إسلام ويب

إخوان القردة والخنازيرللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اليهود أمة ملعونة، نقضت العهد، وبدلت الدين، واستحلت الحرام، واشتهرت بالكيد والمكر والتحايل، والقرآن العظيم حافل بقصصهم ومخازيهم السيئة وفي هذه المحاضرة يذكر الشيخ مخازيهم التي ذكرها القرآن مع الأنبياء على مر التاريخ.

    1.   

    ذكر حديث البخاري في عداوة اليهود لجبريل عليه السلام

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، رضيه قدوة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، على قوله تقاس الأقوال، وعلى فعله توزن الأفعال، وعلى حاله تصحح الأحوال، فهو المعصوم بأبي هو وأمي، وهو الطيب أينما حل وارتحل، وهو المبارك أينما كان، كلامه طيب، وفعله طيب، ونَفَسه طيب، فلا إله إلا الله! يا فرحة من اقتدى به واتبع سنته وسار على منواله، ولا إله إلا الله! كم خسر من ترك طريقه وضل عن شريعته وتعامى عن سنته عليه أفضل الصلاة والسلام.

    ومعنا في هذه الجلسة الإمام البخاري وهو ينقلنا إلى كتاب التفسير من صحيحه الكتاب العظيم، الذي شق طريقه في الدنيا، والذي أعلن قوته على مر العصور، وأثبت جدارته بين كتب البشرية، لأنه قصد به وجه الله أولاً، ثم هو كلام خير الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام.

    يقول: باب: قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة:97] ثم ساق بسنده إلى أنس رضي الله عنه قال: (أتى عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة، فقال: يا رسول الله إني أسألك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: وما هي؟ قال: ما هي أول أشراط الساعة؟ وما هو أول طعام أهل الجنة؟ ولماذا يُشبه الولد أمه أو أباه؟ فقال عليه الصلاة والسلام -وهو يجيب على هذه الأسئلة الثلاثة العويصة المشكلة؛ التي لا تُعلم إلا بوحي من فوق سبع سموات- قال: أخبرني بهن جبريل آنفاً -أي: قبل قليل- قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما كيف يشبه الابن أمه أو أباه، فإذا سبق ماء الرجل أشبه أباه أو نزع إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة نزع إلى أمه، قال عبد الله بن سلام: صدقت بأبي أنت وأمي، والله ما يعلمها إلا نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله: إن اليهود قوم بهت -أي: أهل زور وافتراء- فاسألهم عني، فجعله عليه الصلاة والسلام وراءه في مشربة -وهي الغرفة الصغيرة- ثم جمع أحبار اليهود -إخوان القردة والخنازير- أمامه عليه الصلاة والسلام، قال: كيف ابن سلام فيكم؟

    قالوا: سيدنا وابن سيدنا -وفقيهنا وابن فقيهنا- وخيرنا وابن خيرنا، قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم ابن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله -فنخسوا وتنافخوا- وقالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه -وسيئنا وابن سيئنا، وخبيثنا وابن خبيثنا-).

    ساق الإمام البخاري هذا الحديث على هذه الآية لأنه يريد أن يفسر كل آية صح تفسيرها بسنده، لأنه اشترط الصحة حتى في التفسير: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ [البقرة:97]. فأتى بالشاهد من الحديث: أن اليهود يعادون جبريل، فلما قال عليه الصلاة والسلام: (إن جبريل أخبرني بها آنفاً، قال ابن سلام: ذلك عدو اليهود من الملائكة).

    أسباب عداوة اليهود لجبريل

    عادى اليهود عليهم لعنة الله جبريل عليه السلام لثلاثة أسباب، ذكرها أهل العلم:

    أول سبب: أنه نقل الرسالة منهم إلى غيرهم، فإنهم ظنوا أن عندهم صكاً شرعياً على الرسالة لا تنزل إلا فيهم، ويقولون: لا يبعث إلا منا، فقالوا: جبريل نقل الرسالة إلى محمد وهو من العرب، فاشتهرت رسالته العالمية فاضطربت رءوس اليهود لهذا الخبر، إذ كيف يأخذ الرسالة منا؟! وأكثر رسل العالم من اليهود، ومع ذلك قتلوهم وكذبوهم، وألحدوا في كتب الله.

    والسبب الثاني: لأنه ينزل بالخسف والتدمير. ولذلك سمعت بعض الخطباء العصريين يقول: والله عز وجل إذا أراد أن يدمر أمة أرسل عليهم جبريل، وله ستمائة جناح، ولا يستعمل إلا جناحاً واحداً، ولذلك لما أتى قرى قوم لوط كانوا أربع قرى قيل: فيها أربعمائة ألف، وقيل: ثمانمائة ألف فأخذها من عروقها وجبالها وصخورها وتلالها حتى رفعها إلى السماء حتى سمع الملائكة نباح كلابهم وصياح ديكتهم ثم أنزلها على وجهها في الأرض، فهو لم يستخدم إلا جناحاً واحداً، فلذلك هم يغضبون عليه يقولون: إنه يدمر وليس مثل ميكائل يأتي بالنبات وبالمطر وبالغيث في تؤدة وسكينة.

    والسبب الثالث: لأنه فضح مفترياتهم، وأخبر بأباطيلهم، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأسرارهم، لما أتى بالقرآن قال: هؤلاء ألحدوا في دين الله، هؤلاء دخلوا وغيروا كلام الله، هؤلاء قتلوا الأنبياء، هؤلاء اعتدوا في السبت، هؤلاء فعلوا وفعلوا، فقالوا: فضحنا أمام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الحديث عن بني إسرائيل من القرآن والسنة

    الآن نستمع إلى القرآن وإلى الحديث النبوي وهما يتحدثان عن بني إسرائيل، والعجيب أن سورة البقرة يقف معها الناس في صلاة التراويح، وأنت تسمع كأن سورة البقرة كلها لبني إسرائيل، قال سيد قطب في الظلال: لا بد من هذا النسف والإبادة والتدمير في أول القرآن لبني إسرائيل لأنهم عاشوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة جيراناً، ولأنهم أتوا بمفتريات في العالم، فلا بد أن يبدأ القرآن ليصفي الساحة من طريق الرسول صلى الله عليه وسلم، وليكشف أباطيلهم وتهريجهم وخرافاتهم، ثم يأتي بعدها بالتحلية، قال أهل الفهم: التخلية أولاً ثم التحلية.

    فالتخلية أن يخلي الساحة، ينظف الساحة ثم يأتي بتحلية الشرائع والأديان، تحدث القرآن عنهم في أكثر من مقطع وأكثر من سورة حتى كاد القرآن أن يكون لهم، ولذلك ما تقرأ في سورة إلا وتفاجأ: ولقد أرسلنا موسى... حتى ورد عن ابن تيمية أنه قال: رحم الله موسى عليه الصلاة والسلام كاد القرآن أن يكون كله عنه، لماذا؟ لأن الحرب بينه وبين فرعون كانت في الجو والبر والبحر، العصا مع الثعابين كانت تقفز في الجو، وكان ينازله في الميدان وفي القصر وفي البحر، فاشتبكت كل القوات وهو أكبر صراع عالمي شهده التاريخ، ومكايدهم في القرآن كثيرة نأخذ عيونها أو مجملها أو خطوطها العريضة لنكون على بصيرة، ومن أعظم ما يتبصر به المؤمن أن يعرف أهل الإلحاد والكيد وأهل الصهيونية العالمية حتى يزداد إيماناً وثقة بالله.

    والعجيب أنك إذا قرأت في كتب الإلحاد ازدادت ثقتك بالله إذا كان عندك أصل أصيل من الإيمان، وفقه في الدين، فإن الله امتن على رسوله عليه الصلاة والسلام بقوله: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] أي: نفصل لك الآيات حتى تكون على بصيرة، والذي لا يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام، والذي لا يذوق الحر لا يعرف نعمة البرد، والذي لا يطعم المر على لسانه لا يرى للحلاوة حلى، ولا للعذوبة عذوبة.

    ولذلك قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة من أناس دخلوا في الدين ولم يعرفوا الجاهلية]] فكان أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم الناس إيماناً ويقيناً وصدقاً وإخلاصاً، لأنهم عرفوا الجاهلية، وعرفوا مرارة الإلحاد والكفر، ثم ذاقوا حلاوة الإسلام، ولذلك ما كان علمهم إشغالاً للذهن وجدلاً كما هو علمنا الآن إلا من رحم الله، بل كان علمهم واقعاً يتعلمون الآية فينشرونها في ليلة واحدة في المدينة، يتعلمون الحديث فيعلمونه الناس جميعاً.

    علي بن أبي طالب يتعلم حديث الوضوء فيبقى في كل مكان يجمع الناس ويتوضأ، ويقول: هكذا رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ، هذه هي الشريعة، هل هناك ألغاز؟ هل هناك أسرار؟ هل هناك أشياء مخبأة وراء الكواليس؟ لا والله، يقول الأستاذ علي الطنطاوي في أول كتاب قصص من التاريخ: مبادئنا نعلنها يوم الجمعة من على المنبر، ما عندنا أسرار، ولا أحاجي، ولا ألغاز ولا دسائس، نحن المسلمين مبادئنا تدور حول لا إله إلا الله والصلاة والتيمم والوضوء والمسح على الخفين والغسل من الجنابة، وهي التي علمها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، أما غيرها فوالله ليس في جعبتنا ولا في حقائبنا شيء.

    فـعلي أتى بعد عثمان، وعمر بعد أبي بكر يبينون للناس هذه الشريعة التي تلقوها من الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول أحد علماء المسلمين: من ظن أن هناك شيئاً لم يأت به صلى الله عليه وسلم ولم يعلمه عامة الناس فقد ادعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم خان الرسالة.. وحاشاه أن يخون، أما الرسالة التي أتى بها فهي في القرآن عليه الصلاة والسلام.

    من صفات اليهود أنهم قوم بهت

    سبب الحديث:

    الرسول عليه الصلاة والسلام قدم مهاجراً من مكة إلى المدينة، وأمست مكة في ثوب حزن وأصبحت في حداد، وبكت وبكى عليه الغار.

    وبكى الغار على فرقاك لو     أسعفته الرجل أضحى في مسير

    والصحارى حافلات بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير

    والرمال العفر صارت حللاً     عجباً من قلبك الفذ الكبير

    انطلق عليه الصلاة والسلام ووصل إلى المدينة واستفاقت المدينة على أذان بلال وكانت في جاهلية جهلاء كما يقول أبو ريشة الشاعر المعروف يقول في طريق الهجرة:

    يا عمي لا تدعني هنا وحدي     ما لي سواك من مفضال

    فتلقاه بالدموع وسارت     بهم الخيل في شعاب التلال

    واستفاقت.. يعني: المدينة.

    واستفاقت على صباح جديد     ملء آذانها أذان بلال

    فلما استفاقت نفضت فراش الشرك والوثنية، واستقبلت الرسول عليه الصلاة والسلام.

    عبد الله بن سلام عالم وحبر من أحبار اليهود، وهو الذي قال الله فيه: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10]. من هو الشاهد؟ ابن سلام عليه السلام ورضي الله عنه وأكرم مثواه.

    ولذلك يقول سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] من عرفوا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، صفاته مكتوبة في التوراة بلونه، وبشرته، وطوله، وقِصَره، وبما يتكلم به، صفاته مكتوبة كلها في التوراة فلما أتوا قارنوا كما يقول ابن القيم: بين النسخة التي أتى بها موسى والتي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم؛ فوجدوا الوصف واحداً، فأتى الحسد فنظر في قلوبهم فقال: لا ليس هذا بالوصف، كنا نظن أنه هو واكتشفنا الآن أنه ليس هو، وقبل كانوا يخطبون في المدينة ويقولون: سوف يقدم من أرض ذات جبال سود -يعني: مكة - وسوف يأتي إلى أرض ذات نخيل -يعني: المدينة - وفعله كذا، واسمه محمد وأحمد، فلما أتوا إليه نظروا فملأ الحسد قلوبهم، فقالوا: ليس هو، فقال الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    لما دخل المدينة عليه الصلاة والسلام اجتمع عليه الناس في السوق، ففزع الناس يريدون أن ينظروا إلى هذا الخبر، فإنه نبأ عظيم ما طرق الدنيا منذ خلقها الله إلى الآن مثل هذا الخبر عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ [النبأ:1-2]. هل هناك أعظم نبأ من أن يبعث الله رجلاً واحداً من الأمة يحيي قلوب الأمة كلها، ويقودها، ويقول: من يذهب معي في طريقي فالجنة، ومن تخلف عني فالنار، فذهب عبد الله بن سلام وهو من اليهود، قال: انجفل الناس -يعني: اجتمع الناس- على الرسول عليه الصلاة والسلام، فكنت فيمن انجفل، قال: فأتيته فنظرت إلى وجهه فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب.

    اليهود تكذب بنبي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم

    رجل يأتي من بين الصخور التي تحرق الإنسان، وتسود بشرته، يأتي وهو كفلقة القمر ليلة أربعة عشر، عرقه كالجمان ينسكب، رائحته كالمسك الأذفر؛ إذا دخل البيت بقيت رائحة البيت أياماً، إذا مر من هذا الطريق يعرف الناس أنه مر من هنا، يده كالديباج، يقول أنس: والله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كفه صلى الله عليه وسلم.

    قيل لـأبي هريرة: كيف كان وجهه صلى الله عليه وسلم؟ قال: والذي نفسي بيده لكأن الشمس تجري في وجهه.

    وقيل لـأنس: كيف كان وجهه صلى الله عليه وسلم؟ قال: هل رأيتم البدر ليلة أربعة عشر؟ قالوا: نعم، قال: والله لقد نظرت إلى البدر أو القمر ليلة أربعة عشر، ونظرت إلى وجهه صلى الله عليه وسلم ووالله لوجهه أجمل من القمر ليلة أربعة عشر.

    فلما رأى عبد الله بن سلام هذا الوجه ذُهل وعرف أنه ليس بوجه كذاب، لأن وجه الكذاب دائماً معسوف مغضوب عليه معقود، الكذاب دائماً يظهر الكذب على وجهه، لكن الصادق نظراته صادقة، ولمحاته صادقة، ووجهه صادق. قال: فعرفت أنه ليس بوجه كذاب.

    يقول ابن رواحة شاعر الأنصار، البطل المقدام الذي قدم روحه رخيصة يوم مؤتة، يوم غلت الدراهم والدنانير على أهل المغالاة قدم روحه يقول:

    لو لم تكن فيه آيات مبينة     لكان منظره ينبيك بالخبر

    فقط يكفي المنظر، قال ابن سلام: فسمعته يتكلم عليه الصلاة والسلام، واسمع إلى الكلمات كأنها الدر بل أغلى من الدر، أو كأنها الجواهر بل أغلى من الجواهر.

    بالله لفظك هذا سال من عسل     أم قد صببت على أفواهنا العسلا

    أم المعاني اللواتي قد أتيت بها     أرى بها الدر والياقوت متصلا

    لو ذاقها مدنف قامت حشاشته     ولو رآها غريب داره لسلا

    انطلق يتكلم، فيقول عليه الصلاة والسلام: {يا أيها الناس! أطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام} وراوي الحديث -والحمد لله- هو عبد الله بن سلام. فلما سمع هذا الكلام انطلق وآمن بالله فكانت له هذه القصة.

    يقول عليه الصلاة والسلام: {لو آمن بي عشرة من علماء اليهود لآمن بي اليهود جميعاً} لكن لم يتموا عشرة، فالنصاب لم يكتمل،لأن الله كتب عليهم اللعنة، بل أسلم منهم ثلاثة أو أربعة.

    1.   

    من مكائد اليهود عليهم لعائن الله المتتابعات

    من مكائد اليهود: رفضهم أن يدخلوا الباب سجداً

    أما مكائدهم فمنها التي ذكر الله عز وجل: دخولهم الباب يزحفون، فإن الله سبحانه وتعالى قال لهم: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] قال بعض المفسرين: باب أريحا لما فتح الله على موسى عليه السلام تلك البلاد قال لهم موسى: إن من نعمة الله عليكم يوم نصركم ويوم أنقذكم من فرعون الطاغية أن تدخلوا متواضعين سجداً يعني: ركعاً، تدخلون من باب المدينة متواضعين، خشعاً لله كما دخل صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فإن الله لما فتح له ونصره يوم فتح مكة تواضع على البعير وخشع، حتى قيل في بعض الروايات: سالت دموعه تواضعاً لله، فرفعه الله، فإن من تواضع لله رفعه، فقال لهم موسى: ادخلوا متواضعين لما نصركم الله وأنقذكم، فأبوا، يقول الله عز وجل: وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] أي: يا رب احطط عنا ذنوبنا، مثل إذا قلت: غفرانك، غفرانك، أو غفْراً غفْراً، أي: اغفر لي، فقال لهم موسى: قولوا: حطة، كلمة خفيفة معناها: يا رب اغفر لنا، فدخلوا يزحفون على أستاهم ويقولون: حنطة في شعرة، بدل حطة يقولون: حنطة، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59] الآية.

    فلما بدلوا هذا الكلام غضب الله سبحانه وتعالى عليهم من فوق سبع سموات وأخزاهم وأذلهم.

    من مكائد اليهود: قتلهم الأنبياء

    قيل: إنهم قتلوا في غداة واحدة عشرات الأنبياء لأنه كان يبعث لهم جملة من الأنبياء، أتوا بيحيى عليه السلام فذبحوه وقطعوا رأسه، ثم أخذوا رأسه وألقوه في حضن أبيه زكريا، فانتفض زكريا عليه السلام فطاردوه بالسيف، وفي تاريخ ابن كثير في ترجمة زكريا عليه السلام أنه شرد منهم فأتت شجرة فلما رأته شرد، معجزة من الله انكشفت له وانقسمت نصفين فدخل فيها، فأخذ الشيطان بطرف ثوبه فوجدوا ثوبه فعرفوا أنه في الشجرة، فأقاموا المنشار من رأس الشجرة فقسموه مع الشجرة نصفين، هذا الذي ثبت في مقتله عليه السلام، فكانوا يقتلون الأنبياء، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:181].

    فائدة: هل هناك قتل الأنبياء بحق؟ ما دام قال الله سبحانه وتعالى: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران:181] فهل هناك قتل الأنبياء بحق؟ هل يحق لهم في سورة أخرى أن يقتلوا الأنبياء؟ لا. هذا من شدة ظلمهم وعتوهم، فكأن المعنى يقول: يا ليت هناك أطرف سبب يعتذرون به، ويكون سبباً ليكون لهم جزء واحد على مليون من الحق، لكن والله لا يوجد واحد على مليون، إنما هو ظلم وعتو وعدوان منهم.

    من مكائد اليهود: ما وقع في قصة البقرة

    ومنها: قتلهم النفس في قصة البقرة، حيث كان هناك إخوة وكان لهم عم غني فأتوا إلى عمهم، فذبحوه وأخذوا تركته، وخافوا أن يُكتَشف أنهم قتلوا عمهم، فأتوا إلى موسى فقالوا: إن عمنا قتل البارحة، ولا ندري من قتله، وأخذوا يتباكون كتباكي إخوة يوسف عند يعقوب، فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه أن خذوا بقرة، فإذا ذبحتموها؛ فخذوا شيئاً من رجلها فاضربوا به الميت، فسوف يحييه الله وسوف يتكلم بمن قتله، هذا هو التفسير الصحيح للقرآن بهذه الآيات: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] انظر إلى البلادة في أذهانهم وإلى الغباوة، ليتهم أخذوا أي بقرة وذبحوها وانتهت المسألة والمشكلة، لكن ترسخ الإلحاد في أذهانهم والمكر والخداع، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ [البقرة:67-68] -ليست بكبيرة هرمة ولا بصغيرة بل هي وسط، أراد الله بذلك أن يعجزهم، لأنهم تمادوا في السؤال، وقد كان يكفيهم أي بقرة غير مشروطة بوصف، فطلب من الوسط، والوسط دائماً صعب، ولذلك جعل الله الأمة وسطاً، وأكبر ما يشكلك في حياتك أن تكون وسطاً، ولا يستطيع إلا القلة من الناس أن يكونوا وسطاً: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا [البقرة:68-69] انظر التحفظ والورع، وإلا فما دخلهم باللون فقال: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69] واللون الأصفر في البقرة نادر جداً، لو قال: سوداء؛ كانت أسهل، ولو قال: بيضاء؛ كانت أسهل، لكن صفراء، ومع ذلك: فاقع لونها، وليس فيها لون آخر: قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة:70] ثالث مرة، بعد الصفراء فاقع لونها، إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [البقرة:70]. قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [البقرة:71] يعني: ليست بعاملة أي فهي مرتاحة دائماً في البيت: وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا [البقرة:71] أي: قيل ليس فيها لون، فهي صفراء ليس فيها بقعة سوداء ولا بقعة بيضاء، فاقع لونها تسر الناظرين قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة:71]. أتدرون أين وجدوا البقرة؟ أورد ابن كثير روايات وهي من الإسرائيليات ونحن نتخذ منها مواقف ثلاثة دائماً:

    أما ما أيدها كتابنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم قبلناها ووضعناها على العين والرأس، وأما ما خالف كتابنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لم نلتفت إليها، وأما ما لم يصدق ولم يخالف رويناه للناس: {وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج} {وإذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم}.

    قال ابن كثير وهو يروي قصتهم: بحثوا في القرى فما وجدوها، بحثوا في المدن فما وجدوها، بحثوا في البوادي فما وجدوها، سمعوا أنها عند عجوز في ناحية من نواحي البلدة، فذهبوا إليها فأضعفت عليهم الثمن حين علمت أنهم لا يزكو لهم غيرها، قالوا: يا خالة.. يا عمة.. نريد البقرة، هذا الوصف الذي قال لنا موسى عليه السلام انطبق على بقرتك، قالت: من أين؟ بقرتي فيها كذا وكذا وتفعل كذا وكذا، وهي من ذرية ومن سلالة كذا وكذا، فقالوا: خذي ما شئت من المال، قالت: لا أرضى إلا إذا ذبحتموها تملئوا جلدها لي ذهباً، فوافقوا على ذلك، فجمعوا حليهم وأموالهم ثم أخذوا البقرة فذبحوها، فسلخوا جلدها ثم ملئوه ذهباً وأعطوه العجوز.

    لقد ذهب الحمار بأم عمرو     فلا رجعت ولا رجع الحمار

    فأخذوا رجل البقرة قال تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73]. فأخذوا شيئاً من الرِجْل فضربوا به الميت فقام، قال: قتلني هؤلاء الذين أتوا يشتكون، فأخذهم السلطان وسحبهم إليه، ثم عاد هذا بحفظ الله ورعايته نائماً ميتاً.

    فهذه هي قصة البقرة وقصة إفكهم فيها، فإذا سمعت بذكر البقرة فهذا ملخص تعنـتهم وجدالهم وكثرة مسائلهم فيما لا يعنيهم.

    من مكائد اليهود: القرية التي كانت حاضرة البحر

    ومنها: قصة القرية حاضرة البحر، وهي قصة مبكية محزنة، هذه القرية كانت حاضرة على شاطئ البحر، وكانت في نعيم وأمن وسلام، الله عز وجل قال لبني إسرائيل: لا تعتدوا في السبت أي: لا تصيدوا السمك يوم السبت، صيدوا في كل الأيام إلا يوم السبت قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [البقرة:93].

    وهم دائماً يقولون: سمعنا وعصينا، فنصح العلماء منهم وقالوا: يا أيها الناس! نخاف من الله أن يخسف بنا، فلا تصيدوا السمك يوم السبت، قالوا: فابتلاهم الله، يوم الأحد ويوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فلا تأتيهم سمكة، إلا أن يبحثوا عنها في البحر، ويذهبوا بالقوارب والشباك ويجدوا ويجتهدوا وبكل كلفة يأتي شيء، وأما يوم السبت فتأتي شُرّعاً، حتى تملأ الساحل، حتى ما بقي إلا أن تصافحهم وتعانقهم، والمقصود أن الله ابتلاهم يوم السبت: تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [الأعراف:163].

    فأتوا وكان فيهم دهاء أحمق أوصلهم ذكاؤهم إلى الدرك الأسفل من النار، فاستخدموا الحيل المحرمة التي ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين، فقالوا: إن الله عز وجل نهانا عن الصيد مباشرة، لكن لو حفرنا أخاديد حتى تنشب الأسماك في هذه الأخاديد أو نسد عليها بالماء فما ترجع إلى البحر ونصيدها يوم الأحد! فحفروا الخنادق ومجاري الماء ووضعوا الشباك، فأتت الأسماك تدخل؛ فكلما امتلأت سدوا ما بينها وبين البحر فلا تستطيع أن تعود، ويأتون يوم الأحد فيأخذونها، فقال لهم الصالحون منهم: يا أيها الناس! إنكم ألحدتم في دين الله، وعصيتم الله، وتجاوزتم حده، هذا خطأ، قالوا: لا. ما أخطأنا، يقول الله تعالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] ليس هناك أمكر منهم، فلما نصحهم أخيارهم وأبرارهم ولم ينتصحوا، فقال الصالحون: والله لا نساكنكم في قرية، اجعلوا بيننا وبينكم حاجزاً في القرية، وهذا هو المنهج الصحيح في التعامل مع المنكر وأهله، أما أن يأتي الإنسان ويجعل غترته على رأسه يذهب يصلي ويقول: الله المستعان! اللهم أصلح شباب المسلمين، ولا يأمر ولا ينهى ولا يوجه ولا ينصح ويقول: نفسي نفسي، فأقول: ليس في الإسلام نفسي نفسي، نفسي نفسي تكون يوم القيامة أما في الدنيا: {لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه أخذاً، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، أو يلعنكم كما لعن الذين من قبلكم} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    فبنوا حاجزاً بينهم، لكن ذلك بعد أن أعذروا إلى ربهم ولعلهم يتقون، وهذا واجب الداعية أول ما يعذر نفسه إذا دعا الناس، ويوم القيامة لا يخزيك الله يوم يخزي الفاسقين، لأنك أعذرت وبلغت.

    والأمر الثاني: (لعلهم يتقون) علّ الله عز وجل أن يفتح عليهم، فعصوا وتمردوا وأبوا، وفي صباح الباكر خرج هؤلاء الصالحون ينظرون إلى أولئك، فسمعوا صياحاً مثل صياح القردة وأصوات الخنازير، فأشرفوا من السور وإذا الشق الآخر أو القسم الآخر من المدينة، وإذا هم قد أصبحوا قردة، وفي بعض الروايات من التفسير أن رجلاً كان يعرفهم يقول: يا فلان أأنت فلان؟ وهو قرد فيهز رأسه أن نعم، ويقول لفلانة: أأنت فلانة؟ فتقول: نعم، أي تهز رأسها!

    ولما أخبر سبحانه وتعالى قال: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة:65]. فما اكتفي بوصفهم أنهم قردة؛ لكن قردة خاسئين، والسؤال: هل هذه القردة تناسلت؟ أي: القردة الذين نراهم في السودة وفي القرعة هم من إخوان شامير ورابين وهؤلاء اليهود، أم هم أبناء عمومتهم، أم هم فصيلة أخرى؟ الله أعلم والراجح أنهم قضي عليهم وما تناسلوا، وأما القردة الموجودة فخلق آخر، حول الله أولئك إلى مثل هؤلاء القردة.

    والله عز وجل أنعم على اليهود من النعم ما أنعمها على أحد من العالمين، أعطاهم المنّ والسلوى وظلل عليهم الغمام لما كانوا في طور سيناء، عندما تاهوا أربعين سنة، ويقول لهم موسى: ادخلوا معي هذه القرية، قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]. نحن نريد شيئاً جاهزاً أي: لا نريد أن ندخل في حروب مع الناس، لكن إذا فتحت القرية أنت وأخوك فسوف ندخل، أما أن نقاتل وننشب في الناس فلا، فدعا عليهم موسى أن يتيهوا في الأرض، فتاهوا أربعين سنة يأتون إلى طرف سيناء يريدون أن يخرجوا، فيقولون: أخطأنا الطريق فيعودون، فإذا وصلوا إلى الطرف الآخر ضاعوا، وهكذا أربعين سنة، وتكفل الله لهم وأنعم عليهم نعماً كثيرة، ففجَّر لهم من صخرة مربعة اثنتي عشرة عيناً لأنهم اثنا عشر سبطاً أي: اثنا عشر قبيلة كل قبيلة خمسون ألفاً، فهم ستمائة ألف كما يقول ابن جرير: فكانت لكل قبيلة عين.

    وكل قبيلة لا تشرب من عين الأخرى، فأتوا يشربون، فقالوا: أين الطعام؟ هذا الماء بارد لكن أين الطعام؟ يتشرطون! قال: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أحسن طعام، فأتى لهم بالسلوى، وهي طيور مشوية يسقط عليهم في الصباح في موائد، ويقدم طازجاً فيأكلونها ويقولون: أين الحلوى؟ أي: يقصدون ما يتحلون به بعد الغداء، قال: هذا المن، فكانوا يأخذونه من على أوراق الشجر ويأكلونه، قالوا: هذا الماء وهذا الطعام لكن أين الظل؟ نبقى في الشمس؟! قال: يظلل الله عليكم بالغمام، فكان الغمام يسير معهم أفواجاً مع قبائلهم، فلما بقوا في هذه النعمة، قالوا: لا يصلح هذا؟ لا يصلح المن ولا الماء البارد ولا السلوى ولا يصلح الغمام، قال: ماذا يصلح؟ قالوا: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61]. قال موسى: أعندكم عقول؟! أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61]. أي البصل والثوم بالمن والسلوى قالوا: لا نريد إلا هكذا! طبائعهم مثل الخنازير والقرود.

    يقال: إن حماراً قدم له شيء من طعام طيب فيقول: برأسه كذا، أي أنه يريد أن يأكل برسيماً؛ لأنه تربى عليه، لذلك الجعلان ما يتربى إلا على دحرجة القاذورات، وأمة اليهود أخبث أمة على وجه الأرض، حتى يقولون: إنهم عضو أشل في تاريخ الأمة، ونحن نخاف أن نغتاب اليهود هذه الليلة، فالمقصود أنهم أعطوا المن والسلوى ولكن ما شكروا الله، فقال موسى: اهبطوا مصراً -قيل: أرض فلسطين - فإن لكم ما سألتم، وإنما فسرت بـفلسطين لأنها نونت فدل على أن البلد المعروف غير مقصود وإلا لمنعت من الصرف، فليست مصر المعروفة التي هي عاصمتها القاهرة، والتي زلزلت مرة يوم كان أحد فراعنتها يحكم بالطاغوت، وبغير شريعة الله، فأراد الله أن يؤدبهم فتزلزلت مصر، فأراد هذا الطاغية أن يلين بالله عز وجل ويخشع ويبكي ويراجع حسابه مع الله؛ فقال شاعر من الشعراء: لا تخف، قال: ماذا؟ قال:

    ما زلزلت مصر من كيد ألمَّ بها     لكنها رقصت من عدلكم طربا

    من مكائد اليهود: عبادة العجل

    والأمر الخامس: عبادتهم العجل، نجاهم الله عز وجل، حتى أتى يهودي إلى علي بن أبي طالب ولن تجد أفطن من علي بعد الثلاثة، حاد الذهن، تصل كلماته إلى القلوب مباشرة، ولذلك يقول ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: حسدته الأمم على ذكائه. إي والله، رهيب الذكاء، ويدخل النار فيه طائفتان: طائفة أحبته حتى قدسته ورفعته فوق منزلته يجرها الله على وجوهها حتى يدخلها النار وهؤلاء هم الباطنية، وطائفة أبغضته حتى قطع البغض قلوبها فتدخل النار. فـعلي رضي الله عنه يأتيه هذا اليهودي يقول: هيه.. يا أبا الحسن ما رأيتم شجرة فقلتم لرسولكم: اجعل لنا شجرة ذات أنواط، كما تعرفون في الحديث أن الصحابة لما نزلوا شجرة قال بعضهم: وكان حديث عهد بجاهلية كما في سنن أبي داود من حديث أبي واقد الليثي: {اجعل لنا ذات أنواط نعلق عليها سيوفنا كما يعلق المشركون}.

    قال: ما خرجتم من المعركة يا أبا الحسن إلا قلتم لرسولكم صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، فقال علي: [[وأنتم ما خرجتم من البحر حتى قلتم لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة]].

    يروى عن علي أنه قيل له: كم بين الأرض والعرش؟ وعلي رضي الله عنه لا يعرف، لأنه ما قاسها، فقال: [[بين العرش والأرض دعوة مستجابة]].

    قالوا: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة الشمس يوماً.

    فلن تجد أثقب من ذهنه رضي الله عنه وأرضاه لإخلاصه وعبادته.

    الشاهد: أن بني إسرائيل خرجوا من البحر، فلما خرجوا أتى السامري، واسمه موسى العزيز السامري، فهذا الغاوي المغوي اسمه موسى وكان في الركب الذي نجاه الله من البحر، وموسى بن عمران النبي الكريم عليه الصلاة والسلام اسمه: موسى كذلك وتسميه اليهود (موشي) وموشي ديان اسمه موسى في الأصل لكن يسمونه موشي، فموسى عليه السلام رباه فرعون في القصر معه، لكن انظر هداية الله عز وجل، وموسى هذا الغاوي المغوي السامري رباه جبريل:

    فموسى الذي رباه جبريل كافر      وموسى الذي رباه فرعون مرسل

    والهداية من الله، والمصلح هو الله مع الدعاء والأسباب، يربى بعض الأبناء في البيت، ويقرأ دائماً عليه القرآن صباح مساء، ويسمع الذكر والمحاضرات والهداية والأنوار تشع فيأبى، وإنسان في بيت مظلم، لا يسمع إلا الغناء والمغنين والمغنيات الأحياء منهم والأموات، ولكن روحه تتوقد للإسلام: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [الروم:19].

    عكرمة بن أبي جهل يأتي من صلب أبي جهل الذي يتردى يوم القيامة على وجهه في النار، وعكرمة يقول يوم اليرموك: من يبايعني على الموت، فيلبس أكفانه بعد أن يغتسل ويتحنط ويتطيب، ويضرج بالدماء ويذهب في سبيل الله، فسبحان الله! ونوح عليه السلام يقول لابنه: اركب معنا، قال: لا سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود:43] فصعد فلما أصبح في رأس الجبل وإذا بالماء يعلو، فيمد عنقه في الجو يظن أنه سوف يُفوت قدرة الله عز وجل فوصل الماء إلى عنقه فأخذ يتطاول حتى أعماه الماء.

    إبراهيم عليه السلام يأتي إلى شيخ ضال يقول له: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم:43] أتاني علم من السماء وهو علم لا إله إلا الله، أتيتك به، قال: اعتزلني وإلا رجمتك، سبحان الله! أب ضال وابن صالح، وابن ضال وأب صالح، قدرة الله سبحانه وتعالى!

    فلما خرجوا من البحر قال لهم السامري: أتدرون ماذا معي في هذا القرطاس أو في هذا الوعاء؟ قالوا: ما ندري، قال: هذا قبضة قبضتها من آثار جبريل عليه السلام يوم مر من البحر، وسوف أجعلها في حليكم فإنها تحدث أصواتاً، قالوا: وما الفائدة منها؟ قال: الفائدة أنه إلهكم، قالوا: وموسى كيف يذهب يكلم الله عز وجل من طور سيناء وإلهنا هنا، قال: نسي موسى، فموسى عليه السلام قال: يا بني إسرائيل أستأذنكم سأذهب لألقى ربي عز وجل، وكان موسى إذا أراد أن يذهب لمكالمة الله صام ثلاثين يوماً، استعداداً وتهيؤاً روحياً حتى يلقى الله عز وجل، لأنه يبقى أربعين ليلة والنور على وجهه بعد المكالمة، قال بعض المفسرين: فذهب موسى، وفي أثناء الطريق وجد خلوف فمه متغيراً لأنه صام كثيراً، فأخذ سواكاً يتسوك به، فلما كلمه الله لماذا أزلت آثار الصائم وهو أحب إليَّ من ريح المسك؟ قال: يا رب! ظننت أن هذه الرائحة متغيرة، قال: عد فصم عشرة أيام: وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف:142] فعاد فصام عشرة أيام فلما صام عشرة أيام قال: يا بني إسرائيل أستأذنكم سأذهب لألقى ربي في طور سيناء.

    المكالمة ضخمة تحتاج إلى لقاء، وتحتاج إلى حضور قلب، فلما مشى قال السامري: نسي موسى، قالوا: نسي ماذا؟ إلهكم هنا وذهب يكلمه -انظر إلى الغباء فيهم- قالوا: أين الإله؟ قال: اجمعوا لي الحلي، فجمعوا الحلي فصاغه حتى جعله على شكل العجل، ثم أدخل هذه الحفنة التراب فيه ثم أتى يصوت فيه فأحدث رجة وصوتاً قال: هذا إلهكم، فسجدوا لهذا العجل.

    أتى موسى عليه السلام، وإذا عجل من ذهب واقف أمامه، قال: ما هذا؟ قالوا: هذا إلهنا!! سبحان الله! أربعون سنة، ومجاهدة مع فرعون وحادثة البحر، ومعجزات عظيمة ومع ذلك لم يستفيدوا منها شيئاً. حتى إنه من الغضب ألقى الألواح وفي نسختها خير لهم وهدى.

    يقول ابن تيمية: رحم الله موسى، وإلا كيف يلقي الألواح وفيها كلام الله، قال: لكن لما علم الله إخلاصه غفر له وسامحه، قال: فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه، يبدأ بهارون، هارون أكبر من موسى يقال بسنة، لكن كان حبيباً قريباً إلى القلوب يعني: لما رآهم يعبدون، قال: لا.. هذا ليس بإلهكم، اتقوا الله ولم يستطع أن يفعل شيئاً.

    فلما أتى موسى عليه السلام أخذ برأس أخيه وبلحيته يجره إليه، يقول: كيف توافقهم على هذا قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] خفت أن أقوم فيهم فينشقون قسمين فتقول: لماذا تتصرف قبل أن آتي؟ لأن موسى عليه السلام إذا وفد عند بني إسرائيل أصبحوا مثل الغنم إذا رأت الأسد، وهارون عليه السلام يتصرفون في حضوره.

    أما موسى فلا يستطيعون، لأنه قوي أمين، ولذلك يصفه عليه الصلاة والسلام بالقوة يقول: {كأنه من أزد شنوءة} فلما عبدوا العجل قال إنهم: إن من توبتكم أن تقتلوا أنفسكم، قالوا: كيف نقتل أنفسنا؟ قال: يأخذ كل واحد منكم سكيناً بيده وسوف ينزل الله عليكم ظلمة شديدة حتى لا يرى الإنسان ابنه ولا خاله ولا عمه فتدركهم الشفقة، فأنزل الله عليهم الظلمة فجعلوا يتقاتلون بالسكاكين حتى قتل كثير منهم، ثم قال موسى: كفوا تاب الله عليكم، فتابوا.

    من مكائد اليهود: افتراؤهم على موسى عليه السلام

    المسألة السادسة: افتراؤهم على موسى عليه السلام: كان موسى عليه السلام رجلاً حيياً ستيراً يحب الستر، فيه حياء وخجل، كان يندى جبينه أن يتعرض شيء من جسمه لرؤية الناس، فكان إذا أراد أن يغتسل يذهب فيختفي وراء الجبال ثم يتستر بشجرة ثم يغتسل لأن الله رباه وأدبه، فقد تربى بوحي الله، أما هم كانوا إذا أرادوا أن يغتسلوا اغتسل بعضهم أمام بعض.

    ويقفزون في النهر سواء الرجال والنساء، فيقول بعضهم لبعض: أتدرون لماذا موسى لا يغتسل معكم؟ قالوا: لا ندري، قالوا: لأنه آدر، يقولون: ليس له آلة، وقيل في كلام آخر مريض، ليس عنده آلة الرجولة، قال: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69].

    وفي صحيح البخاري أن موسى عليه السلام لما اغتسل أخذ عليه إزاراً، وجعل ثوبه على حجر فلما نزل يغتسل فر الحجر بالثوب، فخرج في إثره فأتى الحجر جهة بني إسرائيل فأقبل موسى فعلموا أنه ليس به داء فيقول موسى: ثوبي حجر! وأخذ يضرب الحجر، قال أبو هريرة: والله إنه بالحجر ندبٌ. أي: من آثار الضرب في الحجر، قدرة من الله عز وجل.

    من مكائد اليهود: إقامة الحد على الضعيف وترك الشريف

    السابعة: إقامة الحد على الضعيف وتعطيله عن الشريف: وهذا الذي ذكر عنهم صلى الله عليه وسلم لما أتي بالمخزومية التي سرقت فأرادوا الشفاعة لها، فقال: {أتشفعون في حد من حدود الله! إنما أهلك الذي كانوا من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} وحاشاها أن تسرق!

    فإذا كان الزاني من أسرة عريقة يأتون فيحممون وجهه بالحمم -بالفحم- وأما إذا كان من أسرة ضعيفة رجموه حتى يموت، فلعنهم الله بهذا، لأنهم نقضوا الميثاق.

    من مكائد اليهود: فعل الحيل المحرمة على الشرع

    الثامنة: ومن حيلهم الباطلة إذابة الشحم وبيعه كما في صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قاتل الله اليهود.. إن الله لما حرم عليهم الشحم أذابوه فجملوه فباعوه} قال الله عز وجل: إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام:146] حرم الله عليهم الشحوم، فأتوا إلى الشحم فقالوا: إنه شحم، صحيح أنه حرام، لكن إذا سخناه بالنار وأذبناه فليس بحرام، فأخذوا الحيل المحرمة، يقول ابن القيم: هي من أفضح الحيل المحرمة.

    ومنها: أنهم لا يتناهون عن منكر فعلوه، وهذه الأمة وقعت في كثير مما وقع فيه بنو إسرائيل، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، يقول عليه الصلاة والسلام: {إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول: يا عبد الله.. اتق الله! لا تفعل كذا، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه من آخر النهار}.

    أي: بعض الناس تجده فاجراً لا يصلي ولا يعرف كتاب الله عز وجل، فتمر به فتقول: يا عبد الله.. اتق الله! صلِّ مع الناس يفتح الله عليك، فلا يصلي، فيأتي في المساء يدعوك فتذهب إليه وتجالسه وتقول: أحسن الله مثوبتك، ما أكرمك وما أحسن خلقك! فهذا من جنس فعل بني إسرائيل، قال الله عز من قائل: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    فمن رأى المنكر ولم ينكر ولو بقلبه فهو من تلك الطبقة الذين يرون المنكر فلا ينكرون، ولذلك ورد في حديث أن جبريل عليه السلام أمره الله أن يزلزل قرية عن مكانها، فقال: يا رب فيها رجل صالح يعبدك ويسجد لك ويسبح ويكبر، قال: به فابدأ، فإنه ما تمعر وجهه في ذاتي.

    من فضائحهم المخزية: أنهم ما استفادوا من العلم -نعوذ بالله من علم يكون وبالاً علينا، اللهم إنا نعوذ بك وبوجهك الكريم من علم لا ينفعنا- فإن هذا هو الخزي والعار، ومضرة العلم في جانبين: أن تتعلم علماً فلا تستفيده أو لا تبلغه للناس، ولا تعمل به، يقول عز من قائل في بني إسرائيل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5].

    الحمار تحمل عليه مجلدات فتح الباري والمغني والمجموع ورياض الصالحين، فلا يدري الحمار أن تلك الكتب وما فيها من هدى يحملها على ظهره، واليهود كذلك، حفظوا التوراة ولكن ما عملوا بما فيها من أحكام، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].

    ولذلك فهذه الشهادات لا تسقينا شربة ماء ومن خطط الماسونية في مؤتمراتهم يقولون: الثامن من البنود: أن يفصلوا طلبة العلم والدعاة عن طبقة العامة، وهذه أكبر جريمة، حتى يأتي طالب العلم عنده دكتوراه فيقول: أنا وصلت الآن في تحقيق مخطوطة في مطبعة بولاق، وموجودة منها نسخة في برلين، فأنا مشغول بالاتصال وتنسيق المواعيد حتى أحقق هذه المخطوطة، ويموت هو والمخطوطة ويدخل قبره، وأهل القرية ما تعلموا سورة الفاتحة، ويأتي يوم القيامة فيحاسبه الله، يقول: عندي رسالة دكتوراه، قال: ليس عندنا دكتوراه، الدكتوراه معناها: كبير التوراة، أي: كبير في التوراة، لأنها كلمة إسرائيلية.

    فالمقصد أن من خطط الماسونية أن يفصلوا طلبة العلم عن الناس، فإذا وقع ذلك ما أصبح أحد يقول: قولوا لا إله إلا الله أو اقرءوا بسم الله، وتعم الفاحشة والبلوى، يقول سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] هذا إسرائيلي فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    وهذا هو بلعام بن باعوراء عالم كبير من علمائهم، لكنه ما استضاء بالعلم ولا علم أحداً، بل خيلاء في صدور المجالس على الكنب بجانب السلطان، فلما أراد الله أن يبتليه وأن يمتحنه قال له أحد الأنبياء: اذهب إلى أولئك الكفار وادعهم إلى الدين الخالص، فذهب فرشوه؛ حيث أعطوه قصراً وزوجوه منهم، وأعطوه شيئاً من الذهب والفضة، فأرسل إلى النبي أنه قد كفر بالآيات البينات، وأنه قد ارتد على عقبيه، فمسخه الله عز وجل وقيل: أنزل لسانه حتى أصبحت على صدره، حتى ما يستطيع أن يتكلم، هذا في الدنيا.

    فيقول عز من قائل لمحمد صلى الله عليه وسلم: (واتل عليهم) أي: واتل على طلبة العلم، واتل على الدعاة، واتل على هؤلاء الذين يريدون أن ينقذوا الأمة، إياك أعني واسمعي يا جارة: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا [الأعراف:175]. أعطيناه الآيات في صدره ليرتفع فَانْسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175] يقول ابن القيم: ما أحسن هذا الشبه! يقول: إن الثعبان يكسى بجلد فإذا أراد أن يخلعه انسلخ منه، وكذلك الإنسان إذا تكسى بثوب جميل وأراد أن يتعرى منه انسلخ منه، فما قال سبحانه وتعالى تخلى وإنما قال: فَانسَلَخ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:175-176] لكن مشيئة الله عز وجل وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف:176] أحب التراب والدنيا، وأحب الخلود وقنع بالدون فأعطاه الله ما تمنى.

    وأنت إن كانت همتك عالية أعطاك الله ما تمنيت، فإن كانت همتك في الصلاح أصلحك الله، وإن كانت همتك في الفساد لم يعنك ولم يوفقك: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5] وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23]. فهذا كفر بآيات الله فاتبع هواه فمثله كمثل الكلب، انظر كيف مثل الله بني إسرائيل مرة بالحمار ومرة بالكلب، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176].

    الكلب تأتي به وتجعله في الظل، كأن تدخله في غرفة مثلاً تجده يمد لسانه ويخرجها ويلهث وبطنه تضطرب، أو تخرجه في الشمس فتجده يمد لسانه ويخرجها وبطنه تضطرب، هذا مثل لمن تعلم فلم يتغير في سلوكه شيء، ولم يبلغ شيئاً، فهو سواء تعلم أو لم يتعلم، وما أبلغه من مثل! وما أعجبها من قصة لمن اتعظ واعتبر!

    من مكائد اليهود: افتراؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه

    التاسعة: ومن مفترياتهم أيضاً: قولهم إنهم أبناء الله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ [المائدة:18] الآية. قيل لبعض الصالحين: من أين لك من القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ قال: من قوله سبحانه وتعالى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة:18] فلو كانوا أحباب لله ما عذبهم الله بذنوبهم، فهم يرون اليوم أنهم شعب الله المختار وأنهم الأمة الوسطية، والصفوة من الناس، قتلت فتاة يهودية قبل يومين في فلسطين في قرية من القرى فيقول شامير: أدعو بالغضب الإلهي على الفلسطينيين. وهو يقتلهم من ثلاثين سنة، يقتل الألوف المؤلفة منهم ويشردهم في الأرض.

    أما الغضب الإلهي فلا يقع إلا على الفلسطينيين، أما هو فلا يأتيه غضب إلهي: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] فالمقصود: أنهم يرون أنهم أبناء الله وأنهم الشعب المختار وصفوة البشرية عليهم لعنة الله كلما أصبح الصباح وأمسى المساء.

    وقالوا: إن الله فقير.. عليهم لعنة الله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [آل عمران:181]. طلب منهم الأنبياء النفقة في سبيل الله؛ فقالوا: إن الله فقير، ما دام يطلب أموالنا فهو فقير..! ونسوا أن الذي خلقهم ورزقهم هو الله!

    لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:181-182].

    ويقولون: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] قال ابن عباس: بخيلة. يقولون: الله عز وجل لا ينفق كثيراً على الناس لأن بعض الناس فقراء، ولو أنفق الله عليهم لكانوا أغنياء، قال سبحانه وتعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة:64] انظر العبارة كأنها صاعقة: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] ما قال: (بل يداه مبسوطتان) ثم سكت بل قال: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].

    ولذلك أحد الصالحين قرأها من القرن الثاني يوم كانوا يفهمون القرآن ويتدبرون القرآن فبكى كثيراً يوم قال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] بكى، ولما أتى قال: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة:64] رفع صوته حتى ارتج المسجد لينصر دين الله.

    قال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] ثم بكى، ثم التفت وإذا الخطاب كأنه صاعقة: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] فلا أغنى من الله، ولا أجود منه ولا أكرم منه سبحانه وتعالى.

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]

    العجيب أن ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم في الصفحات الأولى قال: سوف يقع في طوائف هذه الأمة ما وقع في اليهود والنصارى، تأتي اليهود وتقول: ليست النصارى على شيء. أي: هم على باطل، وتأتي النصارى وتقول: ليست اليهود على شيء. أي: هم على باطل، ووجد هنا اتجاهات ومشارب، يقوم المشرب والاتجاه يقول: إن الاتجاه الآخر ليس على حق، بل هو مخطئ دائماً، أما نحن فالحمد لله مصيبون! وتذهب إلى أولئك فيقولون: أما نحن فأصبنا كل الإصابة وأولئك مخطئون. هل نزل عليكم وحي من السماء؟! هل تكلم معكم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا والله إنه ليس إلا الهوى القاتل، نعوذ بالله من الهوى!

    وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]. هذه كذبة على الله عز وجل، فإن الله لم يلد ولم يولد، والولادة أو الجنس من أحط درجات الصفات البشرية، تعالى الله عن ذلك سبحانه وتعالى لأنه لا يليق به سبحانه وتعالى، فقالوا هم: إن عزيراً ابن الله، وكذبوا على الله، وهذه فرية يستحقون بها التدمير والإبادة، وقد فعل بهم سبحانه وتعالى ذلك.

    وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [البقرة:111] وهذا هراء قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]. أعندكم وثائق؟! أعندكم صكوك تدخلون بها الجنة من الله عز وجل، أو صكوك غفران كاذبة ظالمة غاشمة خاطئة؟!

    ومنها: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88]. قال الإمام البغوي: يقولون: عندنا علم انغلفت قلوبنا عليه فلا نحتاج إلى علمك، يعني: علم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: عندنا من الفقه ما لا نحتاج إلى ما تأتينا به، وقيل: عندنا علم فلا نسمع لما جئت به أنت، قلوبنا مغلفة مجلدة بعلم. وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ [البقرة:88].

    وقال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ [النساء:50] قيل: السحر، وقيل غيره وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا [النساء:50] ذهب سيدهم كعب بن الأشرف من خيبر إلى أبي سفيان فقال أبو سفيان يسأله: باللات والعزى: من منا الأهدى: نحن أم محمد؟ يعني: أقوم سبيلاً.

    قال: أنتم أقوم سبيلاً. قال سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ [النساء:50] يعني: كعب بن الأشرف يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا [النساء:50] فقال الله عنهم: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً [النساء:51-52] نعوذ بالله من اللعنة!

    وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80]. فيقولون للمسلمين: نمكث في النار أياماً معدودة: ستة أو سبعة أيام أو عشرة أيام بالكثير وبعدها نخرج، وتخلفونا أنتم، يعني: المسلمين، فكذبهم الله عز وجل وذكر أنهم يمكثون فيها مخلدين، ويعتق الله كل مسلم بما يقومهم من اليهود والنصارى، يقول الله للمسلم يوم القيامة: هذا اليهودي أو هذا النصراني عتقك من النار، خذه واجعله في النار بدلاً عنك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.