إسلام ويب

فضائل الحجللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختص الله عز وجل عشر ذي الحجة بفضائل على غيرها، مما جعلها أفضل الأيام، والعمل فيها أفضل من سائر الأعمال، وفي هذه الأيام تقام شعيرة الإسلام وركنه العظيم، وهو الحج إلى بيت الله الحرام. وقد رغب ديننا في الحج، وبين فضله ومناسكه؛ ليشمر أصحاب الهمم إلى رضوان الله.

    1.   

    بيان فضل عشر ذي الحجة

    فضل عشر ذي الحجة على غيرها من الأيام

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل كفى خير من ما كثر وألهى، وإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134]. ثم أما بعد:

    اعلم يا أخي! أن الله اختار من الزمان شهوراً طيبة هي أفضل الزمان، وهي الأشهر الحرم، واختار من الأشهر الحرم أفضلها، وهو ذو الحجة، واختار من ذي الحجة أفضله، وهو العشر الأوائل منه، وأقسم الله تبارك وتعالى بهن، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، قال تعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة : الليالي العشر هي عشر ذي الحجة.

    وهي الأيام المعلومات التي قال الله تبارك وتعالى فيهن: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [الحج:28]. قال ابن عباس : هي عشر ذي الحجة.

    وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام لها فضل في ذاتها، بخلاف فضل العمل فيها، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر) .

    قال صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيامكم هذه، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير) .

    وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام - يعني: أيام العشر - قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) .

    فالعمل المفضول في هذه الأيام أفضل من العمل الفاضل في غير هذه الأيام، والعمل المفضول وهو الذكر أفضل من الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام.

    فالذكر في هذه الأيام من تسبيح وتحميد وتهليل أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا من لون واحد من الجهاد، وهو رجل يخرج بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء. ولذلك كان راوي الحديث سعيد بن جبير يقوم هذه الأيام ويجتهد فيها اجتهاداً لا مزيد عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم هذه الأيام، يعني: أحيوا هذه الأيام، ولا تطفئوا سرجكم فيها، فكانت تعجبه كثرة العبادة.

    الأحاديث الواردة في صيام أيام العشر وطريق الجمع بينها

    أما صوم هذه الأيام فورد فيه حديثان:

    الحديث الأول: حديث حفصة بنت عمر رضي الله عنها في مسند الإمام أحمد قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع صيام عاشوراء وعشر ذي الحجة وثلاثة أيام من كل شهر). وفي سند هذا الحديث اختلاف.

    والحديث الثاني: حديث عائشة الذي رواه الإمام مسلم : (ما رأيت رسول الله صائماً العشر قط)، وفي رواية: (ما رأيت رسول الله صائماً في العشر قط).

    وجمع العلماء بين الحديثين بجمعين:

    الجمع الأول: أن الحديثين خرجا مخرج الغالب، يعني: عندما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله صائماً العشر قط) كانت تعني: ما أتم صيامهن.

    وقول السيدة حفصة : (ما كان رسول الله يدع صيام عشر ذي الحجة) تعني: أنه كان يصوم أغلبهن.

    والجمع الثاني: القاعدة: أن المثبت عنده زيادة علم على النافي، والمثبت هو حفصة رضي الله عنها، والنافي هو عائشة رضي الله عنها، فقد يوافق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم في أيام عائشة وما رأته صائماً، ولكن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها رأته صائماً في أيامها عندها.

    فيكون الجمع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكمل صيام هذه الأيام وإنما صام أغلبها.

    وإذا أراد أخ أن يكمل صيام هذه الأيام التسع فلا حرج عليه؛ فقد كان عبد الله بن عمر يصوم العشر، وهذا أيضاً خرج مخرج الغالب؛ لأن اليوم العاشر -وهو يوم العيد- يحرم صومه. يعني: كان يصوم التسع بأكملهن.

    وممن قال بهذا الحسن البصري وجمهور أهل العلم، فمن أكمل صيام هذه الأيام فلا حرج عليه، وله في ذلك سلف، وهو عبد الله بن عمر .

    ومن لم يكملهن فهدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل وأنفع وأطيب، هذا بالنسبة للصيام.

    حكم التكبير في عشر ذي الحجة

    وأما بالنسبة للتكبير، وهل يشرع الجهر بالتكبير والتسبيح والتحميد؟ فقد اختلف فيه أهل العلم، فأنكره جماعة واستحبه الشافعي وأحمد ، إلا أن الشافعي خص الجهر بالتكبير عند رؤية بهيمة الأنعام، واستحبه الإمام أحمد مطلقاً.

    وروى الإمام الفريابي في كتاب العيدين: أن سعيد بن جبير ومجاهداً وعبد الرحمن بن أبي ليلى كانا يدخلان السوق في أيام العشر فيكبران فيكبر السوق بتكبيرهما، وأن عبد الله بن عمر وأبا هريرة كانا يدخلان السوق فيكبران لا يدخلان إلا لذلك. فبين أهل العلم اختلاف في التكبير.

    آداب عشر ذي الحجة

    عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً: (من أراد منكم أن يضحي فإذا ظهر هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من بشره)، وفي رواية: (ولا من أظافره شيئاً)، أي: يمسك عن قص الشعر من أراد أن يضحي، ولا يأخذ من شعره ولا من أظافره شيئاً.

    وهذه أيام طيبة فيها يوم عرفة، وصيامه كفارة للسنة الماضية والمستقبلة، فصيامه يكفر سنتين.

    وفي هذه الأيام يوم النحر، وهو أفضل أيام الدنيا عند الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأيام يوم النحر، ثم يوم القر)، وهي الأضحية، وهو علم وشريعة من شرائع الملة المحمدية الإبراهيمية، فيها ركن من أركان الإسلام العظيمة الحج.

    فضل الحج

    والملائكة تحج أفلا نحج نحن؟ وقد أقسم الله عز وجل بالبيت المعمور، وهو كعبة الملائكة في السماء، كما جاء في حديث الإسراء من حديث مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم رفع بي إلى البيت المعمور فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم)، أي: يدخله للصلاة فيه سبعون ألف ملك يومياً من يوم أن خلق الله السماوات والأرض لا يعودون إليه آخر ما عليهم.

    وفي حديث خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه لما سئل عن البيت المعمور؟ قال: كعبة في السماء السابعة حيال الكعبة -يعني: فوق الكعبة- في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. قال ابن كثير : يطوفون حوله ويصلون نحوه، وفي كل سماء بيت يطوف حوله أهل هذه السماء من الملائكة، والذي في السماء الدنيا يسمى بيت العزة.

    وأما الذي في السماء السابعة فهو البيت المعمور، ويعظم الملائكة البيت الذي في السماء في طوافهم حوله، أفلا يعظم أهل الأرض هذا البيت؟

    والحسن بن علي ريحانة النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا حج خمساً وعشرين مرة ماشياً على قدميه، وإن النجائب لتقاد من حوله.

    وأبو عثمان النهدي شيخ وقته حج واعتمر ستين مرة.

    والأسود بن يزيد حج ثمانين مرة؛ فهذا من تعظيم العلماء والصالحين للحج وللعمرة.

    1.   

    موقف المبتدعة من الحج

    القرامطة ينتهكون حرمة البيت الحرام وحجاجه

    وأما غيرهم من الفجار والكفار فيصدون عن البيت الحرام، فقوم من غلاة الشيعة القرامطة الذين كانوا يسكنون في جنوب الجزيرة العربية وفي البحرين بالذات؟ كان فيهم رجل يسمى أبو سعيد الجنابي ، وفي سنة ثلاثمائة وسبعة هجرية قتل هذا الفاجر اللعين من الحجاج ثلاثة عشر ألفاً، وقلع الركن في يوم النحر، وقتل في المسجد الحرام ألفاً وسبعمائة رجل وامرأة وهم متعلقون بأستار الكعبة، وردم بهم زمزم.

    وقتل من أهل خراسان والمغاربة ثلاثين ألفاً، وسبى مثلهم من الأطفال والنساء، واقتلع الحجر الأسود من مكانه في الكعبة وذهب به إلى البحرين، وظل عنده حتى سنة ثلاثمائة وتسع ثلاثين هجرية حتى أعاده الخليفة العباسي مرة أخرى.

    وهذا اللعين كان يقول:

    خذي الدف يا هذه والعبي وغني هزاريك ثم اطربي

    تولى نبي بني هاشم وهذا زمان بني يعرب

    لكل نبي مضى شرعة وهذي شريعة هذا النبي

    فقد حط عنا فروض الصلاة وحط الصيام ولم يتعب

    إلى آخر المحرمات التي أباحها هذا الفاجر، فكان جزاؤه أن امرأة ألقت عليه بقالب من الطوب وهو يخطب في البحرين فمات قتيلاً، وقتيل النساء شر قتيل، لأن الرجل الذي تقتله امرأة رجل لئيم.

    بيان ضلال الحلاج وصده عن الحج والصيام والقرآن

    وممن يصدون أيضاً عن البيت أصحاب التصوف الفلسفي، فـالحلاج وهو شخصية صوفية كفرها أهل العلم وكان يقول في كتابه التواصيل:

    ألا أبلغ أحبائي بأني ركبت البحر وانكسرت سفينه

    على دين الصليب يكون موتي فلا البطحا أريد ولا المدينه

    وهو رائد الحج بالهمة، فكان هذا الرجل يقول كما ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية في المجلد الحادي عشر: من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتاً لا يناله شيء من النجاسة ولا يمكن أحداً من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به -يعني: ببيته هذا حتى وإن كان في مصر مثلاً- كما يطاف بالكعبة، ثم يفعل في داره ما يفعل الحجيج بمكة، ثم يستدعي ثلاثين يتيماً فيطعمهم من طعامه ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصاً قميصاً، ويعطي كلاً منهم سبعة دراهم، أو قال: ثلاثة دراهم، فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. أي: يسقط عنه فرض الحج، كما قال الحلاج .

    ويقول عن النيابة في صيام رمضان: وصيام رمضان ينوب عنه -وهذا نقل الحافظ ابن كثير عنه- أن يصوم الرجل ثلاثة أيام، يفطر بعدها في اليوم الرابع على ورق الشجر. أي: فيصبح هذا كمن صام رمضان.

    وأما القرآن فإن تلامذته يقولون: إن الحلاج يستطيع أن يؤلف مثله.

    من ضلال الصوفية في الحج

    ونسب فريق الدين العطار مؤرخ الصوفية هذا إلى رابعة العدوية، وهي من هذا بريئة، فجمهور أهل العلم على توثيقها، وأنها كانت عابدة تقية.

    ونسبوا إليها أنها قالت عن الكعبة: ذلك الصنم المعبود في الأرض ما ولجه الله ولا دخله.

    وبرأها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه مجموع الرسائل، بل منهم من يقول كما يحكي الشيخ عبد الرحمن الوكيل : إنهم لا يذهبون للطواف حول الكعبة؛ لأن الكعبة تأتي إليهم وتطوف حولهم.

    وينسبون إلى التقي الورع الإمام الزاهد العابد إبراهيم بن أدهم أنه حج إلى الكعبة أربعين سنة ماشياً من كثرة عبادته. يعني: أنه خرج من بيته ولم يصل إلى الكعبة إلا بعد أربعين سنة، فلما كان عند الكعبة اختفت الكعبة عن إبراهيم، فقال: يا رب! صرت أعمى حتى لا أرى الكعبة أم ماذا؟ فسمع هاتفاً يقول له: يا إبراهيم ! ما أنت بأعمى، ولكن الكعبة قد تحولت للقاء رابعة. وهذا الكلام خرافات ودجل، وإبراهيم بن أدهم التقي الورع من ذلك بريء.

    ضلال البهائية والقاديانية في الحج

    وأيضاً البهائية أسقطوا الحج عن النساء وقالوا: بأن الحج واجب على الرجال فقط، وهم لا يعرفون شعائر الحج وقالوا: الحج إلى بيتين: إما إلى بيت البهاء ، وهو الذي ادعى الألوهية في بغداد، أو إلى بيت علي محمد الشيرازي في شيراز.

    والبيتان ليست موجودين في هذا الوقت؛ لأن الحكومة العراقية هدت البيت الأول، والإيرانية هدت البيت الثاني، وانتهى هذا الدجل.

    وأما أحمد القادياني عميل الإنجليز فقال عن مسجد القاديان في أقصى أغوار الهند: ومن دخله كان آمناً.

    وقال: الحج هو حضور المؤتمر السنوي لجماعة القاديان. فهذا هو الحج عند القاديانية.

    ضلال الشيعة في الحج

    وأما الإثنا عشرية من الشيعة الذين هم سكان إيران فعندهم أن كربلاء أفضل من مكة، بل وأفضل من السماوات السبع، حتى قال قائلهم:

    هي الطفوف فطف سبعاً بمغناها فما لمكة معنى مثل معناها

    أرض ولكنما السبع الطباق لها دانت وطأطأ أعلاها لأدناها

    فقوله: السبع الطباق لها دانت يعني: خضعت وذلت.

    وقوله: وطأطأ أعلاها يعني: أعلى السماوات السبع.

    وقوله: لأدناها يعني: لأقل مكان في كربلاء.

    ومعنى قوله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97] كما قال الحسن البصري : يظل الدين قائماً ما حج إلى هذا البيت، ويظل الناس على ديانة ما حجوا البيت، ويظل حجيج البيت يتوافدون عليه حتى يهدم الكعبة ذو السويقتين ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنه (من الحبشة، كأني أنظر إليه أسود أفيدع، بعيد ما بين ساقيه، ينقضها حجراً حجراً). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يحج إلى هذا البيت).

    وأما من قال من أمريكا وندب قومه من الكافرين إلى هدم الكعبة، فنقول له: اخسأ فلن تعدو قدرك. نقول له:

    إذا كان القضاء إلى ابن آوى فتعديل الشهود إلى القرود

    أي: إن كان لا يحكم إلا ابن آوى فيأتي له بشهود من القرود.

    1.   

    الحث على التعجل بالحج

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليتعجل).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (تعجلوا إلى الحج؛ فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة).

    وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار ينظرون كل من كانت له جدة -أي: عنده مال- ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين. يعني: إن استحلوا ترك الحج. فهذا فهم العلماء في قول سيدنا عمر.

    وعن أبي أمامة فيما حسنه الشوكاني قال: من لم تمنعه حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانياً. وهذا في من استحل ترك الحج وكانت عنده المقدرة.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استمتعوا من هذا البيت؛ فإنه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة) .

    1.   

    فضل الحج والعمرة

    الحج والعمرة سبب لتكفير السيئات

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) يعني: هذا غفران لكل الذنوب الصغائر والكبائر، كما قال الحافظ ابن حجر.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج يهدم ما قبله) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة). والحج المبرور هو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بر الحج إطعام الطعام ولين الكلام) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (أديموا الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد) .

    فإذا قال شخص: إذا واصلت بين الحج والعمرة فإنه يأتي على كل ما عندي من مال، قلنا له: يكتب الله لك الغنى، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، فإذا قال: كيف هذا وأموالي كلها تصرف في الحج والعمرة؟ قلنا له: هذا قول النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم.

    الحج عبادة تصلح العقل وتهدي إلى التفكير الصحيح

    وأعظم فائدة في الحج أنه يحجم العقل، ويضعه في الموضع الذي أراده الله عز وجل له، فعندما تأتي بكل شعائر الحج من رمي الجمرات والطواف حول البيت وتقبيل الحجر فإنك تشعر بالروحانية، فالحج كله روحانية من أوله إلى آخره، وتعظيم للاتباع.

    من أنت يا أرسطو! ومن أفلاط قبلك يا مبلد

    ومن ابن سيناء حين قرر ما بنيت له وشيد

    هل أنتمو إلا الفراش وقد رأى ناراً توهج

    فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشداً لأبعد

    فلتخسأ الحكماء عن رب له الأفلاك تسجد

    فلا يأتي أحد يقول لك: إن مواسم الحج زحمة، فلو كان الحج طول السنة! يعني: ممكن أن يحج ناس في رمضان وناس في شوال وناس في شهر آخر، وهكذا على مدى اثني عشر شهراً، فقل له: إن هذا مما لا تهتدي عقول الناس إليه.

    المفاضلة بين الحج والجهاد

    والحج لون من ألوان الجهاد وهو أحد نوعي الجهاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله) وثم هنا للترتيب، يعني: الإيمان ثم الجهاد. (قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأعمال الإيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال كما بين المشرق والمغرب).

    فالإيمان يأتي الجهاد بعده مباشرة ثم الحج، أي: أن فرض الكفاية أفضل من الحج الذي هو فرض عين على القادر، ففصل العلماء هذا الحديث وقالوا: كان هذا الحديث قبل فرض الحج؛ لأن فرض الحج تأخر. هذا قول.

    والقول الثاني: أن جنس الجهاد أفضل من جنس الحج؛ لأنه نفع متعد للأمة، أما نفع الحج فقاصر على صاحبه، قالوا: فإذا تساوى الجهاد والحج -يعني: صار كل منهما فرض كفاية، وهذا إذا كان قد حج حجة الإسلام ثم عرض له أن يحج أو يجاهد، فيجاهد ولا يحج. أي أنه إذا استوى الجهاد والحج يقدم الجهاد؛ لأنه نفع متعد، ولذا قالوا: حجة قبل غزوة أفضل من عشر غزوات، وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات.

    بيان أن جهاد النساء والضعفاء والكبار هو الحج

    وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: (قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: لكن أفضل الجهاد حج مبرور) .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (جهادكن الحج) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الحج جهادكِ) .

    وقال صلى الله عليه وسلم: (جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج) .

    وروى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله! إني ضعيف وإني جبان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟ الحج) .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (النفقة في الحج تعدل النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف) .

    وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا وضعتم السروج -يعني: إذا جئتم من الجهاد- فشدوا الرحال إلى الحج؛ فإنه أحد الجهادين.

    وقال ابن مسعود : إنما هو كد ورحل، فالكد: الجهاد في سبيل الله، والرحل: الحج. ولذلك كان أمير المؤمنين هارون الرشيد يغزو عاماً ويحج عاماً، وفيه يقول القائل:

    فمن يطلب لقاءك أو يرده ففي الحرمين أو أقصى الثغور

    الحجيج وفد الله وضيفانه

    الحج إجابة لأذان إبراهيم عليه السلام

    وقال الله عز وجل: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27] قال ابن عباس : ما أسفت على شيء أسفي على أني لم أحج ماشياً، حج إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ماشيين.

    روى يحيى بن معين بسند حسنه الحافظ ابن حجر قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال له الله عز وجل: أذن، قال: وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ، فقال: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء والأرض.

    وقال مجاهد : فمن حج اليوم إلى يوم القيامة فهو ممن أجاب إبراهيم وقال: لبيك اللهم لبيك.

    وقال ابن جرير : سمعه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فهو مثل يوم الميثاق.

    وعالم الغيب لا دخل للعقل فيه إلا التسليم، ولو أنك أتيت بميزان حساس وأردت أن تزن به جبلاً من الجبال لسفه الناس عقلك؛ لأن هذا الميزان الحساس صنع لتوزن به الجواهر الثمينة النادرة، لا أن تضع عليه جبلاً، فأنت أساساً وضعت هذا الجهاز في غير موضعه، فكذلك ما ورد أنه سمع إبراهيم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، يصدقها صاحب العقل الحساس الذي يؤمن بالغيب.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الحديبية نحر مائة من الإبل، وكان فيها جمل لـأبي جهل ، ولما صدت الإبل عن البيت وأرجعتها كفار قريش حنت الإبل إلى البيت كما تحن إلى أولادها.

    فهاهي الإبل العجماوات تحن إلى البيت الذي بناه خليل الرحمن وفيه أثر من آثار الجنة.

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترفع إبل الحاج رجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه سيئة ورفعه بها درجة).

    1.   

    التلبية في الحج

    ألفاظ التلبية وكيفيتها

    وبداية الحج في الميقات بعد لبس الإحرام فيلبي بقوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

    أو: لبيك لبيك، لبيك إله الحق لبيك، لبيك وسعديك والرغباء إليك والعمل، لبيك إنما العيش عيش الآخرة، لبيك ذا المعالي، لبيك ذا الفواضل، لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً.

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرني جبريل أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية عند الإهلال؛ فإنها من شعائر الحج).

    وقال أبو حازم فيما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح: إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم بها بحاً.

    ولبى ابن عمر فأسمع ما بين جبلين.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كأني أنظر إلى نبي الله موسى واضعاً إصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية).

    فضل التلبية

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الحج العج والثج).

    والعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: نحر الهدي.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أهل مهل قط ولا كبر مكبر قط إلا وبشر، قيل: بماذا؟ قال: بالجنة، تبشره بها الملائكة).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن التلبية: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا)، أي: على آخر صوتك، والصوت القوي يشهد له الحجر والشجر والمدر، والأحجار تلبي، ودعك من العقل، وحجمه قليلاً، فالأحجار تلبي، والأشجار تلبي، والطين يلبي، وأنت تلبي من الميقات حتى رمي جمرة العقبة، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أصواتهم بالتلبية.

    لبيك لبيك دب الركب وانطلقت جموعه والنشيد العذب يدفعه

    أصداؤه في هضاب الأرض صاخبة والبيد في رحبها نشوى ترجعه

    وفي الجوانح من وجد ومن ولَهٍ ما جاشت النفس حتى طاب مطلعه

    ما الصبح ما رقة الأنداء ضاحكة ما الزهر في الروض أزكاه وأضوعه

    أنقى وأجمل من ترداد تلبية يشدو بها محرم والكون يسمعه

    أما والذي حج المحبون بيته ولبوا له عند المهل وأحرموا

    وقد كشفوا تلك الرءوس تواضعاً لعزة من تعنو الوجوه وتسلم

    يهلون بالبيداء لبيك ربنا لك الملك والحمد الذي أنت تعلم

    تراهم على الأنبار شعثاً رءوسهم وغبراً وهم فيها أسر وأنعم

    معنى التلبية

    والتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، في معناها أقوال جميلة لأهل العلم:

    القول الأول: أنها من لبى ثم لبى، يعني: إجابة بعد إجابة، أي: أنا مجيب لك مرة بعد مرة.

    وقل للمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا

    والقول الثاني: من لبى الرجل في المكان وألب إذا قام فيه ولم يبرح، يعني: أنا مقيم على طاعتك يا رب.

    القول الثالث: من قولهم: امرأة لبة، أي: امرأة محبة لزوجها وأولادها، يعني: أنا محب لك.

    القول الرابع: من قولهم: بابي تلب بابك، يعني: بابي تجاه بابك، يعني: قصدي واتجاهي إليك يا رب.

    القول الخامس: من اللب، واللب هو: صافي الشيء، أي: إخلاصي لك يا رب.

    وكل هذه من معاني التلبية، وأنت تلبي حتى تصل إلى البيت:

    أبطحاء مكة هذا الذي أراه عياناً وهذا أنا

    ومهما فعلت فلابد أن تنساب هناك الدموع:

    هذه دارهم وأنت محب ما بقاء الدموع في الآماق

    على كل أفق بالحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركات

    لدى الباب جبريل الأمين براحه رسائل رحمانية النفحات

    وزمزم تجري بين عينيك أعيناً من الكوثر المعسول منفجرات

    لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم لبيت كريم الساح والعرصات

    نسير بأرض أخرجت خير أمة وتحت ظلال الوحي والسورات

    وكأن السماوات كلها وحي

    هنا السماوات تبدو قرب طالبها هنا الرحاب فضاء حين تلتمس

    هنا النبوة تحيا في أماكنها لا الطيب يبلى ولا الأصداء تندرس

    هنا الصحابة من حول النبي هنا أبو هريرة يروي عنه أو أنس

    1.   

    فضل مكة والبيت الحرام

    بيان كون مكة أحب أرض الله إلى الله وأنه حرمها يوم خلق السماوات والأرض

    وهذه البلدة الطيبة أحب أرض الله إلى الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أطيبكِ من بلدة وأحبك إلي، وإني لأعلم أنكِ أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله) .

    ومكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وما أحلت لنبي قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تحل لنبينا إلا ساعة من نهار، ثم عادت حراماً بحرمة الله إلى يوم القيامة.

    أوصى بها الرحمن فهي عظيمة من غيرها الرحمن قد أوصى بها

    لو لم تكن خير البلاد على الثرى ما كان بيت الله فوق ترابها

    ولما اصطفاها الله قبلة خلقه ولما سعى الساعون نحو ركابها

    ولما اصطفى خير البرية مرسلاً بالحق والتوحيد من أعطابها

    النسك والإيمان من أفيائها والعدل والإحسان من أوصابها

    فكأنها صوت الزمان وثغره وكأن زمزمها زلال رضابها

    سجيلها باق على أعدائها وعلى حقول الحق قطر سحابها

    هي قلب هذي الأرض مقلة وجهها والباقيات علقن في أهدابها

    فسل الصفا ومنى وكل سرية عن أشرف الماشين فوق ترابها

    حدت لها قبل الأنام سماؤها بحديد سجيل على سلابها

    من هاهنا مر الأمين ومن هنا أسرى وفاض العدل من خطابها

    ما زال يخترق الفضاء دلالها هرم الزمان ولم تزل بشبابها

    جمع الزمان جميعه فإذا به يجثو خشوع القلب في محرابها

    فاغسل فؤادك يا شهيد بمائها إن شح ماء فاغتسل بترابها

    بناء البيت

    قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96]، أي: نزلت به الملائكة وبنته الملائكة.

    وقال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [الحج:26]، أي: عرفناه مكان البيت. وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26] والبيت بنته الملائكة أولاً، ثم بناه آدم ثانياً، فخليل الرحمن إبراهيم، فجرهم وقريش، وكل هؤلاء لم يبنوه بالطوب والإسمنت، وإنما كان بيتاً في وسط صحراء تهب عليه الرياح والأعاصير ويظل كما هو، ورسمه كما هو، يحتاج فقط إلى مجرد ترميم. وهذا من الإعجاز في أن يظل هذا البيت كما هو، ولا يحتاج إلا إلى ترميم فقط.

    قال تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127] وهذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل.

    فضل الحجر الأسود والركن والمقام

    وفيه أسرار عجيبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود من حجارة الجنة).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود من الجنة).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا بني آدم).

    وقال ابن عباس في الحديث المرفوع: (نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم) .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا ما مسه من أدران الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا وشفي) .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الركن والمقام ياقوتتان من الجنة طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب) .

    وهذه أسرار من أسرار الجنة، يعني: أن من الجنة ما هو موجود هنا، وهو الحجر الأسود والركن والمقام، وكل هذه الأحاديث صحيحة صححها الشيخ الألباني .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليبعثن الله عز وجل هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما وشفتان ولسان ينطق به يشهد على كل من استلمه بحق) .

    ففتش قلبك عند لمسك للحجر أهو كاذب أو صادق حتى يشهد عليك الحجر أو لك.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن مسح الحجر الأسود والركن يحطان الذنوب حطاً).

    وهذا الحجر أتت به الملائكة لما ذهب سيدنا إسماعيل عليه السلام ليأتي بحجر من الوادي فوجد أباه قد رفع الحجر فقال: من الذي أتى به إليك؟ قال: أتى به من لم يحوجني إليك، نزل به جبريل وسيدنا إبراهيم عليه السلام في مكانه.

    1.   

    فضل الطواف وزمزم والسعي بين الصفا والمروة

    والطواف بالبيت صلاة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة إلا أنه قد شرع فيه النطق، فأقلوا فيه الكلام).

    ولا يشرع الطواف بغير الكعبة فلا يأتي أحد يقول لك: أنا أطوف حول أضرحة الأولياء، وهذا مثل تنظيم حركة المرور بل قل له: اتق الله عز وجل، فإنه لا يشرع الطواف بغير الكعبة. (ما من رجل يطوف بالبيت أسبوعاً إلا كان كعتق رقبة).

    ومن السنة الشرب من زمزم، وتسمى: هزة جبريل، وزمازم، وزمزم، وهي أفضل من ماء السماء كما قال ابن حجر ، وزمزم فجرها جبريل لأم إسماعيل الصادقة.

    من أركان الحج: السعي بين الصفا والمروة، لقوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158] .

    وقد جاء في سبب نزول هذه الآية قولان:

    الأول: أن الأنصار من الأوس والخزرج كانوا يهلون لمناة عند المشلل، وهي قرية ما بين مكة والمدينة، ولا يأتون إلى الصفا والمروة.

    والقول الثاني: أنهم كانوا قد وضعوا صنماً عند الصفا ويسمى إسافاً، وصنماً عند المروة ويسمى نائلة، وكانوا يحرمون بينهما فتحرجوا من الطواف بينهما كما يفعل أهل الجاهلية، فنزل قول الله عز وجل: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].

    1.   

    فضل أم إسماعيل

    وانظر إلى الصدق وماذا يفعل، المرأة الصادقة أم إسماعيل: (هذا ما أورثتكموه أمكم أم إسماعيل)، يعني: أن السعي بين الصفا والمروة إرث جعله الله ركناً من أركان الحج، أي: خطوات امرأة صادقة صالحة جعلها الله ركناً من أركان الحج, وانظروا تعظيم الإسلام العظيم للمرأة، وهي -والله العظيم- امرأة مصرية، أتى بها إبراهيم عليه السلام من مصر.

    وقد ضربت أروع الأمثال في التضحية، يأتي بها إبراهيم عليه السلام إلى موضع مكة الآن بولدها الرضيع، فتقول له: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في مثل هذا المكان القفر؟ يا إبراهيم! آلله أمرك بهذا؟ فيقول: بلى. فتقول: إذاً فلن يضيعنا. ولم يكن شيء معها من طعام أو شراب غير جراب من التمر وقليل من الماء الذي سينفد بعد قليل، وهي يمكنها أن تتحمل، وأما الولد فلا، ومع هذا تقول: إذاً فلن يضيعنا الله!

    إذا ضاقت بك الظروف واشتد عليك النوائب فإن كنت عبداً لله عز وجل وعلى دينه فلن يضيعك ولو في المهلكات، بل يحفظك مثلما حفظ يونس وهو في بطن الحوت، ومثلما حفظ موسى الرضيع وهو على ثبج البحر، ومثلما حفظ إبراهيم وسط النيران.

    فاجعل هذه قاعدة عندك: إذاً فلن يضيعنا.

    1.   

    تفجير جبريل لزمزم

    وجعلت أم إسماعيل لما تلمظ وليدها وبدأ يتلوى من شدة العطش تهرول ما بين الصفا والمروة، ثم سمعت صوتاً فقالت: صه، أغث إن كان عندك غوث، فتبدى لها جبريل وقال: من أنتِ. وهذا اختبار لها فقالت: أنا أم إسماعيل وزوج إبراهيم.

    فقال: إلى من وكلكما؟ -ولو كانت واحدة غيرها وعندها طعام وشراب يكفيانها سنة لقالت: لا أعرف- فقالت: إلى الله. فقال لها: وكلكما إلى خير كاف، لا تخشي الضيعة، إن الله لا يضيع أهله.

    ويزعم أنه منا قريب وأنا لا نضيع من أتانا

    ويسألنا على الإقتار جوداً كأنا لا نراه ولا يرانا

    فضرب جبريل الأرض بجناحه تتفجر زمزم، وتنبع في صحراء الجدب ويعيش عليها إسماعيل ويرتوي من مائها، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (هذه أمكم يا بني ماء السماء)؛ لأن غذاء إسماعيل عليه السلام كله كان على الماء.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم: (زمزم طعام طعم وشفاء سقم).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم).

    ولذلك لما شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم وأتت الملائكة بطست من ذهب الجنة غسلوه بماء زمزم، ولهذا ذهب شيخ الإسلام البلقيني إلى أن ماء زمزم أفضل من الكوثر.

    1.   

    الوقوف بعرفة

    ثم بعد ذلك الوقوف بعرفة، وما أدراك ما عرفة، وقد أقسم الله بهذا اليوم فقال: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3] والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر. وعرفة كلها موقف.

    وفيها أكمل الله عز وجل هذا الدين، قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] .

    وفيها أخذ الله الميثاق على البرية من ذرية آدم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172]).

    فأخذ الله عز وجل الميثاق الأول على ذرية آدم أنه ربهم وأن يوحدوه، قال ابن الجوزي : ووضع هذا الميثاق في الحجر الأسود. هذا كلام الإمام ابن الجوزي في لطائف المعارف.

    والله عز وجل يباهي الملائكة وأهل السماء بأهل عرفة عشية عرفة ويقول: (عبادي أتوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرت لكم).

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الحاج الشعث التفل)، أي: على قدر نصبك في الحج وتعبك فيه يكون عظم الأجر، لا أن تنزل في الفندق السياحي وتدفع ثلاثين ألفاً وتأكل لحماً وكباباً وغيرهما، صحيح أن هذا يسقط عنك فرض الحج، ولكن عظم أجر الحج في النصب والتعب. كما يقول تعالى في الحديث القدسي: (عبادي أتوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرت لهم).