وليلاً ونهاراً.

    أيها الأحبة: لا أطيل في هذه المقدمة، ولكن أود أن نشهد في كل مقام عظمة ربنا وذلنا وضعفنا .. اللهم إنا نتوسل إليك بقوتك وضعفنا، اللهم إنا نرجوك بقوتك وضعفنا، اللهم إنا نرجوك بحلمك وعلمك وقوتك، نسألك اللهم بعلمك الذي لم يسبق بجهلٍ، ولا يلحقه نسيان، ونسألك اللهم بحياتك التي لم تسبق بعدمٍ، ولا يلحقها فناء، نسألك اللهم بقيوميتك التي لا سنة فيها ولا نوم، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى في هذه الحلقة المباركة، والروضة الطيبة من رياض الجنة، إلا غفرت ذنوبنا، وسترت عيوبنا، وقضيت حاجاتنا، وكشفت ضرنا، وأجبت دعاءنا، وهديت ضالنا، اللهم من كان في هذا المسجد على ضلالة فاهده، اللهم من كان في هذا المسجد على بلوى فارفع عنه، اللهم من كان في هذا المسجد على مصيبة فاجعله يقلع، اللهم من كان في هذا المسجد على شر فاجعله ينزع، اللهم من كان في هذا المكان على أمر لا يرضيك فاصرفه عنه، واصرفه إلى مرضاتك يا رب العالمين.

    1.   

    التذكير بنعيم الجنة

    أحبابنا: من نحن بلا ربنا؟ من نحن بلا ديننا؟ من نحن بلا رسولنا؟ حياتنا هذه اجتماعٌ ينتهي إلى الفراق، ولذة تكدرها الأسقام، العافية والصحة يهدها المرض أرضاً، ويطرحها طولاً وعرضاً، قوتنا تفنى، وتبقى قوة الله لا تفنى أبداً، الشراب الذي نتمناه يتحول بولاً لا نطيق سماعه ورؤيته، والطعام الذي نأكله ينتهي إلى عذرة لا يطيق الرجل سماع اسمها وذكرها.

    تفكر في منتهى حسن الـذي     أنت تهواه تجد أمراً جلل

    تفكر إذا أردت أن تعرف حقيقتك يا مذنباً يا ضالاً يا مقصراً يا متردداً، يا من تقدم خطوةً في الهداية وترجع خطوتين، يا من تشاور نفسك هل تلتزم أو لا تلتزم؟ هل تدعو أو لا تدعو؟ هل تستقيم أو لا تستقيم؟ تنصر دين الله أو لا تنصر دين الله؟

    قبل هذا اسأل نفسك: من أنت؟ وما هي حياتك؟ فحينئذٍ والله لن تستكثر ما بذلته من نفسك ونفيسك، وغاليك ورخيصك، وأنت وأهلك وبيتك ومالك، لا تستكثرها لجنة عرضها السماوات والأرض، يقال لأهلها: خلودٌ ولا موت، ويقال لأهلها: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، لا يمكن أن يأتي الطبيب ليأخذ عنك الضغط، أو يرى مقياس السكر، أو يرى نسبة الكوليسترول، أو يرى فيك صداعاً، أو يرى فيك فشلاً كلوياً، أو ضعفاً في البصر، أو آلاماً في الرأس، أو ضعفاً في الأعصاب، أو وجعاً في المفاصل، أو بلاءً في فقار الظهر، لا والله .. يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً .. صحة دائمة لا تنقطع أبداً، عافية مهما بذلت فيها من العمل .. وأي عملٍ لك؟

    عملك في لذتك، شغلك فيما تتلذذ به، إننا حتى لذاتنا تتعبنا، حتى اللذات تؤذينا، حتى ملذاتنا تقتلنا، لذتنا في الشراب إذا زاد آلم أجوافنا، ولذتنا في الطعام إذا زاد قتلنا، ولذتنا في كل شيء تنتهي إلى ضعف، أما لذاتنا في الجنة -نسأل الله أن نكون وإياكم من أهل الجنة- فلذات لا تنقطع أبداً ..

    يا أهل الجنة! إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً.. لن ترى في الجنة حدباً يتوكأ على عصا، لن ترى في الجنة ضعيفاً قد هدته السنون، مع أن النعيم في الجنة مقيم، قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، الله أكبر! سنين طويلة لا يتحول سواد الشعر إلى شيب، ولا طول القوام إلى انحناء وحدب، سنين طويلة لا تتجعد فيها البشرة، ولا تضعف فيها الأبدان أبداً، هذا نعيم أهل الجنة .. (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تسعدوا فلا تشقوا أبداً).

    الله أكبر! اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك ألا تحرمنا الجنة، اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك ألا تحرمنا جنتك يا رب العالمين، اللهم هديتنا إلى الإسلام وما سألناك، فأعطنا الجنة وقد طلبناك ورجوناك.

    أيها الأحبة: ينبغي أن نعرف مقامنا في ضعفنا وذلنا وهواننا، وأن نعرف مقام الله في عظمته وربوبيته وألوهيته وكمال أسمائه وصفاته.

    1.   

    وجود الأعداء وكثرتهم

    أحبتنا في الله: حديثنا: اعرف عدوك.

    من هو العدو؟

    لاشك أن الله جل وعلا قد ذكر وسمى جملةً من الأعداء في القرآن، فقال تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ [التغابن:14]، فجعل من المال والولد عدواً، وقال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة:82].

    عداوة الشيطان

    قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ [فاطر:6]، هذا الشيطان الذي يدعو كل واحد فينا، والله ما فينا أحد ما دعاه الشيطان، أنتَ وأنتِ، ومن يسمع ومن تسمع، كلٌ دعاه الشيطان، إما في ليل أو في نهار، أو في ظلمة أو في ضوء، أو في صيف أو في شتاء .. دعاه الشيطان، ومنا من لا يزال الشيطان يدعوه، ولكن الشيطان -كما تعلمون- خذول، الشيطان يخذل أصحابه؛ لأن الشيطان حينما يتحاجون في النار يقف خطيباً على أهل النار ويكلمهم، قال جل وعلا: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم:22]، الشيطان يأتي ويعترف، عدونا يأتي يوم القيامة ويعترف، ويجلس خطيباً عند أهل النار ويقول: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم:22].

    ولماذا نطيع الشيطان؟ والله يخبرنا أنه سيقف ويقول لمن تبعه، ويقول لمن انقاد معه، ويقول لمن وافقه: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22]، والله ما جررت أحداً بحبل حتى أخرجته من المسجد، أو أجلسته في فراشه حتى لا يصلي الفجر مع الجماعة، أو أرغمته حتى يشتري شريط الغناء، أو سقته حتى يتفرج على فيلم الفيديو، أو سحبته حتى يساهم في بنك ربوي: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22]، مجرد أن عرضت صورة وزينتها في مخيلتكم؛ فقبلتموها وأتيتم إليها، وسعيتم حثيثاً نحوها، نغمة اجتهدتم في طلبها ورددتموها وسمعتموها، وضيعتم كتاب الله من أجلها، يقول الشيطان: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم:22]، وكفى أن هذا الوعد وعد الحق وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ [إبراهيم:22] لا أنقذ أحداً أبداً، هكذا شأن الشيطان قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر:16]، لكن متى؟ عندما يقع الفأس في الرأس كما يقال، بعد أن يقع المحذور، وينتهي المقدور، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

    العداوة سنة ماضية

    أيها الأحبة: إن العداوة موجودة .. عداوة من الشيطان، وعداوة من الإنسان للإنسان، وعداوة من البنات والبنين والزوجات، وعداوة من الأموال، وعداوة في كل شيء، وإننا يوم أن نقول لرجل: إن عدواً يتربص بك الدائرة عند الباب، ثم ترى هذا الرجل يخرج يقلب كفيه وينظر في عطفيه غير مبالٍ بما حذر منه، نرى فيه لوثة من الجنون، لأن عدواً يتربص به فلا يستعد لمواجهته .. فما بالنا؟ وأي لوثة بلغت في ضعف إيماننا حتى أصبحنا نتقلب في أحوال ربما قادتنا فوق المعصية إلى فتن عظيمة من غير أن نأخذ سلاحاً نتقي به العداوة؟

    أيها الأحبة: لا أحد يسلم من العداوة أبداً، لا تظنوا أن أحداً يسلم من العداوة ..

    ليس يخلو المرء من ضدٍ ولو     حاول العزلة في رأس الجبل

    إن نصف الناس أعداءٌ لمن     ولي الأحكام هذا إن عدل

    هذا الكلام يقال للقضاة أيضاً، القاضي العادل نصف الناس أعداءٌ له الذين حكم عليهم.

    إن نصف الناس أعداءٌ لمن     ولي الأحكام هذا إن عدل

    هذا مع أنه قضى فعدل، ومع ذلك الناس أعداء له.

    وقال الآخر:

    لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً          لقالت الناس هذا غير معتدل

    لو كنت في قمة الاعتدال كالقدح، لقالت الناس: هذا إنسان غير معتدل، وما يسلم أحد من عداوة أبداً، وكما قال موسى عليه السلام: يا رب! إن بني إسرائيل يؤذونني. فقال له: يا موسى! قد سألت لنفسك ما لم أجعله لنفسي، ألم تقل اليهود: يد الله مغلولة؟ ألم تقل اليهود: إن الله فقيرٌ ونحن أغنياء؟

    العداوة ليست دليلاً على الضعف

    إذاً: العداوة لا يخلو منها أحد وحتى الله جل وعلا له أعداء، وليس هذا أمراً وقهراً وجبراً عليه، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ولكن لحكمة أرادها الله جل وعلا، إذاً فلا تجزع إذا قيل لك: إن لك أعداء، الله أعلم بأعدائكم؛ ووجود الأعداء ليست مشكلة كبيرة جداً، المشكلة ضعفك أمام الأعداء، المشكلة أعداءٌ يجهزون، ونفسٌ لا تبالي، أعداءُ يخططون، وشخصٌ نائم، أعداءٌ يتابعون، وشخصٌ متساهل، أعداءٌ ينظمون، وشخصٌ متكاسل، هذه هي البلية، أما وجود العداوة فليست بخطر، وليست دليلاً على الضعف، الله جل وعلا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ [الأنفال:60]، فبين الله أن له أعداءً، وهل يعني كونهم أعداء لله أن الله ضعيف؟! حاشا وكلا! وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    إذاً: فليس وجود العداوة دليلاً على ضعف، بل ربما كانت العداوة دليلاً على قوتك؛ لأن الذي ليس له أعداء هذا دليل على ضعفه، قال القائل:

    قُبيلةٌ لا يغدرون بذمةٍ     ولا يظلمون الناس حبة خردل

    إنهم مسالمون، وهذا يدل على أنه ليس لهم أعداء، وهو دليل على ضعفهم، لكن على أية حال الإنسان لا ينزعج من العداوة، فالعداوة موجودة، والعداوة قائمة، والشر موجود حتى في أنفسكم وفي نفسي، كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب قال: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) أنفسنا هذه فيها شر مستطير، قال تعالى: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، فالشر موجود، طريق الخير وطريق الشر، والذي يقول: ليس عندي إلا الشر، نقول: كذبت، عندك خيرٌ وشر، فإن أسلمت الزمام لداعي الشر، والنفس الأمارة بالسوء، وجعلت الشح مطاعاً، والهوى متبعاً، والدنيا مؤثرةً، وتبعت ما تزين لك وتزخرف لك؛ أصبح جانب الشر فيك عظيماً جداً، وإن خالفت ذلك؛ أصبح جانب الخير عظيماً جداً.

    عداوة الإنسان لنفسه

    إذاً: فلا تنزعج من وجود العداوة، ولا تعجب، فالعداوة موجودة من نفسك لنفسك .. عداوة من نفسك لأذنك، وعداوة من نفسك على لسانك، وعداوة من نفسك لعينك، وعداوة من نفسك لفرجك، وعداوة من نفسك لجيبك .. عداوة من نفسك لأذنك؛ أن تصرفك عن سماع ما ينفعك إلى سماع ما يضرك.

    حب الكتاب وحب ألحان الغناء     في قلب عبدٍ ليس يجتمعان

    والإناء إذا ملأته تراباً لا مكان للماء فيه، والقلب إذا ملأته بالملاهي لا مكان للذكر فيه، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فإذاً هناك أولاً: عداوة من نفسك لنفسك في أذنك بسماع كل شر، وكما قال ابن القيم في الجواب الكافي: ثم يعقد الشيطان عرشه-أي: كرسيه- ويدعو جنده من الجن والشياطين، ويقول: عليكم بثغر الأذن، فلا يدخل معه شيء يطردكم عمَّا تربعتم إليه، فإن غلبتم، فجاهدوا حتى لا يصل ذكرٌ إلا ضعيفاً لا يؤثر، وعليكم بثغر العين، فاجعلوا نظرها تلذذاً لا تفكراً، واجعلوا نظرها باباً إلى رسم الأماني والخيال، بتصرف وبمعنى كلام ابن القيم رحمه الله.

    فإذاً من نفسك شرٌ على عينك أن تنظر إلى هذه الصور، وأن تنظر إلى ما حرم الله جل وعلا، وكم من رجلٍ قتل نفسه بسلاحه، هل رأيت رجلاً أخذ المسدس، ثم قلب فوهة المسدس، أو الرشاش، ثم وجهها إلى قلبه، ثم أطلق النار، نعم، ذلك الذي قتل نفسه بلحظه.

    يا رامياً بسهام اللحظ مجتهـداً     أنت القتيل بما ترمي فلا تصبِ

    فالإنسان هو الذي يقتل نفسه بنفسه، وتعرفون الأبيات التي يقول فيها القائل:

    وكنت متى أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قـادرٌ     عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ

    من الناس من إذا رأى صورة حرام جعل رجله وعينه ويده وشعر رأسه، جعل كل ذلك عيناً تلتهم الصورة، وتتأمل هذا المنظر بفتنة وشهوة واجتهاد، مسكين لا يدري أنه يقتل نفسه، ولو أن هذا المسكين يوم أن رأى صرف بصره، ولو أن هذا المسكين تأمل جميع صنع الله جل وعلا، الله سبحانه وتعالى يقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا [محمد:10]، فالنظر مطلوب، الله جل وعلا ما خلق عينك حتى تجعل عليها نظارة سوداء لا تبصر بها أبداً، إنما خلق العين لكي تنظر بها وتتفكر.

    فيا أخي الكريم! تفكر كيف رفعت السماء بغير عمد؟ ولو دخلت صالة من صالات القصور الضخمة، فوجدت مائة متر بلا عمود واحد، لهالك الأمر في دقة الإنشاء والتصميم، وتقول: كيف وجدت صالة مائة متر مربع ليس فيها عمودٌ واحد؟! فيا حبيبنا! انظر إلى السماء التي رفعت بغير عمد! وإذا رأيت قنديلاً عظيماً جداً يضيء في بلد، ومفتاحه في بلد آخر، تعجب من هذا الأمر! ولكن انظر إلى هذه الشمس التي هي سراج تنير الدنيا كلها، وما جاءت شاحنات تعبيها بالبترول من أجل أن تشتعل، وما جاءت جهات معينة تعطيها الوقود، بل خلقها الله جسماً مضيئاً، فلماذا لا تتفكر وتتدبر؟!

    وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، لماذا لا تتفكر وتتدبر أيضاً في نفسك؟! أنت يوم أن كنت جنيناً صغيراً في بطن أمك، وأول ما يكون الإنسان في رحم المرأة يكون نطفة، ثم يكون علقة، ثم مضغة، ثم هذه المضغة تبدأ تأتيها الخلايا بأمر الله تتخلق فيها، وإذا بلغت الأشهر نفخت فيها الروح، ثم أخذت تنمو، فذهبت خلايا لتبني الأذن، خلايا مفصلة لإيجاد الزاوية التي فوق الأذن بالضبط، شحمة الأذن وزاوية، وشيء من المادة شبه العظمية الرقيقة جداً، كل خلية تذهب لتعطي هذا الدور في نفس المكان، وخلية تذهب لإنبات الشعر على العين والجفن، وخلية تذهب لإيجاد الطبقة الرقيقة على الشبكية أو القرنية، وخلية تذهب لبناء الشفة الرقيقة، وخلية تذهب لبناء العظم الصلب .. فيا إخوان: هل رأينا يوماً رجلاً نبتت أذنه في ركبته؟! أو رأينا رجلاً نبتت عينه في ظهره؟! أو رأينا رجلاً ظهرت أنفه في ساقه؟! هذه الخلايا ما الذي دلها وأعطاها مخططاً لكي تتجه الخلية رقم كذا إلى الموقع كذا، وتباشر العمل في مكان كذا! هذا هو التفكر، لكن عداوة الشيطان، والشر والأعداء من نفسك ومن أعدائك، وأولهم الشيطان، يصرفك عن تدبر ما ينفعك إلى إشغالك بما لا ينفعك، وأقل الأحوال أن تشتغل بالتافه عن العظيم، وبالحقير عن الجليل، والآن انظر إلى رجلين: أحدهم قد شنف آذانه، والآخر يسمع أغنية للمطرب الفلاني ويرددها: يا ليل يا عين، يا ليل يا عين، يا ليل يا عين، وانتهى الليل، وما رأينا ليلاً ولا عيناً، وبعد ذلك كتبت سيئات، وقام مهموم القلب في حسرة وقلق، وبمقدار سماع ذاك للأغنية انظر إلى رجل أخذ يسمع كلام الله، أو يتلو كتاب الله، له بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

    العداوة الزوجية

    إذاً: فأعداء الإنسان كثر، وأول العداوة ما كان في النفس، وتحقيقاً لهذا المعنى من العداوة في النفس أيضاً الزوجة فيها عداوة، وكما في الحديث: (إذا بنى أحدكم بجارية أو زوجة أو أمة، فليضع يده على ناصيتها، وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه) أيضاً في الزوجة عداوة، وفيها شر، وربما يتوجه إليك، ويتسلط عليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وما أكثر الذين ظهرت عداوة زوجاتهم لهم! وليس من شرط العداوة أن يعلو فيها الصراخ، وأن يطول النياح، وأن يكثر العويل، وأن يظهر البكاء، وأن تصل الخصومة إلى المحاكم، قد تكون العداوة كما قال الشاعر:

    قد ينبت المرعى على دمن الثرى     وتبقى حزازات النفوس كما هي

    قد تبقى العداوة متمكنة مستحكمة قاتلة مؤذية، وظاهرها جمال، وظاهرها لذة، وظاهرها صحة، ولذلك بعض الأمراض حينما ترى وجه صاحبها، تقول: ما شاء الله ما هذه العافية؟ ومثاله مادة اسمها (الكورتيزون) هذه مادة يحذر الأطباء المتخصصون من الإغراق في استعمالها، أو استعمالها بلا استشارة، هذه المادة عجيبة جداً، وهي مادة عدوة للإنسان، مادة خطيرة للإنسان، بمجرد أن تدخل عضوه تعطي إفرازات وتقوم بوظائف صناعية، وتعطل الجهاز الذي يعطي الوظيفة الطبيعية، ثم بعد ذلك يظهر على الإنسان صحة في الوجه غير طبيعية، يبدأ وجهه كالمشرق، يسمونه في المصطلح الطبي ( face moon ) وجه القمر، ثم يكبر يكبر، وينظر إلى الرجل كأنه ازداد عافية، وازداد صحة، وحقيقة الأمر أن الرجل تتعطل أجهزته الصحية الحقيقية التي تؤدي الوظائف الطبيعية، وهذا السم القاتل (الكورتيزون) يعطي نتائج كذابة في الظاهر قاتلة في الباطن.

    إذاً: ليس من شرط العداوة أن يكون لها صياح وصراخ وعويل وبكاء، ولأجل ذلك كم رأينا من رجل ظهرت عداوة زوجته عليه! وكم من امرأة رأينا عداوة زوجها عليها! مع أن ظاهر عش الزوجية المحبة، لكن دلائل العداوة أن الفتاة دخلت على ذلك الزوج وكانت محجبة، فأصبحت سافرة، كانت عفيفة الأذن لا تسمع إلا القرآن، وكلام الله وكلام رسوله، والخطب والمحاضرات والأمور النافعة، فأصبحت مطربة من المطربات، مغنية من المغنيات .. كانت حسيرة الطرف كسيرة الطرف لا تمد عينها إلى أحدٍ أبداً، فلما تزوجت بذلك العدو، ليس عدواً بالشجار والقتال، وإنما عداوة نفسها، وعداوة شيطانه عليها؛ جعلتها تنتقل إلى مرحلة ضعف، ومرحلة انهيار، وتحول خطير جداً .. والعكس كذلك .. كم من شاب عرفناه كان مستقيماً، فلما تزوج انقلب بعد زواجه بعداوة خفية، وظاهرها التعلق والمحبة والتفاني والتعاطف، انقلبت المسألة إلى أن الشاب أصبح يحلق لحيته، ويسبل ثيابه، ويسمع الأغاني، وقطع جلساءه الطيبين بعد أن كان يجلس مع الصالحين، وأصبح عدواً للأبرار بعد أن كان دفاعاً وحصناً منيعاً يدافع عنهم في كل ميدان.

    الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم

    إذاً: هذا معنى الآية، وما ذاك إلا لوجود العداوات السرية المتمكنة فينا، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما كان خارجاً من معتكفه يقلب صفية بنت حيي إلى منـزلها، ورأى اثنين من الصحابة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنها صفية ، قالوا: سبحان الله! يا رسول الله! -أي: نحن نشك فيك- قال: خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شيئاً، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).

    إذاً: فما ظنك بعداوة واحد قد دخل في عروقك، وقد دخل بين عصبك وعظمك، لا تنتظر أن يأمرك بخير أبداً، قال صلى الله عليه وسلم: (ما منكم إلا وله قرين، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا إنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم).

    أيها الأحبة: إذا تحققنا من وجود العداوة في شرور أنفسنا، وأموالنا، وأولادنا، فيمن حولنا، في اليهود والنصارى، في الشيطان، فيمن يزينون شياطين الجن والإنس يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الأنعام:112] فكل يشعر أن كل ما حوله عداوة، وقد يقول أحدكم: والله الشيخ حقيقة شحننا شحنة بحيث لو يقرب أحد منا لقال: ابعد يا عدو، لا تقترب يا عدو!! لا، نحن لا نقول: كل من نظرت إليه تقول له: قبحك الله أيها العدو، قاتلك الله! ابتعد وإلا سوف أطلق عليك النار، نحن لا نقول هذا الكلام، لكن أقول: تأكد أن في النفس عداوة كامنة ربما كان حالها معك ظاهرة، وربما كان حالها معك جامدة، وربما كان حالها معك متحركة، المهم أن الفتيل موجود، والمسألة قابلة للاشتعال في أي لحظة، فإذا تحقق هذا الأمر عندك، وأن المسألة موجودة، أخذت حذرك في كل مقام ومكان وزمان.

    1.   

    درجات العداوة

    الإبادة بالإحراق في جهنم

    أخي الحبيب: أما عن درجات العداوة فلا شك أن عدوك يبدأ أولاً بمحاولة إبادتك عن الوجود إبادة كلية، وأي عداوة أخطر من عداوة إنسان لنفسه .. عداوة شيطان ونفس أمارة بالسوء تجرُّ صاحبها إلى جهنم، هل هناك إبادة أعظم من نار جهنم؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:19-21]، هل هناك عداوة أشد وأخطر من عداوة تنتهي بإحراق الإنسان في جهنم؟ بل عذابٌ متجدد كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56].

    أيها الأحبة: لندرك جيداً أن الإبادة هي هدف من أهداف العداوة، فشيطانك الذي هو عدوٌ لك لا يألو جهداً في أن تكون نهايتك إلى النار، ليس من شرط الإبادة أن يبيدك الآن برشاش، أو بطلقة نارية، لكن ما كان أخطر من ذلك أن تكون إبادة دائمة ألا وهي إغراق الإنسان في الذنوب، وقبوله بالهوان، وتدحرجه في المعاصي والمنكرات حتى ربما قاده الأمر إلى موت على فتنة وضلالة، أو كفر، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وحينئذٍ قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:106]، تصور إنساناً يصيح وينوح ويبكي ويتقطع، زفير وشهيق من شدة العذاب، ومن شدة الألم، قد يتألم الإنسان، ولكن ما يبلغ به الألم، لكن من شدة الآلام وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا [فاطر:37]، ويصطرخون أبلغ من يصرخون، والزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى؛ لأن الاصطراخ فيه نوع إيحاء، أو فيه نوع وصف بأن النار متجلجلة، والصدى فيها متردد، يصيح ويصرخ ذلك المعذب، ثم يعود إليه الصوت في وقت هو يرفع صرخة جديدة ً، هذا العذاب الشديد الذي هو أخطر شيء، وهو هدفٌ من أهداف العداوة فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ [هود:106].

    إذاً: ليس من شرط أهداف العداوة الأولى وهي الإبادة أن تكون الإبادة فورية، لكن أخطر من الإبادة الفورية الإبادة طويلة المدى فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:106-107]، قد يعاديك إنسان فيقتلك الآن وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ [آل عمران:169]، فليست الإبادة الفورية دليلاً على العداوة في كل حال، أو ربما كانت من طرفك دليل عداوة، لكن ليس منتهاها دليلاً أنك بعداوة نفسك قدت نفسك إلى العداوة، أو إلى مؤداها، ربما كانت هذه طريقاً إلى الجنة والخلود في الجنة، لكن قد تعيش حياة في إضاءة، ونور، وقصور، وطعام، وشراب، وأكل، في بيوت، وأمن، وشيء من الرفاهية والنعيم، لكنها هي طريق إلى إبادة طويلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    الإبادة بالقتل

    إذا لم يستطع عدوك أن يبيدك إبادة كاملة، سواءً كانت إبادة بعد زمن طويل كحرص الشيطان أن يبيد الإنسان في نار جهنم، أو كحرص أعدائك مثل اليهود والنصارى الذين لا يرضون عن أحد أبداً حتى يتبع ملتهم، وسواء قالوا لكم: تعالوا على مائدة الوحدة الوطنية، أو تعالوا -أي: اليهود والنصارى- ننفي الخلافات التي بيننا، ولا يبغض أحدٌ أحداً، أنتم اعبدوا ما تشاءون، والنصارى يعبدون ما يشاءون، والمسلمون يعبدون ما يشاءون، ولا أحد يمد يده على أحد، ولا أحد في الصحيفة ينتقد أحداً، ولا أحد في المجلة ينتقد أحداً، نريد أن نعيش السلام والوئام والحب واللقاء .. هذا كلام لا ينفع عند اليهود، قال تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، فهؤلاء الأعداء كما قال تعالى: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:119-120]، العدو من أهدافه الأولى: الإبادة النهائية، وصورة من صور العداوات ما يحصل الآن لإخوانكم في يوغسلافيا في جمهورية البوسنة والهرسك في العاصمة سراييفو على يد الجيش الاتحادي والصربيين النصارى الأرثوذكس الذين هم الآن على قدم وساق، يقتلون ويذبحون ويشردون، وقد تأكد لدى هيئة الإغاثة الإسلامية أن عدد الضحايا حتى الآن واحد وعشرون ألف مسلم، ما بين طفل وطفلة وعجوز، وكهل كبير، ورجل وامرأة، وفتى وفتاة، واحد وعشرون ألفاً!

    يا إخوان: والله لو سافر أحدكم من الرياض إلى القويعية ، ومشى ورأى عشرة مذبوحين بعد عشرة كيلو، وبعد عشرين كيلو رأى عشرة آخرين، وبعد ثلاثين كيلو رأى عشرة آخرين، حتى وصل الرياض، كان مجموع المذبوحين ثلاثين رجلاً، سوف يصيبك جنون تلك الليلة، ولا تستطيع أن تنام، وأنت تتخيل خمسة رجال وخمس نساء مذبوحين، وثلاثة رجال مقتولين، وهؤلاء مطعونون، وهؤلاء ممثل بهم، وهؤلاء مكبلون، وعليهم آثار الاغتصاب والبلاء والمصيبة، وأيضاً كانت نهايتهم إزهاق أرواحهم .. يأتيك جنون، فما بالك بواحد وعشرين ألفاً!! تخيل ملء هذا المسجد أكثر من ثلاثين مرة تقريباً مقتولين!! جاء الصربيون في الليلة الأخيرة من رمضان، وأول اثنين خرجوا من المسجد ذبحوهم ذبح الشاة على عتبة المسجد، ثم دخلوا وأطلقوا النار في المسجد، وهرب الناس، فأخذوا يرمون بالقنابل حتى الذي يريد أن يهرب لا يصل إلى الباب، ومات خلق عظيم، والدماء تفوح وتفور، والناس كالغنم التي لم تذكَّ، ترفس في المسجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا مقطوع وبقي فيه نخاع، وهذا مذبوح وبقي فيه عرق، وهذا مذبوح وبقي فيه عصب، الناس كالمجازر، ثم بعد ذلك دخل الصربيون وأخذوا يتبولون على الجثث، ثم بعد ذلك أخذوا يكشفون عورات المسلمين، ويأخذ السكين أو خلف البندقية ويخط على ظهر المسلم صليباً، يجرد المسلم من ثيابه ويخط على ظهره صليباً! يا إخوان: أي عداوة بعد هذا؟! هل هناك عداوة أشد من هذا؟! لا والله.

    إن ديننا الحنيف دين عظيم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قرآنه دستوره، قد أوصانا نبينا فيه أن إذا قتلنا كافراً ألا نمثل به فقال صلى الله عليه وسلم: (وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) رحمة حتى في قتل القاتل! رحمة حتى في إزهاق روح المؤذي!

    الخلاصة أن هؤلاء الأعداء هدفهم بالدرجة الأولى الإبادة، وحينما يأتي علماني، أو فيلسوف، أو خريج هارفارد، أو خريج السربون، أو خريج متشيجن، أو كلورادو، ولا أقول كل خريج، لكن يأتيك إنسان متخرج من هناك، ويضع يداً على يد، أو يضع الشماغ على هذه الطريقة، ويقول: يا أخي! يا متشددون يا مطاوعة يا معقدون! تتوقعون أن الغرب لا يزال يعيش بعقليات البربر وهمجية الوحوش القديمة؟! لا يا أخي، الغرب تطوروا الآن، أصبحوا يتعاملون بالرمز، والاختزال، والشفرة، والنداء، والكود، عالم راقٍ جداً، أنتم لا تزالون تتصورون أن الغرب يذبح وينحر ويقتل، ما هذا التخلف عندكم؟! ونقول لكل من مدح الغرب يوماً، أو أثنى على حضارة الغرب يوماً: انظر ماذا أنتجته حضارة الغرب، من أعلى درجات الرحمة التي بلغت خط الصليب على ظهر المقتول! وقطع ذكر المقتول ووضعه في فمه كما حصل في ذلك المسجد في سراييفو! ويدخل على الرجل من قبل شباب الصرب، فيجدونه مع أولاده، فيربطونه ثم يجردون زوجته، ويفعلون بها وهو ينظر، ثم ينظرون إلى أبيه ويجعلون وجهه مسرحاً لأقدامهم يركلون خده وأنفه بأقدامهم وأحذيتهم.

    العداوة هدفها الأول هدف إبادة، وأما ما نسمع من بعض الجرائد والمجلات الوافدة أننا ننتظر الوحدة في مجتمع تظلنا فيه سماءٌ واحدة، ونشرب فيه من نهر واحد، ويعيش الجميع على مائدة الوحدة الوطنية، فهذه مسخرة! قرأت ذات مرة في أكثر من مجلة وجريدة أن احتفالاً أقيم يجمع رجال الصليب البابا شنودة ورجال الدين -المفتي والشيخ- ورجال الفكر والسياسة والإعلام في يوم الوحدة الوطنية في إفطار جماعي ضم عدداً في يوم مشهود، افتتح بآيات من كتاب الله جل وعلا، وبماذا افتتح؟ افتتح بقول الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران:71]؟ هل افتتح بقول الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]؟ هل افتتح بقول الله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء:89]؟

    الشاهد أن العداوة، وبالذات عداوة الدين، فإن من عاداك في دينك، فاعرف أن غايته إبادتك، قال الله جل وعلا: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ [الممتحنة:8]، فبين أن من قاتلك في الدين، وعاداك في الدين هدفه عداوتك، ولكن من لم يعادك في الدين .. لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]، من المنقطعين في الأديرة والصوامع، وغيرهم من الذين ما رفعوا سلاحاً في وجه المسلمين، وقبلوا بالجزية والذلة والصغار، أما ونحن الضعفاء وندعي أننا على وفاق ووئام مع أعدائنا فلا ..

    كل العداوات قد ترجى مودتها     إلا مودة من عاداك في الدين

    الاحتواء والتجيير

    قلنا: الهدف الأول من العداوة هو: الفتك والقتل وإزهاق الروح والإبادة بكل معانيها.

    المرحلة الثانية من صور العداوة المغلفة التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ظاهرها المودة وباطنها الكراهية .. عداوة ظاهرها الوئام وباطنها الخلاف .. عداوة ظاهرها الرفق وباطنها القسوة والوحشية .. ألا وهي: عداوة الاحتواء والتجيير، وهي ما تسمى بعداوة غزاة الأفكار.

    إن المسلمين وإن كانت الكثير من دولهم اليوم قد نالت الاستقلال، ورسمت حدودها بعد اتفاقيات سايكس بيكو وغيرها، إلا أنها انتقلت من مرحلة العداوة الصريحة المعلنة عداوة الفتك والإبادة إلى عداوة الاحتواء والتجيير، فبدلاً من أن ينـزل عشرة آلاف جندي فرنسي إلى الجزائر يقتلون الناس، خطط المستعمر الكافر أن يوجد من أبناء الجزائر من يحافظ على أرواح الجنود الفرنسيين في قلب باريس ، ويقوم الجزائري بقتل الجزائري، والمغربي بقتل المغربي، والتونسي بقتل التونسي، وكلٌ يقتل من بني جلدته، هذه الطريقة التي صرح بها القس صموئيل زويمر في مؤتمر القاهرة عام (1934م) لما عقد المؤتمر في الإسكندرية ، وقام المنصرون يعرضون جهودهم، فكلٌ يقول: نصرت كذا ثم عاد إلى الإسلام، ودفعت كذا، وتنصر اثنان ثم عادوا، تنصر ثلاثة ثم عادوا، ولما أنهوا استعراض أعمالهم، وأنهوا استعراض مشاريعهم، قام القس صموئيل زويمر، وقال: اسمحوا لي معاشر القسس والرهبان رجال الكنيسة الأفاضل! إنكم حتى الآن لم تعرفوا مهمة التنصير، إن دورنا أن نخرج المسلم من الإسلام، وليس ضرورة أن ندخله في الكنيسة والنصرانية، إن دورنا أن نعد في بلاد المسلمين عضواً منهم يقاتلهم ويطعنهم، ويؤذيهم، وإن دورنا أن نحافظ على قطرة دم نصراني، فلا تراق هناك، ثم استشهد بقول القائل: إن الشجرة لا يقطعها إلا غصن من أغصانها!

    العداوة قد تكون في البداية ظاهرة ..

    إن الأفاعي وإن لانت ملامسها     عند التقلب في أنيابها العطبُ

    أحياناً تكون العداوة ظاهرة، لكن العداوة الظاهرة -بالمناسبة- تدفع النفس إلى الانتقام، وتدفع المتفرقين إلى الاجتماع، وتدفع الضعفاء إلى جمع الشمل على القوة .. العداوة الظاهرة تثير في النفس النخوة والحمية والإباء، حتى ولو استشهدوا واستماتوا وقتلوا، لكن العداوة المغلفة التي هي عداوة غزاة الفكر، عداوة الاحتواء والتجيير، فوائدها كثيرة، فإن كانت العداوة الصريحة فيها خسارة أرواح، فإن عداوة الاحتواء والتجيير هي عداوة ليس للأعداء فيها ضحية في روح أبداً، إن تكاليف نقل السلاح وأخطار التدخل السريع قد تكون باهظة جداً، لكن عداوات الاحتواء والتجيير لا تكلف هذا كله أبداً، رب عداوةٍ كانت مباشرة، فالتأم جرحها سريعاً، لكن عداوة الاحتواء والتجيير يطول ويطول علاجها، وشعوب المسلمين اليوم بعد أن جرب الأعداء فيهم عداوة القتل من خلال سنين الاستعمار، والاستعمار -بالمناسبة- حتى الآن لم يعرض عرضاً جيداً حقيقياً، إن الإعلام العالمي لو يسخر لتصوير واقع الاستعمار مع الدول المستعمرة؛ لأصبح الناس يكرهون شيئاً اسمه المستعمر ودول الاستعمار كما يكرهون السم في الطعام، لو صور للناس ما فعل الهولنديون في إندونيسيا، وما فعل الإيطاليون في ليبيا، وما فعل الفرنسيون في الجزائر والمغرب وتونس، وماذا فعل البريطانيون في الهند، وما فعل المستعمرون في كثير من الدول ..

    لو صور الإعلام حقيقة ما فعله المستعمرون؛ لأصبح عند الناس حساسية شديدة جداً، لكن الإعلام العالمي لا شك أنه يُخطط ويقاد -إلا ما رحم الله منه- بأيدي يهود، ولأجل ذلك يكون اهتمام الإعلام العالمي بقضايا أخرى .. تمييع عقائد، وجمع بين متناقضات، وتأليف بين مختلفات، وصرف الناس عن التذكير بأمور أخرى، صرف الناس عن التذكير بأمور ربما كان من غاياتها أو من أهدافها إثارة الناس، أو كانت تؤدي إلى ذلك، هناك فيلم مع أنه لم يخدم من حيث الرسالة الخفية إلا شيئاً قليلاً، وهو فيلم عمر المختار أنتج عليه ملايين، ولعل بعضكم اطلع عليه، وليست هذه دعوة إلى الأفلام، ولكن أقول: احتج من اليهود طائفة، واحتج من المستعمرين طائفة، وقالوا: إن هذا الفيلم يثير الأحقاد علينا! نعم. ولو صورت الحقائق على وجهها الصحيح لرأيتم كيف يكون موقف الناس تجاه العداوة، عداوة التجيير.

    فالحاصل أن عداوة الاحتواء والتجيير عداوة خطيرة جداً، إذا عجز العدو عن العداوة المباشرة -عداوة الإبادة والقتل الجماعي- ينتقل إلى عداوة الاحتواء والتجيير، وربما لمصلحة وليس لعجز، ومن أجل هذا يكون العدو جاهزاً، يبقى عدونا قابعاً في عاصمته، وعبر أجهزة الدس والمؤامرات والخونة والخيانات تصنع التمثيليات على مسرح الواقع، يمثل الممثلون الذين يعرفون الدور، ويدخل في التمثيلية الذين هم هدف الفيلم بالكامل، ثم تدور الدائرة على الرءوس، ويسدل الستار على المسرحية، ويخرج الجمهور من المسرح، وتفتح صفحة جديدة لقضية جديدة في واقع العالم الإسلامي.

    إن عداوة الاحتواء والتجيير عداوة خطيراً جداً جداً، ولأجل ذلك كان علينا أن ننتبه لعداوة أعدائنا، وقد ننسى يوماً كنا نسب فيه، أو نشتم فيه عدواً، وصافحناه اليوم، لكن لا يعني ذلك أن عداوته قد زالت من قلبك، أنت لا تقيس الناس على طيب قلبك خاصة أعداء الدين، لا تتصور أنهم ينسون أنك مسلم، قبل كل شيء وأولاً وآخراً أنت مسلم؛ ولأجل أنك مسلم فالعداوة باقية، والتعامل معك بحذر.

    قيل لرجل من رجالات الساسة: من هو عدوك في المنطقة الفلانية؟ قال: ليس لنا عدوٌ دائم، وليس لنا صديقٌ دائم، إنما لنا مصالح دائمة، فلو كانت القضية قضية عداوة واضحة لعرفناها وفهمناها، لكن العداوة الجديدة عداوة الاحتواء والتجيير أن يستغل أبناء الأمة لكي تطعن الأمة بالسيوف التي صنعتها، وتقتل الأمة بالسلاح الذي أنتجته، ويذبح أبناء الأمة شبابها ورجالها، ويغتصب نساء الأمة أبناؤها وشبابها، هذا ما يخطط له العدو من خلال البرنامج الطويل الذي يسمونه: البطيء المؤكد، برنامج الغزو الفكري الذي أقبل الناس عليه الآن زرافات ووحداناً، فالذي ليس عنده تلفزيون مسكين، والذي ليس عنده فيديو مسكين، والذي ليس عنده أنتل مسكين، ما ركب الأنتل الذي يأتي بـ ( mbc) أو البث المباشر، والذي ليس عنده دش (ستلايت) مسكين ما أتى بالقنوات الأخيرة! ولماذا نذبح أنفسنا بأنفسنا؟! لماذا نقتل أرواحنا بأيدينا؟! لماذا نطعن قلوبنا بسهامنا؟! الناس من عداوة أنفسهم لأنفسهم يجلبون ما يطعنون به أنفسهم، ويتسلطون به على أنفسهم إلا من رحم الله وقليل ما هم.

    عداوة التثبيط والإرجاف

    إذا عجز العدو عن أن يبيدك إبادة مباشرة، ثم عجز عن احتوائك وتجييرك لكي تكون عدواً لأمتك وأنت في صفوفها، ينتقل إلى مرحلة ثالثة وهي: عداوة التثبيط والإرجاف.

    تجد إنساناً ليس من شرط أن نكرهه أو نبغضه، لكن هو مصدر عداوة، كيف؟ تجده إذا جلس في مجلس يقول: يا إخوان انتبهوا، إنكم على خطر، كل واحد يدخل في بيته ويسكت ويذكر الله، لا تجتمعوا، اتركونا من الأشياء هذه، رجاءً المدرج الفلاني لا توزعوا فيها أشرطة، الكتاب الفلاني فكونا من شره، يا إخوان! اتركوا هذا العرس يمر على خير، اتركوا هذه المناسبة تمضي على ستر .. تجد الرجل ليس عدواً يقتل، وليس منافقاً دخيلاً، ولكنه عدو من جهة الإرجاف والتثبيط، إذا رأى ثلاثة يخرجون في رحلة، قال: يا إخواني أين تذهبون؟ دعونا من المشاكل والفتن والمصائب! إذا رأى مخيماً أو معسكراً قال: يا ناس خافوا رب العالمين، نحن آمنون ومطمئنون، أهؤلاء العشرون ذاهبون يتدربون على إنزال مظلي من أجل أن تخاف أنت؟! سبحان الله العلي العظيم! فهذه عداوة الإرجاف والتثبيط، وهذا هو الأمر الذي أريد أن أطيل النفس فيه.

    الجمود والخمول

    أعود من العنصر الثالث لأنتقل إلى النقطة الرابعة، ولا أسميها عداوة، ولكنها نوع من وسائل الضعف والهوان، ألا وهي: الجمود والخمول.

    تجد إنساناً طيباً، لكنه غبي جهول، وحملٌ وديع، يخاف من الظل، ويفزع من السوط، ويرتاع من الوجبة، وتجده مجرد إنسان صالح وصلاحه لنفسه، ونحن نقول: الله يجزيه خيراً ويثيبه ويحفظه، وندعو لمثل هذا الشاب، وكما جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) لكن إذا انتشر في الأمة داء الضعف، وداء الهوان، وكلٌ يقول: نفسي نفسي، وتجد الرجل أول من يدخل المسجد، لكن جاره الذي لا يصلي لا ينصحه .. تجد الرجل يصوم الإثنين والخميس، لكن يرى المتبرجات غاديات رائحات في الطريق ولا ينصحهن .. تجد الرجل خير من يبذل ويتصدق في سبيل الله، لكنه يرى من الأشياء التي بوسعه وبمقدوره أن يقوم بتغييرها أو إنكارها، أو عمل شيء تجاهها، ومع ذلك لا يعمل، وهذا كما يقال: فيه غفلة الصالحين، ونحن لا نسمي هؤلاء أعداء، بل وجود هؤلاء على مستوى الخير والبركة والصلاح رحمة للأمة، لكن ماذا عليهم لو أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؟ ماذا عليهم لو قاموا بدورهم وواجبهم تجاه هذه القضية؟

    أقول: هذا فريقٌ ليس -والله- من الأعداء، بل نحن نحبهم وندعو لهم، ونرفع بهم الرءوس، ولكن كما قال القائل:

    ولم أر في عيوب الناس عيباً     كنقص القادرين على التمامِ

    ألا وهو ذلك الضعف أو الجمود أو الخمول الذي إذا اجتمع الخامل مع الخامل، والضعيف مع الضعيف، والكسول مع الكسول؛ انتشر الداء فيما بينهم، وأصبح المتحرك النشيط بدعاً غريباً عجيباً شاذاً نشازاً في صفوفهم، لأجل ذلك نقول: ينبغي لمثل هؤلاء أن يتحركوا حتى لا يقع أحدهم يوماً ما بضعف أو كسل ربما يقوده، فيكون -ولا حول ولا قوة إلا بالله- شجن أو شوكة أو غصة في نحر إخوانه في المستقبل، وما يدريه قد يكون كذلك، نسأل الله لنا ولكم الثبات.

    العداوة بالتخويف

    الصنف الثالث الذي هو صنف المثبطين والمرجفين، الذين لا نقول: إنهم أعداء في ذواتهم وأشخاصهم، لكن هم في الحقيقة يمثلون دور عدو من حيث لا يشعرون، ألا وهم الذين يمثلون دور الإرجاف والتثبيط، وهذه القضية لاحظتها كثيراً في كثير من المناطق، تجد منطقةً الشباب الطيب فيها كثير، الملتزمات فيها كثير، الصالحون فيها كثير، الصالحات فيها كثير، ولكن يوم أن تقول لأحدهم: يا أخي الحبيب! ما الذي يمنعك وما الذي يردك عن أن تقوم بدورك وواجبك تجاه الدعوة إلى الله جل وعلا؟ وأنت قادرٌ أن تتكلم، فإن عجزت عن الكلام فأنت قادرٌ على أن تجمع من إخوانك عدداً تذهب أنت وإياهم إلى درس لأحد العلماء، أو لسماع محاضرة، أو لحضور ندوة، أو لزيارة عالم من العلماء، فإن عجزت عن ذلك فلست بعاجزٍ عن أن تشتري عدداً من الأشرطة توزعها في مناسبات، أو في زواج، أو في لقاء، وإن عجزت عن ذلك فلن تعجز عن كتيبات توزعها في أي مناسبة؛ لعل الله أن ينفع بها .. فيقول: والله تعب، أنا ليس عندي قدرة على الكلام، لكن عندي جلد فأنا مستعد أن أمر على شباب من الفاسدين المنحرفين يومياً وآخذهم، وأذهب بهم، وأحاول أن أحفظ أوقاتهم من الضياع، وبدلاً من أن يجلسوا مع أهل الشر أضمن لهم الجلوس في أماكن الخير، وبدلاً من أن يسهروا على الفساد أذهب بهم إلى حلق الذكر ومجالس العلماء، وبدلاً من أن يسافروا إلى دول فاجرة أسافر بهم إلى مكة والمدينة، ونزور الشيخ ابن عثيمين في القصيم، ونزور الشيخ ابن باز في الرياض فيقول لك: أنا أقدر على ذلك، أو يقول لك آخر: أنا قادر، عندي خير، وعندي فلوس أن أشتري مائة شريط شهرياً بثلاثمائة ريال، ما أعجز عن توزيعها على أقاربي وجماعتي، أو في مناسبة من المناسبات، أو شباب أعرف عنهم الاجتماع والتسكع في الطرقات، وإشغال بنات المسلمين بالمعاكسات ..

    لكن هنا تبدأ صورة العداوة حينما يقول: أنا أقدر أن أدعو لكن أخاف، أنا أقدر أن أوزع شريطاً لكن أخاف، أنا أقدر أن أوزع كتاباً لكن أخاف .. حسناً! تخاف ممن؟ هذه هي عداوة الوهم، أن الإنسان يتخيل أنه على خطر، وهو ليس على خطر، قيل: إن أحد الأطباء جاءه رجل إذا مشى يطأطئ رأسه، فقال له: ما بك؟ ارفع رأسك. قال: لا، لا، فأخذ يعالجه فوجد أنه مصاب بمرض نفسي، يتوقع أن فوق رأسه جرة كبيرة من الطين من الفخار، ويمشي هكذا ويخاف أن تقع الجرة، حتى جاء أحد الأطباء، وقال: ائتوني به في اليوم الفلاني، فلما دخل كان قد وضع فوق بوابة المدخل جرة، فلما دخل كسر الجرة المعلقة على البوابة، فالتفت الرجل وقال: آه، تصدق يا دكتور هذه الجرة كانت تشغلني سنوات طويلة، ما كنت أستطيع أن أمشي!! والله لا على رأسه جرة ولا هم يحزنون، فالذين يخافون من دور الدعوة، والذين يخافون من المشاركة في الدعوة إلى الله، والقيام بالمشاركة في شرف الدعوة إلى الله؛ هم في الحقيقة مثل الذي يتخيل أن على رأسه جرة فخارية، ولذلك تجد الخوف قد كسر ظهره وأحنى ظهره، فلا يستطيع أن يتصرف أو يتحرك.

    أقول: يا أخي الحبيب! لماذا الخوف؟ أسألك بالله حينما تشتري مائة شريط من تسجيلات إسلامية وتوزعها، الشريط الذي اشتريته هل أتيت به سراً ما عرف عنه موظف الجمارك في المطار؟ الشريط الذي اشتريته ونسخت منه مائة نسخة هل أتيت به مع باخرة لم تكتشفها خفر السواحل؟ الشريط الذي أنت الآن توزعه هل هو ممنوع؟ أبداً، تجد عند كل تسجيلات إسلامية شريط: احفظ الله يحفظك .. المحاضر: فضيلة الشيخ الداعية عائض القرني، فسح هذا الشريط من وزارة الإعلام برقم وتاريخ، شريط مفسوح من وزارة الإعلام، قد مرَّ على رقابة ليست رقابتك، وفتحته وأذنت ببيعه، فقل لي بالله عليك: ما الذي يخيفك من شرائه وتوزيعه وإهدائه؟

    والله -فعلاً- نحن عندنا وهم أننا نمارس أشياء ممنوعة! وآخر تقول له: الزواج الفلاني سوف يحضر فيه مائتا رجل ومائتا امرأة، فما رأيك أن توزع على النساء كتيب: يا فتاة الإسلام احذري سماعة التليفون، وتوزع على الحضور كتيباً اسمه: العقيدة الصحيحة وما يضادها لسماحة الشيخ ابن باز؟ فيقول: لا والله، أنا أخاف أن يلتفت الناس إليَّ ويقولوا: فلان صاحب توزيع، فلان صاحب نشرة! أنت توزع ماذا؟! هل توزع مخدرات؟! تيكونات؟! كبتل جول؟! كوكائين؟! هروين؟! ماذا عندك؟! توزع كتاباً صدر الإذن بطباعة هذا الكتاب من إدارة المطبوعات والنشر من وزارة الإعلام برقم وتاريخ، ما دام صدر الإذن في طبع وتوزيع ونشر هذا الكتاب، فما الذي يخيفك من الدعوة؟!

    هنا تظهر عداوة الإنسان لنفسه، عداوة الوهم، أو كما يظن البعض ويقول: والله يا أخي أنا إنسان مراقب، ولأجل ذلك لا أستطيع أن أمارس الدعوة .. باسم الله عليك أيها المراقب! أين أنت؟ هل أنت في العراق وشياطين البعث تراقبك؟! وافرض أنك مراقب، ماذا يحصل؟ إذا اشتبه رجل الأمن في قضية فمن حقه أن يراقب حتى تتضح المسألة، وأهلاً وسهلاً برجل الأمن، إذا أتى، فافتح له البيت، أنت ما عندك شيء، وقل له: تفضل، مع أن هذا ما حصل، لكن أنا أريد أن أزيل هذه الشبهة والأوهام التي تعلق بها بعض الشباب وقعدوا عن الدعوة، وبعض الناس الذين يرون أن من الاتزان والحكمة والهدوء والرزانة أن الإنسان لا تصير مهمته توزيع أشرطة وكتب وأشياء مثل هذه، هذا من الاتزان والهدوء والرزانة! لا، هذا -يا أخي الكريم- من الخوف والعداوة التي استحكمت بوهم جعلك رعديداً خوافاً، ترغب أن تمارس الخير فتعجز عن فعله، فيا أخي الحبيب! إياك أن تبلغ عداوة نفسك لنفسك، أو عداوة الوهم فيك ومن حولك إلى درجة أن تعطلك عن الدعوة والمشاركة في الدعوة إلى الله جل وعلا.

    عداوة الأوهام والخوف

    أيضاً صورة أخرى من صور العداوات: عداوة الأوهام والخوف .. يأتي إنسان ويقول: والله يا أخي هؤلاء الدعاة أناس طيبون، والشباب الملتزمون أيضاً طيبون جداً، لكن -يا أخي- يقولون: إن عندهم أشياء .. وما هذه الأشياء؟! هل معهم تحت الأرض طائرات فرلين؟! أو هناك مطار سري في أي مكان؟! هذه مصيبة، فعلاً لما يقول لك: عندهم أشياء، تعال ما هذه الأشياء؟ مدفعية ميدان! صواريخ! مضاد طائرات أباتشي! قاذفة! دبابات!

    يا أخي الكريم تعال وأخبرني ماذا عندهم، أنا أقول: من واجبك أن توضح كل تساؤل يطرأ في ذهنك، لكن عداوة الوهم والخوف التي تعشعش في ذهنك، وتقول: هؤلاء عندهم، وهؤلاء عندهم، تعال يا أخي ادخل بيتنا، وادخل بيت الشيخ، وادخل بيت فلان، وتعال وستجد فتح الباري لـابن حجر، وتحفة الأحوذي، و معالم السنن للخطابي، وصحيح سن أبي داود للألباني، وشرح الرحبية، وكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، ما هي الكتب الموجودة عندك؟! قضية عندهم وعندهم وعندهم هذه من الأشياء التي سمعتها أكثر من مرة عند بعض الناس، ويقول لك: فقط يا أخي ما أدري ما وراء هؤلاء المطاوعة؟ إنها مسألة غريبة ومضحكة وعجيبة! وإني أعجب من أناس تعرفه مرة تلقى معه دكتوراه، أو ماجستير، أو يدرس في جامعة متطورة متقدمة، ويقول: هؤلاء عندهم كذا! تجد الرجل -لو تدخل المعمل- اكتشف أدق الميكروبات، أو لو عمل معادلة حسابية لاكتشف (سين) المجهولة، أو يعمل شيئاً يكتشف العلة بالضبط، لكن أكبر حقيقة لا يعرفها، سبحان الله العلي العظيم! أكبر حقيقة إطار هذا الموضوع تجده لا يراها! إن بعض الناس يصدق فيه ما حصل للطفيل بن عمرو، لما سمع بخروج النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، قيل له: إنك تأتي إلى رجل كلامه السحر، فاجعل في أذنيك الكرسف -وهو القطن- حتى لا يؤثر عليك، فأخذ الطفيل بن عمرو القطن ووضعه في أذنيه، وذهب إلى مكة حتى لا يسمع، ثم قال: أما وإني من أشعر العرب، وأميز سجع الكهان من الشعر وغيره، فلماذا لا أزيل هذا القطن وأسمع، فإن كان ما يقول محمد حقاً قبلته، وإن كان باطلاً رددته؟ فجاء وسمع من النبي، فسمع كلاماً حقاً، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

    فنحن نقول للذي قتله الشيطان بعداوة الوهم والخوف والإرجاف والتثبيط (عندهم ما عندهم، وراءهم ما وراءهم): هل هي منظمة سرية؟ ثم إن الدعوة إلى الله جل وعلا بفضل الله ينبغي ألا يوجد فيها حزبية، وأن تخرج عن إطار الحزبية .. الدعوة إلى الله في المساجد، الدعوة إلى الله علناً، لا يتردد الداعية أن يطرح الحق الذي عنده على الرصيف، أو في مقهى في شيشة، أو في مطعم، أو في مسجد، لأن عنده حقاً لا يتردد في تقديمه، وليس عنده شيء يخفيه أبداً، الحق واضح، وبفضل الله جل وعلا ما قد رأينا محاضرة سرية، وإلى الآن ما رأينا مشروعاً سرياً أبداً، بل يدعى الناس أن يأتوا، ولعلنا نطلع على ما يخطط العلمانيون الذين كانوا كفأر يوسوس خلف حائطٍ، نعم هؤلاء أعداؤكم، ولا تقولوا: ما عندنا أعداء، لنا أعداء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أعداء يخططون في الليل والنهار، سراً وجهاراً.

    إذاً: فالدعاة الذين كلامهم ومحاضراتهم وحديثهم على الملأ في وضح النهار والله ليسوا بأعداء، إنما الأعداء كما قال تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل:48]، الأعداء الذين يتهامسون سراً، ولا ينبغي أن يوجه إليهم الإعلام حتى يفسدوا الأمة، هم يتمنون ذلك، ولا يلزم من كلامي هذا أن يوجد الآن من يفسد، قد يوجد ونحن لا نعلم الغيب، لكن عداوة الإرجاف والتثبيط هذه هي التي قتلت، لذلك أقول: أخي الحبيب! إياك إياك أن تكون عدواً لإخوانك أو لنفسك بعداوة الوهم والإرجاف والتثبيط التي يزخرفها ويزينها ويوسوس بها الشيطان عليك.

    1.   

    هل وجود الأعداء يضرنا؟

    ختاماً: هل وجود الأعداء يضرنا؟

    لا والله .. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق:15-17].. وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل:50-51].. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال:36]، كم أنفقت روسيا في أفغانستان من مليارات؟ وماذا كانت النتيجة؟ حسرة التمزق، وحسرة التفكك، وحسرة الضياع التي انتهت إليها تلك الإمبراطورية الهشة على عقيدة مضادة للفطرة، أو على نظرية مضادة للفطرة.

    إذاً: فوجود العدو لا يزيدنا إلا تماسكاً، ولا يزيدنا إلا إعداداً، ولا يضرنا، وموقفنا تجاه الأعداء أن نعمل ونجتهد، وأن ننشر الخير في مجتمعاتنا .. يا إخوان! الأعداء يخططون من مبدأ انتج اسمه: تنبؤات المستر أداموت، هذا الفيلم عجيبٌ جداً، والذي أنتج هذا الفيلم ذكي بطريقة عجيبة، أراد من خلاله أن يقول: إن رجلاً اسمه أداموت، تنبأ منذ القدم بوقوع كوارث في العالم فوقعت، وتنبأ بأشياء كثيرة، منها مقتل كذا رئيس أمريكي، فقتل في المكان والزمان الذي حدده، وتنبأ بسقوط شاه إيران؛ فحصل، وتنبأ بـالنازية وهتلر وحصل، وتنبأ بـموسليني؛ وحصل، وتنبأ بالحرب العالمية الأولى والثانية؛ وحصلت، ثم يقولون: الآن وقد تنبأ بحصول معارك طاحنة ستكون بين رجل يخرج من جزيرة العرب ، فيقاتل الغرب، ثم يضرب نيويورك ، ثم بعد ذلك تستخدم في هذا الأسلحة الروسية، ويرد على المارد العربي القادم بأسلحة مضادة، ثم يشمل العالم دمار رهيب، ويصيب العالم رعب مخيف جداً.

    عداوات متطورة، ليست عداوات شتم، ولا عداوات سباب، وللأسف نحن -معاشر المسلمين- حينما نقف في مواجهة عدو، وحينما نثبت في مضادة خطر، تجد أن عندنا سبعين في المائة كلام، وثلاثين في المائة عمل، إلا من رحم الله من المسلمين، لكن الأعداء ما رأينا يوماً زعيماً كافراً يسب ويشتم المسلمين، لكنه يطحن المسلمين طحناً، ويعذب وهو ساكت .. نعم، العداوة التي تترجم إلى عمل، نحن نريد أن نترجم مواقفنا تجاه الخطر، وتجاه العدو، وتجاه كل شيء يهددنا أن نترجمها إلى عمل، عندنا خطر وافد علينا، نترجم هذا الخطر بالاهتمام بأولادنا، بالاهتمام بالنشء، بالاهتمام بالشريط الإسلامي .. الاهتمام بالكتاب .. نشر الخير .. مضادة المنكر .. مضادة أهل الفساد .. مضادة الذين يريدون قلب الهوية من إسلامية إلى علمانية، ومن توحيد خالص إلى شوائب مختلفة، نترجم هذه المواقف إلى برامج عملية .. فهل تستطيعون؟ وهل تقدرون؟ وهل تفعلون؟

    نسأل الله أن نكون من العاملين، وأسأله سبحانه وتعالى أن يكون ما سمعناه حجةً لنا لا علينا، وأنتم -يا أحبابي- ما سمعتموه من حق وصواب فهو من الله وحده لا شريك له، ليس مني، ولا بي، ولا إليَّ، ولا لي، وإن كان خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً على حضوركم، وصلى الله وسلم على محمد.