إسلام ويب

وسطية أهل السنة والجماعةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة والجماعة ليسوا كغيرهم من الفرق التي انحرفت عن المنهج الرباني.

    ولهم خصائص ليست لغيرهم من الفرق، وكما أن أهل الإسلام وسط بين أهل الملل (اليهود والنصارى)؛ فكذلك أهل السنة وسط بين الطوائف، فهم وسط بين الخوارج والمرجئة، وبين الروافض والنواصب، وبين المجسمة والمعطلة.

    1.   

    مقدمة عن الموت والحياة

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    فعنوان هذه المحاضرة: (وسطية أهل السنة والجماعة) وقبل هذا الموضوع، هنا وقفة:

    إن الله عز وجل خلق الموت والحياة، وهما خلقان من خلقه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] فما دام أن الموت وارد لا محالة وواصل لا شك فيه، فعلى المسلم أن يتهيأ لهذا الموت، فإن سعادة المسلم، أن يعيش حميداً وأن يموت شهيداً.

    فإما حياةٌ نظَّم الوحي سَيْرَهـا     وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    وأخوف من يخاف من الموت هم المنافقون وأهل الشهوات، وأرباب المادة وخدام المطامع، فإنهم يخافون أشد الخوف من الموت، قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4].

    وأما المسلم فإنه متهيئ دائماً إن عاش ففي رضا الله، وإن مات فإلى رحمة الله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة:52] إما الموت في سبيل الله، وإما الحياة في رضوان الله، والمستجدات في الحياة تجعل المسلم يتأمل مستقبله مع الله، ويتدبر أين يضع قدمه، ويعلم أن الليل والنهار يأتيان بالعبر، وبمقدور من الله عز وجل:

    وكم من مصبح أصبح ساكناً آمناً، ثم أمسى عليه الليل في هم وغم ومصائب لا يعلمها إلا الله:

    يا راقد الليل مسروراً بأوله     إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

    فعلى المسلم أن يتهيأ، والتهيؤ هو أن يكون على منهج محمد عليه الصلاة والسلام وسنته، وعلى حبه وسيرته، وعلى كتاب الله عز وجل وسنة محمد عليه الصلاة والسلام.

    إن الذين يخافون من الموت، إنما هم الذين يريدون أن يعيشوا الحياة فقط، قال تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ [البقرة:96] فإذا علم ذلك، فليتمنَّ المسلمُ من الله أن يميته على الإسلام والسنة.

    قيل للإمام أحمد توفاك الله على الإسلام، قال الإمام أحمد: وعلى السنة.

    لأن الإسلام مجمل، والسنة هي الإسلام مفصلاً، وهذا هو الذي تمناه الصالحون، هو أن يموت الإنسان على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وقد حث عليه الصلاة والسلام على اتباع سنته خاصة في مثل هذا العصر الذي كثرت فيه الطوائف والملل والنحل، وأشربت القلوب الأهواء وأصبحت الفتن كقطع الليل المظلم، وأصبحت الحياة معرضة للخطر في كل وقت وساعة، بما صنعه الإنسان من دمار للبشر، فأصبح متعيناً على الإنسان أن يلاحظ سنة محمد عليه الصلاة والسلام صباح مساء.

    يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) ويقول صلى الله عليه وسلم: ( من رغب عن سنتي فليس مني) وأهل سنته أولهم أصحابه، وخيرهم الخلفاء الراشدون ومن سار على منهجهم من التابعين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    1.   

    أهل السنة وأهل البدعة وأهمية التمسك بالسنة

    أما التمسك بالسنة فليس كلاماً فقط، لأن بعض الناس جعل للتمسك بسنته عليه الصلاة والسلام عواطف أو كلاماً يعبر به بلسانه، لكن التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أطراف: إعتقادٌ وقولٌ وعمل.

    وقد ضل في التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم في الاعتقاد طوائف، فليس على سنته في الاعتقاد إلا أهل السنة والجماعة، فـالخوارج ليسوا على سنته في الاعتقاد، والرافضة والنواصب والقدرية والجبرية والمعتزلة والأشاعرة، فقد خالفوا في الاعتقاد سُنَّتَهَ عليه الصلاة والسلام.

    وهناك طائفة من أتباعه صلى الله عليه وسلم ضلت في السلوك، فتجدهم لا يتبعونه في السلوك الظاهر، وهذا دليل على مرضهم في الباطن، فهم يجعلون السلوك من القشور، ويقولون: هذه ليست من اللب بل هذه من القشور، فعندما تحدثهم في الإسبال وعن تحريمه قالوا: هذه قشور؟ ويقولون: لا تحدثنا عن الثياب، لأن الإسلام أرفع من الثياب، فالإسلام أصول، وليس فيه هذه القشور والتوافه التي يتحدثون عنها: اللحى.. لبس الحرير والذهب.. الأكل بالشمال.. إلى غير ذلك.

    فهذه كلها يجعلونها من القشور.

    والرد عليهم أن نقول: ليس في سنته عليه الصلاة والسلام قشور، بل هي لباب كلها وهي جميلة وبديعة كلها، فمن رضي بلا إله إلا الله فليرض بمحمد عليه الصلاة والسلام في أصغر شعيرة وفي أقل سنة، قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    يا مدعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    أراك تأخذ شيئاً من شريعته     وتترك البعض تدويناً وتهوينا

    خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به     أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا

    فقد أعلنت المبادئ الأرضية خسارتها واندحارها وتمزقها، ولم يثبت إلا منهجه عليه الصلاة والسلام في الأرض.

    ضلت طوائف في اتباعه عليه الصلاة والسلام، منهم أهل التصوف، فإنهم لم يتبعوه في حاله وعبادته صلى الله عليه وسلم، فجنحوا، وجعلوا العبادة جوعاً وسهراً وتمزقاً وزوايا ومرقعات ما أنزل الله بها من سلطان: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا )([الحديد:27] فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل كما في صحيح مسلم من حديث عائشة، يقول: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)

    فعليكم بالإكثار من هذا الدعاء، فإنه من أعظم الأذكار في الفتن والحوادث والأخطار وهو المنجي، قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الجمعة:8] وقال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78].

    فلا عيش إلا باتباعه عليه الصلاة والسلام، وأتباعه هم أهل السنة والجماعة، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

    وإني في هذا الموقف أترحم على الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإن له أعظم الدور واليد البيضاء على هذه البلاد بدعوته الناصعة، السلفية الجميلة البديعة، دعوة التوحيد، ولذلك تجد الصفاء، ولانقولها تعصباً بل العامي في مثل هذه البلاد يعادل كثيراً من العلماء في البلاد الأخرى.

    فالعامي بسبب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعادل في معرفته للعقيدة والسنة واتباع الرسول عليه الصلاة والسلام علماء في البلاد الأخرى، وهذا في العموم الغالب، فرحمه الله رحمة واسعة، كيف جدد الدين، وعلمه الناس، ولذلك أذكر نبذة مما فعل:

    من خططه في نشر العلم في البلاد:

    حيث كان ينشر في الرياض وضواحيها، أتباعه وتلاميذه في المدارس التي تقوم من بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، ويدرس فيها كتاب التوحيد والأصول الثلاثة وكشف الشبهات.

    وكان الناس يحضرونها كما أخبرنا كثير من المشايخ بما يشابه الإجبار، لا بد أن يحضروا الحلقات، فتغلق الحوانيت والدكاكين، والمتاجر، ويأتي أهل المزارع بعد أن يذهبوا إلى بيوتهم فيحضرون الحلقات، ويتحدث العلماء، وينشرون العلم والسنة، وتفتح المساجد أبوابها لهذا الخير العظيم الذي أتى به الله للعباد.

    1.   

    خصائص أهل السنة والجماعة

    أيها المسلمون! أهل السنة وسط، يذكر شيخ الإسلام في كلام ما معناه: أهل الإسلام وسط بين أهل الملل -يعني وسط بين اليهود والنصارى- وأهل السنة وسط بين أهل الطوائف، لكن قبل أن آتي إلى هذا الكلام، أحب أن أنبه إلى مسائل لا بد أن تعوها جميعاً:

    من خصائص أهل السنة والجماعة:

    أولاً: أنهم يدينون بالكتاب والسنة بفهم الصحابة:

    فالذين يدَّعون اليوم في العالم الإسلامي بل في العالم أجمع، أنههم يتبعون محمداً عليه الصلاة والسلام كثيرون، بل تسمع الإذاعات تزبد وترغي باتباعه صلى الله عليه وسلم، لكن إذا بحثت عن الحقيقة؛ فإنك لا تجدهم صادقين، بل تجدهم كذبة ومردة، ومفترين على الله.

    أهل السنة يفهمون الكتاب والسنة بفهم الصحابة، فـالخوارج يقولون: نحن أهل الكتاب والسنة، والرافضة والناصبة والقدرية، وأمثالهم يقولون: نحن أهل الكتاب والسنة، وأهل السنة يقولون: نحن أهل الكتاب والسنة، فمن نصدق؟

    نصدق الذين يفهمون الكتاب والسنة بفهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

    الخوارج يقولون: نحن رجال والصحابة رجال، فنحن نفهم كما فهموا.

    ونقول: هذا خطأ، بل نفهم الكتاب والسنة بفهم أبي بكر وعلي، وفهم الصحابة.

    قال سعيد بن جبير: [[كل علم لا يفهمه أهلبدر فليس من العلم]] فالعلم أن تفهم الكتاب والسنة كما فهمه أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، فإنهم كما قال ابن مسعود: أعمق الأمة علماً، وأقلها تكلفاً، وأصدقها وأخلصها؛ فعلينا أن نفهم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام بفهم أبي بكر، إذا أتيت إلى تفسير القرآن فتعود إلى تفسير ابن كثير، وتفسير ابن جرير لا أن تفهم القرآن أو السنة فهماً من عندك.

    وقد نشأ داعية في هذا العصر اسمه رشاد خليفة، لكن ذبحه دعاة الإسلام في أمريكا، كان في ولاية ترزونا، في مدينة توسان، وهذا الرجل كان يريد أن يفهم الكتاب والسنة كما ارتأى، ثم أنكر رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، فتشرف بعض الشباب، فذبحوه على الطريقة الإسلامية، وذهب إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم:

    لقد ذهب الحمار بأم عمروٍ     فلا رجعت ولا رجع الحمار

    ثانياً: أهل السنة لا يجتمعون على ضلالة:

    عصم الله أهل السنة فلا يجتمعون على ضلالة، والذي يظهر لي أن معنى حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الحسن: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) أن المقصود بهم أهل السنة.

    لأننا وجدنا أن الخوارج اجتمعوا على ضلالة، وأن كثيراً من الطوائف البدعية اجتمعت على ضلالة، وهي في الجملة من الأمة الإسلامية.

    إذاً فلا ينطبق عليهم الحديث، أما الحديث فينطبق على أهل السنة، فلك الحمد يا رب لا يجمعنا على ضلال أبداً، فلا تجد أن أهل السنة يجتمعون أولهم وآخرهم وعلماؤهم وعامتهم على الضلالة أبداً، وقد يرد أن يخطئ قائل بقول، فينكر عليه البقية، فمن عصمة الله عز وجل لـأهل السنة وحفظه لهم، أنهم لا يجتمعون على ضلالة.

    ثالثاً: يفهمون النقل بالعقل ولا يحكمون العقل في النقل:

    فالكتاب والسنة ليسا مجالاً للصرف وللتحويل، فهما مجالان لأن تفهم منهما، وتفجر كنوزهما، وتأخذ من أشجارهما ثماراً، لا أن تصرفها، وتلعب بها، إنما لتفهم ولتتدبر.

    إذاً هم يفهمون النقل بالعقل ولا يحكمون العقل في النقل، وقد ألف ابن تيمية كتابه العظيم ولله دره درء تعارض العقل والنقل، الذي يقول فيه ابن القيم: ما طرق العالم مثل هذا الكتاب، يعني ما سمع في هذا الباب مثل هذا الكتاب، ونهايته ونتيجته أن العقل لا يصادم النقل، بل النقل الصحيح مع العقل الصريح متفقان والحمد لله.

    يقول أحد علماء السلف: أتحدى الناس قاطبة أن يوجدوا دليلين متعارضين صحيحين ثابتين أو دليلاً صحيحاً يخالف العقل الصريح. فهذا لا يوجد والحمد لله، بل العقل السليم يدل على النقل القويم، فيتفقان.

    الرابع: يؤمنون بالغيبيات ويتدبرون العمليات:

    ابن حزم رحمه الله صاحب المحلى يقولون عنه: جمد في موضع السيلان، وسال في موضع الجمود، فأتى إلى الغيبيات -الأسماء والصفات- يشرح ويفيض فيها، ورد عليه ابن تيمية وأوقفه، وقال: خطأ. وأتى إلى الأحاديث العملية التي تحتاج إلى شرح وفهم واستنباط، ووقف فيها، قال بالظاهر، قالوا: حفظك الله، لماذا ما سلت في موضع السيلان وجمدت في موضع الجمود، اجْمِدْ في نصوص الغيبيات، لأن أهل السنة يمرونها كما جاءت، وسِلْ في موضع السيلان، في النصوص التي تفهم، وهي نصوص الأحكام العملية في العبادات والمعاملات وغيرها.

    1.   

    معنى وسطية الأمة

    أيها المسلمون! ما معنى قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143]:

    لأهل التفسير فيها قولان:

    الأول: وسطاً: خياراً عدولاً، قال زهير بن أبي سلمى في قصيدته المعلقة الشهيرة

    وهم وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم

    أي: خيار عدول، فقال بعض المفسرين: أي عدول.

    وقال بعض المفسرين: الوسط هم الذين يتوسطون بين الغلاة والجفاة وهو المتوسط بين الطرفين، ويرد النحوي الزجاج وغيره هذا ويقول: تركيب كلمة وسط خطأ، بل معنى المتوسط بين الطرفين يسمى وَسْط: جلست وَسْط الحلقة، وجلست وَسْط الرجلين ومشيت وَسْط الجملين، ولا يقال وَسَطَ الرجلين أو وَسَطَ الحلقة.

    أما سيد قطب في الظلال فيرى أن المعنى الأخير هو الصحيح، ويأتي بكلام بديع جميل، أحببت هذا الكلام وربما يعجبكم، يقول: نحن وسط -يعني الأمة الإسلامية هي وسط- وسط في الزمان ووسط في المكان فنحن وسط في الكرة الأرضية، هذا معنى ما سبق إليه يقول: حتى إن الله لم يجعلنا في القطبين ولا في ألاسكا ولا بعيدين ولا قريبين، ولا في حدود سيبيريا، بل جعلنا وسطاً، حتى يقول لنا أهل أبولو الذين صعدوا بها إلى القمر أنهم قد وجدوا أن مكة وسط الدنيا، وهذا هو الموافق للتفسير.

    فـأم القرى في الوسط، والعالم كله في نواحيها وهي وسط بين الدنيا. إذاً فنحن وسط في المكان. قال: ووسط في الزمان، فما جئنا في أول الناس، فنحن ما أتينا مع نوح عليه السلام، وما تأخرنا لنأتي في آخر الدنيا، بل أخذنا تجارب الأولين ثم مضينا للآخرين، فسبحان من اختار هذه الأمة.

    الوسطية في المعتقد

    ونحن وسط في المعتقد، فلم نؤله كل شيء كـالمانوية والثانوية وغيرهم، الذين يؤلهون كل شيء والعياذ بالله، النور والظلمة، والليل والنهار، ولذلك يرد الله عليهم في القرآن فيقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] بل قال بعض العلماء: ردت بداية سورة الفرقان على سبع طوائف، وهذا في أولها فقط.

    قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الفرقان:1-2] على المانوية وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الفرقان:2] على اليهود: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الفرقان:2] على كفار مكة: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الفرقان:2] على الاستثنائية: فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً على نفاة القدر: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً [الفرقان:3] ثم عودة على المشركين والطوائف الصابئة: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].

    الوسطية في الأخلاق

    قال: ووسط في الأخلاق، فلسنا بالذين يجعلون الأخلاق هو الحل العالمي، فـالماسونية تجعل الوسط العالمي القدر المشترك بين الأمم من الأخلاق، حتى تجدهم الآن -العلمانية والماسونية - ينددون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأتون إلى الرجل ولو لم يكن في قلبه مثقال ذرة من إيمان ويقولون: ما أحسن خلقه! هو لا يجرح المشاعر، يعني: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، قالوا: وهو هادئ وأسلوبه طيب، يدخل البيت ويسمع الأغنية فلا يزعج أهله وإخوانه، وإخوانه يصلي بعضهم ويترك بعضهم، وهو مع ذلك مسالم مع الجميع ويحبه المجتمع، وسفيان الثوري يقول: إذا رأيت الرجل أجمع عليه جيرانه فاعرف أنه رجل سوء، فإذا سكت عنه الجيران جميعاً فاعرف أنه لا يتكلم، حتى قالوا لـسفيان: نراك كثير الأعداء، قال: كلمة الحق لم تترك لي صديقاً، فـسفيان دائماً مع كلمة حق، فهو يدخل على أبي جعفر وينزل السوق، يقول عنه الذهبي: كان سفيان إذا لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر بال الدم، فهذا ثابت عنه في السيرة، وقال: كان يغمى عليه، وكان يقوم ينتفض في الليل، فيقولون له: مالك؟ يقول: مررت اليوم بشيء فما نهيت عنه فأصابني منه شيء، فلله دره ما أعظمه.

    فلذلك الإماتة -إماتة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بحجة الأخلاق يجعلونها سُلَّم العالمين.

    ونحن نقول: لا. الخلق تحت راية لا إله إلا الله.

    (وهم وسط في الفن والأدب) كما يقول سيد قطب، فلسنا بالأمة الجافية التي تقول: لا يصح الأدب، فلا شِعْرَ ولا جمالَ في الكون.

    فالله عز وجل يقول: فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل:60] فلك أن تتأمل الزهرة، والوردة، والياسمين، والروضة الفيحاء، والبساتين الغناء، لكن في حدود الجمال المباح، فنحن لسنا بالجفاة الذين يغلقون أنفسهم عن الأدب، فإذا ألقى شخص قصيدة، قال: حرام، لا تلقيها، وإذا شارك شخص في أمسية قال: هذا حرام، فالصحابة لم يشاركوا.

    وهذا ينشد نشيداً بديعاً في حدود المباح، فيقول: لا. هذا خطأ، فنحن أمة نتوسط، ورجل آخر يأتيك، فيقول: لا. الإسلام أباح الأغنية، والموسيقى والأغنية الإسلامية، والجلسة الحمراء الإسلامية، حتى قرأت كتاباً اسمه: (الفن والجمال) لأحد المفكرين من السودان، أخطأ فيه خطأً بيناً، وأساء إساءة واضحة، وفعل مثلما فعل ابن عربي في كتبه، مثل (الفصوص) (والفتوحات المكية). فهذا خطأ، حتى يقول: من يمنع هذا، حتى يقول: لك أن تنظر في الوجوه الجميلة فهي من التدبر، وهذا مثل كلام ابن عربي، نعوذ بالله من الخذلان.

    ويقولون: أحد الزنادقة، كان ينظر لفتاة جميلة، قالوا له: اتق الله، قال: أتفكر في خلق الله، فهذا حسيبه الله، أما وجد إلا هذا، وقد قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28] فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لم يأمر بهذا.

    إذاً فالوسطية أن تحل ما أحل الله وتحرم ما حرم الله، قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [النحل:116].

    الوسطية في معاملة الأنبياء

    فنحن وسط، أليس أهل الإسلام وسط بين اليهود والنصارى؟

    اليهود علقوا أنبياءهم بالمشانق.

    والنصارى ألَّهوا أنبياءهم، فقالوا: عيسى بن مريم هو الله أو ثالث ثلاثة، واليهود ذبحوا في يوم واحد أكثر من أربعمائة نبي، لأن الله كان يبعث لهم أنبياء كثر في وقت واحد، كما يقول بعض المفسرين، فتوسطنا نحن، فقدرنا الأنبياء، وجعلنا رسولنا عبداً رسولاً، كما قال في الصحيح: {لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله} ولا نجفوا فيه عليه الصلاة والسلام، كما جفا بعض الناس، وقالوا: هو رجل كسائر الرجال مثل ما يفعل العقاد في عبقرية محمد عليه الصلاة والسلام، أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في العسكرية في آخر الكتاب وقال: هو يتفوق على نابليون. حسيبك الله! تقارن محمداً أصفى البشر ورسول الله وأكرم الناس وأصفى الناس وأبر الناس، بمجرم كلب فرنسي.

    ألم تر أن السيف ينقص قدره     إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    فهؤلاء يقارنون الرسول صلى الله عليه وسلم بـهتلر ويقولون: هو في استطلاع المعارك أقوى من هتلر، وهذا خطأ، فهم يريدون أن يمدحوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن على حساب ذمه فهو بشر يوحى إليه الله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4] فوقع في الأمة غلو فيه عليه الصلاة والسلام، طائفة رفعته حتى كانوا يستسقون به وهو في قبره، ويطلبون منه عند القبر المغفرة، ويقولون: اغفر لنا يا رسول الله! حتى يقول البرعي شاعر اليمن:

    يا رسول الله يا من ذكره     في نهار الحشر رمزاً ومقاما

    أقل لي عثرتي يا سيدي     في اكتساب الذنب في خمسين عاما

    فهو يقول: اغفر لي ذنبي.

    ويقول البوصيري:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به     سواك عند حلول الحادث العمم

    إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي     فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم

    وهو شرك.

    ويقول ابن عربي لما وصل القبر:

    في حالة البعد روحي كنت أرسلها     تقبل الأرض عنكم وهي رائدتي

    وهذه دولة الأشباح قد حضرت     فامدد يمينك كي تحضى بها شفتي

    وقال الكذابون المخرصون:

    فمد يده صلى الله عليه وسلم من القبر، فسلم على ابن عربي، يقول هذا أمثال النبهاني المسرف على نفسه، الذي يتعدى على ابن تيمية وكتبه، والله يتولى السرائر.

    الوسطية في العلم والعبادة

    أيها الكرام! أهل الإسلام وسط في العلم والعبادة بين اليهود والنصارى، فاليهود أهل علم، لكن لا يعملون -سلة مهملات- فغضب الله عليهم.

    والنصارى أهل عمل بلا علم فضلوا، قال الله في اليهود: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] وقال عنهم: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة:14] وقال عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة:64] وقال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فالمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى، الضالون عبدوا الله بلا علم وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا [الحديد:27].

    ويقول ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: سوف يقع في هذه الأمة كما وقع في اليهود والنصارى، طائفة تتعلم ولا تعمل، لذلك تجد بعض الناس يعلم كثيراً ولا يعمل أبداً، وقد يكون عنده شهادة عالية ولكن لا يعمل بعلمه، وتجد من الجهلة من يعبد الله لكنه بدعي، فيعمل على غير بصيرة من الله عز وجل.

    1.   

    وسطية أهل السنة بين الفرق

    أهل السنة وسط بين الخوارج والمرجئة.

    وبين الرافضة والنواصب.

    وبين القدرية والجبرية.

    وبين المجسمة والمعطلة.

    ووسط بين أهل الرأي البحت وأهل الظاهر الصرف.

    وبين أهل الشهوات البهيمية وأهل التصوف.

    ووسط بين المفوضة والمؤولة.

    ووسط بين الجفاة والغلاة.

    ووسط في الأخلاق والعبادة.

    ووسط في الجرح والتعديل.

    لكن قبل أن أبدأ، لا بد أن أشرح بعض الجمل والكلمات.

    ما معنى الخوارج ومن هم؟

    الخوارج: طائفة خرجت، أول ما نبتت نابتتها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأولهم إمامهم وشيخهم ذو الخويصرة، الذي قال عنه العلماء: هو الذي بال في المسجد، فمن حسناته أنه بال في مسجده عليه الصلاة والسلام، وبعض أهل السير يقولون: هو الذي صلى مع الرسول عليه الصلاة والسلام في المسجد وقال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً) ثم بال في المسجد وقصته معروفة، وهو الذي قال كما في الصحيح: (لما قسم الرسول عليه الصلاة والسلام الغنائم قال: اعدل يا محمد) فيقول هذا للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (خبتَ وخسرتَ، من يعدل إذا لم أعدل؟!) وفي لفظ مضبوط صحيح: (خِبتُ وخَسرتُ إذا لم أعدل) أي يقول: إذا لم أعدل هلكتُ، وعلى الرواية الأولى: خبت أنت وخسرت، إذا لم أعدل فمن يعدل؟! من يعدل من حكام الأرض وزعماء الأرض وقضاتها وعلمائها إذا لم يعدل أشرف أهل الأرض عليه الصلاة والسلام؟!

    فقال عمر: (يا رسول الله! ائذن لي أقتل هذا -كان سيف عمر جاهزاً- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عمر! يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) وفي رواية مسلم: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) وبالفعل أدركهم أبو الحسن علي رضي الله عنه، فقتل منهم أربعة آلاف في النهروان.

    فهم الخوارج، خرجوا على إمام العدل والحق، رضي الله عنه وأرضاه، وقالوا بمسائل خالفوا بها أهل السنة، منها:

    لا يأخذوا من السنة إلا ما وافق ظاهر القرآن، فأكثر السنة يعطلونها.

    والخوارج يرون أن الحاكم إذا ارتكب الكبيرة يخرج عليه ولا طاعة له، وهذا خلاف أهل السنة، فإن أهل السنة يرون الصلاة وراء الأئمة والجهاد معهم ولو ارتكبوا الكبائر ما لم يكفروا بالله، لحديث مسلم: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان).

    والخوارج يرون أن صاحب الكبيرة كافر ومخلد في النار، فالسارق عندهم كافر، والخليلي له كتاب وهو ما زال حياً وكتابه ينص على ثلاث مسائل -هو من الإباضية - ينفي رؤية الله في الآخرة، ويرى أن القرآن مخلوق، ويرى أن صاحب الكبيرة كافر، وكتابه موجود ومشهور. فهذه نبذة عن الخوارج، ولا أريد الإطالة.

    المرجئة من هم؟

    المرجئة: قوم يرون أن الإيمان قول واعتقاد بلا عمل، سواء صليت أو لم تصل، زكيت أو لم تزك، صمت أم لم تصم، فأنت وأبو بكر سواء في الإيمان، فيقولون: ما دام حصل الإيمان وآمنت بالله عز وجل ووصل الإيمان إلى قلبك فيكفي، ولهم أدلة لكن ما فهموها، فهذه المرجئة.

    وتوجد طائفة أخرى أرجئوا، وهم الذين أرجئوا علياً وعثمان وقالوا: لا نحكم بكفرهم ولا بإيمانهم، فيقولون في علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان: لا ندري هم في الجنة أو النار، ومن وراءهم قالوا: لا ندري ونكل علمهم إلى الله، ونحن نقول: لا والله، بل هم من أهل الجنة، ومن العشرة المبشرين بالجنة، ومن أولياء الله وأحباب رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد توفي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

    والقدرية يقولون: لا قدر، فيقولون: كل شيء يقع في الكون لا يعرفه الله إلا بعد أن يقع، وهم على طائفتين، الاولى تقول: لم يسبق تقدير شيء، فيقولون مثلاً: إذا حصل بركان لم يقدر الله البركان إلا بعد ما وقع، فلا قدر والأمر أنف، ومنهم من ينفي العلم.

    قال ابن تيمية: من نفى علم الله السابق كفر، وأما من نفى التقدير فمبتدع بهذا، لأن منهم من يقول: لا يعلم الله حتى يقع!! فمن يقول هذا فهو كافر.

    ومنهم من يقول: يعلم الله عز وجل لكنه ما كتب، فهو يعلم أنه سوف يقع البركان أو الزلزال في المكان الفلاني، لكن لم يكتب ولم يقدر، إنما علم سُبحَانَهُ وَتَعَالى فقط.

    والجبرية يقولون: العبد مجبور على المعصية، ولذلك الجبرية يجعلون آدم جبرياً وموسى قدرياً، في حديث التقاء موسى مع آدم في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (تحاج آدم وموسى) وفي لفظ: (احتج آدم وموسى) يقول ابن الجوزي محتاراً: لا ندري أين التقوا، وابن حجر ذكر سبعة أقوال أو ثمانية منهم من يقول: في القبر، ومنهم من يقول: في البرزخ، ومنهم من يقول: في السماء، والذي يظهر أنهم التقوا في السماء فالتقى الابن مع الوالد الشيخ، مع آدم عليه السلام، وموسى كان جريئاً، حتى يتعجب أهل العلم من جرأته، حيث كان يتكلم بجرأة، فقد أعطاه الله المكالمة التي ما أعطاها أحداً من الناس، فلم يكلم الله أحداً من الناس إلا موسى، فلما كلمه الله وبلغ منزلة التكليم، قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] يقول: ما دام كلمتني أريد أن أراك، قال: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] وقالوا: أنه لما رأى فضائل الأمة قال: يا رب بعثت غلاماً بعدي جعلت أمته أفضل من أمتي، إلى غير ذلك مما قيل، وهو الذي تكلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وقال: (عد إلى ربك فإن أمتك لا تستطيع ذلك) فعاود رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه وحاوره، حتى خفف الله عن الأمة فجزاه الله عنا خير الجزاء، فإنه قد أحسن كل الإحسان معنا، وتلطف مع رسولنا صلى الله عليه وسلم حتى خفف الله عنا.

    قال: فلما التقوا (قال موسى -فهو يبدأ بالكلام وقد لقي آدم الشيخ وبينهم مئات السنين بل آلاف-: أنت آدم أبونا؟ قال: نعم. قال: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه؟ قال: نعم. قال: خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) -قال: أنزلتنا في الأرض نعصي ونتضارب، ونتقاتل ونتحارب، ونسفك الدماء ثم نحاسب، وبعضنا يدخل الجنة وبعضنا يدخل النار، لماذا ما بقيت في الجنة؟ لماذا نزلت؟

    (قال آدم عليه السلام: أنت موسى؟ -موسى بن عمران لأن موسى يختلف كثيراً ويريد أن يميزه- قال: الذي بعثك الله في بني إسرائيل؟! وكتب لك التوراة بيده سُبحَانَهُ وَتَعَالى؟! قال: نعم. قال: بكم وجدت في التوراة كتب الله عليَّ المعصية قبل خلقي -الأكل من الشجرة- قال: بأربعين سنة -أي: وجدت أن الله كتب على آدم قبل أن يخلقه بأربعين عاماً أنه يأكل من الشجرة -قال: أفتلومني على شيء كتبه الله عليَّ؟! -والآن يتدخل الرسول عليه الصلاة والسلام- قال: فحج آدم موسى) يعني غلبه، والجبرية يقولون فحج آدم موسى وينصبون آدم فيكون مفعولاً به، يعني هو المغلوب، كقراءة قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ [البقرة:124] وهذا خطأ بل حج آدمُ موسى، أي غلبه، عليهم السلام جميعاً.

    المجسمة والمعطلة:

    المجسمة: قوم منهم مقاتل بن سليمان، الذي وصف الله كوصف المخلوق تماماً، فقالوا: الله مثل الإنسان -تعالى الله- يقول: ينزل كنزولنا وله أيد كأيدينا، وسمعٌ كأسماعنا، وبصرٌ كأبصارنا، والمعطلة قوم قالوا: لا سمع ولا بصر ولا صفات ولا أسماء، فجردوا الله من أسمائه وصفاته.

    أهل الرأي البحت: قوم أخذوا آراء الرجال وتركوا الحديث، فلا يفتون دائماً إلا بالرأي فقط، فتجدهم يقولون: يجوز ولا يجوز.. وهذا مباح والأمر محرم..أرى أنه لا يجوز.. لكن لا آية ولا حديث، لا رواه البخاري ولا رواه أبو داود.

    وأهل الظاهر: قوم أخذوا الحديث وجمدوا عليه وتركوا القياس وما فهم الناس، إلى غير ذلك...

    توسط أهل السنة بين الخوارج والمرجئة

    لكن أقول: ما معنى توسط أهل السنة بين الخوارج والمرجئة في مسألة الإيمان؟

    الخوارج قالوا: من فعل الكبيرة فقد كفر، فشارب الخمر كافر، والسارق كافر ومخلد في النار، وقابلهم المرجئة فقالوا: لا يكفر، ولا ينقص إيمانه، والحمد لله ما زال مؤمناً، وما زال يشهد أن لا إله إلا الله، فلو شرب الخمر فما زال مؤمناً كامل الإيمان.

    فذاك يقول: كافر، وهؤلاء يقولون: كامل الإيمان، وقال أهل السنة: أخطأ الخوارج والمرجئة، فمرتكب الكبيرة فاسق، ناقص الإيمان، رداً على المرجئة وليس بكافر رداً على الخوارج، فهو ناقص الإيمان فاسق، ولا نكفره بارتكابه الذنب ما لم يستحله وهو تحت رحمة الله، لكن نخشى عليه العقوبة ونخشى أن يأخذه الله، وهو فاسق بكبيرته، فهم في هذا الباب وسط.

    توسط أهل السنة بين الرافضة والنواصب

    ووسط بين الرافضة والنواصب:

    الرافضة: أتوا إلى علي فبلغوا به حد الغلو، بل بعضهم يرى ألوهية علي رضي الله عنه وأرضاه، ويقدسون أهل البيت، حتى يقدمونهم كثيراً على الرسول عليه الصلاة والسلام، ويسبون الصحابة على حساب أهل البيت، ويلعنون الشيخين رضي الله عنهما، ويفترون ويرمون بالفاحشة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وقد برأها الله.

    وقابلهم النواصب فيسبون أهل البيت، ويرون أن علياً متهم، وتوسط أهل السنة، وقالوا: أهل البيت منا وهم أحبابنا، ونحبهم في حب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحبهم إيمان، قال تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] فقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف القرابة، وقد كان الشافعي يقول:

    إن كان رفضاً حب آل محمـد     فليشهد الثقلان أني رافضي

    إذاً حبهم عقيدة ولا نسبهم، ولكن لا نغلوا فيهم فنوصلهم الدرجة التي لم يصلوا إليها، فنرد على النواصب ونقول: أخطأتم، وعلى الروافض ونقول: أخطأتم، وننـزلهم منـزلتهم اللائقة بهم، وننـزل علياً في الدرجة الرابعة في الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، فإذا سمعت النواصب، فمعناها طائفة من المسلمين لكنهم ابتدعوا، حيث كانوا يسبون أهل البيت.

    وسموا نواصب لأنهم ينصبون لأهل البيت العداء، يقول المتنبي يمدح أحد العلويين:

    إذا علوي لم يكن مثل طاهر       فما هو إلا حجة للنواصب

    توسط أهل السنة بين المجسمة والمعطلة

    وأما المجسمة والمعطلة:

    فـالمجسمة -كما قلت- وصفوا الله كالمخلوق تماماً، جل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، بل كانوا يشيرون بأيديهم ويقولون: هو كأحد منا، والمعطلة كـالجهمية وغيرهم نفوا صفات الله وأسماء الله تماماً، فتوسط أهل السنة، وقالوا: نثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه رسوله عنه، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    فالأسماء والصفات توقيفية، والطوائف فيها ثلاث: منهم من نفاها مطلقاً، وهم المعطلة، فقد نفوا الأسماء والصفات، فقالوا: لا أسماء ولا صفات، قالوا: لا نطلق عليه اسم عليم، ولا قادر ولا حكيم، ولا سميع ولا بصير.

    والمعتزلة قالوا: نثبت الأسماء، وننكر الصفات، عليم بلا علم، سميع بلا سمع، وحليم بلا حلم، وكريم بلا كرم.

    والأشاعرة: أثبتوا سبع صفات مع الأسماء، وأنكروا وأولوا بعض الصفات، وهذا خطأ.

    وأهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تحريف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.

    توسط أهل السنة بين أهل الرأي البحت وأهل الظاهر الصرف

    فـأهل السنة وسط بين أهل الرأي البحت وأهل الظاهر الصرف.

    ففي الواقع توجد مدرسة متوسطة ومدرستان متطرفتان، مدرسة في الفقه -في الفرعيات- ترى أنه لا بد بأن يقلد الشخص أهل المذاهب، ويأخذون المتون فيحفظونها حفظاً ويحكمونها في الناس، ولو خالفت الأدلة، حتى لو رددت على أحدهم، قال: لا. هذا موجود في الكتاب، تقول: الحديث في البخاري، قال: لا. الشيخ أعلم بهذا، أبو حنيفة أعلم، والإمام أحمد أعلم، تقول: الدليل، قال: ما ندري، إنما موجود في المتن هذا، فيحكم آراء الناس ولو صح الحديث بخلاف ذلك، وهذا خطأ.

    وقابلتهم مدرسة متطرفة، -وقد ذكر المدارس الثلاث ابن تيمية، في أول كتاب الاستقامة: مدرسة الرأي ومدرسة الظاهر وذكر أن أهل الحديث وسط- فقابلهم أهل الظاهر، قالوا: لا. مَن أحمد هذا؟ هو رجل ونحن رجال. ثم يأخذون الحديث ولا يعرفون أهو صحيح أو ضعيف.. ناسخ أو منسوخ، فيعملون به، وتجد أحدهم يأخذ كتب الحديث ويجتهد ويفتي وعمره ست عشرة سنة، فيطوي رجله تحته ويقول: والذي تطمئن إليه نفسي، وأرى أن الإمام مالك أخطأ في هذه المسألة، وأرى أن الشافعي لم يهتد للصواب في هذه الجزئية، فنقول رويدك:

    أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم     من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

    أو قول جرير:

    وابن اللبون إذا ما شد في قرن     لم يستطع صولة البزل القناعيس

    وتوسط أهل الحديث، فقالوا: نأخذ الدليل ونستفيد من أفهام وأفكار الأئمة الكبار، لأنهم أفهم منا وأحسن عقلاً وإدراكاً ووعياً، فنأخذ فهمهم، ونترضى عليهم، ولا نجعلهم معصومين، فالمعصوم محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الصحيح.

    توسط أهل السنة بين أهل الشهوات وأهل التصوف

    وتوسط أهل السنة بين أهل الشهوات البهيمية، وأهل التصوف.

    والعالم الآن -حتى العالم الإسلامي- ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أهل اعتدال في حياتهم.

    القسم الثاني: أهل عبادة شهوانية بهيمية.

    القسم الثالث: أهل تصوف مذموم.

    أما أهل الشهوات البهيمية فرجل لا يعبد إلا بطنه وفرجه، حياته كأس وبلوت، ومجلة خليعة، وأغنية ماجنة، وسهرة حمراء وعربدة وسفر إلى غير ما يرضي الله عز وجل، وانهيار في الخلق.

    وحياته أكل وشرب ولهو، وما عنده من الإسلام شيء، بل هو كما يقول بعض العلماء: كجفاة الأعراب لا يفهم من الدين إلا مجمل العقيدة، فيفهم لا إله إلا الله إجمالاً، لكن لو سألته في سيرة محمد عليه الصلاة والسلام أو في بدر أو أحد أو في سيرة الخلفاء الراشدين، أو في تفسير آية؛ فإنه لا يعرف منها شيئاً أبداً، فحياته فقط حياة ظاهرة، قال تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الاحقاف:20] وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] وقال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3].

    ويقول أحد الشعراء:

    لا بأس بالقوم من طول ومن قصر     أجسام البغال وأحلام العصافير

    قال تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] فيتعب جسمه لجسمه، ويتعب بطنه لبطنه، ويتعب شهواته لشهواته، والله إن أحدهم يهتم بقضية سيارته ووظيفته ومنصبه أكثر من اهتمامه بالإسلام، بل الإسلام في آخر القائمة!! فقضية التحمس للدين في آخر القائمة، لا يلقي لها بالاً ولا يعد لها حسباناً أبداً:

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته      أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    وقابلهم طائفة تطرفوا -طائفة التصوف- فقتلوا النفس، فلا ينامون كما ينام الناس، سهر متواصل، ولا يأكلون الطيبات، وقد ذكر ابن الجوزي أعاجيبهم ومن يطالع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي يجد العجائب، يقول أحدهم: والله الذي لا إله إلا هو ما أكلت الرطب أربعين سنة، فهو يمتدح نفسه بهذا، فهل الرطب حرام؟! ومن حرمه؟ هل في كتاب الله عز وجل تحريم للرطب أو الأرز أو اللحم؟ لا. وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] فهذا ليس وارداً، لكن أهل التصوف قتلوا النفس، ويرى الغزالي وأمثاله أن هذا هو المسلك الطيب.

    قال: فلان ما صلى الفجر أربعين سنة إلا بوضوء العشاء، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر} قالوا: الحمد لله، فلان ما تزوج في حياته، قال: {وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني}.

    جاء تلميذ إلى الإمام أحمد ممن أثرت عليه مدرسة التصوف، فقال لـأحمد: هل الزواج أفضل أو تركه؟ قال الإمام أحمد: الزواج أفضل، قال: إبراهيم بن أدهم ما تزوج، قال الإمام أحمد: أوَّه، وقعنا في بنيات الطريق! يقول الله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً [الرعد:38] فسنته عليه الصلاة والسلام هي المتبعة.

    يقول الخطابي في كتاب العزلة: أحد المتصوفة أخذ لاصقاً فوضعه على عينه اليسرى، فقال له الناس: مالك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين، والله عز وجل يقول: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] هذا موجود عند الخطابي - أبو سليمان - قال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ البلد:8] فهذه نعمة، وهو يقول: إسراف أن ننظر بعينين، وأتوا بعجائب أخرى.

    فتوسط أهل السنة فقالوا: نتوسط بالنعم، فنأكل الطيب ونلبس الطيب، ونتجمل بجمال الله، بدون إسراف ولا مخيلة، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: { إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]} لكن نشكر بها الله، بلا إسراف ولا مخيلة، ولا كبر ولا رياء، ويرى أهل السنة أن ننام ونقوم، فلا يُقام الليل كله، وقد نص كثير من العلماء بهذه الفتوى، ولا يُصام الدهر كله، وهو الصحيح، ولا يترك الزواج، وهو الصحيح، بل الأفضل الزواج، بل بعض العلماء يوجبه إذا وجد موجب هذا.

    أهل السنة وسط بين أهل الشهوات البهيمية وأهل التصوف، فهم الذين هداهم الله سواء السبيل.

    توسط أهل السنة بين المفوضة والمؤولة

    وأهل السنة وسط بين المفوضة الذين فوضوا الأسماء والصفات، وقالوا: لا نقول فيها شيئاً، فلم يثبتوها ولم ينفوها، وبين المؤولة وكـالأشاعرة وغيرهم الذين أولوا صفات الله.

    يقول عليه الصلاة والسلام: {يضحك ربنا} قال الأشاعرة، الضحك معناه الرحمة، وهذا خطأ وليس بصحيح بل له ضحك يليق بجلاله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    فالقول في الصفات كالقول في الذات، ونرد عليهم أيضاً، بأنهم يثبتون سبع صفات منها: العلم، فنقول: لماذا أثبتم العلم؟ قالوا: نثبته فله علم يليق بجلاله، قلنا وللمخلوق علم، أما تخافون أنكم إذا أثبتم العلم لله أن يشابه علم المخلوق؟ قالوا: لا. لأن لله علماً يليق بجلاله، وللمخلوق علم يليق به، ونقول لهم أيضاً: قولوا في مثل ما نفيتم مثل ما أثبتم، فلله ضحك يليق بجلاله، وللمخلوق ضحك يليق بالمخلوق، فليس للمخلوق جلال مع الله، بل الجلال لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    توسط أهل السنة بين الجفاة والغلاة

    أهل السنة وسط بين الجفاة والغلاة، فهم وسط في حبه عليه الصلاة والسلام، وقد مر شيءٌ من هذا، فهناك قوم جفوا عن حبه صلى الله عليه وسلم، حتى أنه يذكر في المجالس عندهم، فكأنك ذكرت عالماً من العلماء بالحسنات، أو ذكرت مصلحاً من المصلحين، أو رجلاً من عامة الناس، وبعضهم لا يصلي ولا يسلم عليه صلى الله عليه وسلم، رغم أنف من لم يصلِّ ولم يسلم عليه صلى الله عليه وسلم.

    بل وجد من بعض العلمانيين أنه إذا تكلم في محمد عليه الصلاة والسلام أنه يدرجه في قائمة الزعماء، فيقول: ومن إصلاحاته عليه الصلاة والسلام أنه حرر الأمة وجاهد وقاتل في سبيل الله وأنه علَّم الناس، وكذلك جاء بعده أبو بكر وجاء بعده صلاح الدين، وجاء بعده فلان بن فلان، وكلهم مصلحون.

    فنقول: أخطأت، الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كهؤلاء، فهو المصلح الأول، وهو صلى الله عليه وسلم المعصوم، وهو الرسول للبشرية، وهؤلاء تلاميذ له، ولا يقارنون به.

    وبعضهم غَلا في حبه حتى أوصله إلى مرتبة الألوهية واستسقى بقبره وسأل منه المغفرة بعد موته وغالى فيه غلواً، كما قد ذكرت بعض أبيات المتصوفة فيما سبق.

    توسط أهل السنة في الأخلاق

    وهم في الأخلاق وسط:

    فالبياض إذا كثر أصبح برصاً، قال تعالى: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3] فالتواضع إذا زاد عن حده صار ذلة، والعزة إذا ارتفعت صارت كبراً، والكرم إذا زاد أصبح إسرافاً، وإذا قل صار بخلاً.

    فالوسط الوسط في الأخلاق.

    وهذه يلهمها العبد، وهي المسألة التي يقول فيها ابن تيمية الهداية إلى الصراط المستقيم، التي يسأل العبد ربه في كل صلاة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فإن دراجات الهداية دقيقة وكثيرة لا يعلمها إلا الله، ولا يصل إلى الدرجة العالية إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليعلم هذا.

    إذاً التوسط في الأخلاق هو المحمود، ومن أسس الماسونية أنهم يجعلون القاسم المشترك هو خلق الإنسان، فيقولون: ما دام حسن الخلق، أي: لا يزعج أحداً، حتى إذا كان الخواجة الأمريكي معك، فليس لك أن تزعجه إذا رأيته يخالف في بعض الأمور، فمن حسن الخلق أن تتأدب معه وتتلاطف، وأن تذل له، لأن خلق الإنسان لا بد أن يكون مشتركاً بين الناس، حتى أنهم يقولون: العزة هذه من أين أتيتم بها؟ فلا يجوز عندهم جرح الشعور.

    والله عز وجل يقول: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] وقال تعالى عن المؤمنين: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] فلا يصح أن تقلب، بل يبقى المسلم عزيزاً بإسلامه، والكافر ذليلاً بكفره، لكن يبقى حسن المعاملة، فالدين المعاملة: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] قال بعض المفسرين: قيلت في سائر الناس، أن تقول لهم: حسناً؛ تصرفاً حسناً، أما الذلة والاستخذاء فهذا محرم.

    توسط أهل السنة في العبادة

    أهل السنة وسط في العبادة، فلا يكسلون، ولا يجفون، ولا يتركون النوافل، ولا يقصرون في أداء حقوق الله عز وجل بل يتزودون بالنوافل ويعلمون أن أقرب الناس إلى الله أكثرهم نافلة، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: {ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به...} الحديث.

    وعند مسلم عن ربيعة بن مالك قال: {أريد مرافقتك في الجنة يا رسول الله! قال: أوغير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود}.

    وعند مسلم عن ثوبان: {فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة} فإذا رأيت الإنسان لا نافلة له، فاعلم أن هذا لمرضٍ فيه، بل بعضهم يترك العشر النوافل التي كان يحافظ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي السنن الراتبة، وقد قال كثير من العلماء: من تركها فهو رجل سوء، وهي:

    ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فهذه العشر التي حافظ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم مع الوتر وركعتي الضحى، ومثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فهذا هو الوسط.

    وأما قوم فزادوا على أنفسهم، فسردوا الأيام كلها صياماً، وقاموا الليل كله، وختموا القرآن في يوم؛ فانقطعوا، وأهل السنة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، ودل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: {القصد القصد تبلغوا} {فإن المنبتّ -وقد أرسلهابن المنكدر ففي الحديث نظر- لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع}.. {إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبة} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    توسط أهل السنة في الجرح والتعديل

    وأهل السنة وسط في الجرح والتعديل، أي: في الكلام في الرجال، والكلام في الهيئات، فهم يحكمون كتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لأن بعض الناس يحكم هواه في حب الناس، فَيُسْأَلُ عن عالم ولو كان فيه ضلالٌ، فتجده لحبه أو لأنه أسدى له معروفاً يمجده وينسى خطأه ويرفعه لأعلى عليين، ويذكر عالماً آخر أفضل من ذلك، ولكن ربما لمواقف شخصية أو هوى أو حسد، فيحط من قدره وينسف حسناته، وهذا خطأ، وقد ذكر الذهبي في ترجمة قتادة بن دعامة السدوسي وقد كانت فيه بدعة، لكنه حافظ من حفاظ الحديث وعالم جليل، قال: ولا تهدر حسنات الرجل وذكاؤه وحبه الخير -أو كما قال- هذا ولا ننسى بدعته.

    ويسأل ابن تيمية عن الغزالي فيعطي حسناته وسيئاته، ويسأل عن كتابه (إحياء علوم الدين) فيعطي حسناته وسيئاته، فهم يعملون بقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8] فلا يحكِّم أهل السنة الأهواء أو الحسد أو الغيرة؛ لأن كلام الأقران كما يقولون: يطوى ولا يروى، ولا يقبل في بعضهم، إلا إذا ذكر السبب وعرفت الملابسات.

    والإمام مالك على جلالته ومحمد بن إسحاق صاحب السير على جلالته يقول أهل العلم: لا نقبل كلام الإمام مالك في ابن إسحاق، ولا كلام ابن إسحاق في مالك، فالإمام مالك يقول عن ابن إسحاق: دجال الحرة، وابن إسحاق يقول: أنا بيطار كتبه، خرجت كتب مالك من يدي، رحمك الله يا بن إسحاق أنت مأجور ومشكور، ولا نقبل كلامك في مالك، ولا نقبل كلام مالك فيك، وكذلك أبو نعيم يقول في ابن مندة: ليس بحافظ، قال الذهبي: لا نقبل كلامه فيك، ولا نقبل كلامك فيه، وهو حافظ صين دين، وأنت حافظ صين دين، لكن احفظ لسانك.

    وذكر عالماً آخر تكلم في رجل، وقال: لا نقبل كلامك فيه والسلام.

    فأهل السنة يحكمون الكتاب والسنة، ويحكمون الدين بلا هوى في الجرح والتعديل.

    وقد اجتزأتها نظراً لأني سوف أترك المجال للشيخ العامل والداعية المعروف: الشيخ/ عبد الله الجلالي، فباسمكم جميعاً وباسم أهالي المنطقة أرحب به ضيفاً عزيزاً على قلوبنا، ونسأل الله أن ينفع به وهو معروف لدى الجميع، والتعريف به كالتعريف بالعلم، فأنا أدعوه للتقدم ليعطينا مما أعطاه الله زاده الله توفيقاً ورشداً، وحياه الله وبياه ومرحباً به، فليواصل معنا إلى الأذان، ومن الأذان إلى الإقامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    فضل مجالس العلم

    كلمة للشيخ عبد الله الجلالي:

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين إلى يوم الدين.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الأحبة في الله! ما كنت أتمنى أن أتقدم، وكنت أظن أن الشيخ لم يرني وكان الحديث مفيداً، لكن دعاني الشيخ، فأنا مستعد -إن شاء الله- لا معلقاً وإنما شاكراً أولاً لله عز وجل، فهو الذي يدافع عن الذين آمنوا، وهو الذي يحق الحق ويبطل الباطل، ثم شاكراً للشيخ/ عائض جزاه الله عنا خيراً، فهو الذي اجتمع أمامه هذا العدد الكبير الذي لم أره في حلقةٍ من حلق الذكر أو مجلسٍ من مجالس العلم أبداً؛ إلا لحسن طويته ولإخلاصه إن شاء الله تعالى، وأسأل الله أن يثيبه.

    ثم أشكر لكم أيها الإخوة! وأقول: هكذا يجب أن يكون الرجال، وهكذا يجب أن يكون المؤمنون مع علمائهم وشيوخهم، أشكر لكم؛ لأن كثيراً منكم جاء من أماكن بعيدة، وأشكر لكم؛ لأنكم تعيشون فترة قل فيها الطالبون للعلم، وكثر فيها الطالبون للدنيا ومتاعها، وأرجو أن نكون جميعاً من الغرباء الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: ( هم الذين يصلحون إذا فسد الناس).

    وليس غريباً -أيها الإخوة- أن تجتمعوا هذا الاجتماع يوم كانت المقاييس غير المقاييس التي يعيشها الناس اليوم، ولا نفقد الثقة ففي هذه الأيام خيرٌ كثير والحمد لله؛ لأن العلم تضرب له أكباد الإبل قديماً وحديثاً، ولأن في سلفنا الصالح من يقطع آلاف الأميال يبحث عن مسألة في وقتٍ كان فيه الظهر غير متوفر، ولا الظروف ميسرة، أما وقد تيسرت الوسائل وتوفرت الظهور فإن هذه حجة علينا لا حجة لنا.

    أيها الإخوة! أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على مجالس، بل أثنى الله عز وجل قبل ذلك وقال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والذيْنَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]

    ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد فرأى حلقتين: حلقة علمٍ وحلقة عبادة، فترك حلقة العبادة وجلس في حلقة العلم، وقال: (إنما بعثت معلماً). بل قال عليه الصلاة والسلام: ( وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده) فهذه صفات -يذكرنا الله في من عنده من الملائكة، وتحفنا الملائكة، وتغشانا الرحمة- نحن بحاجة إليها دائماً وأبداً.

    ضرورة حضور مجالس العلم

    إخواني! أعداؤنا يضربون أكباد الإبل من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، من أجل مصالح مادية، بل من أجل فسادٍ في الأرض، بل من أجل إهلاك الحرث والنسل، ونحن أولى بأن نحث الخطا لمثل هذه المجالس.

    والله -يا إخوتي- لا أكذبكم لقد رأيت بعيني هاتين ولا أكتم ولا أغير ما رأيت: كنت ذات يومٍ في دولةٍ من دول العالم الذي ابتلي بالهجرة -من الدول المجاورة- فسرت ساعاتٍ طويلة داخل غاباتٍ موحشة، وفي شدة الحر، وفي ضنكٍ من الطريق، فلما وصلت إلى تلك المعسكرات التي يقطنها أبناء المسلمين المعذبون رأيت أطفالاً أشبه ما يكونون بالأشباح، وليس هذا عجيباً فالعالم الإسلامي في جله معذبٌ اليوم، وأكثرهم مشرد.

    وتقول الإحصائيات أن في أفريقيا وحدها: 250 مليون كلهم تهددهم المجاعة والموت، والعجيب أني رأيت أطفال المسلمين بأيدي فتياتٍ أوربيات، كأنهن الشمس جمالاً في سن العشرين فما دونها، كل امرأةٍ من هؤلاء النساء احتضنت طفلاً من أبناء المسلمين تربيه، لا تريد أن تربي جسمه؛ وإنما تريد أن تربي عقله خلاف الفطرة، قلت: سبحان الله! كيف جاء هؤلاء من بلاد أوروبا المترفة إلى هذه الغابات الموحشة التي تنتشر فيها الأمراض والأوبئة؛ ولكنها سنة الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:36-37] بل قلت: سبحان الله! هؤلاء الأوربيون جاءوا ليربوا أبناء المسلمين خلاف الفطرة، فأين أبناء المسلمين؟!

    فأجبت نفسي بنفسي: المسلمون معزولون عن المسلمين، لو بحثت عنهم في الأندية أو في ملاعب الكرة أو... لوجدتهم يتكاثرون هناك، فغفلوا عن أبناء جلدتهم فتولى تربيتهم غير المسلمين وإنها لفتنةٌ أسأل الله أن يخلص المسلمين من شرها.

    أحبتي في الله: من هنا يجب أن نفهم أن الجنة سلعة الله، وأنها غالية، وأننا يجب أن نضحي بالنفس والنفيس، والوقت وكل شيء، من أجل أن نعرف كيف نعبد الله، وكيف نتعامل معه بالعبادة، ومن أجل أن نعرف كيف نتعامل مع الناس.

    وإذا قيض الله لنا علماء كأمثال الشيخ/ عائض جزاه الله خيراً والحمد لله هم كثيرون اليوم، يجتزئون جزءاً من وقتهم لهذا الأمر؛ فإنه يصبح لزاماً على كل واحد منا ألا يضيع هذه الفرصة، وإن ضيع هذه الفرصة فأخشى أن يأتي وقتٌ لا تتوفر فيه هذه الفرص؛ لأن العلم سوف يرفع كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفع العلم علامةٌ من علامات الساعة، ورفعه بموت العلماء.

    1.   

    ضرورة العمل لهذا الدين

    والمهم -أيها الإخوة- هو العمل من أجل هذا الدين، وأن نتحمل في سبيله كل مشقة؛ لأن الله تعالى يقول لنا: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] وإذا كان من الناس من يعتبر أو يظن أن حمل الدين سهل أو مفروشٌ بالورود والرياحين فليصحح معتقده، وليتفقد عقله.

    قرأت ذات يومٍ -وإن كان منذ مدةٍ طويلة- قصة رجلٍ من الأتراك كان يدعو إلى الله فضلَّ الطريق فدخل في حدود بلغاريا الشيوعية التي كانت لا تسمح بأي شيءٍ اسمه دين، يقول هذا الأخ التركي: فما زلت أسير في الظلام وقد ضللت الطريق داخل الحدود البلغارية إذ أنا في وسط غابة موحشة فسمعت صوت القرآن الكريم، فاطمأنت نفسي -هو الراوي نفسه- يقول: فاقتربت فوجدت سراجاً صغيراً يحيط به أطفال وفي الوسط شيخٌ كبير السن، فجلست معهم من منتصف الليل إلى قرب الفجر، وهم يقرءون القرآن والشيخ يقرئهم، فلما قرب الفجر تفرقوا، فسألت صاحبي: فقال هؤلاء شبابٌ من بلغاريا، يجتمعون في كل ليلة في منتصف الليل، وهذا شيخ يأتي من تركيا فيخترق الحدود في كل ليلة، فيجلسون ليقرئهم القرآن ويتفرقون قبل أن تنتبه السلطات الشيوعية.

    هكذا يقدر المسلمون لهذا الدين قدره.

    أما إذا ظن المسلمون أن الدين يحتاج أقل من ذلك؛ فإنهم في خطأ.

    أيها الإخوة! الإسلام يحتاج إلى تضحية، وما وصل إلينا بهذا المستوى إلا بعد جهدٍ جهيد، ونحن مطالبون بأن نسعى كما سعى آباؤنا؛ لإقرار الحق وإحقاقه وإبطال الباطل.

    أما العلم فإنه أمرٌ مطلوب، ونحن بمقدار فرحتنا بالصحوة الإسلامية المباركة وبهؤلاء الشباب، والحمد لله الذي منَّ عليهم بالعودة بعد شرودٍ طويل؛ نطالبهم بالعلم؛ لأن العلم هو سلاح الحياة، وهذه المجالس التي تشبه هذا المجلس إنما هي الوسيلة لتحصيل العلم النافع الذي يتحصن به شبابنا.

    فيجب أن نقدر لهؤلاء العلماء قدرهم، ولا نفقد الثقة فيهم مهما قيل عنهم.

    ثم أيضاً يجب أن نلتف حولهم لنأخذ منهم العلم الصحيح، كيف لا وهم يعلموننا ما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    أيها الإخوة! إن وجود مثل هؤلاء العلماء بين ظهرانينا فرصة، ولذلك فإني سوف أزف لكم بشرى سوف يفرح بها كل واحدٍ منكم إن شاء الله: لقد سمعت منذ أيام أن الشيخ عائض سوف يرتحل إلى مكة وبإلحاحٍ من إخوانه الغيورين على دين الله عز وجل وعلى انتشار العلم في كل مكان في الأرض، ولأن مكة فيها والحمد لله خير كثير؛ عدل فكرته -والحمد لله- وقرر الاستقرار هنا.

    ويجب أن يكون هاهنا العلماء، فلا يجوز أن يتركوا الميدان إلا إذا كان أحدهم متحيزاً إلى فئة، ونحن نقول: هنا يجب أن يكون العلماء كما يجب أن يكون هناك في مكة وفي كل مكان من الأرض.

    أهمية التزام الوسطية في العمل للدين

    إن خلو منطقة من العاملين، الذين يبذلون الجهد والوقت؛ ليؤذن بخطر؛ ولذلك فأنا أقول: أيها الإخوة! ما دام الشيخ قد عدل عن هذه الفكرة وعزم على البقاء هنا من أجل المصلحة فإني أحثكم: أن تحثوا الخطا إليه مهما غلا الثمن وعز المطلب وأن تقطعوا مسافات طويلة، فإن ذلك في سبيل مرضاة الله عز وجل.

    أما ما ذكره الشيخ عن الوسطية فإنه أمر نحتاج إليه دائماً لا سيما في هذه الفترة؛ لأننا نعيش في فترة انتشرت فيها الصحوة؛ لكنها تفقد في بعض الأحيان العلم الصحيح الذي يصحح المسار، ويحدد العمل؛ ولذلك نسمع في هذه الأيام.. تطرف.. وسواس.. تشدد، وهذا قد يوجد؛ لكنه نادر؛ وهذه الكلمات لربما تظهر من قوم فوجئوا بهذه الصحوة الإسلامية المباركة وعلى غير انتظار، وجاءهم شباب ملتزم مستقيم على دين الله بعد شرودٍ طويل فظنوا أن هذا هو التطرف، وأنا لا أنكر وجود هذا الشيء لكنه نادر جداً، بل أقل من النادر.

    أما ما يقال عن الصحوة الإسلامية: بأن فيها تطرفاً فليس فيها تطرف، بل هذا هو الحق الذي غفل عنه الناس مدة طويلةً من الزمن، فعاد الحق إلى نصابه وموقعه؛ فظن بعض الغافلين، وبعض الناس الذين ليس لديهم الخبرة والمعلومات الصحيحة عن حقيقة هذا الدين أن هذا تطرف، وقد يوجد شيءٌ من ذلك.

    ولذلك فكما قال الأخ: إن الأمة الإسلامية أمةٌ وسط، والله تعالى يقول: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143] ومعنى هذه الآية عند المفسرين أنهم عدول؛ لأن الوسط معناه المعتدل، كما قال الله عز وجل: قَالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم:28] أي: أحسنهم رأياً، إلا أن الوسطية أيضاً يفهم منها المعنى الآخر: وهي الاعتدال بين طرفي نقيض.

    فحقاً إن دين الإسلام دينٌ وسط، وهو دائماً بين طرفي نقيض سواء كان في أصوله، أو فروعه، أو سلوكه، أو أخلاقياته، أو آدابه وغير ذلك.

    1.   

    وسطية الإسلام بين المناهج العصرية

    فابتداءً من المناهج العصرية التي تعيش معنا اليوم نجد أن الإسلام دينٌ وسط.

    مثلاً: الرأسمالية في معناها الاصطلاحي الحاضر: جمع الأموال بدون قيدٍ ولا شرط، فلا زكاة، وليس هناك شيءٌ اسمه الربا أو الحرام في كسب المال، وهذا طرف.

    و الشيوعية الملحدة الكافرة التي تحكم بـالاشتراكية وهي طرفٌ آخر: تأخذ الأموال بحجة أنها تأخذها من الأغنياء وتعطيها الفقراء، وهذا كذب، بل تؤخذ من الأغنياء لتردهم فقراء، وتدفع إلى أشياء لا نستطيع أن نتحدث عنها الآن.

    ثم جاء دين الإسلام، بل دين الإسلام هو قبل هذه المذاهب كلها فهو دينٌ وسط، فقد أمر باقتناء الأموال وهو هنا مخالف للشيوعية التي تلغي الملكية الفردية، وتلغي الأسرة، بل وتنكر كل النواميس التي يؤمن بها الإنسان بعقله حتى تنكر الخالق سُبحَانَهُ وَتَعَالى تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فجاء الإسلام وهو وسط بين طرفي نقيض فليس هو في الرأسمالية التي لا تقف عند حدٍ في كسب المال، ولا تعترف بربا ولا بمحرم في كسب المال، ولا تعترف بزكاة ولا غيره، ولا هو بـالشيوعية الاشتراكية التي تبتز أموال الأغنياء لتحولهم إلى فقراء دون أن تسد حاجة الفقراء.

    فقد جاء الله عز وجل بأحسن نظام، وهو نظام الزكاة، والنفقات، والكفارات والصدقات، إلى غير ذلك.

    أمر آخر: من المذاهب العصرية التي تعيش معنا اليوم؛ الشيوعية الملحدة المادية التي لا تؤمن إلا بالمحسوسات، وهذه لا يخفى على أحدٍ منا، وهي -والحمد لله- الآن سقطت تحت أقدام المسلمين اليوم، فهي تداس بالأقدام حتى في بلادها.

    وهناك مذهبٌ آخر خرافي يقدس ويحترم الروح، ويهمل الجسد، تلك تهمل الروح وتهتم بالجسد، وهذه تهمل الجسد وتهتم بالروح وتبالغ.

    ولذلك الحديث عن هذا المذهب الأخير في بلادنا غير واضح وغير مفهوم والحمد لله؛ لأن بلادنا لا تعرف البدع ولا الخرافات ولا الشركيات والوثنيات، ونشكر الله عز وجل، ثم نشكر لدعوة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب الذي كان سبباً في إنقاذ هذه البلاد بالرغم من ترامي أطرافها، وبالرغم مما هي فيه من الجهل والبادية في سابق أمرها.

    لكن -يا أخي- لو سرت في العالم الإسلامي لرأيت العجب العجاب، ولرأيت قوماً يقدسون القبور والأولياء، ويعتقدون فيهم النفع والضر من دون الله، بل -والله- يقدسون حتى من دون ذلك، ولقد رأيت -والله- بعيني هاتين قبر رجل شيوعي في مكان وقد بنى عليه ضريح، وهم يعرفون أنه شيوعي صيني.

    فهذه الأمور التي تعدت الحدود في الروحانيات؛ فقدست الأولياء بدون قيدٍ ولا شرط، واعتقدت أنهم ينفعون ويضرون من دون الله عز وجل، وهذا شرك أكبر.

    ولو رأيت -يا أخي- بعض المزارات؛ لرأيت أن من يطوف حول الكعبة لا يساوي معشار من يطوف حول هذه الأضرحة، فإنه يحج إليها الناس في باصات وطائرات وقطارات، كلها تذهب إلى هذه الأضرحة، والناس في زحام حتى لا يُعطى الشخص في بعض الأماكن إلا شوطاً واحداً من شدة الزحام، يقول: شوط واحد فقط وتمشي، أما الطواف حول الكعبة فإنه سبعة أشواط؛ لأن العدد حول الكعبة معقول يتسع لسبعة أشواط؛ لكن هنا لا يتسع لسبعة أشواط.

    والمصيبة الكبيرة -يا إخوان- أننا رأينا علماء -أشكر الله على هؤلاء العلماء الذين يسيرون بكم نحو الفطرة- يدعون الناس إلى هذه الوثنيات والقبور والأضرحة، ويريقون من الدموع حول هذه الأضرحة؛ أكثر مما يريقه المسلمون حول الكعبة المشرفة وعند الحجر الأسود.

    وهذه بلية نحن -والحمد لله- سلمنا منها، فنشكر الله عز وجل الذي هدانا للفطرة.

    ولقد تذكرت حينما كنت أسير في تلك البلاد وأرى هؤلاء المخرفين والخرافات بل وأرى من العلماء من يدعون هؤلاء الناس إلى هؤلاء المهذرفين وهذه الخرافات، وإذا قيل لأحدهم: اتق الله، قالوا: أنتم تكرهون محمداً والأولياء والصالحين.

    ونحن -والله- نحب محمداً أكثر منهم، ونحب الصالحين أكثر منهم، لكننا لا نعطي أحداً ما نعطيه الله عز وجل، تذكرت وأنا أرى هذه المناظر المحزنة المبكية المضحكة في آن واحد قول الله عز وجل عن قومٍ في النار يلومون قوماً في النار: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات:28] يعني: ما جئتمونا عن طريق المعاصي، وعن طريق الآثام، بل جئتمونا عن طريق الطاعة، عن طريق اليمين وعن جهة اليمين، فلو جئتمونا عن الطريق المنحرفة لما صدقناكم، فهذا ما يقوله بعض أهل النار لبعض، ويقوله الأتباع للقادة وللسادة.

    فإنهم لو أتوهم عن طريق المعصية والخمور والزنا والفواحش والسرقة والسطو لما اتبعوهم، وهذه جرائم كبيرة خطيرة لكن الإنسان وهو يقترفها يتوب منها؛ لأنه يعترف بأنها معصية، وأجهلهم إذا قيل له: اتق الله، قال: عسى الله أن يهديني؛ لكن ما رأيك في إنسان يعمل البدع والخرافات والشركيات والوثنيات ويعتقد أنها من الدين؟

    هل يفكر أن يتوب في يوم من الأيام؟

    لا يفكر بذلك؛ لأنه يعتقد نفسه في طاعة، ولذلك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أخبر عنهم في النار، فقال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَة * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية:2-4] خشوعها ونصبها في الدنيا ما خلصها من النار الحامية؛ لأنهم لم يسيروا على المنهج الذي سار عليه محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذاً نحن بين طرفي نقيض، بين من يدعو إلى المادية وينبذ الروح، وبين من يزيد في حق الروح ويتعدى فيها الحدود، ويهمل الجسد.

    ولذلك فإننا أمة وسط، وديننا وسط والحمد لله، ونحن نشكر الله عز وجل على ذلك، فنحن نؤمن بالله عز وجل، ونؤمن بالروحانيات، لكننا لا ننسجم معها على غير منهجٍ صحيح وعلى غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

    أهمية فهم وسطية الإسلام

    فهذه الأمة أمةٌ وسط، وهذه الوسطية مهمةٌ جداً، حتى لا يظن بعض الناس أن دين الإسلام دينٌ مطاط، يدخل فيه ما يشاء من البدع والخرافات، وكلما أتى ببدعة قال هذه بدعة حسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في كثير من خطب الجمعة: { ألا إن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة}.

    إذاً: ليس هناك بدعة حسنة، فالذين جعلوا الدين مطاطاً أخطئوا، كما أن الذين تجردوا عن الإسلام أخطئوا، ولكن -وأقسم بالله العظيم- لو بعث فينا اليوم محمدٌ صلى الله عليه وسلم ورأى هذا العالم، ما بين مجرمٍ فاسق، وما بين موغلٍ في الصوفية والخرافة والشرك والوثنية؛ لحمل السلاح في وجه هؤلاء الخرافيين قبل أن يحمله في وجه هؤلاء العصاة والمجرمين؛ لأن هؤلاء إما أن يكونوا قد كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، حينما قال: { تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك} أو يكونوا قد كذَّبوا الله عز وجل يوم قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً [المائدة:3]

    وقد جعل الله عز وجل شرطين لقبول العمل: أن يكون صالحاً صواباً موافقاً لما جاء به المرسلون عليهم الصلاة والسلام.

    وأن يكون خالصاً لله عز وجل.

    أيها الإخوة! لا أريد أن أدخل في هذه المواضيع، ولكني أقول: أبشروا فأنتم في روضةٍ من رياض الجنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: { إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر}.

    فحلق الذكر: هي مجالس العلم، وهي رياض الجنة، وأبشروا فقد حدثنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة سوف تفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة: { قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثلما أنا عليه وأصحابي} والله! لقد كانت حياة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كلها علماً وبحثاً وكسباً وتحصيلاً وحرصاً على ما يرضي الله عز وجل؛ لأن هذا الإنسان ما خلق إلا للعبادة، وما تزاوله -يا أخي- من بيعٍ وشراء وأخذٍ وعطاء وغير ذلك من الأمور التي أنت محتاجٌ إليها ومأمورٌ بها إنما هي وسيلة، ولكن الغاية هي العلم النافع الذي يعرفك بالله عز وجل، ثم العمل الصالح الذي ينشأ عن هذا العلم.

    ونحن -والحمد لله- نعيش فترة توفرت فيها وسائل الراحة ووسائل النقل وتوفر فيها الرزق، يوم كان آباؤنا وأجدادنا لا يحصلون على لقمة العيش إلا بعد شغفٍ وتعبٍ ومشقة؛ كانوا أحرص على طلب العلم منا اليوم، ولكننا نشكر الله أن نجد في مثل هذه المدينة المباركة، وفي هذه المنطقة المباركة مثل هذا الوجوه الطيبة التي تأتي من هنا وهناك، وتقطع الفيافي تبحث عن العلم. وأسأل الله عز وجل أن يثبت الأقدام وأن يوفق العلماء لإحياء مجالس الذكر وحلق العلم، إنه على ذلك قدير.

    ثم أقول: أيها الإخوة! اتقوا الله لا سيما في هذه الظروف، فإن أمتنا اليوم تعيش ظروفاً فيها كثيرٌ من الخطر، وإن الإنذارات التي هي الآن من حولنا وقريبةٌ منا تنذرنا بأن نخشى الله عز وجل، وأن نتفقد أنفسنا وأن نراقب أعمالنا، وأن نتفقد سجلات العمل؛ لأن هذه الفترة تشبه فترةً يقضيها التاجر مع دفاتر تجارته لو أحس بشيء من الخسارة، أو شعر بشيء من ضياع المال فإنه يستعيد دفاتر تجارته؛ لينظر في أرباحه وخسارته.

    واليوم وفي مثل هذه الأيام -ونرجو أن تكون أياماً مباركةً إن شاء الله وبعدها أيامٌ مباركة- هي مفرقٌ من مفارق طرق الحياة، ولذلك فإن على كل واحدٍ منا أن يتفقد اليوم نفسه، فإن المؤمن لا يؤتى إلا من قبل نفسه، والله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة، فهو القائل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:41] سواء كان فساداً خلقياً، أو فساداً اجتماعياً، أو اقتصادياً، أو أي نوع من الفساد إنما هو بما كسبت أيدي الناس، بل إن الله عز وجل يقول: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [فاطر:45].

    أيها الإخوة! نحن مطالبون اليوم بأن نتفقد أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا، وننظر ما الذي حدث حتى لا نقع في سخط الله عز وجل وعقابه، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43] فالتضرع مطلوبٌ دائماً وأبداً لا سيما في أيام البأس، ولنا أعداء من الداخل والخارج، وأعداؤنا يكرهون بلادنا؛ لأنها هي البلاد الوحيدة التي تطبق شرع الله عز وجل؛ ولأن بلادنا هي الوحيدة التي ليس فيها معبدٌ ليهودي ولا نصراني ولا لوثني ولا بوذي ولا لغيرهم؛ ولأن بلادنا هذه هي بلاد المقدسات وبلاد الفطرة، وفيها الذين قدموا أنفسهم وأموالهم للدعوة لله عز وجل في أرجاء العالم؛ لذلك فإن علينا أن نجدد التوبة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأشكر الله ثم أشكر فضيلة الشيخ/ عائض الذي قدمني لكم وما كان ينبغي أن نتقدم بعد حديثه، ثم أشكر إخواني الحضور وأرجو الله أن يثبتني وإياكم على كلمة التوحيد، وأن يتوفانا على ملة الإسلام.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2710592784

    عدد مرات الحفظ

    683431188