إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الصلاة [2]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض المولى جل في علاه الصلاة على عبيده لتكون بمثابة همزة الوصل التي تربط بين العبد والمعبود، ولا تصح صلاة العبد إلا بشروط بينها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في سنته، وينبغي على المصلي أن يكون على هيئة حسنة عند إتيانه إلى الصلاة، وأن يتمثل آداب المشي إلى الصلاة.

    1.   

    شروط الصلاة

    قال رحمه الله: [ باب: شروط الصلاة.

    وهي ستة: ].

    الطهارة من الحدث

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الطهارة من الحدث؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ) ].

    وهذا الباب معقود للشروط التي تتقدم الصلاة وتسبقها، بخلاف الأركان والواجبات فإنها تكون في صلب الصلاة وأما الشروط فتكون متقدمة على الصلاة.

    الشرط الأول: الطهارة من الحدث، وأيضاً من الأنجاس، وهذا شرط لصحة الصلاة فأما الطهارة من الحدث فنعني الحدث الأكبر والحدث الأصغر. أما الحدث الأصغر فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه الشيخان، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) رواه الإمام مسلم في صحيحه، فلا تصح الصلاة إلا بالطهارة.

    وكذلك لابد أن يتطهر الإنسان من الخبث في بدنه، ويكون طاهر الثوب، والبدن والبقعة فيكون ثوبه طاهراً، وبدنه طاهراً، والبقعة التي يصلي عليها طاهرة. فإن صلى بغير وضوء فلا تصح صلاته بإجماع المسلمين ويجب عليه أن يعيد الصلاة، أما إذا نسي النجاسة في ثوبه، أو بدنه أو بقعته فالصواب أن الصلاة صحيحة؛ لأن هذا من باب التروك، والوضوء من باب الإيجاب فإذا صلى بغير وضوء فإنه يعيد الصلاة، وإذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة، فإن علم أثناء الصلاة فإنه يزيل هذا الشيء الذي فيه النجاسة إن أمكن، فإذا كانت النجاسة في الثوب فإنه يخلع الثوب، ويكمل الصلاة إذا كان عليه سروال ساتر، فإن لم يمكن قطع الصلاة، وغسل النجاسة، وصلى.

    دخول الوقت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الشرط الثاني: الوقت، ووقت الظهر من زوال الشمس إلا أن يصير ظل كل شيء مثله ].

    فلابد أن تكون الصلاة في وقتها، فإن صلى قبل دخول الوقت فلا تصح صلاته بإجماع المسلمين؛ لقول الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، أي: مفروضاً في الأوقات.

    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمه جبرائيل يومين متواليين، فأمه لصلاة الظهر في اليوم الأول في أول وقتها، وصلاة العصر في أول وقتها، والمغرب في أول وقتها، والعشاء في أول وقتها، والفجر في أول وقتها، ثم جاءه في اليوم الثاني وأمه في الظهر في آخر وقتها قرب العصر، وأمه لصلاة العصر عند اصفرار الشمس، وأمه لصلاة المغرب عند مغيب الشفق، وأمه لصلاة العشاء قبيل نصف الليل، وأمه لصلاة الفجر قبيل طلوع الشمس، ثم قال: الصلاة ما بين هذين الوقتين فلابد أن تكون الصلاة في الوقت، فإن صلى قبل الوقت فلا تصح بإجماع المسلمين، وإذا صلى وهو يظن أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه لم يدخل أعاد الصلاة.

    ووقت الظهر من زوال الشمس، أي: إذا زالت الشمس إلى جهة الغروب دخل وقت الظهر، إلى أن يصير ظل الشيء مثله بعد فيء الزوال ثم يدخل وقت العصر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ووقت العصر -وهي الوسطى- من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ].

    وصلاة العصر هي الوسطى على الصحيح؛ لقول الله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].

    وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شغلونا عن الصلاة ملأ قلوبهم وبيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى)، صلاة العصر، هذا هو الصواب، وقيل: الصلاة الوسطى: صلاة الفجر، وقيل: صلاة الظهر، والصواب: أنها صلاة العصر؛ لأنها صلاة بين صلاتين نهاريتين، وصلاتين ليليتين، وقال بعض العلماء: الصلاة الوسطى، يعني: من الوسط، وهو الخيار، لقوله تعالى: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143].

    وأول وقت صلاة العصر إذا خرج وقت الظهر إلى وقت اصفرار الشمس.

    ثم يدخل وقت الضرورة وهو من اصفرار الشمس إلى غروبها، ومن مصير ظل الشيء مثله إلى اصفرار الشمس فهذا وقت الاختيار.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس، ووقت المغرب إلى أن يغيب الشفق الأحمر تعالى ].

    فوقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وهو يقارب ساعة وعشر دقائق تقريباً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل، ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر ].

    يعني: من مغيب الشفق إلى نصف الليل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس ].

    يعني: أن وقت الفجر من طلوع الفجر الصادق، هو خلاف الفجر الكاذب، فإنه يكون في وسط السماء، مثل ذنب السرحان ثم يظلم وأما وقت الفجر الصادق فإنه ينتشر في السماء قبل المشرق والأصل في هذا حديث جبريل، وفي حديث أبي برزة في تحديد الأوقات، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حدد الأوقات هكذا، قال: (وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس، ووقت المغرب حين تجب الشمس إلى مغيب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر إلى طلوع الشمس).

    والصلاة في أول وقتها أفضل، إلا العشاء فالأفضل تأخيرها إذا لم يشق عليه، ويكون تأخيرها إلى ثلث الليل، هذا هو الأفضل وإذا كان في بلد فيصلي مع الناس حتى لا يشق عليهم؛ لأنه بذلك تحدث مشقة على الناس، فهناك من له حاجة، فإن منهم من يريد أن ينام ولكن لو كانوا جماعة في مزرعة أو في بلدة صغيرة واتفقوا على تأخيرها ولم يشق عليهم فالأفضل التأخير في صلاة العشاء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً يقدمها وأحياناً يؤخرها، كما في الحديث إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم تأخروا أبطأ.

    وتحديد نصف الليل يختلف باختلاف الليل في الشتاء والصيف، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فتقسمه نصفين، من غروب الشمس، فإذا كان غروب الشمس مثلاً الساعة الخامسة والنصف، وطلوع الفجر الساعة الخامسة والربع فاقسمه على اثنين، فيكون اثنتي عشرة ساعة إلا ربعاً، فيكون النصف ست ساعات، فتكون الساعة الحادية عشرة وربعاً تقريباً، أو الحادية عشرة تكون نصف الليل.

    بعض الأحكام المتعلقة بأوقات الصلوات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها ].

    أي: أن من كبر للصلاة قبل خروج الوقت فقد أدركها في الوقت فإذا كبر للعصر قبل غروب الشمس فقد أدركها في الوقت، إذا كان معذوراً، مثل الحائض إذا طهرت ثم صلت، ولكن لا يجوز للإنسان أن يؤخرها إلى بعد اصفرار الشمس، إلا إذا كان من أهل الضرورة فإن كبر فقد أدرك الوقت؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها)، يعني: في وقتها، وهذا إذا كان معذوراً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والصلاة في أول الوقت أفضل إلا في العشاء الآخرة ].

    فالصلاة في أول الوقت أفضل؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: (أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) أخرجه البخاري .فالصلاة في وقتها أفضل الأعمال.

    حكم تأخير الصلاة عن وقتها

    وأما تأخير الصلاة عن وقتها فالخلاف في هذا مشهور، فمن العلماء من رأى أنه إذا أخرها متعمداً دون عذر، من نسيان أو تأويل أو نوم يعذر فيه؛ لأن بعض الناس قد يؤخرها ناسياً، فهذا الإنسان لا حيلة له وقد يؤخرها لأنه نام نوماً يعذر فيه. وأما من تعمد ذلك مثل: من يقوم بتوقيت الساعة على وقت العمل، ويتعمد عدم توقيتها على وقت الصلاة فإن هذا ليس معذوراً، وقد يؤخرها متأولاً، مثل: أن يكون مريضاً في المستشفى، فيؤخر الصلاة إذا كانت ثيابه نجسة، حتى يخرج، ثم يقضيها، فهذا متأول أما إذا أخرها ولم يكن نائماً نوماً يعذر فيه، ولا ناسياً، ولا متأولاً فهو على خطر وقد حكى جمع من أهل العلم بأنه يكون مرتداً، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله)، والذي يحبط عمله هو الكافر.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلوات كلها أما إذا كان يصلي بعض الصلوات فلا يكفر.

    وذهب بعض الفقهاء المتأخرين: إلى أن كفره كفر أصغر والصواب: أنه كفر أكبر، وهذا هو الذي تدل عليه النصوص، من أنه إذا أخرها متعمداً وليس له عذر فإنه يكفر كفراً أكبر، وقال بعضهم: إلا إذا كانت تجمع مع غيرها، مثل صلاة الظهر فإنها تجمع مع العصر، فلا يكفر حتى يخرج وقت العصر، فيحكم بكفره، كذلك صلاة المغرب تجمع مع العشاء، وأما صلاة الفجر فلا تجمع مع غيرها، فإذا أخرها إلى بعد أن تشرق الشمس متعمداً حكم بكفره -نسأل الله السلامة العافية- فإذا كان ديدنه وعادته ذلك، وليس له عذر فالأمر خطير، وهذا هو الذي قرره الصحابة والذي أتى به الصحابة كما نقل عبد الله بن شقيق العقيلي : أجمع الصحابة على أن ترك الصلاة كفر، ونقل ابن حزم وإسحاق بن راهويه : الإجماع على أن ترك الصلاة كفر. نسأل الله العافية.

    ولذلك فلا بد للإنسان من أن يجعل له أسباباً توقظه، مثل: أن يجعل ساعة، أو يكلم بعض أهله أو أصحابه لينبهوه، فإن لم ينبهوه وفاتته الصلاة، وهو يريد أن يصلي، ولكن بدون اختياره، فهذا معذور، وليس التفريط من عنده أما أن يوقت الساعة على العمل مثل بعض الناس الذين لا يريد أن يستيقظ لصلاة الصبح، وتكون عادته الاستمرار على هذا فهذا ليس معذوراً؛ لأن هذا معناه تعمد ترك الصلاة ولهذا عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وأراد أن ينام في آخر الليل فقال: (من يكلنا الصبح، فالتزم بلال ، وقال: أنا ) وهذا هو الأصل بأن يجعل له أسباباً توقظه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ والصلاة في أول الوقت أفضل إلا في العشاء الآخرة، وفي شدة الحر في الظهر ].

    فالصلاة في أول وقتها أفضل، إلا في العشاء الآخرة فإذا لم يشق التأخير فلا بأس، وأما إن كان في البلد فلا تؤخر؛ لأن فيه مشقة على الناس فيصلي مع الناس في أول الوقت حتى لا يشق عليهم، فإن لم يشق عليهم بأن كانوا محصورين وليس معهم أحد، كأن يكونوا في قرية أو مسافرين أو في مزرعة وليس معهم أحد فاتفقوا على التأخير فيؤخرون؛ لأن هذا هو الأصل، وأما في البلدان والمدن فلا يمكن هذا، فيصلي الصلاة في أول وقتها؛ لأن التأخير فيه مشقة على الناس.

    وكذلك الظهر في شدة الحر فإن الأفضل تأخيرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم).

    ستر العورة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الشرط الثالث:

    ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة ].

    هذا الشرط الثالث من شروط الصلاة وهو ستر العورة بما لا يصف البشرة، فيسترها بثوب، أو بشيء لا يصف البشرة فإن كان يصف البشرة فلا يعتبر ساتراً، والذي لا يصف البشرة هو: الذي يرى لون البشرة من ورائه، كأن يرى الحمرة أو السواد أو البياض، فهذا يصف البشرة وبعض الناس تكون عليه ثياب خفيفة وتحته سروال، لكنه سروال قصير يصف البشرة، وهذا مما ينبغي ملاحظته، فمن كان عنده سروال إلى نصف الفخذ وترى من ورائه البشرة، فهذا لا يجزي إذا كانت البشرة ترى من ورائه، ولا بد من أن يكون السروال إلى الركبة، أو يكون الثوب صفيقاً، ولا يكون خفيفاً.

    إذاً: حد الثوب الذي لا يستر هو: أن يصف البشرة، بأن تُرى البشرة من ورائه، ويُرى لونها من ورائه.

    وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، وكذلك الأمة التي تباع وتشترى، وأم الولد، وأما المرأة الحرة فكلها عورة، إلا وجهها في الصلاة إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإن كان عندها رجال أجانب وجب عليها ستر الوجه.

    وأما قوله: (وجهها وكفيها) فهذا قول لبعض أهل العلم والصواب أن وجهها وكفيها لابد من سترهما وبعضهم أيضاً ذكر الخلاف في رجليها، ولكن الصواب: أن الرجلين عورة وأنه إذا بدت رجليها فلا تصح صلاتها، لحديث أم سلمة رضي الله عنها كما في أبي داود لما قالت: (يا رسول الله! أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال: نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)، فلابد من تغطية الرجلين، وأما الكفان ففيهما خلاف على قولين لأهل العلم، والصواب: أنها تستر الكفين وتكشف الوجه إذا كانت في بيتها وليس عندها أجانب، فإن كانت في محل فيه رجال أجانب فتستر وجهها.

    وأما البنت الصغيرة فكالرجل والأمة كذلك، ولكن الأمة إذا كانت جميلة فإنه يخشى منها الفتنة فوجب ستر الفتنة، والغالب أن الإماء لا تفتن، ولهذا جاء في بعض الآثار: أن إحدى الإماء لما سترت وجهها، ضربها عمر وقال: تتشبهين بالحرائر؟! والمعروف أن الأمة تباع وتشترى وينظر إليها سيدها ليشتريها، ولكن إذا خيف الفتنة وجب سترها دفعاً للفتنة، وإلا فالأصل أنها ليست كالحرة؛ لأن الحرة لها شأن، وهذه كالمتاع تباع وتشترى والحرة لها أحكام الخاصة.

    والدليل من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمر الأمة بالحجاب؛ لأنها تباع وتشترى.

    وبعض الناس اليوم يجعل الخادمات مثل الإماء، وليس كذلك؛ لأن الخادمات الآن حرائر، ولا يجوز للإنسان أن يخلو بها، ولا يجوز لها أن تكشف أمامه، والإماء إنما يوجدن إذا كان هناك عبيد، ووجودهن يدل على قوة الإسلام، فإذا وجد الجهاد في سبيل الله وجاهدنا الكفار، وغنمنا نساءهم وأموالهم فقد صارت نساءهم إماء لنا، ورجالهم أرقاء، ثم يتناسلون، ويكون أولادهم أرقاء، لكن الآن لا يوجد جهاد. والله المستعان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة ].

    يعني: وعورتها من السرة إلى الركبة حتى تتحرر.

    ويجب على الرجل ستر العاتقين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).

    ومن الأدلة على أن عورة الأمة من السرة إلى الركبة ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورتها، وإنما تحت السرة إلى الركبة عورة يريد الأمة) رواه الدارقطني ، وقال: حديث حسن، وأخرجه أبو داود وأحمد .

    وهذا الأصل، ولكن التستر مطلوب فعورة الرجل من السرة إلى الركبة، ولكن لا يصح أن يمشي الآن أحد هكذا، فيستر العورة فقط، ولا شك أن من الكمال أن يستتر، وهو الأصل.

    بعض الأحكام المتعلقة بستر العورة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن صلى في ثوب مغصوب، أو دار مغصوبة لم تصح صلاته ].

    وهذا على المذهب أن من صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته؛ لأن المغصوب منهي عنه، والغصب منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد فإذا صلى في ثوب مغصوب فهو مثل من صلى في ثوب حرير، أو صلى في ثوب عليه صورة لم تصح صلاته على المذهب، ومثله أيضاً: لو توضأ بماء مغصوب لم تصح الصلاة على المذهب، أو توضأ من البرادة مثلاً فالحكم حكم الغصب لا تصح الصلاة؛ لأن البرادة وضعت للشرب، فإذا توضأ منها فيكون مغتصباً فلا تصح الصلاة، وعليه أن يعيدها.

    والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم فإذا صلى في ثوب مغصوب، أو ثوبه فيه صورة، أو في ثوب حرير صحت مع الإثم؛ لأن الجهة مختلفة، فله ثواب الصلاة، وعليه إثم الغصب، وإذا توضأ من ماء مغصوب فله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب وهذا هو الصواب من قولي العلماء، أما في المذهب فإنها لا تصح فإذا صلى في ثوب حرير، أو ثوب فيه صورة، أو ثوب مغصوب، أو دار مغصوبة، أو توضأ بمغصوب فلا تصح على المذهب، ومثله لو صلى خلف فاسق فلا تصح الصلاة على المذهب؛ لأنه ما أنكر المنكر، وعليه فتكون صلاته منهياً عنها، والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم فله ثواب الصلاة، وعليه إثم عدم الإنكار، وهذا هو الصواب وهذه المسألة معروفة؛ لأن النهي لا يتعلق بذات المنهي، وعليه فإن الصلاة صحيحة، بخلاف ما لو صلى في ثوب نجس، فلا تصح الصلاة بالإجماع؛ لأن هذا النهي يتعلق بذات الصلاة وبخلاف الصلاة في الثوب المغصوب، فإنه منهي عن لبسه سواء في الصلاة أو في خارج الصلاة، والأرض المغصوبة منهي عن غصبها في الصلاة وخارجها، وثوب الحرير منهي عن الصلاة فيه، والثوب الذي فيه الصورة منهي عن الصلاة فيه ومنهي عن لبسه سواء في الصلاة أو خارج الصلاة، وأما الشيء الذي هو منهي عنه في نفس الصلاة فهذا هو الذي لا يصح بالاتفاق. وأما المياه التي توضع للشرب فلا يتوضأ منها، وإذا توضأ منها يكون غاصباً، وحكمها حكم الغصب، كما لو صلى في ثوب مغصوب فعلى المذهب أنه لا تصح صلاته، وعليه أن يعيد الصلاة ولكن الصواب: أنها تصح مع الإثم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولبس الذهب والحرير مباح للنساء دون الرجال، إلا عند الحاجة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم) ].

    أي: أن لبس الذهب والحرير حرام على الذكور وحل للنساء، وللمرأة أن تتحلى بالذهب في يديها وفي أصابعها وفي رقبتها وفي أذنيها، وكذلك الفضة وليس لها أن تستعمل الذهب في أواني الأكل والشرب فهذا لا يجوز لا للرجال ولا للنساء وليس لهم استعمال ملاعق الذهب، ولا أقلام الذهب فكل هذا حرام لا يجوز استعماله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، يعني: الكفرة، فالأكل والشرب والاستعمال منهي عنه للرجال والنساء وللمرأة أن تتحلى بالذهب الفضة، وكذلك لها لبس الحرير وأما الرجل فليس له أن يتحلى إلا بخاتم من الفضة في أصبعه، ولا يلبس الحرير إلا مقدار أصبع أو أصبعين أو ثلاثة أو أربعة كما جاء الاستثناء في الحديث، وذلك إذا جعل في ثوب الحرير مكان الأزرار، أو في طرف الثوب مثل أصبع أو أصبعين أو ثلاثة أو أربعة فهذا مستثنى. وأما الماس والأحجار الكريمة فالظاهر أنها ليست من الذهب ولا من الفضة، فلا تدخل في هذا، ولكن تدخل من جهة أخرى، وهي جهة الإسراف إذا كان الثمن مرتفعاً، فلا ينبغي للإنسان أن يسرف، ويلبس السرف.

    وأما إناء المعدن الذي يطلى بالذهب أو الفضة وهو ما يسمى بالتضبيب فهذا مستثنى من النهي، إذا كان ضبة صغيرة من فضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما انكسر قدحه اتخذ مكانه سلسلة من فضة، والفضة يتسامح فيها أكثر من غيرها، فإذا جعل مكان الشق أو الكسر في الإناء ضباً يسيراً من فضة فلا بأس أما من الذهب فلا وكذلك إذا كان ضبة كبيرة من فضة. كذلك لا يجوز للرجل لبس الساعة المطلية بالذهب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك، فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين ].

    أي: أنه إذا لم يجد إلا ثوباً واحداً، والمراد بالثوب: القطعة الواحدة، فإنه يستر به عورته، فإن كان واسعاً ستر به كفيه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان الثوب واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به) رواه البخاري في صحيحه.

    فإذا كان قطعة كأن يكون فوطة أو رداء فيستر به عورته، وإن كان كبيراً أو واسعاً مثل الشرشف فإنه يلتحف به، ويضع بعضه على كتفيه، فإن صلى وكتفاه مكشوفتان فقد اختلف العلماء في صحة الصلاة في هذه الحالة.

    والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء) فذهب الجمهور إلى: أن الصلاة تصح واستدلوا على ذلك بحديث جابر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري : (أنه صلى في إزار، ورداؤه موضوع على المشجب فقال له بعضهم: تصلي ورداؤك على المشجب؟ قال: أردت أن يراني أحمق مثلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أو لكلكم ثوبان؟).

    والقول الثاني: أنه لابد أن يستر كتفيه إذا كان يستطيع ذلك فإن لم يستطع فلا تصح الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).

    والقول الثالث: أنها تصح مع الإثم إذا كان مستطيعاً، وهذا هو الأقرب.

    إذاً فالأقرب أنه لابد أن يستر كتفيه جمعاً بين الحديثين فلا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء، هذا إن كان وجد ما يستر كتفيه، وبعض الناس يصلي في فنيلة أو علاقية فتبرز كتفاه، فهذا ينبغي له الانتباه لهذا، والانتهاء عنه، وبعض الناس وهم محرمين في الحج أو في العمرة إذا جاءت الصلاة يصلي وهو مكشوف الكتفين فينبغي الانتباه لهذا، والانتهاء عنه، فإذا جاءت الصلاة عليه أن يضع الرداء على كتفه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن صلى من الرجال في ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك، فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها ].

    وهذا يكون إذا كان مثل الشرشف الكبير الذي يستطيع أن يتزر ببعضه، ويضع بعضه على كتفيه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين، فإن لم يكفهما جميعاً، ستر أحدهما ].

    أي: يستر الدبر؛ لأنه أفحش.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن عدم الستر بكل حال صلى جالساً يومئ بالركوع والسجود ].

    فالعاري يصلي جالساً؛ لأنه معذور في هذه الحالة، وكذلك العراة فإنهم يصلون ويكون إمامهم وسطهم، ولا يكون أمامهم، ويكون معذوراً في هذه الحالة وإن صلى قائماً صحت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن صلى قائماً جاز، ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً أو مكاناً نجساً صلى فيهما، ولا إعادة عليه ].

    وهذا لأنه معذور في هذه الحالة فإذا كان عنده ثوب نجس ولم يجد ماء ليغسله، أو ليس عنده ما يغسله فإنه يصلي فيه، ولا يصلي عرياناً، وكذلك إذا كان في مكان نجس، فإنها مثل ما لو كان عنده ثياب نجسة فيصلي؛ لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    التطهر من النجاسة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الشرط الرابع: الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها ].

    ومن شروط الصلاة الطهارة في بدنه وثوبه والبقعة التي يصلي فيها، فلابد أن يكون بدنه طاهراً، وثوبه طاهراً والبقعة التي يصلي عليها طاهرة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ الشرط الرابع:

    الطهارة من النجاسة في بدنه وثوبه وموضع صلاته، إلا النجاسة المعفو عنها، كيسير الدم ونحوه ].

    أي: أن الشيء الذي يعفى عنه هو يسير الدم إلا إذا كان في موضع الخارج فلا يعفى عنه ولو كان يسيراً، وأما في غيره فيعفى عن الشيء اليسير، واليسير هو: النقطة اليسيرة، أو ما أشبه ذلك.

    بعض الأحكام المتعلقة بالتطهير من النجاسة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإن صلى وعليه نجاسة لم يكن قد علم بها، أو علم بها ثم نسيها فصلاته صحيحة ].

    وهذا هو الصواب خلافاً للمذهب، ففي المذهب: أنه إذا رأى في ثوبه نجاسة ثم نسيها، أو جهلها فإنه يعيد، والصواب: أنه لا يعيد إذا كان في ثوبه نجاسة علمها، ثم نسي وصلى فيها، وصلاته صحيحة وإذا لم يعلم بها وصلى فلما صلى رآها فإن أزالها فلا يعيد على الصحيح والدليل على ذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مرة وفي نعليه أذى، فخلع في أثناء الصلاة) أي: أنه جاءه الوحي من الله فخلع، (فخلع الصحابة، فلما صلى -صلى الله عليه وسلم- قال: ما لكم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: إن جبريل أخبرني أن بها أذى، ولم يعد الصلاة)، فدل هذا على أن الفريضة إذا صلاها إنسان وفي ثوبه نجاسة قد نسيها أو جهلها فإن صلاته صحيحة وهذا بخلاف الوضوء، فإنه لو صلى بغير وضوء ثم علم بذلك فإنه يعيد الصلاة؛ لأن الوضوء من باب الإيجاب، والنجاسة من باب الشروط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن علم بها في الصلاة أزالها، وبنى على صلاته ].

    أي: أنه إذا علم بالنجاسة في الصلاة فإنه يزيلها إن استطاع ويبني على صلاته وذلك كأن يكون في غترته دم أو في طرف ردائه فيرمي به، ويبني على صلاته، أو يكون في ثوبه فينزعه إذا كان عليه ثوب آخر فإن لم يستطع فيقطع الصلاة ويغسلها.

    الأماكن المنهي عن الصلاة فيها

    قال المؤلف رحمه الله: [ والأرض كلها مسجد تصح الصلاة فيها، إلا المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل وقارعة الطريق ].

    فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام)، أما المقبرة فلأنها ليست مكاناً للصلاة؛ لأن الصلاة فيها من وسائل الشرك فلا تجوز الصلاة فيها. وأما الحمام فلأنه مكان انكشاف العورات، وهي كذلك لا تجوز في الحمامات التي تؤجر، وهي التي تكون تحت الأرض، وفيها ماء حار وبارد؛ لأنه جاء في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار)، والحمامات يكون فيها اجتماع وأحياناً يكون فيها من يغسل ويدلك، فلابد من أن يكون على المغتسل إزار يستر ما بين السرة والركبة والعورة؛ ولهذا قال في الحديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار).

    المراد بالحديث الحمامات التي تؤجر، ويكون فيها ناس يستحمون.

    وأما الحش: فيعني به: مكان قضاء الحاجة ومحل النجاسات.

    وأما قارعة الطريق؛ فلأن الصلاة فيها تكون فوق مكان تقرعه الأقدام؛ لأنه مكان مشي الناس، والصلاة فيه تضييق للطريق وفيه خطر على المصلي من المارة فلا يصح أن يصلي في قارعة الطريق.

    وكذلك أعطان الإبل، لما جاء في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل) والمراد بأعطانها: أي المكان الذي تقيم فيه مدة، كمباركها عند الماء ومراحضها في الليل، فأما المكان الذي تمر فيه وتبرك فيه وتذهب فهذا لا يسمى أعطاناً وإنما أعطانها: مباركها عند الماء وفي الليل، والمقصود: أن الصلاة في أعطان الإبل لا تصح، بخلاف الصلاة في مرابض الغنم.

    وقال بعضهم: وفوق ظهر بيت الله والمجزرة والمزبلة، فينهى عن الصلاة في سبعة أماكن: المقبرة، والمجزرة، والمزبلة، والحمام، والحش، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله. يعني: لا تصح؛ لأنه لم يستقبل القبلة.

    وكذلك يقولون: لا تصح الفريضة داخل الكعبة ولا فوقها؛ لأنه لم يستقبل جزءاً منها وإنما لابد أن يكون خارجها، وتصح النافلة داخل الكعبة، هذا هو الذي قرره الفقهاء.

    استقبال القبلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الشرط الخامس: استقبال القبلة، إلا في النافلة على الراحلة للمسافر، فإنه يصلي حيث كان وجهه ].

    ولابد أن يستقبل الإنسان القبلة، وإن كان بعيداً فتكفي الجهة، وأما إن كان يشاهد الكعبة فلابد من أن يصيب عينها، وهذا في الفريضة وأما في النافلة فيجوز للإنسان أن يصلي على الراحلة وهي: الدابة، وعلى السيارة إلى أي جهة ولو كان في جهة الشرق أو جهة الغرب، إلا أن الأولى أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام فقد جاء في أبي داود أنه كان -صلى الله عليه وسلم- يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يصلي إلى جهة القبلة؛ لأن النافلة يتسامح فيها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته الوتر وغيره، وأما الفريضة فإنه ينزل ويصلي في الأرض، ويستقبل القبلة فالنافلة يتوسع فيها ما لا يتوسع في الفريضة.

    بعض الأحكام المتعلقة باستقبال القبلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فيصلي كيفما أمكنه ].

    فالعاجز عن استقبالها لخوف معذور، وكذلك المطلوب الذي يطلبه العدو فإنه يصلي ولو إلى غير جهة القبلة، وكذلك في الحرب في صلاة الخوف فإن المحارب يصلي وهو يمشي ويركض إيماء، إن خاف من العدو، فهذا مستثنى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره، فيصلي كيفما أمكنه، ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبلاً الكعبة ].

    ويدخل في الخوف القتال.

    صلاة الخوف

    وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على أنحاء مختلفة وقال الإمام أحمد : وردت صلاة الخوف على سبعة وجوه كلها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها: أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى مرة تجاه العدو، فصفهم صفين، يكبر ويكبرون، ويركع ويركعون، فإذا جاء السجود سجد هو والصف الذي يليه، وجلس الصف الثاني يحرس فإذا قام من الركعة الثانية تقدم الصف الثاني، وتأخر الصف الأول، ثم يركعون جميعاً، ثم يسجدون، ويبقى الصف الثاني يحرس، فإذا سلم الإمام قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة هذا وجه من الوجوه وهناك وجوه أخرى، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهؤلاء ركعتين، وبهؤلاء ركعتين.

    ومن الأوجه أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم ركعة، ثم أتموا لأنفسهم وذهبوا يحرسون ثم جاءت الطائفة الثانية وصلى بهم ركعة وسلم بهم، فقد جاءت على أنحاء مختلفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن كان قريباً منها لزمته الصلاة إلى عينها ].

    أي: أنه إذا كان قريباً من الكعبة يشاهدها فلابد من أن يصيب عينها، وبعض الناس في المسجد الحرام تجده مائلاً عن الكعبة، فلا تصح الصلاة، بل لابد أن يكون مواجهاً للكعبة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن كان بعيداً فإلى جهتها، وإن خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين، فإن أخطأ فعليه الإعادة، وإن خفيت في السفر اجتهد وصلى، ولا إعادة عليه ].

    أي: أن هناك فرق بين الحضر والسفر، فإذا كان في البلد فيسأل، ويستدل على المسجد، وينظر إلى محاريب المساجد، فإن اجتهد وصلى إلى غير القبلة فيجب عليه أن يعيد صلاته؛ لأنه غير معذور ما دام في البلد، بل لابد أن يسأل أو ينظر في المحاريب، وأما في البر فإنه يجتهد بحسب العلامات التي يعرفها، فإذا كان في الليل فينظر إلى نجم القطب، وينظر إلى الشمس وإلى القمر، ويسأل من يثق به، فإذا صلى إلى القبلة فصلاته صحيحة، فإن تبين بعد ذلك أنه صلى إلى غير جهة القبلة فلا يعيد؛ لأنه معذور، بخلاف إذا كان في الحضر.

    وإذا صلى المصلي أمام الإمام فلا تصح صلاته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما صاحبه، ويتبع الأعمى والعامي أوثقهما في نفسه ].

    فإذا كان هناك شخصان في السفر ثم اجتهدا، فقال أحدهما: القبلة هنا، وقال الثاني: القبلة هنا. فكل منهما يعمل على اجتهاده، ويصلي وحده، ولا يصليان معاً وإنما هذا يصلي إلى الجهة التي اجتهد، وهذا يصلي إلى الجهة التي اجتهد.

    والأعمى يقلد أوثقهما، فإذا كان هناك أوثق فيصلى معه، وكذلك الذي ليس عنده علامات، والذي لا يعرف فهو مثل الأعمى فيقلد أوثقهما.

    وكل منهما صلاته صحيحة، وكل له اجتهاده.

    النية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الشرط السادس: النية للصلاة بعينها، ويجوز تقديمها على التكبير بالزمن اليسير إذا لم يفسخها].

    والنية معناها: أن ينوي أن الصلاة التي سيصليها هي صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو صلاة المغرب، ولابد منها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وكذلك النية تقيد العمل، يعني: هل هذه صلاة فريضة أو نافلة أو راتبة أو وتر أو صلاة تراويح. ولا تنتقل الصلاة من نافلة إلى فريضة، ولكن الفريضة تنتقل إلى نافلة، وذلك مثل: إذا كان يصلي الظهر وحده وفي أثناء الصلاة جاء جماعة يصلون فيحولها إلى نافلة، وينويها نافلة ويصلي، ثم يدخل معهم إذا كان الوقت واحداً، أما إذا انتهى من الصلاة فليس له ذلك، فقد انتهى وانقضى الأمر، ولكن في أثناء الصلاة له أن يحول الفريضة إلى نافلة حتى يدرك الإمام ويصلي جماعة.

    التطهير بالبخار

    والبخار لا يكفي للطهارة، وإنما لابد من الماء، إلا إذا قيل: إنه يخرج منه ماء، فهو لا يكفي وحده، إلا على مذهب الإمام أبي حنفية رحمه الله الذي يرى أن النجاسة تطهرها الشمس والريح، والصواب أنها لا تطهر إلا بالماء، وأما أنها تطهر بالشمس والريح والاستحالة فهذا قول لبعض أهل العلم، والصواب: أنه لابد من الماء، ولا يزيل النجاسة البخار ولا الشمس ولا الريح.

    ولهذا لما بال الأعرابي في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يُصب عليه ذنوباً من ماء ولو كانت الشمس تطهره لتركه حتى تشرق الشمس فتطهره ولا يصب عليه الماء. وهو عبارة عن محاليل كيماوية، وهذه مشكلة؛ لأنه لا يجوز استعمالها إذا كان فيها مادة مسكرة، والمقصود: أنه ينبغي ألا تغسل الثياب النجسة إلا بالماء.

    1.   

    آداب المشي إلى الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب آداب المشي إلى الصلاة.

    يستحب المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ويقارب بين خطاه ].

    أي: أن يمشي بهدوء ووقار، فيكون عليه وقار وطمأنينة؛ لأنه يقدم على بيت من بيوت الله ليؤدي هذه الفريضة العظيمة، فينبغي أن يكون على قدر من السكينة والوقار، ولا يتعجل ويسرع، والركض ينافي الأدب، فإن الأدب أن يأتي الإنسان إلى بيت الله وإلى الصلاة بسكينة ووقار وهدوء وطمأنينة.

    ويقارب بين خطاه حتى تكثر الحسنات؛ لأن إحدى خطاه تكتب له فيها حسنة، والأخرى يكفر بها عنه خطيئة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا يشبك أصابعه ].

    أي: لا يشبك بين أصابعه إذا كان في ذهابه إلى المسجد وفي انتظار الصلاة، لما جاء في الحديث: (لا يشبكن أحدكم بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)، يعني: أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، أما إذا كان خارج الصلاة فلا بأس في التشبيك، وثبت في الصحيح في حديث ذي اليدين : (أنه لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي وسلم من ركعتين ذهب إلى خشبة معروضة منصوبة خلف المسجد فشبك بين أصابعه، واتكأ عليها، كأنه غضبان) يعني: يعتقد أنه انتهى من الصلاة، وقد بقي ركعتان عليه، (فدعا ذو اليدين فقال: أنسيت أم قصرت الصلاة؟) والشاهد: أنه شبك بين أصابعه، فدل على أنه بعد الصلاة لا بأس به، ولكن قبل الصلاة لا يشبك وإذا خرج إلى المسجد فهو في حكم المصلي، وكذلك وهو جالس قبل الصلاة فإنه في حكم المصلي، فلا يشبك بين أصابعه.

    ما يقوله المصلي إذا دخل المسجد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقول: باسم الله الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78] الآيات إلى قوله: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89] ].

    وهذا يحتاج إلى دليل، فإن المعروف أنه إذا دخل المسجد يقول: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. وأما هذه فلم يذكر هل يقولها عند دخول المسجد، أو يقولها وهو ينتظر الصلاة.

    وإذا اعتقد أنه المشروع في هذا المكان وليس له دليل فهو بدعة، ولكن إذا فعله على أنه دعاء عام فلا بأس، ولكن إذا كان يعتقد أنه مستحب وما عليه دليل فهو بدعة فلا يزيد ويأتي بشيء من عنده، فإن هذا يحتاج إلى دليل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقول: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ].

    وهذا جاء في حديث أبي سعيد ، ولكن في سنده عطية العوفي وهو ضعيف وذكره الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالة المشي إلى الصلاة بأنه يقول: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء، ولا سمعة خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، -وفي لفظ أن تعيذني من النار- وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذنوب إلى أنت)، وهذا الحديث فيه ضعف، وفيه: توسل بحق السائلين، ولكن لو صح فإن المراد بحق السائلين: الإجابة والإثابة، وهما من أفعال لله، فلو صح فليس هناك محذور ويمكن تأويله: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وحق سائلي الإجابة؛ لأن الله وعد السائلين بقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، ولكن الحديث ضعيف فيُكتفى بما ورد، ويقول: (اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وأمامي نوراً، وخلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً اللهم أعطني نوراً، وزدني نوراً).

    كراهة السعي إلى الصلاة وقت الإقامة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن سمع الإقامة لم يسع إليها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) ].

    إذا سمع المرء الإقامة فلا ينبغي له أن يسرع ويركض إليها ركضاً، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إذا سمعتم الإقامة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).

    ومثل الإقامة تكبيرة الركوع فلا ينبغي أن يركض أو يعجل الإنسان عند سماعها؛ لأنه إذا أسرع وركض يكون قد أتى بفعل مناف للأدب والوقار والسكينة، ويقبح بالمصلي أن يأتي إلى الصلاة وهو يلهث ولا يرتد إليه نفسه إلا بعد مدة، وإذا تأخر الإنسان عن تكبيرة الإحرام لعذر كعمل يستدعي بقاءه أو غيره من الأعذار وكان من عادته التبكير فسيكتب له أجره، أما إذا كان غير معذور، أو متساهل فلا يكتب له أجر التبكير، وكان عليه أن يمشي بسكينة.

    قال العلماء: إنه لا بأس أن يسرع المرء خطوة أو خطوتين، إذا كان في هذا إدراك للركعة.

    إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ].

    هذا لفظ حديث، ومعنى قوله: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، أي: إذا أقيمت الفريضة فليس له أن يبتدئ صلاة نفلٍ، وكذلك تلغى الصلاة التي هو فيها، فلا صلاة ابتداءً ولا صلاة استمراراً بل عليه إن كان قد بدأ بصلاة أن يقطعها إذا أقيمت الصلاة، ولا يحتاج إلى سلام، فالنية كافية، أما إذا كان في الركعة الأخيرة وقد رفع رأسه من الركوع، فإنه يتمها بشكل سريع ويكمل مع الإمام، أما إذا كان في الركعة الأولى فإنه يقطعها.

    وقد يستدل البعض على عدم قطع النافلة إذا أقيمت الصلاة بحديث: (لا تبطلوا أعمالكم).

    والجواب: أن هذا عام، وحديث: (لا صلاة إلا المكتوبة) خاص، والخاص يقضي على العام عند أهل العلم، فقوله: (لا تبطلوا)، أي: لم تقم الصلاة، فإذا لم تقم الصلاة فالمستحب أو الأولى أنك تبقى وتتم صلاة النافلة.

    ما يقال عند دخول المسجد والخروج منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا أتى المسجد قدم رجله اليمنى في الدخول وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال ذلك، إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك ].

    وقد جاء في دعاء دخول المسجد وهيئتها في عدة أحاديث، وبعضها فيها انقطاع؛ لأنها من رواية فاطمة الصغرى عن فاطمة الكبرى وهي فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن مجموع الأحاديث يدل على ثبوت هذا، والتسمية تؤخذ من الأدلة العامة فيكون مجموعها فيه كلام طويل من عدة أحاديث، ومنها: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وأعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال هذا الدعاء إلا أنه يقول: افتح لي أبواب فضلك، بدلاً عن أبواب رحمتك؛ لأنه في دخوله يسأل رحمة الله وفي خروجه يسأل الله من فضله، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:9-10].

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738010537

    عدد مرات الحفظ

    684529690