إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ ناصر بن عبد الكريم العقل
  3. شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [4]

شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [4]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العبودية لله تعالى تقتضيها الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن على الناس أن يتوجهوا إلى من يعظمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله عز وجل، ومن الناس من يتوجه إلى غير الله عز وجل، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة .. أو نحو ذلك، فمن توجه إلى الله فقد حقق العبودية الحقة وامتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه وينال السعادة في الدنيا والآخرة.

    1.   

    فصل يتضمن مقدمة لتفسير (إياك نعبد وإياك نستعين)

    التعبد والتأله أمر بدهي وفطري في العبد

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فلا يزال الشيخ ابن تيمية رحمه الله يتكلم في بيان أن العبودية لله تعالى لها حقائق عظيمة، وأنها تقتضي الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن الناس لا بد أن يتوجهوا إلى من يعظّمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله عز وجل، لكن من الناس من يتوجه إلى غير الله عز وجل، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة أو نحو ذلك، وهو في هذا يقرر أن العبودية تقتضيها الفطرة، وأنها نزعة عند الإنسان، وأن الإنسان إذا لم يتعبد لله تعبّد لغيره، وأن هذا الانجذاب والتأله يعتبر من الأمور التي فُطر عليها الإنسان، أو بني عليها الكون كله، لكن هذا الإنسان الذي أعطي الحرية والقدرة والإرادة، وخيّر بين الخير والشر قد يتأله ويتعبد لغير الله عز وجل، وهذا ما سيبينه الشيخ من خلال هذا الفصل، ويبين حقيقة العبودية وبعض صورها، وكذلك نتائج وثمار العبودية الحقة لله عز وجل.

    قال رحمه الله تعالى:[ فصل: وهو مثل المقدمة لهذا الذي أمامه، وهو أن كل إنسان فهو همّام حارث حساس متحرك بالإرادة، بل كل حي فهو كذلك له علم وعمل بإرادته، والإرادة هي المشيئة والاختيار، ولا بد في العمل الإرادي الاختياري من مراد وهو المطلوب، ولا يحصل المراد إلا بأسباب ووسائل تحصّله، فإن حصل بفعل العبد فلا بد من قدرة وقوة، وإن كان من خارج فلا بد من فاعل غيره، وإن كان منه ومن الخارج فلا بد من الأسباب كالآلات.. ونحو ذلك، فلا بد لكل حي من إرادة، ولا بد لكل مريد من عون يحصل به مراده ].

    يريد الشيخ بهذا أن يبين أن التعبّد والتأله -وهو من أعظم إرادات المكلفين- أمر بدهي وفطري غريزي، وأن الإنسان لا بد أن ينجذب بطبعه ما دام عنده إرادة وحرية، فهو همّام حارث، ولا بد لأي إنسان أن ينجذب بطبعه إلى ما ينفعه ويتوقى ما يضره، وهذا الانجذاب إن كان إلى الله عز وجل فهذه هي حقيقة العبودية، والتي فيها كمال العبادة وكمال الطمأنينة والأمن النفسي والروحي، والإنسان إذا كان همّه تحقيق العبودية لله عز وجل، وكان انجذاب قلبه وجوارحه إلى ما يرضي الله عز وجل فقد حقق اليقين والعمل والتوكل والاستعانة والامتثال والخضوع، ويكون بذلك قد امتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه، ويشعر بالأمن والسعادة في الدنيا والآخرة، وإذا انجذب إلى غير الله عز وجل وكله إلى تلك الأسباب، وإذا انجذب انجذاباً كاملاً إلى غير الله فقد أشرك، وإذا انجذب انجذاباً جزئياً بأن اعتمد أو مال إلى طلب النفع بالأسباب، فربما ينقص توحيده أو ينقص توكله، لكنه قد يقع في بدعة أو نقص في الإيمان أو رياء.. أو نحو ذلك.

    قال رحمه الله تعالى: [ فصار العبد مجبولاً على أن يقصد شيئاً ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده، هذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان يجده في نفسه، لكن المراد والمستعان على قسمين:

    منه ما يراد لغيره، ومنه ما يراد لنفسه.

    والمستعان: منه ما هو المستعان لنفسه، ومنه ما هو تبع للمستعان وآلة له، فمن المراد ما يكون هو الغاية المطلوب، فهو الذي يذل له الطالب ويحبه، وهو الإله المقصود، ومنه ما يراد لغيره، وهو بحيث يكون المراد هو ذلك الغير، فهذا مراد بالعرض.

    ومن المستعان ما يكون هو الغاية التي يعتمد عليه العبد، ويتوكل عليه، ويعتضد به، ليس عنده فوقه غاية في الاستعانة، ومنه ما يكون تبعاً لغيره، بمنزلة الأعضاء مع القلب، والمال مع المالك، والآلات مع الصانع.

    فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها، هو مستعانها، سواء كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا فقد يكون عامّاً، وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقاً، وسأل غير الله مطلقاً، مثل: عبّاد الشمس والقمر.. وغير ذلك الذين يطلبون منهم الحاجات، ويفزعون إليهم في النوائب.

    وقد يكون خاصاً في المسلمين، مثل: من غلب عليه حب المال، أو حب شخص، أو حب الرياسة، حتى صار عبد ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! تعس عبد الخميصة! تعس عبد الخميلة! إن أُعطي رضي، وإن منع سخط! تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).

    وكذلك من غلب عليه الثقة بجاهه وماله، بحيث يكون عنده مخدومه من الرءوساء.. ونحوهم، أو خادمه من الأعوان والأجناد.. ونحوهم، أو أصدقاؤه أو أمواله، هي التي تجلب المنفعة الفلانية وتدفع المضرة الفلانية، فهو معتمد عليها ومستعين بها، والمستعان هو مدعو ومسئول.

    وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره، خضع له وذل وانقاد، وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته، لكن قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته، وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيراً ممن يحب المال، أو يحب من يحصل له به العز والسلطان ].

    يعني: الشيخ يقرر أن بعض من يحب المال ويجمعه ينتفع به على الوجه المشروع، وهذا لا يضره حب المال إذا كان حباً طبيعياً غريزياً، وهناك صنف آخر وهو أنه يجمع المال ثم ينتفع به، لكن قد لا يفيد نفسه، أو قد يبخل على نفسه وعلى من يعول، فهذا يكون غالباً قد أشرب في قلبه حب المال، حتى ربما يكون عبده من دون الله عز وجل، وهو يشعر أو لا يشعر، لذا فليس المقصود من ترك حبه أن ينسى المقصود منه، أعني: أن ينتفع الإنسان في دنياه بماله، لكن بعض الناس قد يصل عنده البخل والشح والتعلق بالمال وتقديس الذهب والفضة وما شابههما إلى حبس هذه الأموال وعدم إنفاقها حتى على نفسه.

    أقسام الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما من أحبه القلب وأراده وقصده، فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله.

    فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه وإلا فلا، فالأقسام ثلاثة: فقد يكون محبوباً غير مستعان، وقد يكون مستعاناً غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران.

    فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه، وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته، تبيّن أن قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] كلام جامع محيط أولاً وآخراً، لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة:

    إما أن يعبد غير الله ويستعينه وإن كان مسلماً، فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.

    وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم، ورزقهم، وهدايتهم، من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ.

    وإما أن يستعينه وإن عبد غيره، مثل كثير من ذوي الأحوال، وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.

    والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به، وهذا القسم الرباعي قد ذُكر فيما بعد أيضاً، لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة، وتارة يكون بحسب المستعان، فهنا هو بحسب المعبود والمستعان، لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته، فإن الناس فيها على أربعة أقسام ].

    الأقسام الأربعة التي ذكرها، الشيخ:

    الأول: إما أن يعبد غير الله ويستعينه، وهذا قد وقع في الشرك؛ لأنه عبد غير الله واستعان بغير الله، لكن قد يستعين بالله عند الضرورة، وهذا لا ينفعه، وهذا كثير ما يقع فيه كثير من المشركين، فلا يستعمل الاستعانة بالله إلا عند الضرورة القصوى أو في حالة حصول الشدة، ومع ذلك يبقى على شركه.

    الثاني: أن يعبد الله ويستعين بغيره، والمقصود بالاستعانة هنا ضعف التوكل على الله عز وجل، ويظهر لي أنه لا يقصد الشرك الخالص، وإنما يقصد ما يقع فيه بعض أهل البدع وبعض المفرطين الذين تستحوذ عليهم الشهوات، وهؤلاء غالباً ينسون الاستعانة بالله عز وجل، ويكثر اعتمادهم على غير الله في كثير من الأمور، وهذا يقع فيه كثير من الناس.

    ثالثاً: أن يستعين بالله عز وجل وإن عبد غيره، وهذا يقع فيه كثير من عباد الصوفية والفلاسفة الجهلة، وكذلك عند بعض الذين يغلّبون جانب الشهوات أو جانب المطامع والمصالح.

    رابعاً: الذين هم على الاستقامة، إذ إنهم يجمعون بين عبادة الله والاستعانة به، أي: بمعناها الكامل.

    وأما قوله: (وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة)، فأيهما الغالب؟ أن العبادة تستلزم الاستعانة، فتكون العبادة هي الفاعل والاستعانة هي المفعول، وهذا الذي يظهر لي، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأحبه، لكن الشرع يرى أن الاستعانة تستلزم العبادة، مع أن العكس صحيح، فلو قيل: إن العبادة تستلزم الاستعانة، بمعنى: أن العبادة الحقيقية تستلزم الاستعانة صح التعبير، وإذا قلنا: الاستعانة تستلزم العبادة فربما يكون هنا أوجه؛ لأن الاستعانة الحقة لا ينتج عنها إلا حقيقة العبادة، فنقول: لو عكسنا صح ذلك، لكن ربما الشيخ قصد معنى آخر وهو ما ذكره، فجعل اللازم هو الاستعانة، والملزوم هو العبادة.

    1.   

    فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل

    قال رحمه الله تعالى: [ فصل: في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه، فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلاً، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره.

    ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره، كما قال تعالى: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الملك:20-21].

    وهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه، إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40].

    وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم:7-8].

    وفي الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئاً).. إلى آخر الحديث.

    فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله: كمُل ففعل، وإحسانه وجوده من كماله، لا يفعل شيئاً لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كل ما يريده فعله، فإنه فعّال لما يريد، وهو سبحانه بالغ أمره، فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل ].

    1.   

    أعظم الناس عبودية لله أكثرهم خضوعاً له وذلاً وافتقاراً

    قال رحمه الله تعالى: [ فصل: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل :

    بين التذلل والتدلل نقطة في رفعها تتحير الأفهام

    ذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلف

    فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرك به شيء.

    ولهذا قال حاتم الأصم -لما سئل: فيم السلامة من الناس؟- قال: أن يكون شيئك لهم مبذولاً وتكون من شيئهم آيساً، لكن إن كنت معوضاً لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك.

    فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟ فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة، والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلاً، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريداً راحماً، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئاً إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك، فهم ثلاثة أصناف: ظالم، وعادل، ومحسن.

    فالظالم: الذي يأخذ منك مالاً أو نفعاً ولا يعطيك عوضه، أو ينفع نفسه بضررك.

    والعادل: المكافئ، كالبايع لا لك ولا عليك، كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه، كالزوجين، والمتبايعين، والشريكين.

    والمحسن: الذي يحسن لا لعوض يناله منك، فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته، وهو انتفاعه بالإحسان، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر، أو طلب مدح الخلق وتعظيمهم، أو التقرب إليك .. إلى غير ذلك، وبكل حال ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع، وسائر الخلق إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك، وانتفاعهم بك، إما بطريق المعاوضة؛ لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه، والملوك محتاجون إلى الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بني أمر العالم، وإما بطريق الإحسان منك إليهم، فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة، فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك، فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم.

    فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم، تجد أحدهم سيداً مطاعاً، وهو في الحقيقة عبد مطيع، وإذا أوذي أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجاً إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك.

    والرب تعالى يمتنع أن يكون المخلوق مكافئاً له أو متفضلاً عليه ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائدته: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) رواه البخاري من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.

    بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، أي: بموجب علمه ذلك، فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقياً، فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد الله ].

    الافتقار إلى الله من لوازم المخلوقين

    قال رحمه الله تعالى: [ فالإنسان وكل مخلوق فقير إلى الله بالذات، وفقره من لوازم ذاته، يمتنع أن يكون إلا فقيراً إلى خالقه، وليس أحد غنياً بنفسه إلا الله وحده، فهو الصمد الغني عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، فالعبد فقير إلى الله من جهة ربوبيته ومن جهة إلهيته، كما قد بُسط هذا في مواضع.

    والإنسان يذنب دائماً فهو فقير مذنب، وربه تعالى يرحمه ويغفر له، وهو الغفور الرحيم، فلولا رحمته وإحسانه لما وَجِدَ خير أصلاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولولا مغفرته لما وقى العبد شر ذنوبه، وهو محتاج دائماً إلى حصول النعمة، ودفع الضر والشر، ولا تحصل النعمة إلا برحمته، ولا يندفع الشر إلا بمغفرته، فإنه لا سبب للشر إلا ذنوب العباد، كما قال تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]والمراد بالسيئات ما يسوء العبد من المصائب، وبالحسنات ما يسره من النعم، كما قال: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ [الأعراف:168]، فالنعم والرحمة والخير كله من الله فضلاً وجوداً من غير أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق، وإن كان تعالى عليه حق لعباده، فذلك الحق هو أحقه على نفسه، وليس ذلك من جهة المخلوق، بل من جهة الله، كما قد بسط هذا في مواضع.

    والمصائب بسبب ذنوب العباد وكسبهم، كما قال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] ].

    يعني: أن الله عز وجل هو الذي يوفق العبد للطاعة، ثم قد جازاه عليها وأنعم عليه بها، فالعبد لم ينتفع بنفسه، وإنما هو يفتقر إلى الله في كل الأحوال.

    قال رحمه الله تعالى: [ والنعم وإن كانت بسبب طاعات يفعلها العبد فيثيبه عليها، فهو سبحانه المنعم بالعبد وبطاعته وثوابه عليها، فإنه سبحانه هو الذي خلق العبد وجعله مسلماً طائعاً، كما قال الخليل عليه السلام: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78].

    وقال: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة:128].

    وقال: اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ [إبراهيم:40]، وقال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]، فسأل ربه أن يجعله مسلماً وأن يجعله مقيم الصلاة.

    وقال: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:7] .. الآية، قال بعدها: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً [الحجرات:8].

    وفي صحيح أبي داود وابن حبان : (اهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك، قابليها، وأتممها علينا)، وفي الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وفي الدعاء الذي رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (مما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة: اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقياً، وكن بي رءوفاً رحيماً، يا خير المسئولين، ويا خير المعطين) ].

    لفظ العبد في القرآن

    قال رحمه الله تعالى: [ ولفظ العبد في القرآن يتناول من عبد الله، فأما عبد لا يعبده فلا يطلق عليه لفظ عبده، كما قال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:42] وأما قوله: إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] فالاستثناء فيه منقطع، كما قاله أكثر المفسرين والعلماء، وقوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6]، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:17].

    وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ [ص:41].

    وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [ص:45].

    فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا [الكهف:65].

    سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1]، إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3].

    وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23].

    فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10].

    وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19].

    تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1] ونحو هذا كثير. وقد يطلق لفظ العبد على المخلوقات كلها، كقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ [الأعراف:194].

    أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ [الكهف:102] قد يقال في هذا: إن المراد به الملائكة والأنبياء، إذا كان قد نهى عن اتخاذهم أولياء فغيرهم بطريق الأولى، فقد قال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93].

    وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في الدجال : (فيوحي الله إلى المسيح أن لي عباداً لا يدان لأحد بقتالهم)، وهذا كقوله: بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا [الإسراء:5]، فهؤلاء لم يكونوا مطيعين لله، لكنهم مُعبّدون مذللون مقهورون يجري عليهم قدره.

    وقد يكون كونهم عبيداً هو اعترافهم بالصانع وخضوعهم له وإن كانوا كفاراً، كقوله: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

    وقوله: إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] أي: ذليلاً خاضعاً، ومعلوم أنهم لا يأتون يوم القيامة إلا كذلك، وإنما الاستكبار عن عبادة الله كان في الدنيا، ثم قال: لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:94-95]، فذكر بعدها أنه يأتي منفرداً، كقوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94].

    وقال: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83].

    وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد:15] الآية.

    وقال: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]، فليس المراد بذلك مجرد كونهم مخلوقين مدبرين مقهورين تحت المشيئة والقدرة، فإن هذا لا يقال طوعاً وكرهاً، فإن الطوع والكره إنما يكون لما يفعله الفاعل طوعاً وكرهاً، فأما ما لا فعل له فيه فلا يقال له: ساجد أو قانت، بل ولا مسلم، بل الجميع مقرون بالصانع بفطرتهم، وهم خاضعون مستسلمون قانتون مضطرون من وجوه:

    منها: علمهم بحاجتهم وضرورتهم إليه.

    ومنها: دعاؤهم إياه عند الاضطرار.

    ومنها: خضوعهم واستسلامهم لما يجري عليهم من أقداره ومشيئته.

    ومنها: انقيادهم لكثير مما أمر به في كل شيء، فإن سائر البشر لا يمكّنون العبد من مراده، بل يقهرونه ويلزمونه بالعدل الذي يكرهه، وهو مما أمر الله به، وعصيانهم له في بعض ما أمر به، وإن كان هو التوحيد لا يمنع كونهم قانتين خاضعين، مستسلمين كرهاً، كالعصاة من أهل القبلة وأهل الذمة.. وغيرهم، فإنهم خاضعون للدين الذي بعث به رسله، وإن كانوا يعصونه في أمور.

    والمؤمن يخضع لأمر ربه طوعاً، وكذلك لما يقدّره من المصائب، فإنه يفعل عندها ما أُمر به من الصبر وغيره طوعاً، فهو مسلم لله طوعاً خاضع له طوعاً، والسجود مقصوده الخضوع، وسجود كل شيء بحسبه سجوداً يناسبها ويتضمن الخضوع للرب ].

    أول درجات الافتقار هو الافتقار إلى الربوبية

    قال رحمه الله تعالى: [ وأما فقر المخلوقات إلى الله بمعنى: حاجتها كلها إليه، وأنه لا وجود لها ولا شيء من صفاتها وأفعالها إلا به فهذا أول درجات الافتقار، وهو افتقارها إلى ربوبيته لها، وخلقه وإتقانه، وبهذا الاعتبار كانت مملوكة له، وله سبحانه الملك والحمد.

    وهذا معلوم عند كل من آمن بالله ورسله الإيمان الواجب، فالحدوث دليل افتقار الأشياء إلى محدثها، وكذلك حاجاتها إلى محدثها بعد إحداثه لها دليل افتقارها، فإن الحاجة إلى الرزق دليل افتقار المرزوق إلى الخالق الرازق.

    والصواب أن الأشياء مفتقرة إلى الخالق لذواتها لا لأمر آخر جعلها مفتقرة إليه، بل فقرها لازم لها، لا يمكن أن تكون غير مفتقرة إليه، كما أن غَنَاء الرب وصف لازم له لا يمكن أن يكون غير غني، فهو غني بنفسه لا بوصف جعله غنياً، وفقر الأشياء إلى الخالق وصف لها، وهي معدومة وهي موجودة، فإذا كانت معدومة فقيل عن مطر يُنتظر نزوله: وهو مفتقر إلى الخالق كان معناه: أنه لا يوجد إلا بالخالق، هذا قول الجمهور من نظار المسلمين.. وغيرهم، وهذا الافتقار أمر معلوم بالعقل، وما أثبته القرآن من استسلام المخلوقات وسجودها وتسبيحها وقنوتها، أمر زائد على هذا عند عامة المسلمين من السلف وجمهور الخلف. ولكن طائفة تدعي أن افتقارها، وخضوعها، وخلقها وجريان المشيئة عليها هو تسبيحها وقنوتها، وإن كان ذلك بلسان الحال، ولكونها دلالة شاهدة للخالق جل جلاله، وقل للأرض: من فجر أنهارها، وغرس أشجارها، وأخرج نباتها وثمارها، فإن لم تجبك حواراً وإلا أجابتك اعتباراً، وهذا يقوله الغزالي.. وغيره.

    وهو أحد الوجوه التي ذكرها أبو بكر بن الأنباري في قوله: كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116] قال: كل مخلوق قانت له باشر صنعته فيه وأجرى أحكامه عليه، فذلك دليل على ذله لربه.

    وهو الذي ذكره الزجاج في قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:83] قال: إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جِبِلِّهم لا يقدر أحد يمتنع من جبلة جبله الله عليها، وهذا المعنى صحيح، لكن الصواب الذي عليه جمهور علماء السلف والخلف: أن القنوت والاستسلام والتسبيح أمر زائد على ذلك، وهذا كقول بعضهم: إن سجود الكاره وذله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر، وكما قال بعضهم في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، قال: تسبيحه دلالته على صانعه، فتوجب بذلك تسبيحاً من غيره، والصواب أن لها تسبيحاً وسجوداً بحسبها ].

    يقصد الشيخ بهذا أن التسبيح الذي ذكره الله عز وجل في المخلوقات هو تسبيح حقيقي، فكل مخلوق يسبح بحسب ما فطره الله عليه من نوع التسبيح، وأن هذا غير الخضوع الكوني العام؛ لأن أهل الكلام الذين فسّروا التسبيح بالخضوع الكوني العام فسّروا التسبيح ببعض وجوهه وببعض صوره، لكن الخبر ورد بأنه ما من شيء إلا يسبح بحمد الله عز وجل، وهو خبر زائد عن مجرد خضوع واستسلام الربوبية، وإن كان كل ذلك عبادة وطاعة وانقياد، لكن الطاعة الغريزية القسرية التي هي سنة من سنن الكون أمر مشترك عند جميع المخلوقات، وأما التسبيح الذي هو تسبيح العبادة فهو أمر زائد، فما من شيء إلا يسبح الله عز وجل بنوع غيبي يعلمه الله، وعلى هذا فجميع المخلوقات لها تسبيح يليق بها، وربما يكون هذا التسبيح مما يدركه بعض الناس في بعض الأشياء، وربما يكون مما لا يُدرك، وربما تكون حركة الأشجار هي نوع من التسبيح، وربما يكون غير ذلك، فهذا أمر غيبي لا نستطيع أن نتحكم به.

    إذاً: تسبيح الكائنات والمخلوقات لله عز وجل هو أمر زائد عن مجرد الخضوع العام والربوبية والاستسلام لله عز وجل، وهذا هو الراجح كما ذكره الشيخ، مع أن الشيخ لم ينكر ما قالوه، بل قال: إن هذا المعنى صحيح، وهو: أن هذه المخلوقات لافتقارها عابدة لله عز وجل بخضوعها وتذللها له سبحانه وتعالى، وهذا هو مقتضى القيومية لله عز وجل، وكونه القائم على كل شيء.

    وأما المكلّفون فإن الله عز وجل قد ابتلاهم، فمنهم من يسبّح وهو العبد الطائع المطيع، ومنهم من لا يسبّح وهو العبد الكافر المعاند نسأل الله العافية، بينما المخلوقات الأخرى -كما ذكرنا- فكلها تسبح بحمد الله عز وجل تسبيحاً يليق بها، وبكيفية لا نعلمها.

    قال رحمه الله تعالى: [ والمقصود أن فقر المخلوقات إلى الخالق، ودلالتها عليه وشهادتها له، أمر فطري فطر الله عليه عباده، كما أنه فطرهم على الإقرار به بدون هذه الآيات، كما قد بُسط الكلام على هذا في مواضع، وبُين الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس الشمولي والتمثيلي، فإن القياس البرهاني العقلي، سواء صيغ بلفظ الشمول كالأشكال المنطقية، أو صيغ بلفظ التمثيل، وبُيّن أن الجامع هو علة الحكم ويلزم ثبوت الحكم أينما وجد، وقد بسطنا الكلام على صورة القياسين في غير هذا الموضع.

    والتحقيق: أن العلم بأن المُحدث لا بد له من محدث هو علم فطري ضروري في المعينات الجزئية، وأبلغ مما هو في القضية الكلية ].

    الشيخ رحمه الله جارى أهل الكلام في المصطلحات أو التعبيرات؛ لأنه -والله أعلم- أراد أن يلزمهم الحجة، ولأنه في معرض مناقشتهم والرد عليهم، ولو أنه قال: والتحقيق: أن العلم بأن المخلوق لا بد له من خالق لكانت أوضح وأقرب إلى الفطرة، وإقناع العقل عند عامة الناس من كلمة المحدِث والمحدَث.

    وكذلك لو قال: إن العلم بأن المصنوع لا بد له من صانع لكانت واضحة، لكن الأولى أن يقال: الخالق، فالشيخ رحمه الله كان يستعملها أحياناً من باب استعمال مصطلح أهل القوم لإقناعهم وإقامة الحجة عليهم، أو من باب الخبر عن الله عز وجل، وباب الخبر واسع، وكلمة المُحدث والصانع تعني: الخالق.

    التكلف في تقرير البدهيات منهج الفلاسفة

    قال رحمه الله تعالى: [ فإن الكليات إنما تصير كليات في العقل بعد استقرار جزئياتها في الوجود، وكذلك عامة القضايا الكلية التي يجعلها كثير من النُظّار المتكلمة والمتفلسفة أصول علمهم، كقولهم: الكل أعظم من الجزء، أو النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية.. ونحو ذلك فإنه أي كلي تصوره الإنسان علم أنه أعظم من جزئيه، وإن لم تخطر له القضية الكلية، كما يعلم أن بدن الإنسان بعضه أكثر من بعض، وأن الدرهم أكبر من بعضه، وأن المدينة أكثر من بعضها، وأن الجبل أكبر من بعضه، وكذلك النقيضان وهما: الوجود والعدم، فإن العبد إذا تصور وجود أي شيء كان وعدمه، علم أن ذلك الشيء لا يكون موجوداً معدوماً في حالة واحدة، وأنه لا يخلو من الوجود والعدم، وهو يقضي بالجزئيات المعينة، وإن لم يستحضر القضية الكلية، وهكذا أمثال ذلك ].

    يعتبر هذا من تكلفات الفلاسفة والنظّار والمتكلمين في تقرير البدهيات؛ لأن هذه الأمور لا تحتاج إلى كبير جهد ووقت، بل حتى عند أبسط الناس، ككون الجبل أكبر من بعضه، أو النقيضان هما: الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو السواد والبياض.. إلى آخره، سواء كانا نقيضين أو متضادين أو متقابلين، فهذه الأمور بدهية والتكلف في تقريرها هو نوع من عبث الصبيان، وإضاعة الوقت والجهد، وكد الذهن فيما لا طائل تحته، والتفريع عليها في الأمور الوهمية في الغالب يجعل البدهيات معضلات، وعليه فالتكلّف في تقرير هذه الأمور البدهية هو منهج الفلاسفة؛ لأنهم فارغون ومثاليون وليس لهم في الواقع وجود، وأغلب كلامهم هو من باب إضاعة الوقت وكد الذهن فيما لا طائل تحته، أو فيما هو معلوم بالضرورة، ولذلك حينما تكلّفوا في هذه الأمور وجد منهم من يعارض البدهيات، فأحياناً تجد عند بعض الجهمية والفلاسفة والمعتزلة.. وغيرهم أشياء هي شك في البدهيات، حتى قالوا: وجود الكون وجود مجازي، يعني: أنه ليس حقيقة، وحتى إن بعضهم افترض أن الإنسان يمكن أن يشك في وجوده، ويقول: إن وجودي مجرد وهم، فهذه الترّهات سببها التكلّف في تقرير البدهيات.

    ويقصد بالآيات الآيات الكونية الدالة على وجود الله عز وجل، يقال: إن الإنسان وإن لم يفكّر بعقله فقد رُكّب بفطرته على أنه لا بد أن يوقن بوجود الله عز وجل والإقرار بربوبيته، لكن الآيات تلزم وتزيد اليقين في الإنسان.

    وهو في الحقيقة قد بدأ في موضوع آخر، ولم يتكلم عن الآيات، وكأنه يريد أن يقرر أن ما قاله المتكلمون والفلاسفة في مسألة تفسير كثير من الأمور الشرعية -ومن ضمنها تفسير التسبيح- مبني على أنهم أخذوا الأمور بالقواعد العقلية فيما يتعلق باستقراء الأمور، ومن ضمنها القياس.

    فإذاً: سيصل إلى النتيجة في آخر المقالة، ونحن على وشك انتهاء الموضوع فلا نستعجل النتيجة، لذلك سيخرج بنتيجة بيّنة فيما بعد إن شاء الله.

    قال رحمه الله: [ ولما كان القياس الكلي فائدته أمر مطلق لا معين، كان إثبات الصانع بطريق الآيات هو الواجب، كما نزل به القرآن، وفطر الله عليه عباده، وإن كانت الطريقة القياسية صحيحة، لكن فائدتها ناقصة، والقرآن إذا استعمل في الآيات الإلهيات استعمل قياس الأولى لا القياس الذي يدل على المشترك، فإنه ما وجب تنزيه مخلوق عنه من النقائص والعيوب التي لا كمال فيها، فالباري تعالى أولى بتنزيهه عن ذلك، وما ثبت للمخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه كالحياة والعلم والقدرة، فالخالق أولى بذلك منه، فالمخلوقات كلها آيات للخالق، والفرق بين الآية وبين القياس أن الآية تدل على عين المطلوب الذي هي آية وعلامة عليه، فكل مخلوق فهو دليل وآية على الخالق نفسه، كما قد بسطناه في مواضع ].

    كون دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل

    قال رحمه الله تعالى: [ ثم الفطر تعرف الخالق بدون هذه الآيات، فإنها قد فُطرت على ذلك، ولو لم تكن تعرفه بدون هذه الآيات لم تعلم أن هذه الآية له، فإن كونها آية له ودلالة عليه، مثل كون الاسم يدل على المسمى، فلا بد أن يكون قد تصور المسمى قبل ذلك، وعرف أن هذا اسم له، فكذلك كون هذا دليلاً على هذا يقتضي تصور المدلول عليه، وتصور أن ذلك الدليل مستلزم له، فلا بد في ذلك أن يعلم أنه مستلزم للمدلول، فلو لم يكن المدلول متصوراً لم يعلم أنه دليل عليه، فمعرفة الإضافة متوقفة على تصور المضاف والمضاف إليه، لكن قد لا يكون الإنسان عالماً بالإضافة ولا كونه دليلاً، فإذا تصوره عرف المدلول، إذا عرف أنه مستلزم له، والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له ].

    يقصد الشيخ هنا أن دلالة الفطرة على وجود الله هي الأصل، وأن ما ينضاف إليها من الآيات الكونية الدالة على وجود الله وصفاته، والاستدلال بآيات الله المقروءة على وجود الله وصفاته، إنما جاءت هذه محركة ومقوية لدلالة الفطرة، وكأنه يقول: إن المخلوقات رُكِّبت بفطرتها على ضرورة الإيمان بالله عز وجل وبربوبيته وإلهيته، وأن هذه الأدلة ما هي إلا مقوية لهذا الإيمان الفطري، ولذلك قال: إن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، يعني: تستحث الفطرة، لا بطريق القياس فقط، وإنما بطريق الدلالة المباشرة، مثل قوله عز وجل: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم:10]، فهذا دليل فطري، وليس للفت النظر إلى الآيات الكونية بالتفصيل، وإنما لإثارة عوامل الفطرة، وإن كان للفت النظر إلى الآيات الكونية، لكنه لفت إلى الكون كله وليس إلى جزئيات الآيات، ومع ذلك أحياناً تستعمل الدلالة على وجود الله بجزئيات الآيات من باب تقوية اليقين، وإقامة الحجة على المعاندين، وإلا فهذا أمر فطري تقتضيه الفطرة، سواء وجدت الآيات أم لم توجد، ولذلك فإن المؤمنين الخُلّص، أو الذين سلمت فطرتهم قد لا يتمعنون في الدلالات الكونية إلا إذا جاء للتمعن مناسبة أو سبب، وإلا فقلوبهم قبل ذلك ممتلئة باليقين بالله عز وجل، كما قال إبراهيم عليه السلام: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، أي: أنه لم يكن عنده شك في قدرة الله على الخلق، ولا في عظيم آيات الله، لكنه أراد أن يرى أمراً حسياً يستدل به على ما في قلبه من يقين، أو يقوى به ما في قلبه، وإلا فدلالة الفطرة موجودة في نفسه، ولذلك استخدمها لما رأى الشمس ورأى القمر ورأى النجوم، ونفى أن تكون هذه المخلوقات هي ما يقصده ويعبده، وكل ذلك بالفطرة الكاملة التي فطره الله عليها، لا بأدلة أخرى أو بمقاييس الفلاسفة.. وغيرهم.

    وأما قوله رحمه الله: [ والناس يعلمون أن هذه المخلوقات آيات ودلائل للخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه، حتى يعلموا أن هذه دلائل مستلزمة له ].

    في الحقيقة هذه لفتة جميلة جداً؛ لأنهم ما استدلوا إلا على شيء في نفوسهم، يعني: لماذا الناس احتاجوا أو استعملوا الدلالات على وجود الله، سواء من استعملها حجة على غيره، أو استعملها ليقوى إيمانه؟ إنما استعملها ليقينه بوجود الله عز وجل، وإلا لاحتاج الناس إلى أن يؤمنوا بالله أن يروا الآيات، بينما العكس هو الصحيح، فالناس آمنوا بالله ثم إن الآيات زادتهم إيماناً وأقامت الحجة على من عاند، سواء من المشركين أو من الملاحدة الذين يزعمون أنهم ينكرون وجود الله، وفي الحقيقة هم لا ينكرون وجود الله، بل يعبّرون عن وجود الله بتعبيرات أخرى؛ لأنهم لو اعترفوا فقالوا: الله، ففيه إلزامهم بالطاعة، لكن منهم من قال: الذي يدبر الكون هي الطبيعة، ومنهم من قال: القوة، ومنهم من قال: الذي يدبر الكون عقل كبير أو العقل الأول، ومنهم من قال: الذي يدبّر الكون هو الروح، ومعنى هذا أنهم كلهم لا بد أن يؤمنوا بمدبّر للكون، ومن ينكر وجود الله تعالى فهو مستكبر عن وصف الله باسمه أو بما يليق به، وإلا فهو يقول: للكون مدبر.

    ومن هنا فكلام الشيخ جيد، ويدل على قوة دلالة الفطرة، وأن الناس يعلمون أن الله عز وجل قد فطرهم على العلم بأن هذه المخلوقات آيات ودلائل على الخالق، فلا بد أن يكونوا يعرفونه؛ لأنهم ما بحثوا عن الدلائل، سواء المنكر الذي يريد الدليل أو المؤمن الذي يستدل على غيره أو ليستدل لغيره، فما استدلوا إلا لأمر كانوا يوقنون به فطرة وغريزة، وهو وجود الله عز وجل وعظمته وكماله.

    التحذير من استعمال عبارات الفلاسفة

    قال رحمه الله تعالى: [ والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم الرأي والسمع.

    والمتفلسفة كـابن سينا والرازي ومن اتبعهما قالوا: إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لا بد له من واجب، قالوا: والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، وهذه المقالة أحدثها ابن سينا ، وركّبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه، فإن المتكلمين قسّموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسّمه هو إلى واجب وممكن، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثاً، بل زعم أنه ممكن، وهذا التقسيم لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حُذّاقهم عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه وجمهور العقلاء.. وغيرهم، وقد بيّنا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يُعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوماً أو سيكون معدوماً لا يكون واجب الوجود، ولا قديماً أزلياً.

    ثم إن هؤلاء إذا قُدِّر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي.. وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجباً؛ لأنه مركب، والواجب لا يكون مركباً، هذا عمدتهم.

    وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة، وما زال النُظّار يبينون فساد هذا القول كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه.

    وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان: فيقال للموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم، فتكون الذات واجبة والصفات واجبة، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه، فتكون الذات واجبة دون الصفات، ويقال لمبدع الممكنات، وهي المخلوقات، والمبدع لها هو الخالق، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات، والذات مجردة عن الصفات لم تخلق، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق، ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعي التحقيق والعرفان، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق، كما قد بُسط القول عليه في مواضع ].

    يقصد الشيخ بالوجود المطلق الوجود الذي ليس له ذات وليس له حقيقة، وإنما هو وجود ذهني أو وجود عقلي أو روح أو قوة.. ونحو ذلك من التعبيرات التي يعبّر بها الفلاسفة عن وجود الخالق عز وجل، والشاهد أن تقرير الفلاسفة ومن سلك سبيلهم في مسلك المُحدَث والمُحدِث، أو الممكن والواجب -الذي أحدثه ابن سينا- .. ونحو هذا إنما هو من الألفاظ المجملة التي لها دلالات ناقصة ودلالات كاملة، كما أنها أيضاً من الأمور التي لا يفهمها إلا خاصة هؤلاء الفلاسفة ومن سلك سبيلهم، وعامة الناس يخوضون فيها بغير علم، ولهم في دلالاتها مفاهيم متباينة، فلذلك يجب على المسلم وعلى طالب العلم خاصة ألا يستعمل هذه العبارات التي لها لوازم باطلة، والغالب أنها تؤدي إلى الخروج من اليقين إلى الشك؛ لأن الإنسان ليس بحاجة إلى أن يعرف معنى واجب الوجود ليثبت وجود الله عز وجل، فوجود الله وجود فطري، وإنما نحن بحاجة إلى إثبات ذلك بالآيات الكونية لمن أنكر أو شك، أما ما عدا ذلك فإنما هي ألفاظ أشبه بالأوهام والتكلّفات التي لا تقرر عقيدة، بل أن من استعملها يخرج من اليقين إلى الشك، ولذلك نجد هؤلاء الذين يستعملون هذه العبارات كلهم أصحاب شك وريب نسأل الله العافية، بل ولم يصلوا إلى أي نتيجة، وأغلبهم وقعوا في محارات عقلية وذهنية أدت بهم إلى اليأس والقنوط وإلى إعلان الإفلاس، وكل الذين اشتهر عنهم هذا الأمر وخاصة الكبار منهم والمنظّرين أعلنوا الحيرة والاضطراب في العقيدة، بل ومنهم من أعلن ذلك عند الموت، وغير هؤلاء كثيرين جداً نسأل الله العافية؛ لأنهم تكلموا في أمور لا داعي لها، والقاعدة في ذلك: أن أوصاف الله عز وجل وأسماءه متقررة في الكتاب والسنة على أكمل وجه، ولسنا بحاجة إلى أن نستحدث ألفاظاً أو تعبيرات نعبّر بها عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، وأن كل ما نتخيله أو نتصوره أو نتوهمه أو تنطق به ألسنتنا من الكمالات فإنما هو راجع إلى ألفاظ الشرع، بل إن من أسماء الله جوامع يرجع إليها كل ما تفلسف به المتفلسفون، ولو أنهم نزهوا أنفسهم ووصفوا الله بما وصف به نفسه من الكمالات التي تجمعها بعض العبارات مثل الله أو الحي أو القيوم أو العظيم أو الكبير -عبارات جامعة تجمع كل معاني الكمال- لكان خيراً لهم، وعليه فالناس ليسوا بحاجة إلى أن يقرروا وجود الله وكماله وأسمائه وصفاته بمثل هذه الألفاظ المبتدعة؛ لأنها أمور توقع الناس في الريب والشك، بل وتوقعهم في الإثم والكلام على الله بغير علم، وهذا من أعظم الإثم، بل من كبائر الذنوب، والغالب أنه في مثل هذا قد يصل إلى الكفر.

    قال رحمه الله: [والمقصود هنا الكلام أولاً في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه، أي: في أن يشهد ذلك ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخضوع والخشوع، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع استغناء فيطغى، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    وقال: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت:51]، وفي الآية الأخرى: كَانَ يَئُوسًا [الإسراء:83] ].

    1.   

    الأسئلة

    وجه الخوض في القضايا الكلامية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أهل الكلام

    السؤال: قال شيخ الإسلام: (وعلم الكلام لا يحتاج إليه البليد ولا يستفيد منه الذكي)، فإذا كان كذلك فهل لنا أن نتجاوز القضايا التي يذكرها ابن تيمية في الرد على أهل الكلام من أجل كسب الوقت؟

    الجواب: في الحقيقة هذه مسألة في نفسي منها شيء، لكن مع ذلك أحياناً أقول: ما دام أن الحضور طلاب علم، وأكثر الأمور إن شاء الله ليست مشكلة عليهم، فلعلنا نستفيد على الأقل إذا كان هناك جوانب سلبية مما يورده شيخ الإسلام في رده على أهل الكلام تبيّن لنا هذه الجوانب، لا سيما أننا نجد أن هناك من بدأ يثير هذه القضايا من جديد، من متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فقد بدءوا الآن يقررون عقائدهم الفلسفية هذه، وتدرس في كثير من الجامعات والمدارس في العالم الإسلامي على هذا النحو، بل أشد منه، كما يدرسون محارات تتعب العقول وتمرض القلوب، ولا يصل فيها الناس إلا إلى مسالك وعرة لا توصلهم إلى اليقين.

    أيضاً: أن هناك كتباً تقرر هذه المسائل.

    كذلك: أن هناك أصحاب اتجاه جديد لا هم أشاعرة ولا ماتريدية ولا متكلمون، لكنهم أخطر من هؤلاء كلهم، فقد بدءوا يتناولون هذه القضايا إما بالتأييد وإما بالرفض، وأغلبه من باب التأييد، وهم أصحاب الاتجاهات العقلانية والعصرانية، فبدءوا يستعملون هذه الأساليب وهذه المصطلحات من جديد، ويقررون بها الدين على نحو ما قرره أولئك الأوائل من أسلافهم.

    فأنا أقول: لعلنا نتوسط، فإذا جاءت بعض المقاطع التي فيها استطراد طويل في المسائل الكلامية، وهي قليلة في المجلد الأول والثاني فربما نستبعدها، وأما إذا كان مجرد عرض أو استعراض سريع في المسائل الكلامية مثل ما مر قبل قليل فأرجو ألا يكون فيه حرج.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.