اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [4] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل


شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [4] - (للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل)
العبودية لله تعالى تقتضيها الفطرة والغريزة التي فطر الله الناس عليها، وأن على الناس أن يتوجهوا إلى من يعظمونه ويخشونه ويرجونه، والموفق من توجه إلى الله عز وجل، ومن الناس من يتوجه إلى غير الله عز وجل، وذلك إما بالشرك أو بالبدعة .. أو نحو ذلك، فمن توجه إلى الله فقد حقق العبودية الحقة وامتثل أعلى معاني العبودية، وعند ذلك تطمئن نفسه ويرتاح قلبه وينال السعادة في الدنيا والآخرة.
فصل يتضمن مقدمة لتفسير (إياك نعبد وإياك نستعين)

 أقسام الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به
قال رحمه الله تعالى: [ وأما من أحبه القلب وأراده وقصده، فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله.فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه وإلا فلا، فالأقسام ثلاثة: فقد يكون محبوباً غير مستعان، وقد يكون مستعاناً غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران.فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه، وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته، تبيّن أن قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] كلام جامع محيط أولاً وآخراً، لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة: إما أن يعبد غير الله ويستعينه وإن كان مسلماً، فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم، ورزقهم، وهدايتهم، من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ.وإما أن يستعينه وإن عبد غيره، مثل كثير من ذوي الأحوال، وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به، وهذا القسم الرباعي قد ذُكر فيما بعد أيضاً، لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة، وتارة يكون بحسب المستعان، فهنا هو بحسب المعبود والمستعان، لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته، فإن الناس فيها على أربعة أقسام ].الأقسام الأربعة التي ذكرها، الشيخ:الأول: إما أن يعبد غير الله ويستعينه، وهذا قد وقع في الشرك؛ لأنه عبد غير الله واستعان بغير الله، لكن قد يستعين بالله عند الضرورة، وهذا لا ينفعه، وهذا كثير ما يقع فيه كثير من المشركين، فلا يستعمل الاستعانة بالله إلا عند الضرورة القصوى أو في حالة حصول الشدة، ومع ذلك يبقى على شركه.الثاني: أن يعبد الله ويستعين بغيره، والمقصود بالاستعانة هنا ضعف التوكل على الله عز وجل، ويظهر لي أنه لا يقصد الشرك الخالص، وإنما يقصد ما يقع فيه بعض أهل البدع وبعض المفرطين الذين تستحوذ عليهم الشهوات، وهؤلاء غالباً ينسون الاستعانة بالله عز وجل، ويكثر اعتمادهم على غير الله في كثير من الأمور، وهذا يقع فيه كثير من الناس.ثالثاً: أن يستعين بالله عز وجل وإن عبد غيره، وهذا يقع فيه كثير من عباد الصوفية والفلاسفة الجهلة، وكذلك عند بعض الذين يغلّبون جانب الشهوات أو جانب المطامع والمصالح.رابعاً: الذين هم على الاستقامة، إذ إنهم يجمعون بين عبادة الله والاستعانة به، أي: بمعناها الكامل.وأما قوله: (وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة)، فأيهما الغالب؟ أن العبادة تستلزم الاستعانة، فتكون العبادة هي الفاعل والاستعانة هي المفعول، وهذا الذي يظهر لي، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأحبه، لكن الشرع يرى أن الاستعانة تستلزم العبادة، مع أن العكس صحيح، فلو قيل: إن العبادة تستلزم الاستعانة، بمعنى: أن العبادة الحقيقية تستلزم الاستعانة صح التعبير، وإذا قلنا: الاستعانة تستلزم العبادة فربما يكون هنا أوجه؛ لأن الاستعانة الحقة لا ينتج عنها إلا حقيقة العبادة، فنقول: لو عكسنا صح ذلك، لكن ربما الشيخ قصد معنى آخر وهو ما ذكره، فجعل اللازم هو الاستعانة، والملزوم هو العبادة.
فصل في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل
قال رحمه الله تعالى: [ فصل: في وجوب اختصاص الخالق بالعبادة والتوكل عليه، فلا يعمل إلا له، ولا يرجى إلا هو، هو سبحانه الذي ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بنفس قدرته عليك ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلاً، وما فعل بك لا يقدر عليه غيره.ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضرر فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضرر لا يدفعه غيره، كما قال تعالى: أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ [الملك:20-21].وهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف به نفسه، إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، بل هو الغني عن العالمين وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:40].وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ * وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [إبراهيم:7-8].وفي الحديث الصحيح الإلهي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، ولو كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئاً).. إلى آخر الحديث.فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه، واجب له من لوازم نفسه، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، بل أفعاله من كماله: كمُل ففعل، وإحسانه وجوده من كماله، لا يفعل شيئاً لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل كل ما يريده فعله، فإنه فعّال لما يريد، وهو سبحانه بالغ أمره، فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين، وما له من المخلوقين ظهير، وليس له ولي من الذل ].
 أقسام الناس بالنسبة لعبادة الله والاستعانة به
قال رحمه الله تعالى: [ وأما من أحبه القلب وأراده وقصده، فقد لا يستعينه ويعتمد عليه إلا إذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه، كاستشعار المحب قدرة المحبوب على وصله.فإذا استشعر قدرته على تحصيل مطلوبه استعانه وإلا فلا، فالأقسام ثلاثة: فقد يكون محبوباً غير مستعان، وقد يكون مستعاناً غير محبوب، وقد يجتمع فيه الأمران.فإذا علم أن العبد لا بد له في كل وقت وحال من منتهى يطلبه هو إلهه، ومنتهى يطلب منه هو مستعانه، وذلك هو صمده الذي يصمد إليه في استعانته وعبادته، تبيّن أن قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] كلام جامع محيط أولاً وآخراً، لا يخرج عنه شيء، فصارت الأقسام أربعة: إما أن يعبد غير الله ويستعينه وإن كان مسلماً، فالشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل.وإما أن يعبده ويستعين غيره، مثل كثير من أهل الدين، يقصدون طاعة الله ورسوله وعبادته وحده لا شريك له، وتخضع قلوبهم لمن يستشعرون نصرهم، ورزقهم، وهدايتهم، من جهته، من الملوك والأغنياء والمشايخ.وإما أن يستعينه وإن عبد غيره، مثل كثير من ذوي الأحوال، وذوي القدرة وذوي السلطان الباطن أو الظاهر، وأهل الكشف والتأثير، الذين يستعينونه ويعتمدون عليه ويسألونه ويلجئون إليه، لكن مقصودهم غير ما أمر الله به ورسوله، وغير اتباع دينه وشريعته التي بعث الله بها رسوله.والقسم الرابع: الذين لا يعبدون إلا إياه، ولا يستعينون إلا به، وهذا القسم الرباعي قد ذُكر فيما بعد أيضاً، لكنه تارة يكون بحسب العبادة والاستعانة، وتارة يكون بحسب المستعان، فهنا هو بحسب المعبود والمستعان، لبيان أنه لا بد لكل عبد من معبود مستعان، وفيما بعد بحسب عبادة الله واستعانته، فإن الناس فيها على أربعة أقسام ].الأقسام الأربعة التي ذكرها، الشيخ:الأول: إما أن يعبد غير الله ويستعينه، وهذا قد وقع في الشرك؛ لأنه عبد غير الله واستعان بغير الله، لكن قد يستعين بالله عند الضرورة، وهذا لا ينفعه، وهذا كثير ما يقع فيه كثير من المشركين، فلا يستعمل الاستعانة بالله إلا عند الضرورة القصوى أو في حالة حصول الشدة، ومع ذلك يبقى على شركه.الثاني: أن يعبد الله ويستعين بغيره، والمقصود بالاستعانة هنا ضعف التوكل على الله عز وجل، ويظهر لي أنه لا يقصد الشرك الخالص، وإنما يقصد ما يقع فيه بعض أهل البدع وبعض المفرطين الذين تستحوذ عليهم الشهوات، وهؤلاء غالباً ينسون الاستعانة بالله عز وجل، ويكثر اعتمادهم على غير الله في كثير من الأمور، وهذا يقع فيه كثير من الناس.ثالثاً: أن يستعين بالله عز وجل وإن عبد غيره، وهذا يقع فيه كثير من عباد الصوفية والفلاسفة الجهلة، وكذلك عند بعض الذين يغلّبون جانب الشهوات أو جانب المطامع والمصالح.رابعاً: الذين هم على الاستقامة، إذ إنهم يجمعون بين عبادة الله والاستعانة به، أي: بمعناها الكامل.وأما قوله: (وما أكثر ما تستلزم العبادة الاستعانة)، فأيهما الغالب؟ أن العبادة تستلزم الاستعانة، فتكون العبادة هي الفاعل والاستعانة هي المفعول، وهذا الذي يظهر لي، فمن اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره خضع له وذل وانقاد وأحبه، لكن الشرع يرى أن الاستعانة تستلزم العبادة، مع أن العكس صحيح، فلو قيل: إن العبادة تستلزم الاستعانة، بمعنى: أن العبادة الحقيقية تستلزم الاستعانة صح التعبير، وإذا قلنا: الاستعانة تستلزم العبادة فربما يكون هنا أوجه؛ لأن الاستعانة الحقة لا ينتج عنها إلا حقيقة العبادة، فنقول: لو عكسنا صح ذلك، لكن ربما الشيخ قصد معنى آخر وهو ما ذكره، فجعل اللازم هو الاستعانة، والملزوم هو العبادة.
أعظم الناس عبودية لله أكثرهم خضوعاً له وذلاً وافتقاراً
قال رحمه الله تعالى: [ فصل: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له، كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ولقد صدق القائل :بين التذلل والتدلل نقطة في رفعها تتحير الأفهامذاك التذلل شرك فافهم يا فتى بالخلففأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو في شربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يُشرك به شيء.ولهذا قال حاتم الأصم -لما سئل: فيم السلامة من الناس؟- قال: أن يكون شيئك لهم مبذولاً وتكون من شيئهم آيساً، لكن إن كنت معوضاً لهم عن ذلك وكانوا محتاجين، فإن تعادلت الحاجتان تساويتم كالمتبايعين ليس لأحدهما فضل على الآخر، وإن كانوا إليك أحوج خضعوا لك.فالرب سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم؛ لأنهم كلهم محتاجون في أنفسهم، فهم لا يعلمون حوائجك، ولا يهتدون إلى مصلحتك، بل هم جهلة بمصالح أنفسهم، فكيف يهتدون إلى مصلحة غيرهم؟ فإنهم لا يقدرون عليها، ولا يريدون من جهة أنفسهم، فلا علم ولا قدرة ولا إرادة، والرب تعالى يعلم مصالحك ويقدر عليها ويريدها رحمة منه وفضلاً، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريداً راحماً، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء، والخلق كلهم محتاجون، لا يفعلون شيئاً إلا لحاجتهم ومصلحتهم، وهذا هو الواجب عليهم والحكمة، ولا ينبغي لهم إلا ذلك، لكن السعيد منهم الذي يعمل لمصلحته التي هي مصلحة، لا لما يظنه مصلحة وليس كذلك، فهم ثلاثة أصناف: ظالم، وعادل، ومحسن.فالظالم: الذي يأخذ منك مالاً أو نفعاً ولا يعطيك عوضه، أو ينفع نفسه بضررك.والعادل: المكافئ، كالبايع لا لك ولا عليك، كل به يقوم الوجود، وكل منهما محتاج إلى صاحبه، كالزوجين، والمتبايعين، والشريكين.والمحسن: الذي يحسن لا لعوض يناله منك، فهذا إنما عمل لحاجته ومصلحته، وهو انتفاعه بالإحسان، وما يحصل له بذلك مما تحبه نفسه من الأجر، أو طلب مدح الخلق وتعظيمهم، أو التقرب إليك .. إلى غير ذلك، وبكل حال ما أحسن إليك إلا لما يرجو من الانتفاع، وسائر الخلق إنما يكرمونك ويعظمونك لحاجتهم إليك، وانتفاعهم بك، إما بطريق المعاوضة؛ لأن كل واحد من المتبايعين والمتشاركين والزوجين محتاج إلى الآخر، والسيد محتاج إلى مماليكه وهم محتاجون إليه، والملوك محتاجون إلى الجند والجند محتاجون إليهم، وعلى هذا بني أمر العالم، وإما بطريق الإحسان منك إليهم، فأقرباؤك وأصدقاؤك وغيرهم إذا أكرموك لنفسك، فهم إنما يحبونك ويكرمونك لما يحصل لهم بنفسك من الكرامة، فلو قد وليت ولوا عنك وتركوك، فهم في الحقيقة إنما يحبون أنفسهم وأغراضهم.فهؤلاء كلهم من الملوك إلى من دونهم، تجد أحدهم سيداً مطاعاً، وهو في الحقيقة عبد مطيع، وإذا أوذي أحدهم بسبب سيده أو من يطيعه تغير الأمر بحسب الأحوال، ومتى كنت محتاجاً إليهم نقص الحب والإكرام والتعظيم بحسب ذلك وإن قضوا حاجتك.والرب تعالى يمتنع أن يكون المخلوق مكافئاً له أو متفضلاً عليه ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا رفعت مائدته: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) رواه البخاري من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.بل ولا يزال الله هو المنعم المتفضل على العبد وحده لا شريك له في ذلك، بل ما بالخلق كلهم من نعمة فمن الله، وسعادة العبد في كمال افتقاره إلى الله واحتياجه إليه، وأن يشهد ذلك ويعرفه ويتصف معه بموجبه، أي: بموجب علمه ذلك، فإن الإنسان قد يفتقر ولا يعلم مثل أن يذهب ماله ولا يعلم، بل يظنه باقياً، فإذا علم بذهابه صار له حال آخر، فكذلك الخلق كلهم فقراء إلى الله، لكن أهل الكفر والنفاق في جهل بهذا وغفلة عنه وإعراض عن تذكره والعمل به، والمؤمن يقر بذلك ويعمل بموجب إقراره، وهؤلاء هم عباد الله ].
 التحذير من استعمال عبارات الفلاسفة
قال رحمه الله تعالى: [ والمقصود أن هذه الطرق العقلية الفطرية هي التي جاء بها القرآن، واتفق العقل والشرع، وتلازم الرأي والسمع.والمتفلسفة كـابن سينا والرازي ومن اتبعهما قالوا: إن طريق إثباته الاستدلال عليه بالممكنات، وإن الممكن لا بد له من واجب، قالوا: والوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، وهذه المقالة أحدثها ابن سينا ، وركّبها من كلام المتكلمين وكلام سلفه، فإن المتكلمين قسّموا الوجود إلى قديم ومحدث، وقسّمه هو إلى واجب وممكن، وذلك أن الفلك عنده ليس محدثاً، بل زعم أنه ممكن، وهذا التقسيم لم يسبقه إليه أحد من الفلاسفة، بل حُذّاقهم عرفوا أنه خطأ، وأنه خالف سلفه وجمهور العقلاء.. وغيرهم، وقد بيّنا في مواضع أن القدم ووجوب الوجود متلازمان عند عامة العقلاء، الأولين والآخرين، ولم يُعرف عن طائفة منهم نزاع في ذلك إلا ما أحدثه هؤلاء، فإنا نشهد حدوث موجودات كثيرة، حدثت بعد أن لم تكن، ونشهد عدمها بعد أن كانت، وما كان معدوماً أو سيكون معدوماً لا يكون واجب الوجود، ولا قديماً أزلياً. ثم إن هؤلاء إذا قُدِّر أنهم أثبتوا واجب الوجود فليس في دليلهم أنه مغاير للسماوات والأفلاك، وهذا مما بين تهافتهم فيه الغزالي.. وغيره، لكن عمدتهم أن الجسم لا يكون واجباً؛ لأنه مركب، والواجب لا يكون مركباً، هذا عمدتهم.وقد بينا بطلان هذا من وجوه كثيرة، وما زال النُظّار يبينون فساد هذا القول كل بحسبه، كما بين الغزالي فساده بحسبه. وذلك أن لفظ الواجب صار فيه اشتراك بين عدة معان: فيقال للموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم، فتكون الذات واجبة والصفات واجبة، ويقال للموجود بنفسه والقائم بنفسه، فتكون الذات واجبة دون الصفات، ويقال لمبدع الممكنات، وهي المخلوقات، والمبدع لها هو الخالق، فيكون الواجب هو الذات المتصفة بتلك الصفات، والذات مجردة عن الصفات لم تخلق، والصفات مجردة عن الذات لم تخلق، ولهذا صار من سار خلفهم ممن يدعي التحقيق والعرفان، إلى أن جعل الواجب هو الوجود المطلق، كما قد بُسط القول عليه في مواضع ].يقصد الشيخ بالوجود المطلق الوجود الذي ليس له ذات وليس له حقيقة، وإنما هو وجود ذهني أو وجود عقلي أو روح أو قوة.. ونحو ذلك من التعبيرات التي يعبّر بها الفلاسفة عن وجود الخالق عز وجل، والشاهد أن تقرير الفلاسفة ومن سلك سبيلهم في مسلك المُحدَث والمُحدِث، أو الممكن والواجب -الذي أحدثه ابن سينا- .. ونحو هذا إنما هو من الألفاظ المجملة التي لها دلالات ناقصة ودلالات كاملة، كما أنها أيضاً من الأمور التي لا يفهمها إلا خاصة هؤلاء الفلاسفة ومن سلك سبيلهم، وعامة الناس يخوضون فيها بغير علم، ولهم في دلالاتها مفاهيم متباينة، فلذلك يجب على المسلم وعلى طالب العلم خاصة ألا يستعمل هذه العبارات التي لها لوازم باطلة، والغالب أنها تؤدي إلى الخروج من اليقين إلى الشك؛ لأن الإنسان ليس بحاجة إلى أن يعرف معنى واجب الوجود ليثبت وجود الله عز وجل، فوجود الله وجود فطري، وإنما نحن بحاجة إلى إثبات ذلك بالآيات الكونية لمن أنكر أو شك، أما ما عدا ذلك فإنما هي ألفاظ أشبه بالأوهام والتكلّفات التي لا تقرر عقيدة، بل أن من استعملها يخرج من اليقين إلى الشك، ولذلك نجد هؤلاء الذين يستعملون هذه العبارات كلهم أصحاب شك وريب نسأل الله العافية، بل ولم يصلوا إلى أي نتيجة، وأغلبهم وقعوا في محارات عقلية وذهنية أدت بهم إلى اليأس والقنوط وإلى إعلان الإفلاس، وكل الذين اشتهر عنهم هذا الأمر وخاصة الكبار منهم والمنظّرين أعلنوا الحيرة والاضطراب في العقيدة، بل ومنهم من أعلن ذلك عند الموت، وغير هؤلاء كثيرين جداً نسأل الله العافية؛ لأنهم تكلموا في أمور لا داعي لها، والقاعدة في ذلك: أن أوصاف الله عز وجل وأسماءه متقررة في الكتاب والسنة على أكمل وجه، ولسنا بحاجة إلى أن نستحدث ألفاظاً أو تعبيرات نعبّر بها عن أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله، وأن كل ما نتخيله أو نتصوره أو نتوهمه أو تنطق به ألسنتنا من الكمالات فإنما هو راجع إلى ألفاظ الشرع، بل إن من أسماء الله جوامع يرجع إليها كل ما تفلسف به المتفلسفون، ولو أنهم نزهوا أنفسهم ووصفوا الله بما وصف به نفسه من الكمالات التي تجمعها بعض العبارات مثل الله أو الحي أو القيوم أو العظيم أو الكبير -عبارات جامعة تجمع كل معاني الكمال- لكان خيراً لهم، وعليه فالناس ليسوا بحاجة إلى أن يقرروا وجود الله وكماله وأسمائه وصفاته بمثل هذه الألفاظ المبتدعة؛ لأنها أمور توقع الناس في الريب والشك، بل وتوقعهم في الإثم والكلام على الله بغير علم، وهذا من أعظم الإثم، بل من كبائر الذنوب، والغالب أنه في مثل هذا قد يصل إلى الكفر.قال رحمه الله: [والمقصود هنا الكلام أولاً في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه واحتياجه إليه، أي: في أن يشهد ذلك ويعرفه، ويتصف معه بموجب ذلك من الذل والخضوع والخشوع، وإلا فالخلق كلهم محتاجون، لكن يظن أحدهم نوع استغناء فيطغى، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].وقال: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت:51]، وفي الآية الأخرى: كَانَ يَئُوسًا [الإسراء:83] ].
الأسئلة

 وجه الخوض في القضايا الكلامية التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على أهل الكلام
السؤال: قال شيخ الإسلام: (وعلم الكلام لا يحتاج إليه البليد ولا يستفيد منه الذكي)، فإذا كان كذلك فهل لنا أن نتجاوز القضايا التي يذكرها ابن تيمية في الرد على أهل الكلام من أجل كسب الوقت؟الجواب: في الحقيقة هذه مسألة في نفسي منها شيء، لكن مع ذلك أحياناً أقول: ما دام أن الحضور طلاب علم، وأكثر الأمور إن شاء الله ليست مشكلة عليهم، فلعلنا نستفيد على الأقل إذا كان هناك جوانب سلبية مما يورده شيخ الإسلام في رده على أهل الكلام تبيّن لنا هذه الجوانب، لا سيما أننا نجد أن هناك من بدأ يثير هذه القضايا من جديد، من متكلمة الأشاعرة والماتريدية، فقد بدءوا الآن يقررون عقائدهم الفلسفية هذه، وتدرس في كثير من الجامعات والمدارس في العالم الإسلامي على هذا النحو، بل أشد منه، كما يدرسون محارات تتعب العقول وتمرض القلوب، ولا يصل فيها الناس إلا إلى مسالك وعرة لا توصلهم إلى اليقين.أيضاً: أن هناك كتباً تقرر هذه المسائل.كذلك: أن هناك أصحاب اتجاه جديد لا هم أشاعرة ولا ماتريدية ولا متكلمون، لكنهم أخطر من هؤلاء كلهم، فقد بدءوا يتناولون هذه القضايا إما بالتأييد وإما بالرفض، وأغلبه من باب التأييد، وهم أصحاب الاتجاهات العقلانية والعصرانية، فبدءوا يستعملون هذه الأساليب وهذه المصطلحات من جديد، ويقررون بها الدين على نحو ما قرره أولئك الأوائل من أسلافهم.فأنا أقول: لعلنا نتوسط، فإذا جاءت بعض المقاطع التي فيها استطراد طويل في المسائل الكلامية، وهي قليلة في المجلد الأول والثاني فربما نستبعدها، وأما إذا كان مجرد عرض أو استعراض سريع في المسائل الكلامية مثل ما مر قبل قليل فأرجو ألا يكون فيه حرج. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح باب توحيد الألوهية من فتاوى ابن تيمية [4] للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

http://audio.islamweb.net