إسلام ويب

من يحمل الأمانةللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جعل الله تعالى لقيام دينه سنة لا تتخلف ولا تتبدل، وهي حمل أتباعه كلهم له وشعورهم جميعاً بالمسئولية تجاهه، فدين الله لا يناط قيامه بفئة من الناس دون غيرها، ولا بشخص دون سواه، ولقد ضرب الله تعالى لنا في القرآن صوراً مشرقة في الشعور بواجب القيام بالبلاغ، وأخرى سيئة في التنصل من تبعة الاتباع، فإبلاغ الدين أمانة، ولهذه الأمانة صور عديدة يجب القيام بها في ميدان الدعوة الرحب الفسيح.

    1.   

    تكريم الله للإنسان بالعبودية له تعالى والدعوة إليه

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن عنوان درسنا لهذه الليلة ليلة الخميس الموافق للعشرين من شهر رجب عام 1415 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم هو (من يحمل الأمانة؟).

    وأشكر في بداية هذا اللقاء الإخوة في مركز الدعوة والإرشاد بالدمام على حسن ظنهم بي، وتشريفي بهذا اللقاء والحديث لإخوتي الكرام.

    معشر الإخوة الكرام! لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان، كرم الله عز وجل بني آدم، فخلق الله سبحانه وتعالى آدم بيده عز وجل، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، وخص سبحانه وتعالى بني آدم دون سائر المخلوقات بتكريم ومنزلة ومزايا خاصة لهم دون غيرهم.

    لكن أعظم تكريم هو أن الله سبحانه وتعالى حملهم هذا الدين، وجعلهم سبحانه وتعالى عباداً له، فشرفهم عز وجل بالانتساب إليه سبحانه وتعالى، والتعبد له عز وجل، فصار شرف الإنسان وعزه هو حينما يذل بين يدي مولاه، فشرفه في عبوديته لله سبحانه وتعالى، وكماله هو في فقره إلى الله عز وجل، واستغنائه عمن سواه، بل هذا هو الذي خلق بنو آدم من أجله، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فأعظم تشريف وتكريم لهذا المخلوق أن جعله سبحانه وتعالى عبداً له، وجعله سبحانه وتعالى خاضعاً له.

    ومن تمام هذه العبودية وكمالها تشريف آخر، وتعظيم لمنزلة هذا الإنسان دون سائر خلق الله سبحانه وتعالى، وذلك أن الله عز وجل جعله حاملاً لمشعل الهداية ولدعوة الخير إلى الناس جميعاً، فهو الذي يحمل كلام الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يبلغ كلام الله عز وجل ودينه سبحانه وتعالى للناس كافة.

    إن الإنسان العابد لله عز وجل، والمتجه له وحده سبحانه وتعالى ذكراً كان أو أثنى، صغيراً كان أو كبيراً، قد شرفه الله سبحانه وتعالى بحمل هذا الدين إلى الناس كافة، وتبليغه لهم، وحين يعرض هذا الإنسان، ويتنكب الطريق يكون بديله إنساناً آخر، فالقضية إنما تدور حول الإنسان ومعشر البشر.

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54]، وقال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    إذاً: فهذا الدين إنما يقوم به، وينصره، ويذب عن حياضه أولئك الذين تشرفوا بعبودية الله سبحانه وتعالى، والخضوع له عز وجل، فصار سبحانه وتعالى هو أعظم محبوب إليهم، وهو سبحانه وتعالى المعبود الحق، والمعبود الواحد لهؤلاء جميعاً، وصار البشر -مهما علت منزلتهم وشأنهم- لا يساوون شيئاً عند هذا العابد لله سبحانه وتعالى، وأنى له أن يرجوهم ويتطلع إلى ما عندهم، وترمق عينه ذات اليمين وذات الشمال، وقد اختار العبودية لله سبحانه وتعالى؟!

    بالله عليكم -أيها الإخوة، وأيتها الأخوات- أي تشريف ورفع لمنزلة الإنسان أسمى من أن يكون داعياً للناس إلى عبودية الله عز وجل، وتوحيد الله عز وجل، وأن يخلعوا عنهم كل توجه لغير الله سبحانه وتعالى، وأن يدعو الناس بلسان حاله، وأن يدعو الناس بلسان مقاله، وأن يوظف وقته وجهده لتحقيق هذه الغاية، وأداء هذه الرسالة، وحين لا يستجيب الناس يشهر سلاحه مجاهداً في سبيل الله سبحانه وتعالى، قد هانت عليه نفسه في سبيل الله عز وجل، كما قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39].

    فهل يعدل هذه المنزلة منزلة أخرى؟! وهل يعدل هذا الشرف شرف آخر؟!

    1.   

    دلالة الاصطفاء على علو مكانة الدعوة إلى الله

    ومما يزيد الأمر وضوحاً -وهو أوضح من الشمس في رابعة النهار- ويزيد القضية برهاناً وبياناً أن الله سبحانه وتعالى اختار لهذه المهمة، ولهذه الوظيفة خيرة خلقه: أنبياءه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، فقولوا لي -بالله عليكم-: ما هي وظيفة الأنبياء؟ وما هي وظيفة الرسل؟ لماذا أرسل الله الرسل؟ لماذا أرسل الله الأنبياء؟ أليس الله سبحانه وتعالى قد أرسلهم لتحقيق هذه الغاية، فكل يقول: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]؟

    إذاً: فالذي يختار هذا الطريق، ويسير في هذا الطريق إنما يختار أن يسير على هدي الأنبياء، وأن يقتفي آثارهم، وأن يختار لنفسه المهمة التي اختارها الله عز وجل لصفوة خلقه عليهم صلوات الله وسلامه.

    1.   

    عموم نصوص التكليف الدعوي

    معشر الإخوة الكرام! إن النصوص في كتاب الله سبحانه وتعالى تأمر الناس أن ينصروا الله عز وجل، وأن ينصروا دين الله سبحانه وتعالى، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن يدعوا إلى الخير، كقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، وقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54].

    فمن المخاطب بهذه النصوص المتظافرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) فقوله: (منكم) يعني: أياً كنتم رجالاً ونساء، وشيباً وشباناً، وعلماء ومتعلمين وعامة، يقول: (من رأى منكم) فكل من يعتقد أنه مخاطب بكلام الله عز وجل، وكل من يعتقد أنه مخاطب بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو داخل تحت هذه النصوص، فهو إما أن يختار ألا يكون منا، وهو خيار صعب لا يرضاه المسلم، وإما أن يختار الخيار الآخر: أنه مخاطب بهذه النصوص وهذا التكاليف الشرعية، ومحمل بهذه الأمانة العظيمة.

    بل إن الله سبحانه وتعالى يصف هذه الأمة وصفاً عاماً جامعاً لهذه الأمة فيقول تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    ألستم من أمة الإسلام؟! مَنْ مِنَ المسلمين لا يرضى أن ينتسب لهذه الأمة؟! بل مَنْ مِنَ المسلمين يرضى أن يناقش انتماؤه لهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؟!

    فما هي وظيفة هذه الأمة؟! وما هي مهمة هذه الأمة؟! إنها في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    إذاً: من الذي يحمل هذا الدين؟! ومن الذي يحمل هذه الأمانة؟! أهي طائفة خاصة من هذه الأمة؟! أهو خطاب للنخبة؟! أم هو خطاب للأمة ولكل من يعقل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، رجلاً كان أو امرأة، شاباً كان أم شيخاً، أياً كان موقعه في سلم الأمانة والمسئولية الدنيوية في هذه الدنيا، وأياً كان موقعه الاجتماعي بين الناس، وأياً كان علمه وتحصيله؟

    فهو ما دام يرى أنه من هذه الأمة فهو مخاطب بهذه الصفة، فالأمة كلها إنما اكتسبت هذه الخيرية؛ لأنها تقوم بدين الله سبحانه وتعالى، ولأنها تأمر بالمعروف، والمعروف اسم جامع يشمل كل ما أمر الله سبحانه وتعالى به عز وجل من اعتقاد أو عمل أو سلوك أو خلق، ولئن كان هذا المعروف يغضب فئة من الناس فهذا لا يخرجه عن كونه معروفاً، فالأمة كلها إنما اكتسبت هذه الخيرية؛ لأنها تأمر بهذا المعروف.

    والمنكر كلمة جامعة عامة لكل ما يخالف شرع الله عز وجل في الاعتقاد والتعبد والعمل والسلوك، فالأمة كلها مخاطبة بأن تسعى لإزالة هذا المنكر، وأن تسعى لتغيير هذا المنكر أياً كان، سخط من سخط، ورضي من رضي، ما دام أنه منكر في عرف الشرع، وخطاب الشرع، فالمناط في تحديد المعروف والمنكر إنما يؤخذ من وحي من أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    وسطية الأمة وشهادتها على الناس لباس لا يقتصر على النخبة

    لقد أخبر الله عز وجل أن هذه الأمة أمة وسط فقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، أليس هذا للأمة أجمع؟! أليست الأمة كلها موصوفة بأنها شهيدة على الناس في الدنيا والآخرة؟!

    إذاً: فلماذا نتأخر؟ ولماذا نتقهقر؟ ولماذا نختزل كل هذه النصوص ونحصرها في زاوية ضيقة لنقول بعد ذلك: إنها تعني النخبة، وإنها تعني فئة خاصة من الناس، أما نحن فدورنا كدور الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، دورنا أن نسير وراء القطيع، أما هذه النصوص، وأما هذه المهمة، وإبلاغ هذا الدين، وحماية مجتمعات المسلمين، والقيام بأمر الله عز وجل؛ فهي مهمة النخبة؟!

    لست أدري كيف وصل الحال بهذه الأمة إلى هذا الفهم؟! وكيف تلقي عن نفسها هذا اللباس، وهذا العز، وهذا التكريم والتشريف، حيث كرمها الله سبحانه وتعالى بأن تحمل الرسالة، وبأن تحمل الدين؟! وأي قيمة أشرف وأعلى من دين الله سبحانه وتعالى؟!

    إذاً: فمن منطلق عموم النصوص في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ندرك أن الجميع مخاطبون بحمل الأمانة، وأن الجميع ما داموا ضمن إطار هذه الأمة، وما داموا منا، فواجب عليهم جميعاً أن يكونوا شركاء في الأمانة.

    1.   

    مواقف عظيمة من الشعور بالمسئولية

    موقف الربيين أتباع الأنبياء

    إننا حين نقف مع قصص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم نلمس هذا الأمر واضحاً جليا، يقول سبحانه وتعالى مخاطباً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً لهم إلى التأسي بأولئك السلف الذين سبقوهم: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:146-147].

    لقد كان هؤلاء الربيون يشعرون أن الأمانة لا تخص هذا النبي وحده، بل لابد أن يقوموا معه، ولابد أن يقاتلوا معه ويتحملوا، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:146-147].

    موقف مؤمن آل فرعون وصاحب أصحاب القرية

    ويسمع رجل من آحاد الناس مؤامرة تحاك في الظلام لأحد أنبياء الله عز وجل، وهو موسى عليه السلام، فيسمع أن الملأ يأتمرون به ليقتلوه، فيشعر أن من واجبه أن يؤدي دوره، ومن واجبه أن يساهم في كشف هذه المؤامرة لموسى عليه السلام، قال تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20].

    ورجل آخر يسمع بأنبياء الله عز وجل وقد واجهوا ما واجهوا، فيتحمل النصب والتعب واللأواء، قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [يس:13-14].

    ثم جاء هذا الرجل كما يقول الله عز وجل عنه: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:20-25].

    لقد شعر هذا الرجل أن القضية ليست قضية الأنبياء وحدهم، فحين يكذبون وحين لا يسمع لهم أقوامهم لا يرى أن عليه أن يسترجع، وأن يحوقل، وأن يندب ويبكي على هذا الدين وهذه العقيدة كيف تضيع ويأفل نجمها فحسب، بل يشعر أن عليه أن يقوم بدوره، فيأتي من أقصى المدينة، ويأتي يسعى ويمشي.

    قال ابن هبيرة : تأملت حال هذا الرجل، فرأيته قد جاء من أقصى المدينة، ورأيته قد جاء يسعى على قدميه، ليأتي وهو لا يقول إلا كلمة واحدة، يقول: إن ما يدعوكم إليه هؤلاء حق وصدق، فاتبعوا المرسلين، فالقضية هم يسيطر عليه، فكانت عاقبته أن يعتدي عليه أولئك لأنه خاطبهم بهذا الخطاب، أو لأنه -بمنطق أولئك المتجبرين المتكبرين- تدخل فيما لا يعنيه، فيقتل ويدخل الجنة، وحين قتل ودخل الجنة كان هم قومه يختلج في صدره، قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27].

    إنه يتمنى أن يعلم قومه منزلته؛ حتى يؤمنوا ويلحقوا به بعد ذلك كله، وأنى لمثل هذه الحقائق المستقرة في قلب هذا الرجل أن يقتلعها الطغيان، وأن يقتلعها الإيذاء، وأن يقتلعها حتى القتل؟! فبعد أن أراقوا دمه لم يزل يختلج في صدره هذا الهم، ولم يزل يبكي على حال قومه، ويتمنى أن يعلموا ما صار إليه؛ علهم أن يلحقوا به، وأن يغفر الله لهم.

    ونعود مرة أخرى إلى موسى، فحين جاء موسى، وواجه قومه بدعوتهم، قام رجل مؤمن، وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر:28].

    ويعيش في جدل مع قومه وهو يكتم إيمانه، حتى إذا رأى أن الأمر لم يعد فيه مجال للمداراة مع هؤلاء؛ أظهر ما هو عليه فقال: يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:38-39].

    موقف الصديق الأكبر رضي الله عنه

    ولقد تمثل بنصيحة هذا المؤمن أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين كان يدفع أذى المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا بلغ علي بن أبي طالب أن بعض الجهلة يفضلونه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكان يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟! ثم يذكر قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع نبي الله صلى الله عليه وسلم حين جاء عقبة بن أبي معيط وخنقه بردائه، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟!

    فكان علي رضي الله عنه ييقول: بالله ربكم: أهو خير أم مؤمن آل فرعون؟! فيسكتون، فيقول: والله! هو خير من مؤمن آل فرعون، هو يعلن إيمانه، وذاك رجل يكتم إيمانه.

    1.   

    أنموذج التخلي عن تحمل المسئولية

    ومع موسى مرة أخرى، فقد وعد الله عز وجل قومه أن يدخلوا الأرض المقدسة، فيذكرهم موسى بوعد الله، ويعدهم بأن يتحقق لهم النصر بشرط أن يدخلوا الباب، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ [المائدة:23]، فيمتنع القوم، ويستكبرون عن الدخول، وحين لم تجد هذه المحاولات مع أولئك الجبناء، ومع أولئك الذين قالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، قال موسى: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25].

    نعم، حين يتخلى الناس عن الأمانة، وحين يتخلى الناس عن القيام بهذا الدور، ماذا يصنع موسى؟ لقد شكا إلى ربه فقال: إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي .

    أما هؤلاء فقد شعروا أن القضية لا تعنيهم، وإنما تعني موسى وربه، فقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، وقالوا: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22].

    1.   

    للانتماء ضريبة يجب أداؤها

    المسلمون جميعاً يشعرون أنهم ينتمون لهذا الدين، ويتشرفون بالانتساب إلى هذا الدين، ولو سألت أحدهم في مقام الإنكار عليه والجدل والخصومة، فقلت له: ألست بمسلم؟ لاستنكر منك هذا السؤال قائلاً: ومن يناقش في انتمائي لهذا الدين؟! لكن مَنْ مِنَ المسلمين يسأل نفسه السؤال بجد وصدق: وماذا يعني انتمائي لهذا الدين؟! وماذا يعني انتمائي لهذه الأمة؟! أليس يفرض علي الولاء لهذا الدين القيام بنصرة هذا الدين والذب عن حياضه والدعوة إليه، وإلا فما معنى أن أنتمي لهذا الدين؟!

    إن الناس يشعرون بأن للانتماء ضريبة، أرأيتم أصحاب الطوائف الضالة المنحرفة، أليسوا يشعرون أن عليهم بانتمائهم لهذه الطائفة أو تلك ثمناً لابد أن يدفعوه، ومن ثم يتعصبون لطائفتهم، ويدعون إلى معتقدهم، ويسعون إلى نشره بكل غال ورخيص، ويذبون عنه، ويدافعون عنه؟!

    أرأيتم أولئك الذين سيطرت عليهم اللغة الوطنية، فصار الواحد منهم لا يشعر بالانتماء إلا للتراب والوطن، أليس يشعر أن عليه أن يعمق ولاءه وانتماءه لوطنه، وأن يذب عنه بالحق والباطل، وأن يتعصب له؟!

    إذاً: ما بالنا -معشر الإخوة والأخوات- وقد شرفنا الله بأعظم انتماء -أن ننتمي لهذا الدين- ما بالنا لا ندرك ما يفرضه علينا انتماؤنا لهذا الدين؟ وماذا يعني كوننا مسلمين مؤمنين؟

    1.   

    عموم العقوبة بالمخالفة يوجب عموم حمل الأمانة

    لقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الناس حين يعرضون عن شرع الله عز وجل، وحين يرتكبون ما يخالف أمره سبحانه وتعالى، يعمهم الله عز وجل بالعقوبة، فقال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، وقال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55]، وقال تعالى: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83]، وقال تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأعراف:100].

    فمن سنة الله عز وجل أن يعاقب الناس، وأن يهلكهم، وأن تعمهم العقوبة حين يتنكبون شرع الله عز وجل، فهذه العقوبة من يعاقب بها؟ أهي عقوبة للنخبة؟! أهي عقوبة لفئة خاصة من الناس؟! أم هي عقوبة للمجتمع كله قد تأتي عليه وتبيد الأخضر واليابس، وتهلك الصغير والكبير؟ نعم، إنها عقوبة للجميع.

    إذاً: فلنعي -أيها الإخوة- جميعاً أن مجتمعات المسلمين حين تعرض عن شرع الله عز وجل، وحين يظهر فيها الخلل، ويعلوا فيها الفساد، تكون مهددة بعقاب من الله سبحانه وتعالى، ووعيد من الله عز وجل، هذا العقاب يعم الجميع، يعم الصغير والكبير، ويعم العالم ومن دونه.

    إذاً: إذا كانت العقوبة تعم الجميع، وإذا كانت العقوبة مهدداً بها الجميع، فالدور -إذاً- منوط بالجميع، والمسئولية والأمانة يجب أن يحملها الجميع سعياً في دفع عقوبة الله سبحانه وتعالى وغضب الله حين يعمل في الناس بالمعاصي وهم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا.

    1.   

    حمل الأمانة نجاة من غرق عام

    يضرب صلى الله عليه وسلم مثلاً بليغاً للناس في مجتمعاتهم فيقول: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً فلم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً).

    فنحن جميعاً راكبون في هذه السفينة، ونحن جميعاً مطلوب منا أن نأخذ على أيدي أولئك الذين يريدون الفساد، ويريدون الفتنة، ويريدون الغرق، وإن الفتنة كل الفتنة هي الصد عن سبيل الله عز وجل، وإن الفتنة كل الفتنة تجهيل الناس بدينهم، وتجهيل الناس بأمر الله عز وجل.

    إذاً: أيسوغ لواحد منا وهو يشعر أنه يركب هذه السفينة، وهو يشعر أن الخطر يعم الجميع، أيسوغ له أن يتخلى عن حمل الأمانة؟!

    فالجميع ما داموا راكبين في هذه السفينة يجب عليهم أن يحملوا الأمانة.

    1.   

    صور ونتائج للتنصل من القيام بواجب الأمانة

    يعرض الله عز وجل علينا في كتابه الكريم صوراً من أولئك الذين تخلوا عن حمل الأمانة، ورأوا أنها موكولة إلى فئة خاصة، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى، وهم بنو إسرائيل، وقد ذكرنا موقفهم مع موسى حين ظنوا أن القضية إنما تعني موسى وهارون، فحين سلكوا هذا السبيل عاقبهم الله سبحانه وتعالى، فتاهوا في الأرض أربعين سنة، فحين تخلوا عن الأمانة، وعن تحرير الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم -وهي أمانة لا تخص موسى وهارون عليهما السلام، إنما هي أمانة في أعناقهم جميعاً- حين تخلوا عنها عاقبهم الله سبحانه وتعالى بأن تاهوا في الأرض أربعين سنة.

    وكذلك أولئك الذين قال الله عز وجل عنهم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [الأعراف:163-164] وكانت النهاية ما أخبر تعالى به في قوله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ [الأعراف:165].

    ويخبر الله سبحانه وتعالى أن بني إسرائيل قد حقت عليهم لعنة الله، فيقول تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78-79].

    معشر الإخوة الكرام! تلك نماذج تساق في مساق الذم، وفي مساق القدوة السيئة التي يراد لهذه الأمة أن تتجنبها، وألا تسير على طريقها، تساق تحذيراً لهذه الأمة، فما بالنا نقول بلسان حالنا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف:164]؟!

    ولماذا نفترض أن القضية تعني فلاناً وغيره، وإن لم يكونا على اسم موسى وهارون، فالمنطق هو المنطق، والسبيل هو السبيل، إنه سبيل أولئك الجبناء الذين كتب الله لهم الأرض المقدسة فاختاروا التيه والضلال، فتاهوا أربعين سنة عقوبة لهم على تخليهم عن حمل هذه الأمانة.

    1.   

    تفريط السابقين عظة لجيلنا

    ماذا نقول عن الأجيال السابقة؟

    إننا جميعاً نتفق على ذم ذاك الجيل الذي كان على يديه إضاعة بلاد الأندلس بوابة المسلمين إلى أوروبا، ولا يزال الصغار والكبار يقرءون في التاريخ ذم أولئك الذين خانوا المسلمين وخانوا الأمة كلها، فتحولت تلك البلاد.

    حيث المساجد قد صارت كنائس ما فيهن إلا نواقيس وصلبان

    حتى المحاريب تبكي وهي جامدة حتى المنابر ترثي وهي عيدان

    فماذا نقول نحن عن أولئك الذين ضاعت على أيديهم تلك البلاد التي وطئتها أقدام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! يقول ابن عمر رضي الله عنهما: أرتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان.

    لقد جاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تلك البقاع التي نسمع عن مؤامرة بها تحاك ضد إخواننا المسلمين هناك.

    فماذا نقول عن الذين أضاعوا ذلك المجد؟! وماذا نقول عن أولئك الذين ساهموا بقصد أو بغير قصد في حياكة ونسج أكفان الخلافة الإسلامية حتى تفرقت الأمة الإسلامية شذر مذر، وتفرقت إلى شيع وأحزاب يلعن بعضها بعضا، ويقتل بعضها بعضا؟! ماذا نقول عن أولئك؟! وماذا نقول عن أولئك الذين أضاعوا أولى القبلتين وثالث الثلاثة المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها؟!

    إذاً: ما دمنا ننعى على من كانوا وراءنا، وما دمنا نرى أنهم يتحملون تلك المسئولية، فيا ترى! ماذا سيقول الجيل الذي يلينا عنا؟! ألا يحق له أن يتحدث عنا باللغة نفسها؟! ألا يحق له أن يصفنا بما نصف به نحن أولئك؟! وما الذي يميزنا عن غيرنا؟!

    1.   

    رحابة ميدان نفع الأمة

    إننا نرى أن ثمة مجالات عدة في حياة المسلمين يمكن أن تسهم في خدمة الأمة، ويمكن أن تسهم في نصر هذا الدين والذب عنه، فالأمة تحتاج لكل الوظائف والتخصصات والأدوار، وما من أحد يجيد فناً من فنون الدنيا، أو علماً من علومها، أو ينبغ في ميدان من ميادينها إلا ويرى أن ساحة الأمة الواسعة الفسيحة سيجد فيها مكاناً رحباً يمكن أن يؤدي من خلاله دورا، ويمكن أن يسهم من خلاله في أداء الأمانة وحملها.

    فإذا كان الأمر كذلك فلماذا -إذاً- يخص الأمر نخبة خاصة من الناس؟! فالأمة تحتاج لكل الطاقات، وكل التخصصات، وكل المواهب، والأمراض التي حلت بهذه الأمة هي أوسع وأشمل من أن يحيط بها فئة محدودة من الناس، أو نوع معين من الناس من أصحاب القدرات الخاصة، فإذا كان ذلك كذلك فالأمانة -إذاً- يحملها الجميع.

    معشر الإخوة الكرام! أشعر أن عقارب الساعة يدفع بعضها بعضا، وأرى أنني مضطر إلى الوقوف عند هذه النقطة، والاكتفاء بهذه المقدمات الثمان التي توصلنا إلى النتيجة التي نريد أن نصل إليها، وهي التي توصلنا إلى الإجابة عن هذا السؤال الذي طرحناه أول الحديث: (من يحمل الأمانة)؟

    1.   

    صور من الأمانة يجب على المسلمين حملها

    حفظ المجتمع وحمايته من الفساد

    ننتقل بعد ذلك للإشارة إلى صور من الأمانة التي يجدر بالأمة أن تحملها، وأن تتواصى الأمة كلها بأن تحملها، وأن تقوم بها وبأدائها، وهي صور على سبيل المثال لا الحصر، فالمقام لا يتسع لأكثر مما نورد، والمقام يدعونا إلى الإشارة، والحر تكفيه الإشارة.

    من الأمانات المهمة التي ينبغي أن يتحملها المجتمع كله وأن تتحملها الأمة كلها: المحافظة على المجتمع وحمايته من الفساد.

    أسألكم جميعاً معشر الإخوة الكرام، وأوجه سؤالي للأخوات والإخوة جميعاً: أفيكم أحد مرت به ساعة شك فيها، أو أحتاج إلى من يثبت له أن مجتمعات المسلمين مستهدفة؟! أيشك أحدنا أن هذه المجتمعات يراد لها أن تغوص في أوحال الرذيلة والفساد، وأن تتخلى عن دينها؟!

    كيف نشك في ذلك ونحن نقرأ قول الله سبحانه وتعالى الذي لا يبدل القول لديه -وكتاب الله عز وجل ما فيه إلا صدق وحق، ولا مجال فيه للمناقشة والمراجعة-: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، وقول الله تعالى: وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]، وقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118].

    فإذا كان هناك يهود ونصارى فلن يرضوا عن هذه الأمة حتى تتبع ملتهم، فارتماء الأمة في أوحال الفساد والرذيلة، وتخليها عن دينها، واختيارها للشعارات الأرضية الباطلة، كل هذا لا يكفي ولا يرضيهم، فلا بد أن يسوقوا الأمة إلى أن تتنصر أو تتهود.

    وها نحن نرى صور الفساد وتيارات الهدم والفتن تتوارد على مجتمعات المسلمين، ولستم بحاجة إلى أن أثير أشجانكم بذكر الأمثلة والصور والتناقضات، ويكفي أحدنا دلالة على ذلك أن يخرج إلى شارع من شوارع المسلمين، وإلى سوق من أسواقهم، وإلى مجتمع من مجتمعاتهم؛ ليرى نتاج هذا الغزو، ونتاج هذا التدمير الذي يراد بهذه الأمة.

    فهذه المجتمعات المسلمة مستهدفة، ومجتمعاتنا يراد لها أن تتنكب الطريق، إذاً: فمن المسئول عن الحفاظ على المجتمع؟! ومن المسئول عن الدفاع عن المجتمع؟! ومن الذي ينبغي عليه أن يقف في خندق الدفاع عن هذا المجتمع، وعن عقيدته ودينه وخلقه وسلوكه؟! ومن المخاطب بذلك؟! أليس أبناء المجتمع كلهم؟! أليس المسلمون كلهم ينبغي عليهم أن يقفوا صفاً واحداً في الميدان؟!

    إذاً: فالأمانة الأولى -معشر الإخوة الكرام- أمانة نتحملها جميعاً، وهي أن نقف جميعاً في خندق الحماية والذب والدفاع عن حرمات هذا المجتمع، وعن دينه، وعن عقائده، وعن خلقه، وأن نقف في وجه هذه الحملة الغاشمة الظالمة التي تسعى لاقتلاع مجتمعات المسلمين، ولو أن المسلمين جميعاً أدركوا الأمانة والدور والمسئولية لما استطاع أولئك أن يصنعوا شيئاً، ولارتدت سهام أولئك في وجوههم، ولارتدت إلى نحورهم.

    نشر العلم والدين

    ثانياً: نشر العلم والدين وتعليمه مسئولية الجميع:

    فمسئوليتنا جميعاً أن نساهم في نشر هذا العلم، ولئن كان هذا الأمر يخص أهل العلم بصفة أخص، فنحن جميعاً لا نعفى من المسئولية، فبعضنا لا يملك علماً ولكنه يملك المال الذي يستطيع من خلاله أن يطبع، ويستطيع من خلاله أن يوظف من يعمل على نشر هذا العلم.

    فنحن نملك الخدمات التي يمكن أن نقدمها لتسهيل مهمة أولئك الذين ينشرون العلم، ويقدمونه للناس جميعاً، ونحن بحاجة إلى أن نعلم الناس أحكام دينهم، وأن نعلم الناس معتقداتهم، وأن نعلم الناس أن يعتقدوا أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له عز وجل ولا رب سواه، وأن يعتقدوا أن الله سبحانه وتعالى متصف بالأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن يعتقدوا أن أنبياء الله عز وجل ورسله صلوات الله وسلامه عليهم هم أفضل الناس وخير الناس وأبر الناس، وأن يعتقدوا أن أبر الناس وأطهر الناس بعد رسل الله هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوماً اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    وأن نعلم الناس أحكام العبادة، وأحكام الطهارة والصلاة، وأن نعلم الناس ما يحل وما يحرم عليهم في معاملاتهم، وفي بيعهم وشرائهم، وفي حديثهم ومنطقهم، وفي أخلاقهم وسلوكهم، وأن نعلم الناس دين الله عز وجل، وهو دور يمكن أن يقوم به الجميع، وأن يساهم به الجميع، من خلال نشر العلم، ومن خلال عقد حلق العلم ودروسه ومجالسه وإحلالها، ومن خلال المساهمة بالمال، والمساهمة بالرأي، والمساهمة بالتشجيع والتأييد.

    إنني أجزم -مشعر الإخوة الكرام- بأننا كلنا جميعاً نستطيع أن نساهم بأداء هذا الدور، نعم نستطيع أن نساهم في نشر هذا العلم، وتعليم الناس دين الله سبحانه وتعالى، في وقت يراد للأمة فيه أن تجهل دينها، ويراد للأمة فيه أن يتحول الدين إلى قضايا هامشية، وإلى قشور كما يدعي أولئك أخزاهم الله عز وجل.

    بيان الحق والدين

    الأمانة الثالثة: بيان الحق والدين:

    إن من حق الأمة أن تسمع كلمة الحق واضحة، وإن من حق الأمة أن تعلم دينها؛ فلقد أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا العلم لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، وعاب الله عز وجل على أولئك الذين لم يفوا بهذا الميثاق، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187].

    لقد عاب الله عز وجل على أولئك الذين يكتمون ما أنزل الله فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة:159-160]، فلا تقبل توبتهم إلا إذا بينوا، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ [آل عمران:77].

    إذاً: مع هذا الوعيد الشديد -معشر الإخوة الكرام- على كتمان ما أنزل الله عز وجل، ومع هذا الذم لأولئك الذين أخذ عليهم الميثاق أن يبينوا للناس دين الله ولا يكتمونه، مع ذلك كله لا يبقى لأحد من هذه الأمة عذر في أن يعلم أمراً مما أنزله الله عز وجل فيكتمه.

    فلماذا أنزل الله عز وجل هذا الدين؟! ولماذا أنزل الله سبحانه وتعالى هذه النصوص التي تأمر الناس بالخضوع لله عز وجل وحده دون سواه؟! أليس من حق الناس أن يعلموا ما أنزل الله إليهم؟! لماذا أنزل الله عز وجل هذه النصوص التي تأمر بالاحتكام إلى شرع الله سبحانه وتعالى، ونبذ التحاكم إلى ما سواه؟! أليس من حق الناس أن يعلموا هذا؟! أليس مما أنزل الله عز وجل على المسلمين جميعاً أن يتبرءوا من كل كافر؟! فلماذا لا يعلم الناس ما أنزل الله عز وجل إليهم؟!

    أليس مما أنزل الله سبحانه وتعالى على الناس ألا يأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة؟! أليس من واجب من آتاه الله علماً أن يبين للناس ما نزل إليهم؟! أليس مما أنزل الله عز وجل على الناس أن تحتشم المرأة، وأن تتحجب، وأن تبتعد عن أعين الرجال؟! أليس من واجب من آتاه الله علماً أن يبين للناس ما نزل إليهم؟! وقل مثل ذلك في كل ما أنزله الله عز وجل.

    إذاً: فكل ما أنزله الله سبحانه وتعالى في كتابه، وجاءت به سنة رسوله صلى الله عليه وسلم هو حق يجب أن يعلمه الناس كل الناس، ولولا ذلك لما أنزله الله في آيات تتلى إلى يوم القيامة، وحين نكتم عن الناس هذا الأمر نستحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159].

    أيحق بعد ذلك لأحد من هذه الأمة صغيراً كان أو كبيراً أن يكتم أمراً مما أنزله الله؟! وأن يكتم أمراً من دين الله عز وجل؟! فتبليغ دين الله سبحانه وتعالى فرض على الأمة كلها، وإن من حق الأمة كلها أن تسمع لما أنزل الله عز وجل.

    نقل الدين إلى المجتمعات الضالة

    ومن صور الأمانة التي تتحملها الأمة كلها: نقل هذا الدين إلى سائر المجتمعات:

    فكم يموت من الناس -معشر الإخوة الكرام- في العالم بأسره كل يوم على الشرك والكفر! وكم يموت كل يوم ممن لا يعلمون شيئاً عن دين الله عز وجل! وكم يموت كل يوم من أولئك الذين يعتقدون أن نبيهم هو المرزا غلام أحمد ، أو الذين يعتقدون أن معبودهم هو بهاء الله ، أو الذين يمرغون جباههم عند قبر الحسين وعند مراقد الأئمة! وكم يموت كل يوم من أولئك الذين يطوفون على قبور من يزعمون أنهم أولياء! وكم من الناس من يموت على النصرانية، أو على البوذية، أو على الإلحاد في العالم بأسره ممن لم يسمع كلمة الحق واضحة، وممن لم يدع إلى دين الله عز وجل!

    فتبليغ هؤلاء مسئولية من؟! ودعوة هؤلاء واجب من؟! أهي واجب فئة خاصة وطائفة خاصة، أم هي واجب هذه الأمة أجمع؟!

    وفي هذا العصر عصر الانفجار الهائل لوسائل الاتصال، ونقل المعلومات، والذي أصبح العالم فيه قرية واحدة كما يقال، تخلينا -معشر المسلمين- لتبقى قنوات الفضاء، ووسائل الاتصال، والأجهزة الحديثة حكراً على دعاة الفاحشة والرذيلة، أو على دعاة التنصير أو التضليل والدعاية، أما أهل المنهج الحق الذين حملهم الله عز وجل تبليغ هذا الدين للأمة كلها فقد غفلوا عن قول قائلهم وقد وقف بفرسه على المحيط: والله! لو أعلم أن خلف هذا البحر قوماً لخضته إليهم؛ لأدعوهم إلى دين الله عز وجل.

    فمسئولية من -معشر الإخوة الكرام- وأمانة من دعوة هذا العالم بأسره إلى دين الله سبحانه وتعالى؟! أليست مسئولية المسلمين أجمعين؟! أليست أمانة في أعناق المسلمين أجمعين صغيرهم وكبيرهم؟!

    1.   

    عوائق في طريق القيام بأمر الله تعالى

    اعتقاد اختصاص العلماء بالدعوة والبلاغ

    بعد أن تحدثنا عن الإجابة على السؤال الأول (من يحمل الأمانة؟) ثم ذكرنا صوراً من الأمانة التي يجب على المسلمين أن يساهموا في حملها، نطوف سريعاً حول بعض المفاهيم الخاطئة، والعوائق التي تعيق الناس عن القيام بأمر الله سبحانه وتعالى:

    فمن ذلك اتكاؤهم على أهل العلم وحدهم، فما إن تثار قضية من القضايا حتى يقول الناس: إن هذه مسئولية العلماء، فأين العلماء، وأين الدعاة؟

    وإني أسألكم الآن وقد ملأتم هذا المسجد: هذا الحضور كم فيه من متخرج من كليات شرعية ودراسات شرعية؟! وكم فيه ممن يدرك مسئولية الدعوة؟! وكم فيه من أستاذ ومن موظف ومن مسئول؟! لو قام هؤلاء الذين حضروا معنا في هذا المسجد، والذين يضيق بهم هذا المكان بدورهم؛ لرأينا أن هذه الرسالة تبلغ إلى كل مدرسة، وتبلغ الأستاذ والطالب، ولرأينا هذه الرسالة تبلغ كل مؤسسة، وكل حي، وكل مكان.

    أقول -معشر الإخوة الكرام-: إن إحالة الدور على أهل العلم والدعاة وحدهم ليس إلا صورة من صور التخلي عن الأمانة والمسئولية، أفلا يستطيع أحدنا أن يقول كلمة صادقة يريد بها وجه الله عز وجل؟! أو ينفق مالاً يريد به نصرة دين الله سبحانه وتعالى؟! أو يقف عاضداً ومعيناً لمن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى؟! أليس فينا مثل ذاك الذي قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [غافر:28]؟! أليس فينا مثل ذاك الذي جاء من أقصى المدينة يقول: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [يس:20-21]؟

    الاكتفاء بنصرة الله لدينه دون العمل

    وهناك مقولة ثانية لا أجد لها شبهاً إلا مقولة عبد المطلب حين جاء أبرهة ليهدم البيت، حيث جاء عبد المطلب إلى أبرهة وقد أخذ أبرهة إبله، فظن أبرهة أن هذا الرجل سيناقشه في قضية البيت، وإذا به يثير قضية الإبل، يثير القضية الخاصة والهم الخاص، فاستغرب أبرهة هذا الموقف، فقال له: كنت أظن أن تحدثني عن البيت! فقال: أنا رب هذه الإبل، وللبيت رب يحميه.

    إن هذا المنطق هو المنطق السائد عند كثير من المسلمين الذين لا يهم أحدهم إلا مصالحه الخاصة، وقضاياه الخاصة، أما الدين فهو دين الله عز وجل ينصره الله سبحانه وتعالى، وليس عليه إلا الدعاء إن كان ثمة دعاء، أما العمل والجهد والبذل فليس إلا في مصالحه وحوائجه الخاصة.

    1.   

    السلامة في آلام الدعوة إلى الله

    قد يشعر المرء بتبعة عظيمة حين يساهم في حمل الأمانة، فمن يعمل لابد أن يقع في الخطأ، ولابد أن يتعرض للخطأ؛ لأنه بشر، ولابد أن يصيبه ما يصيب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من الأذى ونحو ذلك، فالمقصود أن هذا طريق له تبعات، وحينها يقول: السلامة لا يعدلها شيء. فيؤثر السلامة من ذلك كله، ويرى أن عدم دخوله هذا الميدان يريحه من هذه الأعباء، ووالله! ما سلم، بل السلامة في الدخول في هذا الميدان، أويظن أن تنكبه هذا الطريق يعني السلامة؟! ومتى كان التخلي والنكوص عن القيام بالأمانة سلامة؟!

    نعم قد يسلم الإنسان من التبعة في الدنيا، وقد يسلم من أن يصمه الناس بالخطأ، وقد يسلم من أن يتحمل مضاضة ونتيجة عمل عمله يريد به وجه الله عز وجل، لكنه لن يسلم حين يسأل يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟! فيقول: يا رب! خشية الناس.

    1.   

    دين الله لا يناط بأشخاص

    إذاً: معشر الإخوة الكرام! هذا الدين دين الله سبحانه وتعالى، ونحن جميعاً ننتمي لهذه الأمة، وننتمي لهذا الدين، فالأمانة أمانتنا جميعاً، والمسئولية مسئوليتنا جميعاً، فينبغي أن نساهم فيها، وألا نعلق القضية على شخص بعينه، أو فرد محدد، فالأمة لا تتعلق بالأشخاص حتى النبي صلى الله عليه وسلم، فحين ظن الناس يوم أحد أنه مات كان مصعب بن عمير يقرأ قول الله عز وجل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144].

    وقال أنس بن النضر رضي الله عنه: وماذا تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا وموتوا على ما مات عليه.

    وتلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الآية يوم موت رسول الله وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.

    فلئن كانت القضية غير متعلقة بشخص محمد صلى الله عليه وسلم نبي هذه الأمة، الذي يجب على المسلم أن يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين؛ فما بالكم بغيره؟!

    إذاً: فلا يسوغ أن تعلق الأمة قضيتها بفرد أو فردين، ولا يسوغ أن تعلق الأمة قضيتها بنخبة من النخب، بل هي قضية الأمة كلها، وأمانة الأمة كلها، وهل تجد الأمة أزكى من موسى وهارون؟! ومع ذلك حين تخلى قومهما عن الأمانة والمسئولية لم يستطع موسى عليه السلام إلا أن يقول: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25].

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأترك بقية الوقت للإجابة على بعض ما ورد من أسئلة الإخوة.

    1.   

    الأسئلة

    تعدد ميادين الدعوة وفق قدرات الدعاة

    السؤال: نرجو من فضيلتكم توجيه كلمة إلى من قد أصيب بفتور وإحباط تجاه حمل هذه الأمانة بمجرد أن حدث له أمر أصاب شخصيته بين فئة من الناس، واعتقد في نفسه أنه لا يصلح لحمل هذه الأمانة؟

    الجواب: الأمانة ليست قضية محددة واحدة إما أن يطيقها الإنسان أو لا يطيقها، بل هي مراتب ودرجات.

    إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

    فحين يعجز الإنسان عن القيام بدور وعمل ومهمة؛ فإن هذا لا يعني أنه أصبح امرأً فاشلاً لا يطيق غير ذلك، فأمامه ميادين أخرى وفرص أخرى يمكن أن يؤدي الأمانة والعمل من خلالها، وليس أداء الأمانة والعمل لنصرة هذا الدين حكراً على أسلوب معين، أو طريقة بعينها.

    توجيه لطالب العلم في الدعوة إلى الله

    السؤال: هل من كلمة -حفظكم الله- لطلبة العلم الذين لا يخرجون زكاة علمهم، معللين ذلك بانشغالهم في التحصيل والطلب، وجزيتم خيرا؟

    الجواب: لا يمكن أن يصل الإنسان أبداً إلى مرحلة يشعر من خلالها أنه قد أتم التحصيل والطلب، فالإنسان لا يزال يرى أنه بحاجة للمزيد، وكلما ازداد علماً رأى أنه بحاجة إلى أن يزداد أكثر، إذاً: فلن يصل الإنسان إلى تلك المرحلة التي يرضى فيها عن نفسه، والأمة تنحط، ومجتمعات المسلمين تعاني، وحين ندعو جيل الصحوة إلى أن يتفرغ كلياً، وينقطع عن القيام بهذه الأدوار المحمودة، حينها من سيتصدى للناس، فيدعوهم ويأمرهم، ويقضي حوائجهم، وينكر المنكرات، ويعين على نشر الدين والحق؟! لا شك أنك لن تجد أحداً أبداً في هذه الأمة يزعم أو يدعي أو يرى أنه قد اكتفى من العلم، مهما بلغ علمه وعلا شأنه.

    والمقصود أن الإنسان يمكن أن يعمل ويجمع بين هذين الأمرين، فيجمع بين التحصيل وتعلم العلم والقيام بهذا الدور، بل إن الإنسان عندما ينعزل كلياً، ويوقف وقته وجهده على مجرد التحصيل، لا يلبث أن يتبلد إحساسه بعد ذلك، ولا يلبث أن يصيبه الخمول والفتور، فتراه يحمل علماً غزيراً، لكنه لا يمكن أن يجد في نفسه الحماس للقيام به، ونشره، ودعوة الناس إليه.

    بيان ما يمكن للمسلم فعله من دعوة غيره في حال كثرة شواغله

    السؤال: قد يشتغل الإنسان بعمله أو دراسته عن أن يكون نشيطاً في مجال الدعوة، وهو يشعر أنه مقصر، ولكنه لا يستطيع الجمع بين عمله أو دراسته، وبين أن يكون نشيطاً في الدعوة، فنرجو من فضيلتكم أن ترشدونا إلى حد أدنى يستطيع الإنسان أن يقوم به مع اختلاف عمله وشواغله؟

    الجواب: أولاً: الإنسان يمكنه أن يدعو ويخدم هذا الدين في بيته أولاً، في تربيته لأهله، وإعدادهم، وفي مجال عمله إن كان موظفاً، أو طالباً، أو مدرساً، أياً كان فهو يمكن أن يعمل في مجال عمله وميدان عمله، ولماذا نرى الدعوة ميداناً آخر غير الميدان الذي نحن فيه؟!

    وبعد ذلك لابد أن تبقى له فضول أوقات، فعليه أن يستثمر جزءاً من فضل وقته مما يفضل عن عمله يقوم فيه بجهد لخدمة دين الله سبحانه وتعالى.

    ولو أن كل إنسان قام بالدعوة في ميدان عمله لغطينا المجتمع كله؛ لأن الناس في المجتمع إما أن يكونوا طلاباً، أو موظفين، أو عاملين في قطاعات معينة، فلو أن التاجر -مثلاً- في سوقه قام بالدعوة في ميدانه، وكذلك المدرس، والطالب، والموظف، والمرأة في مدرستها، وفي حيها، وفي أسرتها؛ لبلغت الدعوة الجميع.

    الموقف المطلوب عند هلاك قادة الأمة

    السؤال: هناك أناس قد نافحوا عن الإسلام وتصدروا لهذه الصحوة، ثم أتت عليهم رياح فاقتلعتهم، ثم أصيب بعض المسلمين بإحباط بسبب هذا، فهل فعلهم صحيح؟

    الجواب: لا شك أن هذا دليل على مرض في الأمة أشار إليه مالك بن نبي رحمه الله بقوله: إن الأمة تتعلق بالأشخاص. فالمسلمون دائماً يندبون فيقولون: قم يا صلاح الدين . ويتمنون أن يرزق الله هذه الأمة قائداً مثل صلاح الدين ؛ حتى يعيد لها مجدها، ولكن لم تفكر الأمة يوماً من الأيام أنه يمكن أن يكون بين يديها صلاح الدين ، فإذا كان هناك ناس اقتلعتهم الرياح، فماتوا، أو مضوا، أو أصابهم ما أصابهم، فهل الأمة عاجزة عن أن تخرج من يقوم بهذا الدور؟! ما عقمت نساء المسلمين، وما توقف الأمر، ولكن مشكلة الأمة أن تعلق قضيتها بشخص أو بشخصين أو بأشخاص، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

    لكن حين نقوم، وننشر العلم، ونتعلمه، وندعو إليه، ونسعى إلى تحصيله؛ فإننا لا نلبث حتى نسد هذا الفراغ الذي تركه أولئك.

    ألم يكن في الأمة مثل الإمام أحمد ويزيد بن هارون وغيرهم ممن كان لهم دور فماتوا، فأوجدت الأمة بعدهم من قام بالأمانة؟! ألم يكن فيها مثل شيخ الإسلام والعز بن عبد السلام ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم؟!

    وما تلبث الأمة حتى تخرج لنا في كل عصر ووقت ومصر أفذاذاً من هؤلاء، فلئن مضى أولئك، وتوسدوا الثرى، وطوتهم الأحداث والسنون، فإن الأيام كفيلة بأن يأتي غيرهم، وحين نعلق القضية بأشخاص فأننا لا يمكن أن نصنع شيئاً.

    توجيه للمرأة في القيام بدورها

    السؤال: نريد كلمة للنساء تحثهن فيها على الاهتمام بالأمانة، ولزوم الطاعة؟

    الجواب: لا شك أن المرأة تقوم بدور مهم، والمرأة تقف على بوابة خطيرة من بوابات الأمة، وعلى ثغر من ثغور الأمة، فهي أم الأسرة، وهي مربية الأجيال، إن كل فتاة تخرج إلى هذا المجتمع لها أم، وإن كل شاب يخرج إلى هذا المجتمع له أم، فحين تقوم هذه الأم بدورها، وتشعر بمسئوليتها أولاً في بيتها في إعداد هذا الجيل وهذا النشء، وفي إصلاح أبنائها وبناتها وتربيتهم، وفي إصلاح زوجها ودعوته، وإعانته على طريق الخير والحق، ثم في دعوة بني جنسها، ونشر الدين والخير بينهن، فإنها تقوم بدور مهم لا يمكن أن تستغني عنه الأمة.

    دور الكتاب الموجه لحمل الأمانة

    السؤال: هناك بعض الكتب الخاصة بإلقاء بعض الدروس في مناسبات خاصة، مثل دروس شهر رمضان، وكتب أخرى في الخطب، فهلا وضعت وصنفت لنا كتاباً ليقرأ في اجتماعات الأحياء المنتشرة، ولله وحده الحمد والثناء، ففي هذه المنطقة وغيرها يهتم الناس بالأمور التربوية، بارك الله فيكم وفي علمكم وجهودكم؟

    الجواب: هناك كتب كثيرة موجودة من كتب السلف، والكتب المعاصرة، كتب كثيرة تخدم، ويمكن أن تفيد الناس، وما أظن -والله- أن القضية توقفت عند وجود كتاب مناسب يقرأ فيه، لكن لو تصدى أحد لهذا الأمر؛ فذلك أمر حسن، والحمد لله فالناس فيهم خير كثير، ويمكن أن نجد من يقوم بهذا العمل، ولماذا تكون هذه القضية وقفاً على فلان أو غيره من الناس؟!

    فهذا الأمر حسن، ولكن ينبغي ألا ننتظر مثل هذه الأمور، فالكتب كثيرة -سواء من كتب السلف والكتب المعاصرة- مما لو قرئ على الناس؛ لأفادهم كثيراً في أي باب من الأبواب التي تريد أن تخاطب الناس بها.

    نجاة المصلحين

    السؤال: هل العقوبة تكون عامة حتى للمصلحين، وقد قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود:117]، وقال تعالى: نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [هود:58]؟

    الجواب: لا، المصلحون ينجيهم الله سبحانه وتعالى، كما في الآية التي استشهد بها السائل، لكن الذين كانوا صالحين في أنفسهم، ولم ينكروا، ولم يقوموا بدورهم معرضون للهلاك مع أولئك.

    بيان ما ينبغي للطالب الجامعي فعله للقيام بدوره

    السؤال: أنا طالب جامعي، فما هو الدور الملقى علي في حمل هذه الأمانة، وما هي حدود هذا الدور؟

    الجواب: أولاً: أن تحرص وتجتهد في دراستك، وتحتسب النية لله عز وجل، فإن كنت في تخصص شرعي ودراسة شرعية فأنت تتعلم علماً شرعياً تحتاج الأمة إليه، وإن كنت على غير ذلك؛ فالأمة -أيضاً- لا تستغني عن طاقتك، فالمطلوب أن يحرص الأخ على أن يتقن تخصصه، ويبدع فيه؛ حتى ينفع الأمة من خلاله، ثم بعدما يتخرج من هذه المرحلة وهذه الدراسة يمكن أن يقدم خيراً، وينفع هذه الأمة أياً كان دوره، وأياً كان تخصصه.

    ثم يأتي دوره مع زملائه داخل الجامعة، ودوره مع الناس جميعاً، فيمكن أن يقول كلمة طيبة، أو يأمر بمعروف، أو ينهى عن منكر، أو يسعى إلى نشر علم أو بيان حق في حيه، وفي منزله، وفي أسوار الجامعة بين زملائه، ولكن أؤكد على القضية الأولى: أن يحرص على إعداد نفسه، واغتنام هذه الفرصة وهذه الدراسة، بأن يبدع في تخصصه ودراسته أياً كانت؛ حتى ينفع الله عز وجل به الأمة.

    دواء مرض الخوف من آثار حمل الأمانة

    السؤال: إن هاجس الخوف الذي يدب في كثير من النفوس يقف حاجزاً أمام تطبيق هذه التوجيهات القرآنية والنبوية، فكيف الخلاص من هذا الهاجس؟

    الجواب: الخلاص من هذا الهاجس يكون باستحضار قول الله عز وجل: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44].

    حاجة الأمة إلى تصحيح المسار في كل شئونها

    السؤال: أترون أن هذه الصحوة تحتاج إلى أن تتربى عقدياً قبل أن تنطلق في سبيل الدعوة، وما هو تعليقكم حول هذا؟

    الجواب: أمراض الأمة كثيرة في كل الجوانب، ولا نهمش الأمة في قضية واحدة، فالأمة بحاجة إلى عناية بالعقيدة، وبحاجة إلى العناية بالخلق والسلوك، وبحاجة إلى تصحيح العبادة، وبحاجة إلى تصحيح كل هذه الأمور.

    أسأل الله سبحانه وتعالى في هذا المقام الكريم المبارك أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل مجلسنا هذا الكريم المبارك من المجالس التي يباهي بها ملائكته سبحانه وتعالى، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأسأله سبحانه وتعالى في هذا المقام الكريم المبارك وهذا الجمع المبارك أن يكتب النصر والعز والتمكين لأمة المسلمين.

    اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك وقد اجتمعنا في انتظار فريضة من فرائضك، وقد اجتمعنا على مجلس نتذاكر فيه وعدك ووعيدك وأمرك ونهيك، نسألك اللهم بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تكشف هذه الغمة عن المسلمين.

    اللهم لا تدع من المسلمين جائعاً إلا أطعمته، ولا خائفاً إلا أمنته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا أسيراً إلا أطلقته وفككت وثاقه يا أرحم الراحمين، ولا عدواً ومنافقاً إلا أهلكته وفضحته وهتكت ستره يا رب العالمين.

    اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وعزك الذي لا يرام، اللهم ارحم الأمهات الباكيات، اللهم ارحم الأسر الثكالى، أولئك الذين أصيبوا بأبنائهم وفلذات أكبادهم، ما بين قتيل وأسير ومصاب، اللهم اكتب النصر والعز والتمكين لهذه الأمة، وارفع عنها الظلمة والغشاوة، اللهم عليك بأعدائك الذين يصدون عن سبيلك، ويعادون أولياءك، اللهم عليك بهم، اللهم افضح سترهم واخزهم أمام الناس يا أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.

    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.