إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب البيوع [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدين هو المعاملة، وقد جعل الله الناس للناس لتبادل المنفعة، ومن هذه المنفعة البيع والشراء، وقد نهى الإسلام عن أي غش أو تغرير في البيع والشراء، وسد كل الذرائع الموصلة إلى أكل أموال الناس بالباطل.

    1.   

    أحكام البيوع

    قال المؤلف رحمه الله:

    [ كتاب البيوع.

    قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275]، والبيع: معاوضة المال بالمال ].

    البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب -أو أفضل-؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)، فالبيع حلال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، والأصل في الأشياء الحل، والحاجة داعية إلى البيع؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى ما في يد غيره، وليس له وسيلة إليه إلا عن طريق البيع، فمن رحمة الله تعالى بعباده أنه أحل البيع، والمؤلف رحمه الله -كما هي عادة المصنفين- أتى بالبيوع بعد العبادات؛ لأن العبادة مهمة، وهي تشمل الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم يأتي الكلام على المعاملات. قال المؤلف في التعريف: وهو معاوضة مال بمال، أما البيع فمعناه في اللغة: كما قاله ابن هبيرة : أخذ شيء وإعطاء غيره، مأخوذ من الباع، لأن كلاً من المتبايعين يمد يده للأخذ والإعطاء.

    وأما اصطلاحاً: فعرفه المؤلف بأنه معاوضة مال بمال، وقد عرفه شارح زاد المستقنع بتعريف أوضح وأوسع من هذا فقال: البيع: هو مبادلة مال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر -أي: كممر في طريق مثال لمنفعة- بمثل أحدهما على التأبيد غير رباً ولا قرض، مبادلة مال سواءً كان هذا المال حاضراً أو في الذمة أو منفعة، بمثل أحدهما، فشمل هذا تسع صور: مبادلة مال، وهذا المال ولو في الذمة، يعني: قد يكون في عين حاضر، وقد يكون في الذمة، أو مبادلة منفعة، هذه ثلاث صور؛ فإذا ضربت بعضها في بعض صارت تسع صور، مثل: بيع عين بعين، وعين بدين، وعين بمنفعة، هذه ثلاث صور، ثم مبادلة دين بعين، ودين بدين ودين بمنفعة، ثم منفعة بعين، ومنفعة بدين ومنفعة بمنفعة، تسع صور.

    منفعة عين بعين: كأن تشتري السيارة بدراهم، ومنفعة عين بدين حاضر كشراء السيارة بدراهم مؤجلة، وعين بمنفعة كأن تستأجر، أو تعطيه دراهم لتمر في طريق من اختصاصه، ودين بعين بحيث يكون العوض ديناً مثل السلم فتكون الدراهم مقدمة والسيارة موصوفة، ودين بدين وهو بيع الكالئ بالكالئ وهو لا يصح إلا إذا اشترط التقابض، دين بمنفعة كمرور بالطريق بثمن مؤجل، ثم منفعة بعين، منفعة تكون هي العوض بمال يقدم في الحال؛ أي: بعين يقدم في الحال، ومنفعة بدين كمرور في الطريق بدراهم مؤجلة، ومنفعة بمنفعة كمرور بالطريق بمنفعة؛ كأن تمر في طريقي بعوض وهو أن أن أنتفع بسيارتك شهراً.. وهكذا، هذه تسع صور.

    (مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة به كممر بمثل أحدهما على التأبيد) على التأبيد يخرج؛ فإن استئجار البيت ليس على التأبيد وإنما هو مؤقت على التأبيد حتى تخرج الأجرة، والأجرة مبادلة مال بمنفعة لكن ليس على التأبيد.

    (غير رباً ولا قرض): غير الربا، فإن الربا ليس من البيع، وكذلك القرض، القرض فيه مبادلة مال بمال لكنه ليس بيعاً وإنما قصد به الإنفاق.

    قال: [ ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح إلا الكلب، فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على متلفة ].

    كل شيء فيه منفعة مباحة يجوز بيعه إلا الكلب، ولو كان معلماً وإن كانت فيه منفعة، لكن لا يباع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثمن الكلب خبيث)، إذاً: بيع الكلب حرام، وإنما كلب الصيد يهدى ولا يباع، فإن فيه منفعة مباحة وهي: الصيد والحراسة، الكلب المعلم وكلب الصيد وكلب الحراسة، لكن وإن كان فيه منفعة مباحة -يباح للإنسان أن يقتني كلب الصيد أو كلب الماشية أو كلب الزرع- إلا أنه لا يجوز بيعه، وإنما يهدى ولا يباع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثمن الكلب خبيث)، والسنور -وهو القط- كذلك لا يباع.

    قوله: (ولا غُرم على متلفه).

    يعني: إذا أتلفه إنسان -كأن يكون قتل كلب الصيد- فلا يقال له: عليك دية وعليك ثمنه؛ لأنه ليس له ثمن، فلا يغرم شيئاً.

    قال: [ فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على متلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (نهى عن ثمن الكلب)، ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه ].

    شروط البيع

    وهذا من شروط البيع، فلا يجوز بيع مملوك إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه، يعني: أنه يشترط للبيع أن يكون مملوكاً للبائع أو مأذوناً فيه، فالبيع له شروط لابد من توافرها:

    الشرط الأول: التراضي بين المتبايعين، فإن أخذه عن غير رضاً فلا يصح؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29]، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه)، فلابد من التراضي بين المتبايعين.

    الشرط الثاني: أن يكون الذي يعقد البيع عاقلاً جائز التصرف بأن يكون حراً رشيداً مكلفاً بالغاً عاقلاً.

    الشرط الثالث: أن تكون فيه منفعة مباحة كما سبق.

    الشرط الرابع: أن يكون مالكاً للسلعة، أو مأذوناً له فيه بأن يكون وكيلاً.

    الشرط الخامس: أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، فإنه لا يقدر على التسليم، ولا بيع الجمل الشارد.

    الشرط السادس: أن يكون المبيع معلوماً.

    الشرط السابع: أن يكون الثمن معلوماً، فهذه سبعة شروط لابد من توفرها في البيع، فإذا اكتملت هذه الشروط صح البيع، وإلا فلا يصح.

    الأشياء التي لا يجوز بيعها

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه ].

    لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـحكيم بن حزام : (لا تبع ما ليس عندك)، فلا يجوز له أن يبيعه إلا إذا كان مالكاً أو مأذوناً له فيه، واختلف في بيع الفضولي، وهو الذي يبيع السلعة ولم يأذن له صاحبها، قيل: لا يصح، وقيل: يصح موقوفاً على إذن المالك، فإذا أذن له فلا مانع، فمثلاً إذا باع إنسان شجرة جاره يبقى موقوفاً، وإذا جاء الجار وقال له: إني بعتها وأذن له فلا مانع، وإلا فلا يصح، كما في الحديث الذي فيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بعض الصحابة درهماً، وقال له: اشتر به شاة فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدرهم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودرهم، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، فكان بعد ذلك مباركاً، فإذا اشترى شيئاً ربح فيه، ولو اشترى تراباً لربح فيه) فهذا تصرفه تصرف فضولي، فإن النبي أعطاه درهماً وقال: (اشترِ شاةً)، فتصرف واشترى به شاتين، وقال بعضهم: إنه لا يصح، إذ لابد أن يكون مأذوناً له فيه، وأما هذا الصحابي فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكله، وظاهره أنه وكله وكالة مطلقة.

    قال: [ ولا بيع ما لا نفع فيه كالحشرات ].

    لا يجوز بيع ما لا نفع فيه كالحشرات؛ لأنها لا نفع فيها بل هي مستخبثة، ويقاس عليه الحيات والعقارب، فكلها مستخبثة.

    قال: [ ولا ما نفعه محرم كالخمر والميتة ].

    يعني: ولا يجوز بيع ما نفعه محرم كالخمر والميتة والخنزير والأصنام،كل هذه لا تباع.

    قال: [ ولا بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته ].

    بيع المعدوم لا يصح للجهالة؛ لأن من شرط البيع العلم بالمبيع، فإذا قال: أبيعك ما تحمل هذه الدابة أو أبيعك حمل هذه الشجرة، أو ما تحمل هذه النخلة فلا يصح لأنه معدوم لا يعلم.

    قال: [ أو مجهول كالحمل والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته ].

    كذلك المجهول لا يحل بيعه؛ لأن شرط البيع العلم بالمبيع، كأن تقول: بعتك ما في بطن هذه الدابة، والحمل الذي في بطن هذه الدابة مجهول، وكذلك أيضاً: بعتك سيارة لكن ليست في هذا البلد بل هي في بلد آخر فلا رآها ولا علم وصفها، فلا يصح للجهالة، فلابد في المبيع أن يكون معلوماً وأن يكون مقدوراً على تسليمه، وأن يكون موجوداً، أو موصوفاً بصفة.

    قال: [ ولا معجوز عن تسليمه كالآبق والشارد والطير في الهواء والسمك في الماء ].

    هذا من شرط المبيع أن يكون مقدوراً على تسليمه، فالذي لا يقدر على تسليمه لا يباع، فالعبد إذا أبق -أي: هرب من سيده- لا يباع؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، والشارد هو الجمل إذا شرد فلا يقدر على إمساكه فلا يجوز البيع؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، والطير في الهواء لا يقدر على تسليمه، والسمك في الماء كذلك لا يقدر على تسليمه فلا يصح البيع حتى يقبضه ويمسكه.

    قال: [ ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه أو من يقدر على أخذه منه ].

    كذلك بيع المغصوب لا يصح بيعه؛ لأنه غير مقدور على تسليمه إلا على الغاصب، فإذا جاء الغاصب وقال: أنا غصبت منك هذه السلعة، لكن سأشتريها الآن منك. فلا بأس؛ لأنه عنده مقدور على تسلميه، أو باع على إنسان قوي إما أميرٍ أو سلطانٍ أو عنده قوة يستطيع أخذ السلعة منه، فيبيعها عليه ولا بأس؛ لأنه يقدر على أخذها.

    قال: [ ولا بيع غير معين، كعبد من عبيده، أو شاة من قطيعه، إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة ].

    وكذلك لا يجوز بيع المبهم، كأن يكون عنده مثلاً مائة عبد، فقال: بعتك عبداً من عبيدي، أو عنده مائة شاة وقال: بعتك شاةً من الشياه، فهذا مبهم لا يجوز حتى تحدد الشاة وتحدد العبد، أو عندك سيارات في المعرض وقلت: بعتك سيارة من السيارات التي في المعرض، وهي غير متساوية بل متفاوتة؛ فهذا لا يجوز للجهالة، إلا إذا كانت الأشياء متساوية؛ كأن يكون قفيزاً من بر، وكأن يكون صبرة من الطعام، فيجعلها أكواماً، وكل كومة مائة كيلو وكلها متساوية، قال: بعتك كوماً من هذه القفيز من الطعام فلا بأس؛ لأنها متساوية، أو عنده تمر مقداره مائة كيس مثلاً، وكل كيس فيه مائة كيلو أو عشرة كيلو وكلها متساوية فلا بأس، فالجهالة هنا جائزة؛ لأنها متساوية فكلها قفيز معين من البر كذلك التمر معين محدود متماثل فلا بأس، أما أن يبيعك شاةً من غنمه أو عبداً من عبيده أو سيارةً من السيارات التي في المعرض وهي متفاوتة فلا يصح حتى تعين.

    أنواع البيوع التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: (ونهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الملامسة وعن المنابذة وعن بيع الحصاة) ].

    هذه الأنواع من البيع نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن الملامسة، وهو أن يقول مثلاً: أي ثوب لمسته فهو عليك بمائة، وهو في الدكان؛ لما فيه من الغرر؛ لأنه قد يلمس ثوباً يساوي مائة ريال، وقد يلمس ثوباً لا يساوي إلا عشرة ريالات، فلا يجوز حتى يحدد، فهذه يقال لها: الملامسة، والمنابذة يقول: أي ثوب نبذته إلي أو نبذته إليك فهو عليك بمائة، نبذته أي: طرحته، فهذا فيه غرر؛ لأنه قد يطرح ثوباً يساوي مائة، وقد يطرح ثوباً يساوي ألفاً، وقد يطرح ثوباً يساوي عشرة ريالات فلا يجوز، أو يرمي حصاة ويقول: أي ثوب أصابته الحصاة فهو لك بمائة، فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر؛ لأنه قد تصيب الحصاة ثوباً يساوي مائة، وقد تصيب ثوباً يساوي عشرة ريالات.

    ومن صور الحصاة أن يرمي بحصاة في أرض ويقول: بعتك ما تنتهي إليه هذه الحصاة، ثم يرمي بها من الأرض فهذا لا يجوز لما فيه من الغرر؛ لأن الحصاة قد تنتهي عند مسافة مائة متر، وقد تكون على مسافة مائتين، وقد تكون أقل، ففيه غرر فلابد أن يكون المبيع معلوماً، فبيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع الحصاة كلها بيوع منهية لما فيها من الغرر والجهالة والخطأ.

    قال: [ وعن بيع الرجل على بيع أخيه ].

    بيع الرجل على بيع أخيه منهي عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبع أحدكم على بيع بعض)، لما فيه من إيغار الصدور وإيجاد الشحناء والعداوة، كأن يشتري رجل سلعة مثلاً بمائة ريال، فيكون له الخيار ثلاثة أيام فيأتي إنسان إلى المشتري ويقول: أنت اشتريت هذه السلعة بمائة ريال، رد هذه السلعة وأنا أعطيك أحسن منها بثمانين ريالاً، فهذا باع على بيع أخيه، ومثله الشراء على شراء أخيه، كأن يأتي إلى البائع ويقول: بعت هذه السلعة بمائة! ردها عليه، ولك الخيار الآن وأنا أشتريها بمائة وعشرين، فلا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه، ولا يجوز الشراء على شراء أخيه؛ لأن هذا يسبب العداوة والبغضاء والشحناء، والإسلام أراد من المسلمين أن يكونوا إخوة متحابين متآلفين، وألا يكون بينهم شحناء ولا عداوة.

    قال: [ وعن بيع حاضر لباد، وهو أن يكون له سمساراً ].

    بيع الحاضر للباد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبع حاضر لباد)، وهو أن يكون له سمساراً، هذا تفسير ابن عباس لما سئل: ما بيع حاضرٍ لباد؟ قال: أن يكون له سمساراً، والسمسار هو الدلال، والمراد بالحاضر: أن يقدم رجل إلى البلد معه سلعة يريد بيعها بثمن الحال، فيأتي إنسان من أهل البلد ويقول: أعطني السلعة أنا أبيعها لك فهذا لا يجوز؛ لأن البادي هذا الذي قدم على البلد يريد أن يبيعها بسعر يومها ويبيعها رخيصة، فإذا جاء إنسان من أهل البلد وقال: أعطني أنا أبيعها، شدد على الناس وأبقاها عنده واستوفى ثمنها، ولا يبيعها إلا بغلاء فنهي عن ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يأتي إلى من قدم البلد ويقول: أعطني السلعة أبيعها لك، قال: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)، فهذا الذي جاء من البلد يريد أن يبيع هذه السلعة بسعر يومها أو في الحال، ويرخص على الناس ويمشي، أما إذا جاء أحد من البلد وقال: أعطني إياها فإنه قد يشدد على الناس، وأصل البادي: الرجل من البادية يأتي إلى البلد ثم يبيع السلعة من سمن أو أقط أو غنم، فإذا وصل إلى البلد قال له: أعطني الغنم أنا أبيعها لك، ويريد البادي أن يبيعها مثلاً بثلاثمائة، فيأتي صاحب البلد ويقول: لا تبعها قيمتها خمسمائة ويشدد على الناس، فنهي عن ذلك، ثم أطلق على كل من ورد البلد -سواءً من البادية أو من غير البادية ومعه سلعة يريد أن يبيعها في يومها ويرجع- بادياً، والحاضر هو: الرجل من أهل البلد الذي يأخذ السلعة منه ويبيعها على التراخي، كونه يستوفي ثمنها ويشدد على الناس، فلا يكون له ذلك، بل يتركه يبيعها ويذهب، حتى لا يشدد على الناس.

    وكل سلعة ورد بها إلى البلد شخص من خارج البلاد لا يعرف السلعة ولا يعرف قيمتها فإنه لا يجوز لواحد من أهل البلد أن يكون له سمساراً، بل يتركه يبيعها على الناس برخصها.

    قال: [ وعن النجش؛ وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ].

    والنجش بإسكان الشين إثارة الشيء من مكانه، والمراد به: الزيادة في السلعة وهو لا يريد شراءها، لكنه يزيد في السلعة حتى يضر المشتري أو حتى ينفع البائع أو الأمرين جميعاً، وهذا حرام لا يجوز، فلا يزيد في ثمن السلعة إلا وهو يريد شراءها، وأصل النجش: إثارة الشيء من مكانه، فالناجش يثير السلعة ويرفع قيمتها ليضر المشتري أو ينفع البائع والذي عليه العلماء أن النجش خاص بالسلعة وهو حرام.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة ].

    نهى عن بيعتين في بيعة وفسرها المؤلف بأن تقول: بعتك هذه السلعة بعشرة صحاح أو بعشرين مكسرة، بعتك هذه الشاة بعشرة دراهم أو بعشر جنيهات صحاح أو مكسرة، يعني: تبيعه السلعة بعشرة جنيهات مضروبة أو بعشر قطع من الذهب غير مضروبة؛ لأن المضروب ثمنه غير الجنيه؛ لأن هذا مصفى وخالص، وقطعة الذهب هذه فيها تراب وشوائب، فإذا قال: بعتك هذه الشاة بعشرة جنيهات مضروبة أو عشر قطع من الذهب مكسرة فهذا بيعتين في بيعة؛ لأنه لم يختر أحدهما فلا يجوز، فلابد أن يقول: بعشرة جنيهات صحيحة أو يقول: بعشرين مكسرة، أما أن يجعل شيئين ويخيره بينهما ولا يختار أحدهما، فهذا بيعتان في بيعة ولا يجوز؛ لأن النبي: (نهى عن بيعتين في بيعة)، هذا ما ذهب إليه المصنف، وفسر البيعتين في بيعة بتفسير آخر وهو أن يقول: لا أبيعك هذه السيارة حتى تبيعني هذا البيت، فيربط هذا بهذا، وهذا بيعتان في بيعة، ولا يجوز أن يربط هذا بهذا، بل يكون هذا بيع وهذا بيع.

    وفسرت أيضاً ببيع العينة، وهو أن يبيع هذه السيارة بمائة ألف مؤجلة إلى رمضان، ثم يشتريها منه بثمانين حاضرة، هذا بيعتان في بيعة بتفسير العينة.

    قال: [ وعن بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح، أو عشرين مكسرة أو يقول: بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا ].

    وفسرها أيضاً ببيع العينة: وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بنقد أقل منه.

    قال: [ وقال: لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق ].

    أي: لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق، هذا النهي عن تلقي الركبان، وهو أن يخرج جماعة أو واحد من البلد يتلقون من يجلب السلع ثم يشترونها منه برخص، وهذا فيه غبن له، وقد جاء في الحديث: (فإذا هبط إلى السوق فهو بالخيار)، فلو كان مغبوناً فهو بالخيار: إن شاء أمضى السلعة، وإن شاء أمسكها؛ لكن يشترون منه السلعة بأقل -كأن يشتروا منه الشاة مثلاً بثلاثمائة ريال- ثم لما وصل إلى السوق وجدها تباع بخمسمائة، فهو مغبون، فله الخيار في هذه الحالة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلقوا الركبان، فمن تلقي فهو بخير نظرين، إما أن يفسخ وإما أن يمضي البيع)، إذا ورد إلى البلد ووجد أنه مغبون فهو بالخيار، فالبيع بيع فاسد، ولكن له الخيار.

    فإن قيل: هل الذهاب إلى الرجل في بيته لشراء سلعة يُعَدُّ من المنهي عنه؟

    الجواب: لا من بيته هذا واضح، إنما المنهي عنه تلقي الركبان الذين يردون إلى البلد؛ لأن البدو لا يعرفون السلعة، أما الذي يعرف السلعة فليس داخلاً في هذا.

    قال: [ وقال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) ].

    أي: حتى يقبضه، إذا اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه، فإذا كان مكيلاً يقبضه بالمكيل، وإذا كان موزوناً يقبضه بالوزن ولا يبعيه مرة أخرى حتى يقبضه.

    1.   

    الأسئلة

    قال المؤلف رحمه الله:

    [ كتاب البيوع.

    قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275]، والبيع: معاوضة المال بالمال ].

    البيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة:275]، (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الكسب أطيب -أو أفضل-؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور)، فالبيع حلال بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، والأصل في الأشياء الحل، والحاجة داعية إلى البيع؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى ما في يد غيره، وليس له وسيلة إليه إلا عن طريق البيع، فمن رحمة الله تعالى بعباده أنه أحل البيع، والمؤلف رحمه الله -كما هي عادة المصنفين- أتى بالبيوع بعد العبادات؛ لأن العبادة مهمة، وهي تشمل الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم يأتي الكلام على المعاملات. قال المؤلف في التعريف: وهو معاوضة مال بمال، أما البيع فمعناه في اللغة: كما قاله ابن هبيرة : أخذ شيء وإعطاء غيره، مأخوذ من الباع، لأن كلاً من المتبايعين يمد يده للأخذ والإعطاء.

    وأما اصطلاحاً: فعرفه المؤلف بأنه معاوضة مال بمال، وقد عرفه شارح زاد المستقنع بتعريف أوضح وأوسع من هذا فقال: البيع: هو مبادلة مال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة كممر -أي: كممر في طريق مثال لمنفعة- بمثل أحدهما على التأبيد غير رباً ولا قرض، مبادلة مال سواءً كان هذا المال حاضراً أو في الذمة أو منفعة، بمثل أحدهما، فشمل هذا تسع صور: مبادلة مال، وهذا المال ولو في الذمة، يعني: قد يكون في عين حاضر، وقد يكون في الذمة، أو مبادلة منفعة، هذه ثلاث صور؛ فإذا ضربت بعضها في بعض صارت تسع صور، مثل: بيع عين بعين، وعين بدين، وعين بمنفعة، هذه ثلاث صور، ثم مبادلة دين بعين، ودين بدين ودين بمنفعة، ثم منفعة بعين، ومنفعة بدين ومنفعة بمنفعة، تسع صور.

    منفعة عين بعين: كأن تشتري السيارة بدراهم، ومنفعة عين بدين حاضر كشراء السيارة بدراهم مؤجلة، وعين بمنفعة كأن تستأجر، أو تعطيه دراهم لتمر في طريق من اختصاصه، ودين بعين بحيث يكون العوض ديناً مثل السلم فتكون الدراهم مقدمة والسيارة موصوفة، ودين بدين وهو بيع الكالئ بالكالئ وهو لا يصح إلا إذا اشترط التقابض، دين بمنفعة كمرور بالطريق بثمن مؤجل، ثم منفعة بعين، منفعة تكون هي العوض بمال يقدم في الحال؛ أي: بعين يقدم في الحال، ومنفعة بدين كمرور في الطريق بدراهم مؤجلة، ومنفعة بمنفعة كمرور بالطريق بمنفعة؛ كأن تمر في طريقي بعوض وهو أن أن أنتفع بسيارتك شهراً.. وهكذا، هذه تسع صور.

    (مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة به كممر بمثل أحدهما على التأبيد) على التأبيد يخرج؛ فإن استئجار البيت ليس على التأبيد وإنما هو مؤقت على التأبيد حتى تخرج الأجرة، والأجرة مبادلة مال بمنفعة لكن ليس على التأبيد.

    (غير رباً ولا قرض): غير الربا، فإن الربا ليس من البيع، وكذلك القرض، القرض فيه مبادلة مال بمال لكنه ليس بيعاً وإنما قصد به الإنفاق.

    قال: [ ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح إلا الكلب، فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على متلفة ].

    كل شيء فيه منفعة مباحة يجوز بيعه إلا الكلب، ولو كان معلماً وإن كانت فيه منفعة، لكن لا يباع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثمن الكلب خبيث)، إذاً: بيع الكلب حرام، وإنما كلب الصيد يهدى ولا يباع، فإن فيه منفعة مباحة وهي: الصيد والحراسة، الكلب المعلم وكلب الصيد وكلب الحراسة، لكن وإن كان فيه منفعة مباحة -يباح للإنسان أن يقتني كلب الصيد أو كلب الماشية أو كلب الزرع- إلا أنه لا يجوز بيعه، وإنما يهدى ولا يباع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثمن الكلب خبيث)، والسنور -وهو القط- كذلك لا يباع.

    قوله: (ولا غُرم على متلفه).

    يعني: إذا أتلفه إنسان -كأن يكون قتل كلب الصيد- فلا يقال له: عليك دية وعليك ثمنه؛ لأنه ليس له ثمن، فلا يغرم شيئاً.

    قال: [ فإنه لا يجوز بيعه ولا غرم على متلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (نهى عن ثمن الكلب)، ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه ].

    الاستدلال بحديث الصحابي الذي اشترى شاتين بدرهم على جواز تصرف الفضولي

    السؤال: هل يستدل بحديث الصحابي الذي اشترى للنبي شاتين بدرهم بدلاً من شاة على جواز تصرف الفضولي؟

    الجواب: إن عروة البارقي هو الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم درهماً وقال: (اشتر به شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدرهم)، واستدل به على جواز التصرف الفضولي فلهذا إذا باع الإنسان سلعة جاره ثم أقرها، كونه يبيع السيارة وهي تساوي خمسين وباعها بثمانين، فلما جاء البائع قال: أنا بعت السيارة بثمانين، أي: بزيادة ثلاثين فيصلح، ويصح البيع، أما إذا قال: لا، أنا لا أرى ذلك ولا أجيزك هذا البيع، فلا يصح البيع.

    وقال آخرون من أهل العلم: إن هذا لا يصح، ولا يستدل عليه بقصة عروة بن مالك ؛ قيل: إن عروة بن مالك أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إذناً مطلقاً ووكالة وأعطاه درهماً، بخلاف بيع سيارته أو ما أشبهها فإنه ليس عنده وكالة ولا إذن.

    حكم بيع الرجل سهماً معلوماً

    السؤال: هل يصح البيع إذا باع سهمه لمشترٍ؟

    الجواب: نعم، إذا كان معلوماً، فمن شرط البيع أن يكون معلوماً فمثلاً لو قال: بعتك ألف متر من هذه الأرض التي فيها مائة ألف متر، فلا بأس؛ لأنه جزء مشاع معين أو بعتك مثلاً أسهم شركة معينة ومعدات معينة معروفة.

    حكم إنقاص صاحب المال من أصل حقه إذا عجل المقترض بالسداد

    السؤال: ما الحكم إذا كان تجار الجملة يبيعون لأصحاب المحلات بالدين وفي حالة السداد قبل السنة يكون لهم خصم خمسة بالمائة مثلاً؟

    الجواب: لا بأس بهذا فهو عكس الربا.

    حكم الزيادة في قيمة السلعة المقسطة بنسبة مئوية خارج عقد البيع

    السؤال: سمعت بجواز بيع التقسيط مع الزيادة في قيمة السيارات وغيرها لمن يمتلك السلعة أولاً، ولكن استفساري عن طريقة التقسيط والزيادة في قيمة السلعة حيث إنها تتم بنسبة مئوية سنوية، حسب قيمة السلعة الأصلية نقداً، فكلما زادت مدة التقسيط زادت قيمة السلعة حسب النسبة السنوية للزيادة، وإذا عجز عن السداد، فما حكم التعاقد بمثل هذا العقد لمن يمتلك السلعة؟ وجزاكم الله خيراً.

    الجواب: إذا كانت الزيادة قبل العقد، يقول: بعتك هذه السلعة -سيارة- بخمسين ألفاً إذا كان نقداً، وبستين ألفاً إذا كانت مؤجلة إلى ستة أشهر، وسبعين ألفاً إذا كانت مؤجلة إلى ثمانية أشهر، وثمانين ألفاً إذا كانت مؤجلة إلى سنة، ومائة ألف إذا كانت مؤجلة إلى سنتين، فإنك تختار شرطاً واحداً قبل العقد، فإن قلت: أنا أختار المؤجلة إلى سنتين، أو أختار المؤجلة ستة أشهر فلا بأس، أما أن يبيعه مثلاً السلعة بستين ألفاً، فإذا حل الأجل ولم يدفع قال له: أنا أزيد عليك في قيمة السيارة كذا، فهذا لا يجوز.