إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الدليل الثاني: السنة

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - الدليل الثاني: السنةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعد السنة النبوية الدليل الثاني من الأدلة الشرعية، ومصدر ثان من مصادر التشريع الإسلامي، وهي حجة على الخلق أجمعين، وعلاقتها بالقرآن: إما أن تكون مفسرة له، أو مبينة لمجمله، أو مقيدة لمطلقه، أو ناسخة له، والسنة على أنواع عدة، فمنها: القولي، والفعلي، والتقريري.

    1.   

    تعريف السنة عند العلماء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    السنة في اللغة: الطريقة المتكررة، قال الله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:62].

    وأما السنة في الاصطلاح فتختلف معانيها باختلاف الذين عرفوها، فعند الفقهاء تعريف السنة غير تعريف السنة عند الأصوليين، غير تعريف السنة عند المحدثين، وعند أهل العقيدة أيضاً.

    ففي اصطلاح أهل العقيدة السنة هي: خلاف البدعة ونقيضها.

    وأما السنة عند الفقهاء فهي بمعنى: النافلة، أي: غير الواجب، مثل السنن الراتبة التي نصليها أو غيرها.

    وأما السنة عند المحدثين فهي: كل ما أسند أو أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية.

    وأما السنة عند الأصوليين -وهذا هو مبحثنا-: فهي كل ما أضيف أو كل ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

    إذاً: الفرق بين تعريف الأصوليين وتعريف المحدثين هو: الزيادة في قول المحدثين: كل صفة خَلقية أو خُلقية؛ لأن السنة عند الأصوليين هو: كل ما أسند أو أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير فقط.

    ومعنى: (ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم) أي: أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء قد بينوا أن الإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إضافات، فممكن أن يقول: -مثلاً- مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا إسناد للنبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول: مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه إضافة للنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، وإن كان الصحابي يعنعن.

    أو يقال مثلاً: حديث عن أبي هريرة يبلغ به، أي: يبلغ به للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ينميه، أو يرفعه، وكل ذلك إسناد للنبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً من الإسناد والإضافة -وهو الأكثر انتشاراً عند المحدثين- إذا قال الصحابي: أُمرنا بكذا.. أو نُهينا عن كذا.. وقد بين العلماء ذلك، والراجح: أن قول الصحابي: أمرنا.. أو نهينا.. لا يكون إلا من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكون من غيره.

    وبعض العلماء قال: ممكن أن يكون من أبي بكر أو من عمر ، والصحيح الراجح: أن قول الصحابي: أُمرنا.. أو نُهينا إسناداً للنبي صلى الله عليه وسلم كما في مقدمة صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76])، فأُمرنا أو نُهينا من الصحابي تدل على أنه يبلغ به للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فكل ما أسند أو أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أي: كل ما يتكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين مثلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). أي: إتلاف المال، فهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    من قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: (ولا تبع ما ليس عندك) كما في حديث حكيم بن حزام في السنن بسند صحيح، فهذا من القول أيضاً.

    ومعنى: (أو فعل) الفعل ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم فرآه الصحابة فنقلوه عنه، ومثال ذلك: حديث أبي موسى الأشعري في الصحيحين قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يتسوك بسواك، فكان يدخل السواك إلى فمه، فكان يتهوع فيقول: أع أع) من كثرة ما يدخل السواك في فمه، وهذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً: من فعل النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر : (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه حذو منكبيه) فهذا أيضاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    معنى: (أو تقرير) أن النبي صلى الله عليه وسلم يرى صحابياً يفعل شيئاً، ويكون الفعل هذا من باب الأحكام الشرعية فلا ينكر عليه، فهذا من باب التقرير أو من باب الإقرار.

    كأن يرى صحابياً من الصحابة يفعل شيئاً، أو يخبر النبي صلى الله عليه وسلم به ويقره على ذلك، كما في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله : (كنا نعزل والقرآن ينزل) أي: والوحي ينزل، والعزل: هو أن يجامع الرجل امرأته ولكن لا يقذف في الداخل، قال: (كان نعزل والقرآن ينزل) أي: أنه إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم العزل، فهذه سنة تقريرية، أو يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بفعل صحابي، ويكون هذا الفعل متعلق بحكم شرعي، فإذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم فهذا إقرار، ويشترط أن يخبر سماعاً أو يرى فيقر ذلك، وهذه هي السنة التقريرية.

    1.   

    حجية السنة وشروط ذلك

    والسنة حجة شرعية، ومعنى حجة شرعية: إذا أتاك الحديث وجب عليك العمل به، وذلك بشرطين اثنين:

    الشرط الأول: أن يكون صحيح السند، أي: أن تعلم يقيناً أنه صحيح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تعلم ظناً، أو غالب ظن، أنه خرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم.

    الشرط الثاني: أن تفقه معناه، أي: لا تفعل شيئاً تجهله، بل تسأل أهل العلم لتفقه معناه، أما الذي لا يحتاج إلى سؤال ولا إلى فقه فيجب عليك العمل به دون أن ترجع إلى أهل العلم كما بين وألمح إلى ذلك ابن القيم .

    الأدلة على حجية السنة

    السنة حجة شرعية، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والعقل.

    أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]، فهذا على العموم، فيأمرنا الله جل وعلا أن نأخذ بما آتانا النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وأن نترك ما نهانا عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال جل وعلا: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، فجعل طاعة الرسول من طاعة الله جل وعلا.

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، فأفرد طاعة للرسول ولم يفرد لأولي الأمر؛ لأن طاعة ولي الأمر تكون في طاعة النبي أو طاعة الله جل وعلا.

    وأيضاً قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65] فنفى الإيمان عمن لا يسمع ويطيع لما سمع.

    وقال جل وعلا: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36]، فهذه دلالة على أن الإيمان مرتبط بالسمع والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً قال الله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، قال الشافعي أو وبالاتفاق أن معنى: (آيات الله): القرآن، (والحكمة): السنة.

    وأما من السنة: ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة بنص الحديث؛ لأن الذي يأبى يدخل النار، ولا يدخل النار إلا في محرم، فيجب على المرء أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا وإني قد أوتيت هذا الكتاب ومثله معه) أي: في الحجية، والمثلية بمعنى: أن السنة ترتقي إلى أن تكون مثل القرآن في الحجة، أي: يلزمنا العمل بها، فهي ثابتة بالكتاب والسنة وبالعقل أيضاً، والنبي صلى الله عليه وسلم ما عليه إلا البلاغ، قال تعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54]، فهو يبلغ، وهذا البلاغ محل إلزام الناس، والاستسلام بالعمل بهذا الذي يبلغه الرسول كما قال الشافعي : آمنت بالله -أي: استسلمت- وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: حجية السنة ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالعقل.

    1.   

    علاقة السنة بالقرآن

    علاقة السنة بالقرآن: أنها مفسرة له، ومقيده لمطلقه، ومبينة لمجمله، وعلى الراجح من أقوال أهل العلم أنها ناسخة للقرآن.

    السنة مفسرة للقرآن

    السنة مفسرة للقرآن، فهي تبين وتفسر مراد الرب جل وعلا في كتابه، قال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    والقاعدة التي قعدها المحققون من أهل التفسير: أن أفضل التفاسير: تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة،

    ثم تفسير القرآن بقول الصحابي، ثم تفسير القرآن باللغة، ولكن بضوابط كما قعدها شيخ الإسلام.

    فالسنة مفسرة للقرآن وتبين مراد الله جل وعلا، ومثال ذلك: قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فالصحابة شق عليهم الأمر، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- : (وأينا لم يظلم نفسه؟) ففهموا من هذه الآية أن الظلم المذكور: الظلم الأصغر والأكبر، فقالوا: (أينا لم يظلم نفسه؟) أي: من منا لم يتعد شرع الله جل وعلا، أو يعصِ الله جل وعلا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس ذلك، ثم بين لهم وتلا الآية: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]) ففسر النبي صلى الله عليه وسلم الآية: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] أي: لم يلبسوا إيمانهم بشرك، وهذا تفسير من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصحيح الذي يفسر القرآن به، وهذا لا يمنع أن المرء الذي ظلم نفسه بالمعاصي لا يكون له الأمن التام، لكن الغرض المقصود أن السنة قد فسرت هذه الآية.

    أيضاً قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الزيادة: برؤية الله جل وعلا في الجنة.

    مثال آخر: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة : يا رسول الله! ألم يقل الله جل وعلا: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8]، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم -مفسراً لهذه الآية أن هذا ليس نقاش حساب-: هذا عرض، ومن نوقش الحساب عذب) ففي هذا دلالة على أن السنة تفسر القرآن، وهذه هي العلاقة الأولى بين السنة والقرآن.

    السنة مبينة لمجمل القرآن

    السنة مبينة لمجمل القرآن، مثال ذلك قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43]، فهذا مجمل، فالصلاة لها أركان وشروط وسنن وهيئات لا نعرفها، فبينها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أوقاتها، وإن كانت الأوقات مشار إليها بالتلميح في القرآن؛ لأن الله جل وعلا قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    فقوله: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): إشارة لوقت الظهر ووقت العصر.

    وقوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ): وقت المغرب ووقت العشاء.

    وقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ): يقصد به صلاة الفجر، فهذا تلميح، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن الأوقات الخمس كما في الصحيح: أن جبريل أتاه عندما صار ظل كل شيء مثله ومثليه إلى آخر الحديث المشهور.

    وأيضاً بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من أركان الصلاة الفاتحة فقال: (من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له)، وبين لنا الهيئات كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ونهيت عن الكف) والأعظم السبعة هي: الجبهة والأنف الوجه واليدين والركبتين وأطراف القدمين، فهذا كله بيان لكيفية الصلاة.

    وأيضاً قوله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، فهذا مجمل بينه النبي صلى الله عليه وسلم بأن الزكاة تخرج بشرطين اثنين: حولان الحول، وبلوغ النصاب.

    وقال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كيفية حج البيت.

    إذاً: السنة النبوية مبينه لمجمل القرآن.

    السنة مقيدة لمطلق القرآن

    السنة مقيدة لمطلق القرآن، فهناك مطلقات في القرآن تعمل على إطلاقها، مثال ذلك:قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38]، فاليد في اللغة: تطلق على كل اليد، فهل نقطع من الكتف، أم من العضد، أم من المرفق، أم من الكوع، أم من البوع؟

    اختلف الناس هل يقطع من الكوع، أو من المرفق، أو من العضد؟ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقطع بفعله من الكوع، فهذه قيدت مطلق القرآن.

    السنة ناسخة للقرآن

    الراجح من أقوال أهل العلم: أن السنة تنسخ القرآن، وضربوا لذلك مثلاً. وهو: قول النبي: (لا وصيه لوارث) وقلنا: إن هذا لا يستقيم، لكن الجمهور يقولون: بأن السنة تنسخ القرآن.

    1.   

    أنواع السنة

    السنة النبوية على أنواع: سنة قوليه، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.

    السنن القولية

    أما السنن القولية: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحبكم إلي وأقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة مساوئكم أخلاقاً) فهذه سنة قولية، وهي أقوى حجة من التي تليها، فالسنة القولية أقوى في الدلالة من الفعلية والتقريرية، ومعرفة الأقوى يفيدنا علمياً إذا تعارض القول والفعل، فإن القول يكون أقوى من الفعل، فنقدم القول على الفعل، وهذا بشرط: عدم إمكانية الجمع، وذلك كما بينا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تريد أن يشرب معك الهر) وقوله: (يشرب معك من هو شر منه الشيطان) وأمر أحدهم عندما شرب قائماً أن يجلس، ومع ذلك شرب قائماً، فتعارض القول والفعل، فأمكن الجمع بينهما فنقول: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم صارف للتحريم إلى الكراهة، فأمكن الجمع هنا: فيكره الشرب قائماً ولا يحرم، لكن إذا لم نستطع أن نجمع نقدم القول على الفعل.

    لكن الشوكاني -هو من المتأخرين- يقعد قاعدة غريبة وهي: أنه إذا عارض قول النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيقول: فعل النبي خاص به، ونقدم دائماً القول.

    والمقصود أن السنة القولية أشد حجة وأقوى في الدلالة من الفعلية والتقريرية.

    السنة الفعلية

    السنة الفعلية هي: التي تنقل لنا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مثال ذلك: أنه كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع على يمينه كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وفي سنن أبي داود أيضاً أنه كان إذا قام من الليل فانتهى، أي: صلى الوتر، تكلم وتسامر مع عائشة إذا كانت مستيقظة، وإلا اضطجع على يمينه، وهذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وتتعلق بأفعاله صلى الله عليه وسلم أمور منها:

    أولاً: أن الأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب، أي: أنه لا يمكن لأحد أن يلزم الناس بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك: الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل كما في حديث عائشة في اليوم الأول وقام خلفه أناس، ثم قام آخرون إلى اليوم الثالث، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج إليهم في اليوم الرابع، فاجتمع الناس في المسجد وضج بالناس، فلما سألوه عن ذلك قال: (خشيت أن تفرض عليكم).

    والدلالة من هذا الحديث هي: أنه قال: (خشيت أن تفرض عليكم)، ولو كان الأصل في الفعل الوجوب لكان من أول ليلة واجباً، والأمر الثاني: أنه قال: (خشيت أن تفرض) أي: أنها ليست بفرض، وهذه دلالة على أن فعله المجرد ليس بواجب.

    إذاً: الأصل في أفعال الرسول أنها ليست واجبة، وهذا يفيدك علمياً، فمثلاً: لو احتج عليك أحد بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كالوصال مثلاً أو غيره، فأنت تقول له: الفعل ليس بواجب، والأصل في الفعل الاستحباب لا الوجوب.

    ثانياً: أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع:

    النوع الأول: أفعال خاصة برسول الله، والأصل عدم الخصوصية، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو فعل شيئاً يتعبد به لله، فالأمة بأسرها إما يجب أو يستحب أن تفعل هذا الفعل، أي: أن فعل النبي عام لكل الأمة وليس خاصاً به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، لكن هناك بعض الأفعال خاصة برسول الله بقرينة، فالقاعدة التي يقعدها العلماء: الأصل في أفعال الرسول عدم الخصوصية إلا أن تأتي قرينة تدل على الخصوصية.

    مثال ذلك: نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لأكثر من أربع نسوة، والله جل وعلا ما أباح للأمة أكثر من أربع نسوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج ثلاث عشرة امرأة، وتوفي عن تسع صلى الله عليه وسلم:

    الأولى: ابنة الجون، وهي التي لم يدخل بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عائشة قالت لها: إذا أردت أن يحبك النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون شديد الحب لك، فإذا رأيتيه فقولي: أعوذ بالله منك، فانجرت المرأة لذلك؛ لأنه لم يكتب لها أن تكون زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت جميلة جداً، فغارت منها عائشة ولقنتها الاستعاذة، فقالت: (أعوذ بالله منك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استعذت بمعاذ)؛ ولذلك استنبط العلماء فقالوا: إن التقي النقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن ينسحب، ولذلك جبريل عليه السلام لما قالت مريم : قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا [مريم:18]، فالتقي إذا قيل له: اتق الله، أو قيل له: أعوذ بالله منك، لا بد أن يتراجع، فلو أراد أن يبطش أو يظلم لا بد أن يتراجع، فقالت: أعوذ بالله منك إن كنت تقياً، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [مريم:19]، فهي قالت للرسول: (أعوذ بالله منك، فقال: استعذتي بمعاذ الحقي بأهلك).

    والغرض المقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم له خاصة أن يتزوج أكثر من أربع نسوة.

    الثانية: المرأة الواهبة نفسها، فهذه خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم أن تأتي امرأة تعرض نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فينظر فيها فإن أعجبته تزوجها بلا مهر، وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فقال الله تعالى: خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فهذه دلالة على الخصوصية.

    أما ما يحدث الآن في عصرنا فلابد من التعزير أو الجلد أو الرجم لمن يفعل ذلك، فلو أن امرأة أتت لرجل وقالت له: وهبت نفسي لك. وهو يقول لها: وهبت لك نفسي، فيتزوجها على ذلك طالما بلغت المحيض، أو بلغت سن الرشد -كما يقولون- وهو من بعد 21 سنة، فهنا لا يجوز شرعاً، فالصحيح أن الواهبة نفسها خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن مثال الخصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم: الوصال: وهو صوم اليومين أو الثلاثة دون إفطار، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل الصوم، أي: كان يصوم يوماً بعد يوم، وهذه كانت خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم على الراجح من أقوال أهل العلم، لأنهم أرادوا الوصال فنهاهم عن ذلك وزجرهم، وأنا أقول على الراجح لأن المسألة فيها خلاف.

    فبعضهم قال: إنها خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: (إني لست كهيئتكم) وهذه دلالة على الخصوصية.

    وأيضاً قال صلى الله عليه وسلم: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) وهذه أيضاً خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    النوع الثاني: أفعال مبينة، فهذه حكمها حكم المبين، إن كانت تبين الواجب فهي واجبة، وإن كانت تبين المستحب فهي مستحبة.

    مثال ذلك: الركوع والسجود في هيئات الصلاة، فهذه الهيئات هيئات تبين أموراً واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإذاً: أي هيئة من هيئات الصلاة سترجع إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا) فيكون بيان الواجب واجب.

    وأيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم -مثلاً-: (خذوا عني مناسككم) فمنها المستحب ومنها الواجب، كالرمل مستحب، والرمل: هو تقارب الخطى أثناء الطواف، وذلك في الثلاثة الأشواط الأولى كما في الصحيحين عن عائشة وابن عمر وهو يصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرمل ثلاثة أشواط، وحكمه مستحب، فلماذا يكون مستحباً والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خذوا عني مناسككم)؟ والأصل هو الأمر: (خذوا عني)، لأنه معلل، والتعليل صارف؛ ولذلك يرى الشنقيطي في (أضواء البيان) أن الرمل ليس بسنة، وذلك على أساس أنه معلل؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمل؛ لأن المشركين كانوا على الجبل ينظرون إليهم ويقولون: جاءكم قوم أصابتهم حمى يثرب لا يستطيعون السير، قد أنهكوا من شدة الحمى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين لهم أن يغيضوا الكفار تبييناً بالجلد، فيرملون حتى يغيضوا الكفار، وهذه سنة، وهذا تعريجاً على أن السنة أنك تغيض الكافر، وهناك أشياء تعملها هي في الأصل محرمة، ولكن إذا كانت تغيظ الكفار فتباح، كالمشية بالتكبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة) كما في الصحيحين عن أبي هريرة ، ومع ذلك أبو دجانة لما أخذ السيف، مشى بين الصفين يتبختر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموقف) فالغيظ للكفار تعبد لله جل وعلا، ولذلك استنبط ابن القيم بفقه عالٍ: أن الإنسان إذا عصى الله فتاب وأناب وخلا بربه فبكى، له أن يخرج لسانه للشيطان، حتى يغيظه، وهذا فقه عز أن يوجد في هذا الزمان.

    والغرض المقصود: أن الرمل كان لسبب ولعلة، والعلة هذه تبين أن الأصل الاستحباب وليس الوجوب.

    فهذه الأفعال تكون أفعالاً مبينة إما لواجب فتكون واجبة، وإما لمستحب فتكون مستحبة.

    النوع الثالث: أفعال جبلية، وهذه ليست بسنة متبعة، ومثالها: عندما تأتي وتأكل الطعام باليد وتقول هذه سنة، فهذا خط؛ لأن هذه جبلة أصلاً، وهذه من عادات العرب، فقد كانوا يأكلون بأيديهم، وأنت لو أكلت بالملعقة لا يقال لك: إنك خالفت السنة، وإنما هذه أفعال جبلية، أو أكلت بالشوكة ليس فيها شيء، فهي أفعال جبلية، وكان يلعق أصابعه؛ لأن العلة هي: أنك لا تدري أين هي البركة؟ إذاً: العق الملعقة، فلعل البركة تكون فيها، لأن العلة موجودة، فهي أصلاً أفعال جبلية.

    وأيضاً: كاضطجاع النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام نفخ، كما في الصحيحين عن ابن عباس قال: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام نفخ) فالنفخ في النوم ليس بسنة.

    وكذلك مشية النبي صلى الله عليه وسلم ليست بسنة.

    وتكون سنة إذا نوى المرء بالعادة عبادة، فمثلاً: إذا نوى المرء أنه يأكل بيده امتثالاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، أي: يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويبتسم كما ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم، وينام كما ينام النبي صلى الله عليه وسلم، يريد أن يفعل كل شيء صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقدر الإمكان، ويسدد ويقارب حتى يفعل ذلك، يقول: أحببت رسول الله، وأحب كل فعل ورد عن رسول الله، فهذه يثاب عليها للقاعدة التي قعدناها وهي: أن العادات بالنيات تنقلب إلى عبادات، فهو إذا نوى ذلك واحتسب أجر أنه يتمثل لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فله بذلك الأجر.

    إذاً: الأفعال الجبلية ليست بسنة أصالة، لكن تنقلب عبادة للمرء إذا نوى فيها.

    ومن الأفعال الجبلية أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الدباء، فكان يتتبعه في الصحفة، وأنس قال: ما رأيت صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً إلا وفعلته، وكان يتتبع الدباء، فأكل الدباء مع أنه لم يكن يحبه، لكن عندما وجد النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء فعل ذلك، أيضاً أعرف من يحب الذراع من الشاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها، وأيضاً كان يحب العسل والحلوى، فهو يحب ذلك لحب النبي صلى الله عليه وسلم لها؛ فهو يحتسب الأجر بذلك، فتنقلب له بذلك إلى عبادة يؤجر عليها.

    والاكتحال كذلك من العادات الجبلية، والعمامة نفس الأمر، لكن القميص وغيره سنة.

    السنة التقريرية

    السنة التقريرية حجة أيضاً، لكنها أضعف من السنة الفعلية، فعند تعارض الفعل مع الإقرار يقدم الفعل على الإقرار، وذلك إذا لم نستطع الجمع بينهما.

    والسنة التقريرية هي: أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم فعل صحابي يتعلق به حكم شرعي، فيقره عليه، أو يرى فعلاً له حكم يتعلق بحكم شرعي، فيقره على ذلك.

    مثاله: الحديث الذي في سنن أبي داود أو في المسند أن عمرو بن العاص

    رضي الله عنه وأرضاه كان في غزوة ذات السلاسل عندما بعث له النبي صلى الله عليه وسلم بـأبي بكر وعمر وأمر عليهم أبا عبيدة ، وقال: (تطاوعا ولا تختلفا) وأبو عبيدة أفضل من عمرو بن العاص

    رضي الله عنه وأرضاه، ولكنه لا يداني أبا بكر وعمر في المكانة، فلما ذهب إليه فقال أبو عبيدة : أنا الأمير، أمرني على أفاضل الناس، وأراد أن يصلي بالناس، فقال عمرو بن العاص : لا، أنا الأمير، ولا يؤم المرء في سلطانه، قال أبو عبيدة : أمرني الرسول صلى الله عليه وسلم: (تطاوعا ولا تختلفا، سأنزل على رأيك)، فكان هو الأمير، فوضعوا أنفسهم خلف أظهرهم، وانتصروا على أنفسهم قبل أن ينتصروا على الشيطان، ولذلك يقول بعض العلماء: لن ينتصر على الشيطان إلا من انتصر على نفسه وهواه، ولن ينتصر في الجهاد أحد حتى يجاهد نفسه وهواه، وبعض العلماء قالوا: إن خالداً وانتصاراته التي انتصر بها على الكفار لا تداني انتصاره على نفسه عندما عزله عمر ، فعندما عزله عمر أصبح جندياً كأي جندي في الجيش، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة) لأنه لا يريد إلا رضا الله جل وعلا، فلذلك نزل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة تحت إمرة عمرو بن العاص

    ، وفي ليلة شاتية شديدة البرودة، قام عمرو بن العاص

    فوجد نفسه جنباً، فقال: كيف أصلي بالناس؟! لا بد أن أغتسل، فذهب فوجد الماء بارداً، فقال: قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، فتيمم مع وجود الماء فصلى بهم وهو جنب، مع أنه علمياً لا يصح التيمم مع وجود الماء، ونحن الآن نترك الضرورة لأننا لا نعرفها، فلما ذهب عمرو بن العاص قص على النبي صلى الله عليه وسلم القصة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقال عمرو رضي الله عنه وأرضاه: تذكرت قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وكان البرد شديداً)، فبين له أنه لو اغتسل في شدة البرد لكان من الممكن أن يموت من شدة البرد، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لفعل عمرو بن العاص ، فهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يكون حكماً عاماً للأمة، أي: لو قام الرجل جنباً ووجد الماء بارداً جداً، وليس عنده غاز وليس عنده سخان وليس عنده أي شيء، ولا يستطيع أن يغتسل بهذا الماء البارد، فله أن يتيمم، فيأخذ التراب، أو على قول المالكية: فيما صعد على الأرض، ويضرب ضربة ويتيمم ويصلي، فيكون حكماً عاماً بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لفعل عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه.

    وفي سنن أبي داود أيضاً مثال: عباد بن بشر وعمار بن ياسر عندما كانا مرابطين، فنام عمار وقام عباد فصلى، فافتتح القراءة فجاء أحد الكفار فضربه بسهم أو برمح فنزف دماً، وما ترك الصلاة حتى استيقظ عمار فقال: لم لم توقظني؟ قال: ما أردت أن أقطع الصلاة أو القراءة، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأقرهما على ذلك، فنحن نحتج بهذا الحديث، مع أن بعض مشايخنا يرى أن الدم نجس، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، لكن الشيخ يقول: المسألة بإجماع الفقهاء أن الدم نجس، وهذا الإجماع فيه نظر كبير، بل الحسن البصري وغيره من السلف، يقولون: بأن الدم طاهر، والصحيح الراجح أن الدم طاهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقر رجل صلى ودمه ينزف، وعمر بن الخطاب لما طعنه هذا الملعون البئيس أبو لؤلؤة وكان جرحه ينزف دماً، فصلى بهذا الدم، وكان ابن مسعود بسند صحيح يذبح الجزور ويلطخ بدمها وما فيها، ويقوم يصلي ولا يغير ثيابه، فهذه دلالة على أن الدم طاهر.

    والدليل الآخر على أن الدم طاهر: أن الأصل عدم النجاسة حتى يأتينا الدليل بالنجاسة، ولا دليل إلا في دم الحيض، ونحن نتفق على أن دم الحيض نجس؛ لأن التصريح جاء به، قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، وحديث أسماء أو غيرها عندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرصيه ثم انضحيه بالماء) قالت: دم الحيض يصيب الثوب، فأمرها -كما في صحيح مسلم - النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تحكه وتقرصه وتنضحه بالماء، فهذه دلالة على أنه نجس، ونحن نتفق أن دم الحيض نجس.

    لكن حديث عباد بن بشر وعمار بن ياسر يدل دلالة قوية على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الصلاة بالدماء، وأن الدم ليس بنجس، وممكن يستشكل علينا من يقول بأن الطهارة في الثوب ليست شرطاً في صحة الصلاة، لكن رأي الجمهور على أنها شرط لصحة الصلاة، والصحيح الراجح كما قلت أن الخلاف فيها قوي، لكن القول: بأن في المسألة إجماع، وأن القول بطهارة الدم بدعة، فهذا كلام مستعجب، وكلام يتعجب منه المرء؛ لأنه ورد عن السلف بأسانيد صحيحة أن الدم طاهر وليس بنجس، فكيف يقال أنه بالإجماع، والخلاف فيه قوي جداً، وإن كنت تريد رداً على المعترض، فأنا أريد الدليل الذي يعترض به المعترض.

    فإن قال قائل: الدليل قوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145].

    قلنا: نحن نقول معك: إن الدم المسفوح رجس، ولكن الرجس لا تدل على أنه نجس، فالخمر طاهر وقال فيها إنها رجس، وهناك بحث عالٍ جداً يبين أن الكحول والخمر طاهرة، والشوكاني رد على من اعترض بهذه الآية وقال: اللغة لا تبين أن الرجس نجاسة، بل يشترك النجس وغيره، فهي ليست فصلاً للنزاع بل هي محتملة، والمحتمل لا يقصد به فض النزاع، ولا بد أن تأتي بدليل قاطع عليه، والدليل القاطع إنما هو في دم الحيض، ونحن نتفق على أن دم الحيض نجس، وكذلك الشهيد، ففي الحديث: (أن يبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك) والأصل الطهارة وعدم النجاسة، فلا تحلني ولا تنقلني عن الأصل إلا بدليل أوضح من شمس النهار، ونحن قلنا: إن استصحاب الأصل من أقوى الأدلة إلا أن يكون هناك دليل تنقلني عنه من الأصل إلى ما تقول به أنت.

    والغرض المقصود: أن الحديث فيه إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم على فعل عباد بن بشر.

    1.   

    أنواع الأخبار

    يبقى لنا مسألة واحدة تتعلق بالسنة وهي: أنواع الأخبار، والأخبار تنقسم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.

    فالمتواتر هو: ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من جمع عن جمع يستحيل تواطئهم على الكذب، كألف عن ألف عن ألف، فهؤلاء يستحيل أن يتواطئوا على الكذب، وبعض العلماء اشترط فيهم شروطاً بجانب أن يكونوا ثقات، منها: أن يكون نقلهم عن طريق الحس، كالسمع أو المشاهدة، والمتواتر حجة قاطعة؛ لأنه دليل قطعي وليس دليلاً ضمنياً، فيجب العمل به، ويجب الاعتقاد به أيضاً.

    والمتواتر ينقسم إلى قسمين: متواتر معنوي، ومتواتر لفظي.

    فاللفظي مثل: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

    والمعنوي مثل: حديث (المسح على الخفين) فالمعنوي: أن يأتي الحديث من أكثر من طريق بنفس شروط التواتر، لكن يأتي بالمعنى لا بنفس اللفظ.

    وأما الآحاد فهو: ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يبلغ حد التواتر؛ لأن الآحاد منه الغريب ومنه العزيز ومنه المشهور، وهو حجة أيضاً؛ لكنه ظني وليس قطعياً، وهو يفيد العلم والعمل على الراجح من أقوال أهل العلم.

    حجية خبر الآحاد

    الدليل على حجية خبر الآحاد: الكتاب والسنة والعقل أيضاً، أي: الأثر والنظر.

    أما الكتاب: فعموم قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، فهذا عام، أي: ما أتاكم عن الرسول من متواتر وآحاد فعليكم أن تأخذوه.

    وأما من السنة فمثالان أوضح من شمس النهار:

    الأول: ما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث الآحاد للأمم أو للكفرة أو للملوك يدعوهم إلى الإسلام، كما في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى كسرى وقيصر فقال: (باسم الله، من محمد رسول الله إلى قيصر ملك الروم: السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، وإلا فعليك إثم الأريسيين)، فالذي ذهب بها إلى ملك الروم واحد، وأيضاً الذي ذهب بها إلى كسرى واحد.

    وأيضاً بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فقال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه لا إله إلا اله) أي: أن يعبدوا الله ويوحدوه، فإن هم أطاعوك فأعلمهم بكذا وأعلمهم بكذا، والمقصود أنه بعث واحداً.

    وأيضاً بعث معه أبا موسى الأشعري وبعث علي قاضياً، فبعثهم يعلمون الناس التوحيد والعقيدة والأحكام، بل تواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالآحاد لإقامة الدين ولتعليم الناس العقيدة والأحكام الشرعية، فهذه دلالة على أن الآحاد حجة في العقيدة والأصول والفروع إن صح التقسيم.

    الثاني: ما تواتر عن الصحابة أنهم كانوا يعملون بالآحاد ولا يطرحونها، وهناك حديث مختلف في صحته وهو يبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة على الإطلاق؛ لأن العلوم التي عزت عنهم كانت عند أبي بكر، وذلك أنه لما دخل وقبل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (طبت حياً ميتاً)، فاختلفوا فيما بينهم، كيف يغسل النبي صلى الله عليه وسلم؟! وأين يدفن؟! وكيف يصلى عليه؟! فكان هذا العلم عند أبي بكر ؛ لأنه قال: يغسل بثيابه، وهناك حديث عن عائشة أنه أخذهم النعاس وأوحي إليهم بذلك، والمقصود أنه ورد عن أبي بكر أنه كان عنده الدليل، وقال: (كل نبي يدفن في المكان الذي مات فيه)، هذا إن صح الحديث، فالحديث مختلف في صحته، لكن المقصود أنه حديث آحاد وأخذوه من أبي بكر وعملوا به، وهذه دلالة على أن الآحاد يعمل به ولا يطرح، وهو متواتر عن الصحابة.

    وأما من ناحية النظر والعقل: فإن الرسول قد بلغ وقد ورد تبليغه عن الثقات، وهذا شرط في الآحاد حتى يصح.

    فالحديث الصحيح هو: ما اتصل سنده عن العدل الضابط أو العدل تمام الضبط -ونقول: تمام الضبط حتى نفرق بين الصحيح والحسن، فالحسن خفيف الضبط- عن مثله إلى منتهاه، ونقول عن مثله، حتى يكون الحديث صحيحاً لا بد أن تكون طبقات السند كلها عن ثقة ثبت أو ثقة ثقة، فلو وجد واحد قيل فيه: صدوق، أو صدوق يهم، لقلنا: إن الحديث نزل من درجة الصحة إلى درجة الحسن، لا عن درجة الاحتجاج، بل درجة الحسن، والمقصود أن الآحاد إذا علمت بالنظر أنها بنقل الثقة الثبت عن الثقة الثبت، عن مثله، عن الصحابي الذي عدلهم الله من فوق سبع سماوات، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجب العمل به، بقول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر:7]؛ لأن هذه هي حجية خبر الآحاد.

    واشترط بعض الفقهاء كالمالكية للعمل بالآحاد شروطاً، أما الشافعية والحنابلة -وكلامهم هو الأقوى والأرجح- فبالإطلاق يؤخذ بخبر الآحاد ويعمل به.

    فأما شروط المالكية فيه:

    أولاً: أن يكون خبر الآحاد لا يخالف عمل أهل المدينة، وهذه من أصول مالك أن عمل أهل المدينة يقدم على خبر الآحاد؛ لأنه يقول: إن أهل المدينة إذا اتفقوا على عمل معين فمؤكد أنهم أخذوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو عمل أهل المدينة بحكم التواتر فيكون أقوى من الآحاد فيقدم، وهذا كلام ليس بصحيح، بل إن خبر الآحاد لا يرد في أي حال من الأحوال، وعمل أهل المدينة ليس بحجة، بل إن الصحابة الذي كانوا في المدينة قد تفرقوا في البلاد، فـابن عباس في مكة، وابن مسعود في العراق، ومعاذ وغيره من الصحابة تفرقوا في البلاد، فعمل أهل المدينة يمكن أن يكون من أهل المدينة، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) فهذا الحديث ورد في الصحيحين، وقد رده مالك ؛ لأن عمل أهل المدينة يخالفه، وقلنا: حتى عمل أهل المدينة يوافقه، فـسعيد بن المسيب وغيره يقول به، والزهري وغيره يخالفونه ويعملون به، والمقصود أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد.

    ثانياً: ألا يخالف الأصول العامة، واتفقوا مع الأحناف في هذا الشرط، فمثلاً: النبي صلى الله عليه وسلم قعد قاعدة وهي الخراج بالضمان، ومعناه: محمد له مال على أحمد، فأحمد قال له: نحن لنا أجل كذا وهذا رهن القرض، وأعطاه شاة رهناً للقرض هذا، فالرجل المرتهن أخذ الرهن ويعلفه ويطعمه، فخلافاً للشافعي أنه كل يوم يحلب الشاة ويشرب لبنها، وهو ضامن لو ماتت، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخراج بالضمان)؛ لأنه ضمن أي شيء يأتيه منها من اللبن وغيره، فهذا يكون ملكاً له، ولا يطالبه به الراهن في أي حال من الأحوال.

    وأيضاً ردوا حديث المصراة، وهي التي يبقى الحليب فيها حتى تظهر أنها سمينة، وأنها تدر لبناً كثيراً فيغرر بالمشتري، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن بيع المصراة لا يجوز؛ لأن فيه تغرير بالمشتري، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيع المصراة، لكن قال: (إذا رضيها المشتري فهي له، وإذا لم يرضها فله أن يردها ومعها صاعاً من تمر مقابل اللبن) فهم اعترضوا وقالوا: بعدم الأخذ بهذا الحديث؛ لأنه يخالف الأصول، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخراج بالضمان) فهو خرج اللبن، فلماذا يرد الصاع من التمر؟! وهي كانت بضمانه لو ماتت عنده، ولا يطالب البائع بمال، فالخراج بالضمان.

    لكن نقول لهم:

    أولاً: الحديث أصل بذاته، والأصول إن كانت نابعة من الحديث فهي أصل بذاتها، فالسنة أصل بذاتها، والحديث أصل بذاته، وأما الشبهة التي ألقيتموها علينا بأن الخراج بالضمان، نقول: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) هذا عام مخصوص بالرهن.

    ثانياً: هو لا ينزل تحت الحديث: (الخراج بالضمان) لأن اللبن اختلط، بين لبن كان محبوساً ولبن أخذ عند الرجل فاختلط هذا بذاك، فإذا اختلط حصل النزاع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تتدابروا) وحتى لا يحصل التدابر ولا التشاحن حسم المادة وفصل النزاع وقال: (ردها وصاعاً من تمر)، حتى لم يقل: رد اللبن؛ لأنه لا بد أنك ترد اللبن نفسه أو ترد مثله.

    واشترط الأحناف بانفراد عن المالكية شرطاً وهو: ألا يخالف الحديث القياس، وهذا كلام باطل، فالقياس إذا خالف النص قلنا: إنه فاسد، لكن لهم شروط في القياس، كأن يكون جلياً، وغيرها.

    والشرط الأخير الذي اشترطه الأحناف: أن الراوي إذا خالف ما روى رد الحديث، أي: لو أن راوياً روى رواية، وخالفها فيرد الحديث بذلك؛ لأن القاعدة عندهم: أن الحجة فيما رأى لا فيما روى، وهذا كلام متهالك؛ لأنه يحتمل أن الراوي الذي روى هذا الحديث اجتهد اجتهاداً، أو نسي الرواية فلم يتذكرها عند العمل.

    فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها في بعض الروايات أنها عملت بغيرها، وورد ذلك عن ابن عمر أيضاً وعن غيرهما، فنحن نقول: الحجة فيما روى لا فيما رأى؛ ولأنه كما قعد ابن عبد البر: لا حجة لأحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال مالك وأحمد والشافعي وغيره: إذا خالف قولي قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و ابن عباس كما في الصحيح جلس يتكلم عن متعة الحج، فقال التابعون له: إن أبا بكر يقول بغير ذلك وعمر يقول بغير ذلك، فقال ابن عباس : أوشكت السماء أن تمطر عليكم حجارة، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ، فإذا خالف قول الصحابي قول النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقدم إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا حجة إلا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تعبدنا الله إلا باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80].

    وهذه هي الشروط التي اشترطها الفقهاء، وهي شروط ليست بصحيحة، وكلام الشافعية والحنابلة هو أصح الأقوال بأن: خبر الآحاد حجة بالإطلاق.

    أما قولنا: الحجة فيما روى لا فيما رأى، أي: إذا ابن عمر مثلاً قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه، وهو لم يكن يرفع يديه، أو روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى وابن عمر ينكر الضحى، وهناك تفصيل فقهي في هذه المسألة، وهل ابن عمر ينكر الضحى أو ينكر صلاتها جماعة؟ ورد في الصحيحين أن عروة بن الزبير لما أراد أن يخرج من عند ابن عمر وجد الناس يصلون، فسأله عن ذلك، فلما أنكرها قال: بدعة، فقال عروة : يا أم المؤمنين! -يقصد عائشة - أتسمعين ما يقول؟ فوهمت عائشة، فنحن نقول: إنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى كل يوم سبت يذهب إلى مسجد قباء، ومن صلى فيه صلاة فهي بأجر عمرة.

    وأيضاً كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الكعبة صلاها، فكان ابن عمر لا يصليها إلا إذا دخل مكة أو يصليها يوم السبت فقط، فنقول: حتى لو روى صلاة الضحى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يصليها، ولم يصليها هو ولم يفعلها، فلا نضعف هذا الحديث، وهذا ضرب مثل ليس بحقيقي، فنحن نقول: الحجة فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: أن قول النبي هو الحجة، أما ما اجتهد هو ورآه فنقول: ليس بحجة. مثال آخر: إذا قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أرخوا) (أوفوا) (اعفوا اللحى وحفوا الشارب) وكان ابن عمر في الحج يأخذ ما زاد على القبضة، فنحن نقول الحجة الآن في فعل ابن عمر ، أم في قول النبي صلى الله عليه وسلم؟ هناك إشكال، والمسألة الفقيهة ليست بالهينة، فلو قلنا: إن الحجة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم سيأتيني المعترض ويقول: قيد إطلاق كلام النبي صلى الله عليه وسلم بفعل ابن عمر ، وهذا الذي ذهب إليه الشيخ الألباني، فهو يقول: بوجوب الأخذ عن القبضة، وعنده أدلة من أقوى ما تكون:

    الدليل الأول: فعل ابن عمر، فقد كان يأخذ من القبضة في الحج، وأبو هريرة أتى بتسعة من الصحابة يقبضون ولا منكر لذلك الفعل، لا أبو بكر ولا عمر، فلم يوجد أحد أنكر عليهم، فينزل هنا منزلة الإجماع السكوتي، والإجماع السكوتي -أصولياً كما سنبين- الصحيح الراجح في أقوال أهل الأصول: أنه ليس بحجة، فالمهم أنه ينزل منزلة الإجماع السكوتي، فلما اعترض عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أوفوا) (أرخوا) (أعفوا) وهذا على الإطلاق، قال: هذا مطلق مقيد بفعل الصحابي الذي فهم من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن اللغة كانت عندهم سليقة، فهو أفهم الناس بروايته؛ ولأن الراوي أعلم بما روى، لكن نحن نرد عليه برد كبير ألا وهو: أن الأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه حتى تأتي قرينة تيبن التقييد، وأن العام يبقى على عمومه حتى تأتي قرينة تخصصه، وعندنا ما يعضد الإطلاق ويعضد العموم، وهو حديث بسند صحيح في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل فاتحاً لمكة دخل متذللاً خاضعاً لربه مطأطأ رأسه، فضربت لحيته إلى صدره، فضرب اللحية في الصدر تدل دلالة واضحة على أنها كانت بعد القبضة، وعلى هذا فأقصى ما يقال في مسألة القبضة؟ إنها سنة وليست بواجبة.

    وهنا إشكال وهو: أنه قد ورد عن بعض الصحابة أنه رد حديث الآحاد حتى يعضد، فهذا عمر بن الخطاب دخل عليه أبو موسى الأشعري كما في الصحيحين فاستأذن للدخول، فاستأذن مرة، ثم استأذن للثانية، ثم استأذن الثالثة، فلم يرد عليه عمر ، فرجع أبو موسى أدراجه رضي الله عنه وأرضاه، فقال عمر بعد أن جاءه: بعثت إليك فلم لم تأتِ؟ قال: جئتك فاستأذنت ثلاثاً فلم تأذن لي فرجعت، قال: وما أرجعك؟ قال: حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقص حديث الاستئذان ثلاثاً، فأخذ عمر بتلابيبه -كان شديداً في الحق رضي الله عنه وأرضاه- وقال: لن أتركك حتى تأتيني بشاهد معك، فذهب أبو موسى مذعوراً لجمع من الأنصار فقالوا: ما بك؟ هون عليك، والله لا يذهب معك إلا أصغرنا، فبعثوا معه أبا سعيد الخدري فشهد معه عند عمر ، فتركه.

    وأيضاً عمر بن الخطاب لم يكن يعرف حكم الجنين القتيل في بطن أمه، فشهد محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة عند عمر بن الخطاب أن في الجنين غرة: عبد أو أمة، فأخذ بهما.

    وأيضاً: علي بن أبي طالب قال: ما حدثني أحد إلا وأشهدت الله على ما يقول، إلا أبو بكر حدثني فصدقني، فكان يجعله يقسم بالله: آلله أسمعت هذا من رسول الله؟ فالآن عمر بن الخطاب ما أخذ بحديث الواحد في الظاهر، وعلي بن أبي طالب ما سكت عن حديث الواحد وأخذ به.

    وجواب هذا الإشكال: أن يئول فعل عمر بالتثبت لا أنه أنكره أو رده، لأنه لا يوجد واحد منهم رد حديث الآحاد.

    والدليل على أنه للتثبت وليس للرد: قول عمر بن الخطاب في الحديث الصحيح أن عمار بن ياسر كان مع عمر بن الخطاب في سفرة فأجنبا -أي: حصلت الجنابة لهما الاثنان- فقام عمار فتمرغ، أي: ألقى بنفسه في التراب وحسب أن هذا هو التيمم، وصلى، ووقف عمر عن الصلاة، وهذا منهج عمر وابن مسعود أن التيمم أصلاً لا يصح، فلو أجنب ولم يجد الماء، ولو عشر سنين فإنه لا يصلي، وقيل: إن ابن مسعود رجع، وفي الصحيحين عن أبي موسى أنه رده، والمقصود: أنه تيمم، فجاء عمار فحدث الناس بهذا الحديث، فأخذه عمر ينهره فقال له: اتق الله فيما تقول! أتعي ما تقول؟ فقال: لو أردت يا أمير المؤمنين! ألا أحدث به لا أحدث به، أما تذكر أنك كنت معي في سفر وأجنبت فلم تصل فصليت، فأقرني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر : لا أذكر، فقال له: لو أردت يا أمير المؤمنين! ألا أحدث به فعلت، فقال عمر : لا نوليك ما توليت، فهذا وجه الشاهد ووجه الدلالة: أنه أقره أن يحدث الناس بهذا الحديث وهو واحد، فقال: نوليك ما توليت طالما أنك سمعت هذا من رسول الله، فحدث به وأخذ الناس به.