إسلام ويب

أحكام الصيامللشيخ : حمد الحمد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصيام أحكام عظيمة جاءت في الشريعة الإسلامية، ومن هذه الأحكام وجوبه على المكلف، وحصول التفطير أثناء الصيام بتناول شيء من المفطرات بغير عذر الجهل والنسيان والإكراه، ووجوب فطر المرأة بحيضها ونفاسها، ووجوب فطر المسافر الذي يخشى الهلاك على نفسه وجوازه له فيما دون ذلك، وجواز فطر المريض والكبير الذي يشق عليه الصوم، وغير ذلك من الأحكام التي لا يسع المسلم الجهل بها.

    1.   

    بيان فرضية صيام شهر رمضان

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

    فأشكر -أولاً- القائمين على إدارة الدعوة والإرشاد في دولة قطر على تهيئة مثل هذه اللقاءات مع إخواني المصلين في هذا المسجد ومن حضر من أماكن أخرى سائلاً الله جل وعلا أن يجعل هذا في ميزان حسنات الجميع؛ إنه مجيب الدعاء.

    وموضوع هذه المحاضرة: أحكام الصيام.

    ونحن في آخر شهر شعبان، وبعد أيام يسيرة -إن شاء الله- يدخل علينا هذا الشهر المبارك، سائلين الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يصوم نهاره ويقوم ليله إيماناً واحتساباً؛ إنه سميع الدعاء.

    الصيام -أيها الإخوة- قد كتبه الله على المؤمنين، وجعله أحد أركان الملة، قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] .

    وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً)، فيجب على كل مسلم مكلف أن يصومه، قال الله جل وعلا: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وقد فرض صيام هذا الشهر في السنة الثانية من الهجرة باتفاق أهل السير، فصام عليه الصلاة والسلام تسعة رمضانات، وكان يجب على الناس قبل ذلك أن يصوموا يوم عاشوراء فلما فرض صيام هذا الشهر نسخ وجوب صيام يوم عاشوراء وكان على الاستحباب.

    1.   

    بيان معنى الصيام ووقت الإمساك

    أيها الإخوة! إن الصيام هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، فإذا طلع الفجر الصادق -وهو البياض المعترض في الجانب الشرقي- دخل وقت الصلاة وحرم على الصائم الطعام، والناس في هذا الوقت لا يكادون يرونه وإنما يعتمدون على التقويم، فمن كان عنده تقويم أو يسمع النداء فيجب عليه الإمساك بناء على ذلك، فإذا قال المؤذن: (الله أكبر) في أول أذانه وهو ممن يؤذن في الوقت فيجب الإمساك، وإن بعض الناس يأكل ويشرب ويقول: نأكل ما بقي المؤذنون يؤذنون. وهذا خطأ؛ لأن الله جل وعلا قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] ، والمؤذن إذا شرع في النداء -يعني: بدأ في النداء- فإن ذلك يكون عند تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فيجب الإمساك، وفي الليل -ولله الحمد- غنية عن هذا الجزء اليسير، فعلى المسلم أن يحتاط وأن يمسك بمجرد سماعه قول المؤذن: الله أكبر، وإذا كان عنده تقويم فإنه يعتمد عليه؛ لأن المؤذنين الآن يعتمدون على التقويم، فإذا كان عنده تقويم اعتمد عليه، ويستمر في الإمساك عن المفطرات حتى تغرب الشمس.

    1.   

    أنواع المفطرات

    المفطرات هي :

    الأكل والشرب وما في معناهما

    أولاً: الأكل والشرب وما يقوم مقام الأكل والشرب مما يصل إلى المعدة أو إلى الدم فيغذي البدن، قال الله جل وعلا: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] فيمسك عما يعد أكلاً أو شرباً، وما لا يعد أكلاً ولا شرباً فالصحيح أنه لا يجب أن يمسك عنه، ولهذا أمثلة، فمنها على الصحيح: الكحل، فالكحل لا يفطر الصائم، وهذا هو أصح القولين؛ لأنه ليس أكلاً ولا شرباً، ولم يجئ في الأدلة أنه مما يفطر الصائم، ومن ذلك أيضاً الحقنة في الدبر، ومن ذلك أيضاً القطرة في الأذن، بخلاف القطرة في الأنف؛ لأن الأنف منفذ للأكل والشرب، ولذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فالفم منفذ والأنف منفذ وأما الأذن فليست منفذاً، فإذا وضع قطرة في أذنه لم يفطر، والعين كذلك ليست منفذاً، فإذا وضع كحلاً لم يفطر، والجلد كذلك، مساماته ليست منفذاً، فإذا دهن جلده بدهن لم يفطر، ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهيناً مترجلاً). فلا يمنع الصائم من الدهن، كذلك لا يمنع من غسل بدنه وهو صائم، ولذا جاء في الصحيحين: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يغتسل وهو صائم)، يعني: يؤذن المؤذن للفجر وهو جنب فيغتسل قبل صلاة الصبح بين الأذان والإقامة وهذا مما يجب الإمساك فيه، فالاغتسال لا يمنع منه الصائم، ولذا جاء في سنن أبي داود : (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسكب الماء على رأسه إما من الحر وإما من العطش وهو صائم)، وكذلك المضمضة لا تفطر، ولذا جاء في الحديث (أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن القبلة للصائم قال: أرأيت إذا تمضمضت) لأن المضمضة ليست من المفطرات فكذلك القبلة، فكما أن المضمضة مقدمة للشراب ولا يفطر بها الصائم، فكذلك القبلة مقدمة للجماع ولا يفطر بها أيضاً.

    إذاً: كل ما عد أكلاً أو شرباً فإن الصائم ينهى عنه.

    حكم الإبر حال الصيام

    والإبر على نوعين: إبر تغذي البدن، يعني: فيها غذاء للبدن -ويقرر هذا الطبيب- فهذه تفطر، وإبر ليس فيها غذاء كالإبر التي تعطى لمن عنده ارتفاع في السكر في البدن فيعطى إبرة تخفض نسبة السكر في الدم، فلا يفطر من أخذ هذه الإبرة، بخلاف الإبرة التي تعطى لمن عنده انخفاض في السكر، ففيها سكر، والمريض الذي فيه انخفاض في السكر في دمه يعطى إبرة فيها جلوكوز تغذي بدنه، هذه تفطر.

    فالإبر على نوعين: إبر تغذي البدن، وإبر لا تغذيه بل هي دواء فقط، فالإبر الذي تغذيه هي التي تفطر، كذلك -في أصح القولين- البخاخ الذي يعطى لمريض الربو الذي يوسع الشعب الهوائية لا يفطر الصائم؛ لأن هذا لا يعد أكلاً ولا شرباً، فالله إنما نهى عن الأكل والشرب فما عد أكلاً أو شرباً فإن الصائم يفطر به.

    الجماع

    أما النوع الثاني من المفطرات فهو الجماع، وهو أن يطأ في فرج، يعني: أن يولج، هذا هو الجماع، فإذا حصل الإيلاج فقد أفطر الصائم ولو لم ينزل، وهذا فيه الكفارة المغلظة دون غيره، والكفارة المغلظة هي أن يعتق رقبة فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، هذا في الجماع الذي هو إيلاج وإن لم ينزل.

    إنزال المني في اليقظة

    وأما المفطر الثالث فهو خروج المني بمباشرة أو باليد، هذا يفطر به الصائم لكن ليس فيه الكفارة المغلظة وإنما فيه التوبة ويفطر الصائم به ويجب عليه أن يمسك بقية اليوم، يعني: من أفطر بمفاخذة امرأة مع إنزال، لم يولج وإنما كان ذلك دون الإيلاج في الفرج فأنزل، أو استمنى بيده -وهذا محرم في رمضان وفي غيره- لا تجب عليه الكفارة، هذا هو المفطر الثالث.

    إذاً: الأول: الأكل والشرب وما يقوم مقامهما.

    الثاني: الجماع بالإيلاج، وهذا فيه الكفارة المغلظة.

    الثالث: أن يخرج المني في اليقظة لا في المنام، إذا خرج في المنام لا يفطر به الصائم، أما إذا خرج في اليقظة فإنه يفطر به سواء أخرجه بيده أو بمفاخذة أو غير ذلك وليس فيه كفارة، الكفارة في الإيلاج يعني: في الإدخال فقط.

    حكم خروج المذي حال الصوم

    وخروج المذي في أصح القولين -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - لا يفطر به الصائم، والمذي هو: سائل لزج يخرج عند تحرك الشهوة ولا يكون منه الولد، هذا السائل الذي يخرج عند تحرك الشهوة إما بنظرة أو بقبلة لا يكون منه الولد بخلاف المني الذي يكون منه الولد، فالمذي في أصح القولين لا يفطر الصائم؛ لعدم الدليل الدال على ذلك؛ لأنه لا يوجد دليل يدل على أنه يفطر، ومن العلماء من يرى أنه يفطر، لكن الصحيح كما تقدم -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - أنه لا يفطر.

    حكم القبلة للصائم

    وأما القبلة للصائم فإن كان لا يأمن على نفسه فإنه ينهى عنها، فالصائم الذي لا يأمن على نفسه ينهى عن أن يقرب المرأة بقبلة أو مس أو مباشرة؛ لأن هذا ذريعة إلى فعل ما نهى الله عنه، وإن كان شاباً ويقول: إني آمن على نفسي فيكره؛ لأن الشاب لقوة شهوته يخشى منه كذلك الوقوع فيما حرم الله، وأما إن كان شيخاً -يعني كبير السن- ويأمن على نفسه فلا يكره له ذلك، ولذا جاء في الحديث في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم ولكن كان أملككم لإربه) يعني: لحاجته.

    وجاء في سنن أبي داود -والحديث صحيح-: (أن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن المباشرة للصائم فنهاه، وسأله آخر فرخص له) قال الراوي: فإذا الذي نهاه شاب وإذا الذي رخص له شيخ.

    إذاً: إذا كان لا يأمن على نفسه فيحرم، وإذا كان يأمن على نفسه إن كان شاباً كره، وإن كان شيخاً لم يكره للحديث المتقدم.

    القيء عامداً

    المفطر الرابع من مفطرات الصائم: أن يستقيء عمداً، يعني: أن يقصد خروج القيء كأن يدخل يده في حلقه حتى يخرج الطعام الذي في معدته، أو أن يشم شيئاً يعلم أنه يخرج القيء، إذ هناك أدوية عند أطباء الأعشاب إذا شمها المرء استقاء، فإذا فعل ذلك قصداً أفطر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال فيما رواه الترمذي وغيره: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فليقض)، (من استقاء) يعني: من طلب خروج القيء فإنه يفطر، فإن قال: إني مريض وأريد أن أخرج القيء لأنه يؤذيني وأشعر بتعب في المعدة. فنقول: أخرجه ولا شيء عليك لأنك مريض لكن عليك القضاء، تفطر وعليك القضاء، أما إن كان يفعل هذا عبثاً فإنه يحرم عليه ذلك، وإن فعله وهو مريض لم يحرم عليه ذلك لكن عليه القضاء.

    حكم الحجامة والرعاف وما يؤخذ من الدم للتحليل

    ومن المفطرات المختلف فيها بين العلماء: الحجامة.

    الحجامة: هي إخراج الدم بالآلة المعروفة، ويشبه هذا التبرع، هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يرى أن الحجامة يفطر بها الصائم لحديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) وهم الحنابلة، ومن أهل العلم من يقول: إنه لا يفطر بها؛ لأن هذا الحديث منسوخ؛ فقد جاء في صحيح البخاري : (أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وهو صائم واحتجم وهو مفطر) وهذا أصح لكن الأحوط للصائم أن يؤخر ذلك إلى الليل، أن يؤخر الحجامة إلى الليل خروجاً من الخلاف.

    أما الرعاف فإنه لا يفطر، كذلك لو جرح بدنه لتحليل الدم فهذا لا يفطر، فمثلاً لو جرح أصبعه ليأخذ دماً لتحليل السكري لا يفطر حتى على مذهب الحنابلة، وكذلك سحب الدم للتحليل لا يفطر على الصحيح؛ لأن هذا يسير لا يضعف البدن، فهذا كذلك لا يفطر به الصائم، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه البخاري : (الفطر فيما دخل لا فيما خرج). فالذي يترجح أن خروج الدم لا يفطر به الصائم، إذا خرج رعاف أو أخذ شيئاً من الدم للتحليل فإنه لا يفطر بذلك، أما الحجامة فالأولى له أن يؤخر ذلك إلى الليل خروجاً من الخلاف.

    1.   

    بيان من يجب عليه الصيام

    من الذي يجب عليه الصيام أيها الإخوة؟

    الصيام يجب على المكلف وهو البالغ العاقل ذكراً كان أو أنثى، هذا يجب عليه الصوم، أما الصبي المميز الذي تم له سبع سنين فهذا يأمره وليه بالصوم إن كان يطيق، بعض الناس يقول: عندنا أولاد ذكوراً وإناثاً فهل نأمرهم بالصوم؟ وهل نضربهم على الفطر؟

    والجواب: أنهم إن كانوا يطيقون ذلك ولا يشق عليهم فيؤمرون به ويضربون على الفطر، هذا بعد سبع سنين، يعني: إذا تم لهم سبع سنين وشرعوا في سن الثامنة نظرنا: فإن كان هذا الولد يتحمل الصوم فيؤمر به ويضرب على تركه، وإن كان لا يتحمل الصوم أو يشق عليه مشقة شديدة فإنه لا يؤمر به ولا يضرب عليه، في أيام المدارس مثلاً وأيام الصيف يشق على الصغار أن يصوموا مع ذهابهم مبكرين إلى المدارس ومع الصيف، لكن لو كانوا في شتاء أو كانوا في عطلة يرتاحون في بيوتهم فالغالب أنهم يطيقون فيؤمرون بالصوم، ويضربون على تركه.

    1.   

    حكم من أفطر ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً

    واعلم أن من أفطر ناسياً أو مكرهاً -على الصحيح- أو جاهلاً فلا شيء عليه، يمسك بقية النهار ولا شيء عليه، هذا رجل أكل ناسياً مد يده إلى طعام بجواره، وجد رطباً مثلاً أو عنباً بجواره فمد يده وهو ناس فأكل، فيتم صومه ولا شيء عليه، وإن تذكر والطعام في فيه لفظه، لا يقول: هذا يسير فيبلعه بل يجب أن يلفظه، إذا تذكر والطعام في فيه لم يبلعه بل يلفظه، وقد جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه)، وكذلك لو أنه -مثلاً- تمضمض فحصل له شيء من السعال أو نحوه فبلع هذا الماء بغير قصد أو استنشق ولم يبالغ ثم حصل له شيء ما فدخل الماء من أنفه إلى حلقه بلا قصد، بعض الناس يأتيه شيء من السعال أو نحوه، وبعض الناس يغتسل، لا سيما إذا كان يغتسل في الماء المكشوف في بركة أو نحوها، فقد يحصل أن يدخل الماء في فيه من غير قصد، فهذا لا شيء عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، كذلك قد يدخل في فيه شيء من غبار أو نحوه ثم يدخل إلى جوفه من غير قصد فهذا لا يفطر، كذلك إذا كان جاهلاً على الصحيح من قولي العلماء، قد يكون جاهلاً بالحكم كالذي لا يدري أن إخراج القيء من المعدة يفطر، بعض الناس يقول: أنا لا أدري أنه يفطر، كما يقع هذا ممن يصوم أول سنة من الشباب أو من الفتيات، يقول: ما علمت بهذا. فهذا جاهل، وما دام أنه لم يحصل منه تفريط وكانت هذه المسألة من المسائل التي يعم الجهل فيها فهذا عذر، يقول: أنا لم أدر أني إذا أخرجت القيء من المعدة بأصبعي أفطر، أظن أن الصوم عن الطعام والشراب والجماع، فنقول: يعذر بذلك فيكمل بقية اليوم ولا قضاء عليه، كذلك إذا كان جاهلاً بالوقت، بعض الناس يظن أن الشمس قد غربت ويكون اليوم يوم غيم فيفطر، أو لا يوجد عنده ساعة، كما يكون هذا من بعض كبار السن، أو يسمع بعضهم صوتاً يظنه أذاناً، وبعضهم يسمع المذياع يؤذن في بلد فيظن أنه قد دخل الوقت عنده فيأكل وهو يظن أن الوقت قد دخل وأن الشمس قد غربت، فلا يكون عنده شك في دخول الوقت بل يكون عنده يقين أو عنده ظن غالب، فهذا لا شيء عليه، وهذا يحصل كثيراً من بعض كبار السن حيث يسمع أصوات الأطفال قريباً من البيت ويكون قد بقي على الأذان نحو خمس دقائق فيسمع صوتهم ويعتقد أن الشمس قد غربت وأن هذا النداء فيأكل، فهذا يقال له: أمسك قد بقي من الوقت كذا وكذا من الدقائق ولا تقض، هذا هو الصحيح، ولذا جاء في صحيح البخاري عن أسماء رضي الله عنها قالت: (أفطر الناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس). وليس في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم بالقضاء.

    وبعض الناس يكون قد وضع المنبه على أذان الفجر لكن لأمر ما في هذه الساعة -إما عطل أو نحو ذلك- لم يحصل التنبيه إلا بعد خروج الوقت، وضعها -مثلاً- على الرابعة أو الثالثة صباحاً لكن الساعة حصل فيها عطل أو نحو ذلك فحصل تأخر في التنبيه فاستيقظ وليس في نفسه إلا أن وقت الفجر لم يدخل، ما عنده شك أبداً، فأخذ يأكل فإذا بالشمس تطلع وإذا بالضوء يظهر له من النافذة وكان لما أكل متيقناً أن وقت الليل لم يخرج بعد، فهذا لا شيء عليه، لكن إن كان عنده شك فنقول: يجب أن تسأل، بعض الناس يقول: استيقظت وعندي شك فأكلت، نقول: لا، عليك أن تسأل أو تنظر إلى الساعة، هذا تفريط، فعليك القضاء، أما إذا قال: لم يكن عندي شك أبداً؛ لأني أنظر إلى الساعة والساعة متأخرة فأنا آكل بناء على أن الوقت عندي لم يدخل وفي نفسي في ذلك الوقت جزم أنه لم يدخل الوقت، فنقول: إذاً: لا شيء عليك على الصحيح.

    1.   

    أعذار الفطر في رمضان

    الكبر الذي يشق معه الصوم

    أيها الإخوة! اعلموا أن هناك معذورين لهم أن يفطروا في رمضان ومنهم من يجب عليه الفطر أيضاً، فمن المعذورين الكبير الذي يشق عليه الصوم، فالكبير الذي يشق عليه الصوم يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً إما ربع صاع من الأرز، وإما نصف صاع من التمر، إن كان الطعام نحو الأرز كالبر فيكفي فيه ربع الصاع، وربع الصاع ما يملأ يدي متوسط الخلقة إذا بسطتا وهذا نحو ثلاثة أرباع الكيلو، وأما إن كان من الطعام المتوسط كالتمر والشعير ونحو ذلك في بلد الذين يأكلون الشعير فإن الواجب هو نصف الصاع وهذا نحو كيلو ونصف، فإن وزع عليهم طعاماً مطبوخاً فلا بأس، إذا صنع طعاماً وأطعمهم فلا بأس، إذا أعطاهم وجبات أو نحو ذلك فلا بأس، ولذا جاء في البخاري : (أن أنس بن مالك رضي الله عنه أفطر لكبر عاماً أو عامين فكان يطعم الخبز واللحم). وجاء في الدارقطني : (أنه أفطر عاماً فصنع ثريداً وجمع مساكين فأطعمهم). فلك أن تطعمه مطبوخاً.

    والمراد بالكبير هنا: الكبير الذي معه عقله ومعه فكره، فإن كان الكبير قد ذهب عقله بالكلية أو بقي من عقله ما يميز به فقط، فهو يعرف ولده فلاناً الذي يأتيه ويتردد عليه، ويعرف صاحبه الذي يتردد عليه ويزوره لكنه لا يميز كثيراً من الأشياء الأخرى فأصبح كالطفل فهذا لا يجب أن يطعم عنه؛ لأنه غير مكلف، قد رفع عنه قلم التكليف، وإن بعض الناس يشددون على من عندهم من كبار السن، فتجد هذا الكبير في السن قد دخله الخرف حتى إنه يكبر للصلاة فينسى ويجلس ويصلي ولا يدري كم صلى دائماً ويصلي بلا وضوء أحياناً ولا يعرف عدد الركعات وينسى كثيراً من صفة الصلاة وليس معه عقل تام، فيبعدون عنهم الماء ويبعدون عنهم الطعام ويأمرونهم بالصيام، وهؤلاء -أيها الإخوة- قد رفع عنهم التكليف، ما دام أنهم لا فكر لهم أو معهم فكر ناقص وتمييز ناقص فهم كالأطفال، فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم وإن أفطروا لم يطعم عنهم إلا من جهة الصدقة، إن أحب وليهم أن يتصدق عنهم فلا بأس، إذاً: هذا فيما يتعلق بالكبير.

    المرض الذي لا يرجى برؤه في العادة

    الثاني -وهو مثل الكبير في الحكم-: المريض مرضاً لا يرجى برؤه، يعني: لا يرجى برؤه في العادة فيما يعلم الأطباء أن هذا المرض من الأمراض التي لا يشفى منها عادة وإن كان قد يشفى منها بإذن الله، لكن العادة أن المريض لا يشفى من هذا المرض، فهذا كذلك يفطر ويطعم، ولو شفي بعد ذلك لا يقضي، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً إن شاء في أول الشهر أو في وسطه أو في آخره، وإن شاء مطبوخاً أو نيئًا، وإن شاء أطعم ثلاثين مسكيناً عن الشهر كله، أو مسكيناً واحداً أطعمه كل يوم، فلا بأس بذلك، لو أعطى بيتاً فيه ثلاثة أو أربعة أو خمسة طعام شهر أجزأ ذلك.

    المرض الذي يرجى برؤه

    النوع الثالث: المريض مرضاً يرجى برؤه، يرجى أن يشفى منه، فهذا يفطر ويقضي ولا يطعم، قال الله جل وعلا: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    الحبل والرضاع

    النوع الرابع من المعذورين: الحبلى والمرضع، فالحبلى إذا خشيت على نفسها أو خافت على جنينها أو خافت على الجنين وعلى النفس، وكذلك المرضع إذا خافت على الولد أن يقل عنه اللبن إذا صامت أو خافت على نفسها لضعف بدنها فلهما الفطر، وقد جاء في الترمذي والنسائي : أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، ووضع عن الحبلى والمرضع الصوم)، فلهما الفطر وعليهما القضاء في المشهور في المذهب وهو قول الجمهور، وعلى التي خافت على جنينها فقط الإطعام أيضاً، إذا كانت المرأة أفطرت خوفاً على الجنين فقط لا خوفاً على نفسها وإنما على جنينها فقط أما نفسها فتقول: لا أخاف على نفسي ولا يضرها الصوم، لكن تخاف على جنينها فقط، وكذلك المرضع خافت على ولدها الذي ترضعه فقط فعليها مع القضاء الإطعام، أن تطعم عن كل يوم مسكيناً.

    إذاً: الحبلى إذا أفطرت نسألها: لماذا أفطرت؟ إن قالت: خوفاً على الجنين فقط فنقول: عليك القضاء والإطعام، والإطعام يكون على الأب؛ لأنه هو ولي هذا الجنين، وإن قالت: إني قد أفطرت خوفاً على نفسي فقط، أو قالت: أفطرت خوفاً على نفسي وعلى الجنين فليس عليها الإطعام وإنما عليها القضاء فقط، فالحبلى أو المرضع إنما يكون عليها الإطعام مع القضاء في حال خوفها على ولدها فقط، فيكون عليها أن تطعم عن كل يوم مسكيناً، والذي يقوم بهذا -كما تقدم- هو ولي هذا الولد.

    والمرضع هنا حتى لو كانت ليست أماً -كأن تكون مستأجرة ترضع هذا الطفل- لها أن تفطر وتقضي كما تقدم إيضاحه.

    السفر

    النوع الخامس من المعذورين: المسافر، قال الله جل وعلا: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] ، والمسافر له عدة أحوال:

    الحالة الأولى: أن يكون الصوم يشق عليه مشقة شديدة حتى إنه يخاف على نفسه الهلكة، فهذا يجب عليه الفطر، ولذا (لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً في زحام قد ظلل عليه فسأل عنه فقيل: إنه صائم قال: ليس من البر الصيام في السفر)، وقال في قوم صاموا وقد أفطر في مسيره إلى الفتح: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) هذا في صحيح مسلم .

    إذاً: إذا كان المسافر يشق عليه مشقة شديدة حتى إنه يخاف على نفسه الهلاك فهذا يجب عليه أن يفطر، بعض الناس يسافر -مثلاً- في سيارة في يوم شديد الحر وقد تتعطل عليه السيارة ويقف في الشمس وتكون هناك أعمال في الطريق حتى إنه في نصف النهار يخشى على نفسه الهلاك من شدة العطش، فنقول: يجب أن تفطر.

    الحالة الثانية: أن يضعف بدن المسافر مع الصوم لكنه يمكنه أن يصوم ولا يخاف على نفسه الهلاك وليست هناك مشقة شديدة، كالذي يذهب إلى العمرة ويأتي بالعمرة في النهار، فتجد أنه ضعيف في بقية اليوم حتى إن الخروج إلى المسجد لصلاة الجماعة قد يشق عليه، فنقول: الأفضل لك الفطر.

    الحالة الثانية: حالة الذي يقوى على الصيام، فهذا الأفضل له الصوم، كالذين يجلسون في مكة أياماً من العشر في بيوت مكيفة كبيوتهم التي خرجوا منها، فهؤلاء نقول لهم: الأفضل لكم أن تصوموا ليقع صيامكم في رمضان، ولقد جاء في الصحيحين عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر ما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله وآله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة

    )، وجاء في صحيح مسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كانوا يرون -يعني الصحابة- أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن).

    إذاً: المسافر إن وجد قوة فالأفضل له الصوم، وإن وجد ضعفاً فالأفضل له الفطر، وإن كان الصوم قد يهلكه ويشق عليه مشقة شديدة فيجب عليه الفطر.

    حيض المرأة ونفاسها

    أما النوع السادس من الذين يفطرون في رمضان: فهي المرأة الحائض والمرأة النفساء فيجب عليهما الفطر، وعليهما القضاء فقط دون كفارة، قالت عائشة رضي الله عنها: (كان يصيبنا ذلك على عهد النبي عليه الصلاة والسلام فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، المرأة تكون حائضاً ولو نزل منها قطرة واحدة من حيضها، يعني: ابتدأ الحيض ولو كان ذلك قبيل غروب الشمس، فلو أن المرأة وهي تعد الإفطار وما بقي إلا نحو عشر دقائق ثم نزل حيضها فخرج الدم، فنقول: عليك القضاء، ولو أنها طهرت كذلك قبل الفجر فنقول: عليك الصوم، فلو أن امرأة وهي تعد طعام السحور طهرت قبيل أذان الفجر بخمس دقائق نقول: عليك الصوم ولا مانع أن تؤخري الغسل إلى ما بعد أذان الفجر، فأمسكي الآن وتسحري فإذا أذن الفجر اغتسلي، إذ لا مانع من أن تؤخر الغسل ما دام أنها قد طهرت ورأت علامة الطهر قبل أذان الفجر.

    هؤلاء هم المعذورون في الفطر في نهار رمضان.

    1.   

    بيان جملة من المستحبات للصائم

    واعلم أنه يستحب أن يفطر على رطب فإن لم يكن فعلى تمر فإن لم يكن حسا حسوات من ماء كما جاء هذا في الترمذي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ويستحب أن يقول عند فطره: (ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) رواه الإمام أبو داود ، فإن فطر صائماً كان له مثل أجره -كما جاء هذا في الترمذي وغيره- لا ينقص من أجر الصائم شيء، حتى ولو كان الذي فطره ليس فقيراً كأن يدعو جاره أو قريبه وهو غني فله هذا الأجر، فإن كان فقيراً كان ذلك أيضاً من الصدقة.

    ويستحب تعجيل الفطر وتأخير السحور، والسحور بركة، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: (السحور بركة)، وفي المسند: (فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء) ففيه بركة ويقوي البدن.

    هذا ما أحببت أن أنبه عليه من المسائل سائلاً الله جل وعلا أن يبلغنا وإياكم هذا الشهر، وأن يجعلنا ممن يصومه ويقوم ليله إيماناً واحتساباً إنه مجيب الدعاء، وأترك بقية الوقت للإجابة على الأسئلة، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    ثبوت أحكام السفر للمسافر على وسائل النقل الحديثة

    السؤال: هل يعد السفر على وسائل النقل الحديثة سفراً تثبت به أحكام السفر؟

    الجواب: السفر هو أن يخرج إلى موضع يبعد عن بلده، يعني: من طرف البلد يبعد ثمانين كيلاً فأكثر، سواء كان سفره في طائرة أو في سيارة أو كان ذلك على الإبل أو على الأقدام، هذا كله سفر، فالسفر يبقى حكمه ولو كان في الطائرة، الآن -بحمد الله- السفر قد تيسر، والناس يسافرون بالطائرات ولا ينقطع عنهم الهواء البارد حتى يصلوا إلى المكان الذي يريدون أن يقيموا فيه، ومع ذلك فإن هذا سفر.

    بيان الوقت الذي يمسك عليه المسافر في الجو

    السؤال: على أي وقت يمسك المسافر الذي في الطائرة، وكذلك فطره، حيث إن ارتفاعه في الجو قد يجعله يرى الشمس في حين أنها تكون قد غربت عند أهل الأرض الذين يحاذيهم؟

    الجواب: الذي يترجح لي أن الإنسان إذا كان في طائرة فإنه يبني على الموضع الذي يحاذيه في الأرض، هذا هو الذي يترجح، فإذا حاذيت -مثلاً- المدينة، وقال قائد الطائرة: إننا الآن بحذاء المدينة النبوية فننظر إلى تقويم الإمساكية للمدينة ونفطر بناء على وقتهم؛ لأن الهواء له حكم القرار حتى وإن كنت في الارتفاع ترى الشمس، لكن هذه رؤية غير طبيعية بسبب هذا الارتفاع غير الطبيعي، فالذي يترجح أنك تنظر إلى البلد التي تحاذيها من أسفل فتبني الفطر عليها؛ لأن الذي يتوجه إلى ناحية الغرب وهو مسافر قد يبقى حتى ينزل وهو يرى الشمس، فالذي يترجح أنه يبني على الأرض التي يحاذيها فإذا غربت عندهم الشمس كان له حكمه، هذا الذي يترجح.

    حكم إمساك من قدم من سفره في النهار

    السؤال: إذا أفطرت في السفر ثم وصلت إلى بلدي فهل يجب علي الإمساك؟

    الجواب: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، والذي يترجح: أن من قدم مسافراً مفطراً فلا يجب عليه الإمساك؛ لأن عليه القضاء فلا نأمره بالإمساك، هذا هو الصحيح، لكن إن كان بحيث يساء به الظن ولا يعرف الذي يراه أنه مسافر فإنه يمسك ويفطر سراً، هذا هو الذي يترجح في هذه المسألة، ومثل ذلك الحائض إذا طهرت، فإذا طهرت في أثناء النهار فالذي يترجح أن الإمساك لا يجب عليها، هذا هو الراجح في هذه المسألة أيضاً.

    حكم الفصل بين الطواف والسعي وضابطه

    السؤال: أنا أجد قوة على الصوم في السفر، وقد أديت العمرة، لكني عندما أنهيت الطواف أنهيته وأنا أجد بي قوة على بقية اليوم، لكن إن سعيت فلا أظن أن هذه القوة تبقى فأخشى أن يكون هناك ضعف، فهل لي أن أؤخر السعي حتى أفطر؟

    الجواب: لا بأس، تأخير السعي عن الطواف جائز، يجوز أن تفصل بين الطواف وبين السعي فتطوف ثم تسعى بعد ساعات، أما أثناء الطواف أو أثناء السعي إذا فصلت بينهما بفاصل غير الصلاة المكتوبة وغير الصلاة على الجنازة فعليك أن تستأنف من جديد، إلا أن يكون الفاصل يسيراً في العرف، يعني: هذا رجل طاف ثلاثة أشواط أو سعى ثلاثة أشواط ثم قال: أريد أن أذهب وأرتاح في الفندق وأعود لأكمل، نقول: لا، إذا ذهبت فعليك أن تبدأ من جديد، فتبدأ بالطواف من جديد أو تبدأ بالسعي من جديد، لكن إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أو كانت صلاة الجنازة فتصلي وتكمل، أو جلست قليلاً، كأن تجلس نحو خمس دقائق من شدة التعب والإعياء لترتاح قليلاً أو تجلس لتشرب الماء ثم تكمل، فهذا لا يؤثر.

    حكم من مات وعليه صيام

    السؤال: ما حكم من مات وعليه صيام؟

    الجواب: الميت إذا كان عليه صيام فإننا ننظر: هل هذا الصيام الذي عليه هو صيام نذر أو صيام من رمضان أو صيام كفارة، فإن كان صيام نذر فإنا نقضيه عنه استحباباً، يعني: الميت إذا كان عليه نذر فإنه يقضى عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، والمراد بالصيام هنا الذي يقضى عنه صيام النذر كما فسره بذلك الصحابة كـعائشة وابن عباس ، وإن كان الذي عليه من رمضان فنقول: يطعم عنه؛ إن كان له تركة من تركته، وإن لم تكن له تركة استحب لأوليائه أن يطعموا عنه، فلو أن رجلاً مات وعليه عشرة أيام من رمضان نقول: الولي لا يصوم عنه وإنما يخرج طعاماً، إن كان للميت تركة فمن تركته، وإن لم يكن له تركة فيستحب أن يخرج عنه أحد من أوليائه، هذا هو الراجح وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، ولذا جاء أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صيام من رمضان -سألتها ابنتها- قالت: أفأقضي عنها؟ قالت: (لا، أطعمي عنها مكان كل يوم مسكيناً). فالذي له ميت وعليه قضاء من رمضان نقول: أطعم عنه، وإن كان كفارة يمين فكذلك أطعم عنه، وأما إن كان نذراً فإنك تصوم عنه استحباباً، والله أعلم.

    حكم إتيان المعتمر بعمرة أخرى من التنعيم

    السؤال: ما حكم ذهاب من يأتون من غير مكة إلى التنعيم لأداء عمرة أخرى بعد أن اعتمروا عمرة الدخول؟

    الجواب: خروج المعتمر إلى التنعيم من مكة لا يستحب لكنه يجزئ، فمن ذهب إلى مكة فأدى عمرة ثم إنه أحب أن يؤدي عمرة أخرى من التنعيم أو عمرة ثالثة ورابعة وهكذا يذهب إلى التنعيم ثم يعود إلى مكة فهذا لا يستحب، الأفضل أن يكثر من الطواف، يعني: لو طاف عن الميت فهذا أفضل، لكن يجزئ ذلك ويصح، لا نقول: إنها عمرة باطلة، فهؤلاء الذين يذهبون إلى مكة ثم بعد أن يعتمروا يذهبون إلى التنعيم ويرجعون بعمرة وقد يكررون هذا مرتين أو ثلاثاً أو مرات كثيرة فهذا يجزئ، لكن الأفضل ألا يفعلوا، نقول: طوافك بالبيت أفضل، فأكثر من الطواف بدلاً من أن تكثر من العمرة التي هي عمرة التنعيم، وهذه عند أهل العلم كصلاة المرأة في المسجد، حيث إن صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، فنقول لهذا: إن طوافك بالبيت أفضل من عمرة التنعيم.

    بيان ما تخرج منه زكاة الفطر

    السؤال: هل تخرج صدقة الفطر من النقود أم من الطعام؟

    الجواب: الصحيح -وهو مذهب الجمهور-: أن صدقة الفطر لا يجزئ أن تخرج إلا طعاماً، وأنها لا تخرج من النقود خلافاً لمذهب الأحناف، هذا مذهب الجمهور أنها لا تجزئ إلا طعاماً، ولذا جاء في الحديث أنها (طعمة للمساكين)، فهي طهرة للصائم وطعمة للمساكين، وإذا تدبرنا الحكمة في ذلك فهي بينة، وذلك أن المسكين إذا أخذ كفايته من الطعام لم يكن له عذر في أن يسأل الناس؛ لأنه إذا أشبع بطنه في ذلك اليوم لم يعذر في السؤال، لكن إذا أعطي النقد فقد يقول: إن هذا النقد اشتريت به كسوة أو قضيت به ديني، فنقول: إن يوم العيد ليس يوم سؤال فيعطى المسكين الطعام الذي يكفيه في ذلك اليوم، والنبي عليه الصلاة والسلام مع أن الدراهم موجودة قد حدد ذلك بأنه صاع من طعام، فعلى ذلك نقول: إن الواجب أن تخرج من الطعام، لكن بعض الناس يقول: أنا أعطي الجمعية دراهم، نقول: الجمعية وكيلة عنك فإذا كانت الجمعية تأخذ دراهم وتشتري بالدراهم طعاماً فلا بأس، يعني: بعض الناس يقول: أنا أعطي الجمعية -مثلاً- عشرين ريالاً لتشتري صاعاً من طعام لصدقة الفطر، والجمعية قد تكفلت بأنها تشتري بهذا المال طعاماً، لا بأس بذلك؛ لأن الجمعية وكيلة.

    فأي إطعام يجب عليك تدفع مكانه للجمعية مالاً وتخبر الجمعية بأن هذا مال لإطعام معين، توكلهم أنت أن يشتروا به طعاماً، وبعض الناس يقول: علي كفارة يمين وأنا لا أعرف مساكين فأعطي الجمعية مائة ريال وأقول: اشتروا لي طعاماً، فلا بأس، إذا دفعت للجمعية مائة ريال ونبهتهم على أن هذه كفارة يمين، أو دفعت لهم -مثلاً- ثلاثمائة ريال وقلت: هذه كفارة فطر شهر في رمضان، فإذا وكلتهم أن يشتروا لك فقد برئت ذمتك.

    حكم اضطرار الصائم إلى شرب الماء

    السؤال: من كان صائماً واضطر إلى أن يشرب ماء فما حكمه؟

    الجواب: إذا كان يحتاج إلى أن يشرب ماء، يقول: إنه طعم شيئاً حاراً فيه شيء مما يؤذي بحيث يحتاج إلى أن يشرب عليه ماء، أو كرجل ناس أكل لحماً وهو ناس فتذكر ووجد غصة فنقول: اشرب ماء، لا بأس، لكن عليك القضاء؛ لأن شربك للماء هذا يكون من باب التداوي؛ لأنك أصبحت الآن في حكم المريض، فيشرب الماء وعليه القضاء.

    أثر الطيب والزعفران على الصيام

    السؤال: هل الطيب والزعفران يفطران؟

    الجواب: لا، الأطياب هذه لا تفطر الصائم، والبخور فيه خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يرى أنه يفطر ومن العلماء من يرى أنه لا يفطر؛ لأن البخور ليس طعاماً ولا شراباً، ولم يجئ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن البخور من المفطرات، لكن الأولى للصائم -ما دام فيه خلاف- أن يجتنبه، لكن الصحيح أنه لا يفطر، وهذه الأدهان التي يدهن بها من الأطياب والكلونيا ونحوها هذه لا تفطر.

    بيان ما يلزم المجامع حال الأذان

    السؤال: أثناء الجماع أذن الفجر فما الحكم؟

    الجواب: إذا أذن المؤذن وهو يجامع وجب عليه أن ينزع فيقوم عن المرأة ولا شيء عليه على الصحيح، ومن العلماء من يقول: أن النزع جماع، والذي يترجح خلاف هذا، فنقول: إذا قام عن المرأة فيتم صومه ويغتسل ولا شيء عليه، أما إذا استمر يجامع والمؤذن يؤذن وهو يعلم أن الوقت قد دخل ومع ذلك استمر في الجماع حتى فرغ منه فهذا عليه الكفارة، والمرأة إذا كانت مطاوعة راضية، أما إذا كانت تدفعه لما سمعت النداء وهو يأبى إلى أن يتم جماعه فلا شيء عليها، أما إذا كانت مطاوعة راضية فعليها كذلك الكفارة.

    مكان إخراج صدقة الفطر

    السؤال: أين تخرج صدقة الفطر؟

    الجواب: كفارة صدقة الفطر تتبع البدن، يعني: تخرجها في البلد الذي أنت فيه، فإن كنت صائماً مثلاً في مكة تخرجها في مكة، إذا كنت صائماً هنا في قطر تخرجها في قطر، لكن إن كان لك أقارب فقراء في بلد آخر فيجوز أن تنقلها إليهم كالزكاة، الآن الزكاة يجب أن تخرج في بلد المال، يعني: لك تجارة هنا في الدوحة فتخرج الزكاة في الدوحة فقط، فهل يجوز أن تنقلها؟ لا يجوز إلا لرحم فقير، إن كان هناك فقراء من ذوي الأرحام تنقلها لهم، بعض الناس يقول: أنا من مصر ومالي هنا لكن لي أرحام يتشوفون إلى مالي، فنقول: يجوز أن تنقل الزكاة لهم، كذلك إذا كان البلد فيه فقر شديد، فيه فيضانات، فيه كوارث، فيه زلازل، فيجوز أن تنقل الزكاة إليهم ما دام أن حاجتهم أشد، وإلا فالأصل أنها تخرج لفقراء البلد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم).

    ليس في تعاطي التطعيمات واللقاحات مخالفة للشرع

    السؤال: هل في التطعيم أو التحصين مخالفة للشرع؟

    الجواب: لا، ليس فيه مخالفة للشرع، ولذا قال النبي عليه الصلاة: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، فكما أنك تفر ممن به داء يعدي فكذلك لا مانع أن تفر من الداء بأخذ التطعيمات التي توضع للأطفال، وكذلك عند السفر إلى مكان فيه أمراض، كالذي يسافر -مثلاً- إلى بلاد ينتشر فيها مرض الجدري أو غير ذلك من الأمراض، أو يذهب إلى الحج فيأخذ التطعيم اللازم لذلك، هذا كقوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، فيتوكل على الله ويطعم ولكن لا يتعلق قلبه بهذا التطعيم بحيث يقول: أنا طعمت ولن يأتيني المرض، نقول: لا، طعم وتوكل على الله جل وعلا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741309495

    عدد مرات الحفظ

    684625853