إسلام ويب

كتاب البيوع - باب الغصب [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عظم الشرع الوعيد لمن اغتصب أرض غيره، حتى ولو كان الجزء المغتصب شبراً أو جزاءً من شبر، وللغصب مسائل وأحكام يذكرها العلماء في كتب الفقه.

    1.   

    شرح حديث: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً...)

    [وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين) متفق عليه].

    شمول الحديث لكل أرض صغرت أو كبرت

    قوله: (من اغتصب شبراً) وفي بعض الروايات: (شيئاً)؛ لأن التقدير بالشبر في الأرض شيء ليس له أهمية، كما لو كان شبراً في ذرع قماش، أو شبراً في بيت مبني، عندها تكون قيمته كبيرة، فعندما تكون أرضاً في الخلاء ويكون الفارق شبر أو شبرين أو متر أو مترين فالمسألة هينة، ولكن أقل التقديرات عندهم الأصبع والشبر، فإذا كان الوعيد الشديد في الشبر فالذراع والباع من باب أولى، ولكون الشبر ليس له مفهوم، وقد جاءت الرواية الأخرى بـ: (من اغتصب شيئاً)، ولو قدر إصبع؛ لأنه الغرض النهي عن الغصب بصرف النظر عن القليل والكثير.. الأرض فلاة متسعة، لكن كونك تغتصب من حق أخيك فهذه هي الجناية.

    وهذا وعيد شديد ينبغي على جميع أهل البساتين والأراضي وأصحاب المخططات، الذين يتعاطون العقارات أن يحفظوا هذا الحديث؛ ليتحروا الحق فلا يتجاوزه، ومما يروى في ذلك: أن امرأة كانت جارة لـسعد بن أبي وقاص ، فجاءت واشكته إلى الأمير وادعت أنه اغتصب شيئاً من أرضها. فقال: معاذ الله! أنا أغتصب من أرضها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من اغتصب من الأرض شبراً طوقه من سبع أرضين)، فزجرت عن ذلك، ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها، واجعل ميتتها في أرضها. ففي آخر عمرها -عياذاً بالله- كف بصرها، ولما كانت تمشي في أرضها سقطت في بئر من آبارها وماتت فيها، ثم بعد ذلك جاءت السيول وكشفت عن الظفير الذي بينها وبين سعد ، فإذا بالظفير بعيد عن أرض سعد ، وإنما هي التي دخلت في أرض سعد ، والظفير مدفون في أرضها هي.

    ما يقع عليه الغصب

    في هذا الحديث زجر ووعيد شديد لمن تجاوز حده، واستدل به الجمهور على إمكانية غصب العقار الثابت، خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله فهو يقول: الغصب يكون في المنقولات فقط: بهيمة الأنعام، الأثاث، المطعومات، الملبوسات، الشيء الذي ينتقل من مكانه ويحوله الغاصب من مكان إلى مكان، أما العقار الثابت في محله فليس فيه غصب.

    والجمهور يقولون: قوله: (شبراً من الأرض) يدل على أنه يريد الأرض وهي عقار وعقار ثابت (طوقه من سبع أرضين).

    إذاً: كل ممتلك يستولي عليه الغير بالقوة؛ فهذا يصدق عليه الغصب، وله أحكام في ضمانه، وعلى الغاصب ما يقع نتيجة لذلك من الشحناء والبغضاء والتقاطع بين المسلمين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فكيف يتولى هو الظلم بنفسه؟!

    معنى التطويق في الحديث واختلاف العلماء في كيفيته

    في هذا الحديث جانب من الجوانب حير العلماء، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (طوقه) والتطويق من الطوق، وهل الطوق هو الآلة التي تجعل في العنق كسلك أو سلسلة أو شيء من هذا مادي، أو أنه الطوق من الطاقة: وَعَلَى الَّذِينَ يُطَّوقُونَهُ [البقرة:184]؟ وهذا على قراءة عن علي رضي الله تعالى عنه في أمر الصوم. أي: يفعلونه مع كلفة ومشقة إلى أقصى غاية الطاقة عندهم، والطاقة: القوة. تقول: الطاقة الحرارية التي تدفع الآلة أو الجهاز أو الأشياء.

    المشكلة عند (سبع أراضين)، فبعضهم يقول: هذا على الحقيقة: أن هذا الشبر يكلف بحمله تراباً إلى المحشر، ثم يكون في عنقه كالطوق، وفي بعض الروايات الأخرى: (خسف به إلى منتهى سبع أراضين) وحينما يخسف به إلى أسفل يكون ما حوله من الأرض كالطوق في عنقه؛ لأنه مطوق لعنقه.

    1.   

    بحث في عدد طبقات الأرض

    وهذا البحث من مباحث الجيولوجيا -كما يقولون- أو طبقات الأرض أو نوعيتها، وهل الأرضون سبع أو واحدة؟ والمشكلة قائمة من السابق، ويذكر بعض العلماء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه سئل عن سبع أرضين، فقال: (لو حدثتكم بها لكفرتم). أي: لا تستطيعون تصديق ذلك فتنكروه فتكفرون، ولكن الأثر ضعيف.

    إن الله سبحانه وتعالى ذكر السماوات سبعاً بالعدد، فذكرها بلفظ مفرد وذكر السماء بلفظ الجمع، أما الأرض فلم تأت مجموعة في كتاب الله قط، وسمعت من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن الله سبحانه وتعالى جمع السماوات؛ لأن هذا الجمع سائغ، أما الأرض فجمعها شاذ، وكما يقول ابن مالك في الألفية: وأرضون شذ والسنون.

    عندما تجمع الأرض وتقول: أرضون، هذا جمع شاذ، وكذلك، والسنون جمع شاذ، تقول: سنوات، سنين، أما سنون في حالة الرفع فهذا شاذ، والقرآن يتجنب الشاذ.

    وقد شهدت مناظرة في هذا المسجد من شخص يدير معهداً في علوم ما مع والدنا الشيخ الأمين ، وذلك حينما تعرض الشيخ لهذه القضية في الجمع والإفراد؛ فتجرأ وقال: يا شيخ! الناس ذهبت إلى الفضاء وإلى كذا وكذا في مراكب، ونحن الآن في جمع شاذ وجمع غير شاذ! فتضجر الشيخ قليلاً من هذا الكلام، واستأذنت الشيخ أن أتفاهم معه، وأذن للعشاء، وبعد العشاء كان هناك حديث طويل لا حاجة إلى إيراده في هذا الجمع الآن، لكن يهمنا أنهم كانوا ولا زالوا حتى الآن -وللأسف كل الأسف!- في هذه المسألة وفي هذا الحديث كتبهم من أغرب كتب التفسير، وعندما أقف على تفسير جديد محدث صاحبه له شهرته، وله قدرته في البلاغة واللغة، تزل قدمه في هذا الموضوع.. علماء الهيئة يقولون: إن السماء قبة زرقاء هوائية، وهو يعبر في تفسيره عن الكرة الهوائية، ويفسر السماوات السبع بالكواكب السيارة، وهو ما ذكره صاحبنا في قضيته مع الشيخ من حوالي عشرين سنة؛ لأنهم يتخيلون أن ليس هناك جرم سماء، وإنما الذي نراه من الزرقة من بعد المسافة، وأنها طبقات هوائية، وهذا المؤسف إذا كنا نسمعه من أشخاص درسوا الماديات على غير المسلمين، ثم تكلموا بها، فيمكن للعاقل أن يعذرهم، فهذا حدهم، ولكن عالم من علماء المسلمين، ويكتب التفسير من كذا جزء، ويقول عن السماء: الكرة الهوائية القائمة على الأثير، وكونها سبع إنما هي الكواكب السيارة السبعة!

    والله ذكر: سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:12]، فجاء العلماء وقالوا: الأرض مثلهن في ماذا؟ في ارتفاعها؟ لا. في مساحتها؟ لا. الأرض بالنسبة إلى السماء كنقطة حبر في قطعة ورقة مساحتها كيلو في كيلو، والسماء على الأرض كالقبة كما جاء في حديث ابن عباس ، السماء الأولى على الأرض كالقبة، والثانية فوقها كالعقبة، وهكذا سبع سماوات، وسمك السماء في ذاتها مسيرة خمسمائة عام، وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ [الذاريات:47]، أي: بقوة، وهذا لا يقال في الهواء، وفي حديث الإسراء حينما عرج جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء الدنيا فطرق الباب، فقيل: من؟ قال: جبريل. أمعك أحد؟ قال: معي محمد. أو أرسل إليه؟ قال: بلى. فيفتح الباب، هل هذا في هواء؟!

    نأتي إلى الأرض التي نحن نعيش فيها، فهناك من يقول: سبع أرضين كل واحدة منفصلة عن الثانية إلى سبع، وبين كل أرض وأرض فضاء، وذكروا أشياء وأخباراً، حتى أن البعض عزاها لمن سمع من الإسرائيليات، ومنهم من يقول: كل أرض فيها آدم كآدمكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وكعبة ككعبتكم، و...و... إلى شيء كثير جداً.

    والتحقيق عندهم: أن عدد الأرضين سبع متلاصقة وليست منفصلة، وتجدون البحث في هذا عند قوله: كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [الأنبياء:30]، فمن يقول: كَانَتَا رَتْقًا ، الرتق: المرتبط، والفك الفتح، والسماء كانت رتقاً مع الأرض ففصلت السماء على حدة والأرض على حدة، وبعضهم يقول: السماء كانت رتقاً ففتقها سبعاً، والأرض كانت رتقاً ففتقها سبعاً. والآخرون يقولون: إن فتق السماء بإنزال المطر، وفتق الأرض بتشققها للنبات، كانت الأرض رتقاً صماً، فالله سبحانه وتعالى فتقها لإنبات النبات: فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا [عبس:27-28]، إلى آخر الآيات الكريمة.

    وبعض المحققين يقول: في هذا الحديث إشعار بأن الأرض على تقدير أنها سبع أرضين متلاصقة. وبعضهم يقول: كقشر البصل كل واحدة فوق الثانية، وبعضهم يقول: إن الأرضين السبع هي القارات اليابسة مع الماء، ونسبة اليابس مع الماء مع الأرض الربع، وثلاثة الأرباع ماء، المحيطات وهو بحر واحد، وإن كانوا يسمونها البحر الأحمر، البحر الأبيض، المحيط الأطلسي، المحيط الأطلنطي، المحيط الهادئ، ولكن عند التحقيق فكلها بحر واحد: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان:27]، البحر واحد في الأرض، لكن تتغير الأسماء بموقعه.

    والآن ماذا يقول السادة المشايخ بعد مجيء مراكب الفضاء، وبعد الدوران حول الأرض عدة مرات؟ هل هناك أرضين تحت الدورة هذه؟ وتعاقب الليل والنهار مع الشمس بحركة الأرض أو بحركة الشمس.. ليس لنا علاقة بهذه المعركة؛ فما تعامد مع الشمس فهو نهار، وما تعاقب دونها فهو ليل، فهل الأرضون السبع لها سماوات سبع ولها سبع شموس؟

    أقول: إن هذه النقطة بالذات شغلت العلماء، وأوجدت تلك الأقوال والأفكار، ونحن نقول: يقول الله سبحانه: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ [الكهف:51]، وجاء الحديث: (ولم تدرك عقولنا كنهها).

    إذاً: ما لم يشهدنا كيف خلق الأرض، نقول: آمنا بالله، وبما جاء عن الله على مراد رسول الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله، أما كونها سبع أرضين بعضها منطبق على بعض؛ فالذين درسوا قليلاً من الجغرافيا يعلمون أن جوف الأرض منصهر، وأن البراكين التي تظهر ما هي إلا من انصهار المعادن والأجرام التي في باطن الأرض وتتموج، وإذا وجدت ضعفاً في قشرة الأرض الخارجية خرج البركان حمماً يسيل مثل الماء.

    إذاً: باطن الأرض الله أعلم به، ويكفي -كما يقولون- في أحاديث الوعيد أن تمرر كما جاءت، ولا يفصل فيها، وهذا اللفظ بذاته يكفي لزجر وإرعاب من تسول له نفسه بالاغتصاب.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    أحكام ومواعظ من بيت النبوة

    قال المصنف رحمه الله: [وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا. ودفع القصعة الصحيحة للرسول، وحبس المكسور) رواه البخاري والترمذي ، وسمى الضاربة عائشة رضي الله عنها، وزاد: (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: طعام بطعام، وإناء بإناء) ].

    حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه

    وهنا زيادة بيان من واقع حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وهذا واجب؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل رسوله أباً وزوجاً ويمشي في الأسواق، ويبيع ويشتري ويرهن، وكل ما هو من حاجات البشر كان يصنعه؛ ليكون أسوة للناس، ولاسيما في بيت النبوة الطاهر حينما تقع الحوادث، وتجري الأمور على سنن البشر.. كيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعالجها؟

    لقد شاهدنا من عظماء الرجال إذا كانت عنده ثلاث نسوة أو أربع يحتاج إلى إدارة معونة على سياسة تلك الأخرى، وهذا صلى الله عليه وسلم له تسع نسوة، مع الفارق في النوعية؛ لأن زوجات رسول الله أمهات المؤمنين لسن كبقية الناس، فهن يتميزن بحسن السمع والطاعة، وخالص الحب والوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقبل ذلك أريد التنبيه على موضوع قد التبس على بعض الإخوة من قبل، ولعلاقته بالعقائد وآيات الصفات، وأحب أن يصحح أولئك الإخوة مفاهيمهم: حينما ذكرنا موضوع السماء، وأنها سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، وإثبات أن السماء جرم من النصوص كقوله سبحانه: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ [الذاريات:47]، وقلنا: (بأيد) يعني: بقوة، ولكون اللفظ (أيد) يحتمل جمع يد ويحتمل القوة، فبعض الناس يظن أن ذلك جمع يد، وأنه من الصفات.. لا، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ [ص:17] وهل كان عليه السلام عنده مجموعة من الأيدي أو يدان فقط؟ اثنان فقط.

    إذاً: الأيد: أي: القوة.

    القاعدة: أن كل ما جاء في كتاب الله فيما يتعلق بصفات المولى عز وجل على ما يريد، إنما يأتي مضافاً إليه، كقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] .. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، فهذا يكون بالإضافة إلى الله سبحانه وتعالى، فهو من باب الصفات، ومجرى آيات الصفات على ما عليه سلف الأمة، آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وليس هذا موضوع تحقيق ما يتعلق بالعقيدة، ولكنه تصحيح لمفاهيم بعض الإخوة الذي ظن بالاشتراك باللفظ بين جمع يد وبين القوة، فهي هنا: بنيناها بأيد بقوة، وهو المناسب أيضاً لبناء السماء، هذا الجرم العظيم، مسيرة خمسمائة عام سمكها، وسقف المسجد ربما كان سمكه خمسين سنتيمتر، أقل من المتر، وهذه مسيرة خمسمائة عام! أين موقع العقل في مثل هذا؟!

    اهتمام السلف بالسيرة النبوية

    إن دراسة حياة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في شخصه، في بيته، في مجلسه، في طعامه وشرابه ولباسه واجب على كل مسلم: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب:21]، وكيف تتأسى بمن تجهل حياته وأحواله؟ إذاً: يتعين على كل مسلم أن يعلم كل الجوانب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقديماً قلت: إن شخصية رسول الله في ذاته من شعره إلى أظفاره، وحياته وسلوكه معجزة في ذاته، ولو لم تجرِ على يده المعجزات من تكثير الطعام، ونبع الماء من بين الأصابع، ومجيء الشجر إليه، ومناجاة البعير له... إلخ، إذا لم تأت ولا آية من هذه الآيات لكانت شخصية رسول الله معجزة في ذاتها؛ لأنه بشر، نعرف أبويه ومتى ولد ونسبه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:128]، قال ابن عباس : أي تعرفون مولده ونشأته وحياته. ليس بغريب عليكم، وكان يذكر ابن فرحون -في كتاب له مخطوط إلى الآن في المسجد النبوي- في القرن السابع الهجري، قال: كان العلماء في المسجد النبوي إذا دخل شهر رمضان ترك كل إنسان الدروس، صاحب التفسير ترك تفسيره، صاحب الحديث ترك حديثه، صاحب الفقه تركه، صاحب اللغة.. الأدب، كل معلم في المسجد يترك المادة التي كان عليها ويدرس الجميع الشمائل النبوية. يعني: الصفات الخلقية والخُلقية؛ حتى يتعلموا ويعرفوا من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    غيرة عائشة رضي الله عنها وعلاج النبي صلى الله عليه وسلم لذلك

    ذكرنا بعض الصور التي وقعت في بيته صلى الله عليه وسلم ومن نسائه معه، وكيف عالج ذلك، مع أنهن تحزبن عليه، ووقفن ضده، وليس ذلك -والله- حطاً من قدرهن ولا تنقصاً من ذواتهن، بل هو إعلاء لمكانتهن؛ لأنهن فعلن ذلك محبة فيه وحرصاً عليه، وبدوافع الغيرة، ونعلم جميعاً أن المرأة لا تغار على زوجها إلا من دافع الحب؛ فهو من صفات المدح لهن، وليس من صفات الذم، وقد بين لنا تلك الحياة وصورها ليتعلم الرجل ماذا فعل رسول الله، ويتعلمن النسوة كيف فعلن زوجات رسول الله، وهكذا تؤخذ الحياة العملية تطبيقاً من بيته صلى الله عليه وسلم.

    أما الدافع الأساسي -كما أشرنا- وهو الغيرة، فإن مبدأ ذلك -أو الغيرة المبسطة، لا المؤامرة- جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات ليلة، تقول: والحجرات ليست فيها المصابيح -ظلام- إذا أطفأوا السراج وناموا لم يروا شيئاً، وكانت السرج بالزيت وفتيلة.

    انظروا إلى القناديل التي كانت معلقة في المسجد، كان يوضع فيها الزيت وفتيل، وطرف الفتيل على حافة السراج ثم يشعل بالزيت.

    تقول: فقمت أتحسس الحجرة فما وجدته، فتقدمت فوقع كفي على بطن قدمه وهو ساجد يقول: (سبوح، قدوس، رب الملائكة والروح)، فقلت: والله إني لفي شأن وإنك لفي شأن.

    لما وقع كفها على بطن قدمه قالت: لعله كان قد ذهب إلى بعض نسائه واغتسل هناك وجاء يصلي هنا، فلما قام من سجوده وقفت بجانبه، وأدخلت يدها في شعره -وكانت له جمة إلى منكبيه- لتتحسس أثر الغسل، كل ذلك والرسول ساكت، فلما انتهى التفت إليها وقال: (أخذتك غيرتك يا عائشة ؟ -أعلمها ما هو الدافع- قالت -ويا لصدق ما قالت! وهو يبين المقدار الحقيقي للتأثر بالغيرة وإن كانت شديدة-: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟).

    وبعض الروايات: أنه جاء من الخارج فوضع ثيابه، ثم اضطجع، ثم سرعان ما قام.

    تقول: وتظاهرت بالنوم. فلما خرج أرسلت بريرة وراءه فأتتها وقالت لها: ذهب إلى أهل البقيع، تقول: فشددت عليّ ثيابي، وخفت أن يرجع من أهل البقيع إلى بعض زوجاته، ووقفت من بعيد، فلما رأته فرغ من السلام عليهم، وبدأ يتحرك عائداً جاءت راجعة، فشعر بها، فأسرع، تقول: فأسرع فأسرعت، إلى أن جئت البيت واضطجعت في فراشي، فلما دخل وضع يده على صدري، وقال: ما هذا يا عائشة ؟! أأنت التي كنت أمامي؟ قالت: بلى يا رسول الله؟ قال: أظننت أن يحيف الله بك ورسوله؟ لا يا عائشة .

    فهذه -كما أشرنا- أمور جبلية لا يمكن للمرأة أن تتخلى عنها، وكذلك الرجل، لكن فرق بين من يتحكم في دوافع النفس وانفعالاتها ويبين من يضعف أمام ذلك.

    نأتي إلى موضوع القصعة والطعام وما ذكره البخاري ، وأعتقد أنه لو جاء في غير صحيح البخاري لكنا وقفنا موقف التساؤل؛ لأنهن أمهات المؤمنين، ويقول الله عنهن: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] من كل دنس وشائبة، وسوء خلق، مما ينتقص من النساء، ولابد أن يكن كذلك؛ لأنهن فراش رسول الله، وكان الرجل يتحرى صديقه بالهدية عند بعض زوجاته، وكانوا يتحرون ليلة عائشة ويهدون إلى رسول الله فيها هداياهم.

    موقف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في قضية التحريم

    ذكر البخاري رحمه الله بأن زوجات رسول الله كن قسمين: عائشة وحفصة وسودة ، وأم سلمة ومن معها، وكن بهذا التآمر يحتلن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور ربما كان يحبها، من ذلك: أنه كان صلى الله عليه وسلم من عادته إذا صلى العصر طاف على نسائه، وكانت حجر زوجاته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن مطيفات بالمسجد، ابتداءً من حجرة عائشة وحجرة حفصة التي كانت مقابلة لها.

    والشباك الذي في واجهة جدار المسجد القبلي كان محله باب، وكان يقال له: (باب آل عمر)؛ لأن حفصة كانت تسكن في مقابل حجرة عائشة ، وكن إذا صعدن في الطابق الثاني يتناولن الهدايا من الشباك، فكان يبدأ من بيت آل عمر في الجنوب، ويطوف بالشرق، ثم يأتي إلى الشمال.

    هكذا كانت حجرات زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يطوف عليهن بعد العصر، فإذا مر بـزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها استوقفته، وأتته بعسل، ومزجته بالماء وصنعت له شراباً، وكان يحب الحلوى والبارد، فيشرب العسل، فغرن من هذا، لماذا يخصها بالوقوف، ولماذا يشرب عندها العسل.. واستكثرن ذلك عليه، فبدأت مؤامرة حفصة وعائشة ، كيف نمنعه من هذا الوقوف؟ وكيف نمنعه من هذا العسل الذي اختصت به زينب ؟ فقلن فيما ببينهما: ليقل له من يأتيه قبل الأخرى أجد -كان ربما دنا وقبَّل- ريح مغافير، وهو نبات حلو الطعم كريه الرائحة، فيقول: لا. أنا ما شربت هذا، أنا شربت عسلاً عند زينب ، يمكن أن النحل رعى في ذاك النبات، فجاءت الرائحة في العسل، وكأنهن لا يعلمن شيئاً رضوان الله تعالى عليهن.

    فلما جاء للأولى قالت له ذلك، ولما جاء للثانية قالت له ذلك، فحرمه على نفسه، ثم أصبح يمر على زينب كعابر سبيل كما يمر على غيرها، وفيما بعد عندما نجحت المؤامرة قلن فيما بينهن: والله لقد حرمناه من شيء كان يحبه.

    موقف أمهات المؤمنين من زواج النبي بأسماء بنت النعمان

    نأتي إلى ما هو أخطر وهو زواجه من أسماء بنت النعمان -من كندة- وكان النعمان -وهو سيد قومه- وفد ضمن الوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام تسع من الهجرة عام الوفود، حتى إن ابن كثير يقول: إن الذئاب قد أرسلت وفداً لها إلى رسول الله. ويذكر في الخبر: بأنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه، فجاء ذئب يخطر من بعيد حتى دنا من القوم، فأقعى وحرك ذنبه ورأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا وافد الذئاب إليكم، ماذا تنزلون له من أغنامكم ويكون بينكم مسالمة، قالوا: والله ما نعطيه ولا شيء. فقال: اذهب وهه! هه! يعني: اختلس ما استطعت).

    فعام الوفود كانت كل القبائل ترسل فيه وفودها، وهي: إما قبيلة لم تسلم فتعلن إسلامها كثقيف، التي جاءت في العام التاسع، ونزلوا في المسجد النبوي... إلخ، وإما أن تبعث وفوداً تجدد العهد على الإسلام والتزامهم بذلك، فجاء وفد كندة وفيهم النعمان ، وكانت ابنته -وصاحب الإصابة يذكر في قول أنها أخته- وكانت من أجمل نساء العرب وأشبهن، فزوجها رسول الله، ثم أرسل بها إليه، تقول حفصة وعائشة : فلما رأيناها قلنا فيما بيننا: لقد وضع يده في العرب، وسيصرفنه عنا، والله لن يراها رسول الله إلا وانصرف إليها، فقامت عائشة وخضبتها، وقامت حفصة ومشطتها وهيآها لرسول الله -انظر المقدمات!- ثم قلن لها: إذا أردت أن تكوني ذات حظوة عند رسول الله ويكرمكِ ويحبكِ إذا أقبل عليك فقولي له: أعوذ بالله منك -يا سبحان الله!- والمسكينة ظنت أن هذا يقربها عند رسول الله، فامتثلته بغية الوصول إلى رضا رسول الله، فأخذ بكمه على وجهه وقال: (لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك) فلما رجعت كانت تقول: سموها الشقية؛ لأنها حرمت ذاك الفضل العظيم.

    هل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة سألها من أمرك بذلك، من علمك هذا؟ هل عتب على حفصة وعائشة فيما فعلنه؟ لا؛ لأنه أدرك أن الدافع لهذا هو الغيرة، والغيرة ناشئة عن الحب والحرص على رسول الله.

    نأتي إلى موضوع قصعة الطعام، وتحري الناس الهدية وبالطعام ليلة عائشة مرضاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عند بعض زوجاته، فصنعت إحدى أمهات المؤمنين طعاماً، وقلنا وكان من أحسنهن في الطعام صفية وحفصة ، وهي رضي الله تعالى عنها تقول: ما رأيت صناعاً للطعام كـحفصة ، ثم جاءت قصعة حفصة قبل قصعة عائشة ، تقول: فصنعت له طعاماً، وصنعت حفصة طعاماً، فجاءت قصعة حفصة قبل قصعتي.

    وهناك روايات متعددة، والتحقيق: أن القصة بذاتها تعددت مع حفصة ، مع صفية ، مع سودة . أربع مرات.

    فلما انكسرت القصعة أمسكها الرسول، وجمعها نصفين، وفي بعض الروايات (قال: كلوا، غارت أمكم)، وفي بعضها: (وضع الطعام على النطع -السفرة الممدودة-)، وقيل: كان من الحيس -يعني: ليس مرقاً يتدفق- ثم جاءت قصعة عائشة التي كانت متأخرة، فدفعها بما فيها من الطعام للرسول الذي جاء بالقصعة الأولى، وفي بعض الروايات: قالت عائشة لما جاءت وبيدها فهر وضربت القصعة فكسرتها فانتبهت، وأدركت ما فعلت، قالت: ما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: (قصعة بقصعة وطعام بطعام).

    ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تدارك الموقف بالحكمة والتأني، وهل أحد من الحاضرين أو الغائبين وقف على نص من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المواقف أنه عنف على إحدى زوجاته أو سبها؟ لا والله؛ لأنه أدرك الدوافع، وأن القضية قضية صافية، والقلوب طاهرة، ويكفي أن عائشة قالت في الحال: ما كفارة ذلك يا رسول الله؟ لو أنها من النساء الأخريات ما عليها انكسرت أو لا، وتصر على موقفها، ما هذه فقد تذكرت وتراجعت واعترفت وطلبت الكفارة.

    موقف النبي صلى الله عليه وسلم من طلب أزواجه زيادة النفقة عليهن

    أحب أن أنبه على قضية أكبر من هذه: أعتقد أن كل إنسان، ويمكن لأول مرة يسمع أن زوجات رسول الله كن قد خاصمن رسول الله بسبب مطالبتهن بالنفقة، وشددن الطلب، فتركهن غضباناً، وخرج إلى المشربة وظاهر منهن شهراً، حتى بلغ الخبر إلى عمر محرفاً بأن زوجات رسول الله طلقن، وكان عمر له جار في العالية يتفقان على المناوبة في رعي البستان وفي النزول إلى المسجد النبوي، ينزل أحدهما إلى المسجد النبوي مع رسول الله حتى المساء، ويحفظ ما يسمع، ويرجع إلى صاحبه يمليه عليه، بينما صاحبه هناك يراعي مصلحة النخيل، ومن الغد من كان في النخيل ينزل إلى المسجد النبوي، وهكذا دواليك.

    فجاءه -أي: جاء عمر صاحبُه- وبعد المغرب ينادي عليه بشدة: يا عمر .. يا عمر ! قال: ما شأنك، أجاء الروم؟ لأنهم كانوا يتوقعون مجيء الروم، قال: لا، الأمر أشد. قال: وما هو؟ قال: طلق رسول الله زوجاته. ومن إحدى زوجاته حفصة بنت عمر ، فأخذ رداءه وذهب؛ فوجد الدنيا واجمة، ثم جاء من الغد ودخل المسجد، فوجد الناس واجمين، فسأل: أطلق رسول الله زوجاته؟ فلم يرد عليه أحد، ثم دخل على حفصة ، قال: أطلقكن رسول الله؟ فظلت تبكي وما ردت عليه، قال: أين رسول الله؟ فأشارت إلى المشربة، وكان على الحجرة حارس منعه من الدخول على رسول الله، قال: استأذن لي على رسول الله. فرجع وقال: استأذنت فلم يتكلم. فاشتد الأمر على عمر ، فانتظر برهة ثم قال: اذهب فاستأذن لي على رسول الله. ثم بعد فترة قال: قد أذن لك يا عمر فاصعد، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واجماً، فقال: أطلقت زوجاتك يا رسول الله؟ قال:لا. فكبر عمر -الله أكبر (ثلاث مرات)- يقول عمر : فعزمت في نفسي أن أقول شيئاً يضحك رسول الله، وهذا الواجب على الصديق الوفي حينما يجد صديقه في أزمة، يجب أن يفتح له باب الحديث، ويطرق القلب ليعرف الموضوع، يجب أن تكون له فعالية، كما لو جاء إلى المريض لا يكون كلٌ منهما ينظر في الآخر، يجب أن يكلمه عن العافية، عن الثواب، عن الأجر عند الله، عن الأمور التي تفسح فسحة الأمل في الحياة.

    لما قال: ما طلقت. قال: خيراً، وسكت، ثم قال: يا رسول الله! لو رأيت فلانة -يعني زوجته- وهي ناشبة في وتقول: أعطني، أعطني. وما عندي ما أعطيها، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: هن حولي يطلبنني النفقة فيما ليس عندي. إذاً: فتح الباب، وانحلت العقدة، فنزل إلى ابنته يطعنها: أغرك من بنت أبي بكر أن تقول على رسول الله؟! والله لولا أنا لطلقك، أتطلبين من رسول الله من النفقة ما لا يملك؟! لا تسألي رسول الله شيئاً، ما أردت من المسألة والحاجة فاسأليني أنا، ولا تكلفي رسول الله شيئاً.

    وهذا موقف الصهر العاقل، ولو يدفع من عنده ويتحمل من نفقات ابنته في بيت زوجها لتظل الحياة الزوجية كريمة؛ لأنه إذا لم يفعل هذا، وضاق الأمر بزوجها ستعود إلى بيت أبيها، وستكلفه أكثر من هذا، فيكون هناك غض النظر في البذل والجود، وهناك تصلح الأمور وتستقيم الحياة الزوجية.

    فهذه ناحية، الناحية الثانية هي التي ساقها البخاري : تضايقن، وكلمن سودة أن تكلم رسول الله في أن يكلم الناس بأن يوزعوا الهدايا حيثما كانت، وحصلت المناقشة والعرض، وثلاث مرات وهن يلححن عليه، حتى قال: (لا تؤذيني في عائشة)، ولما رأوا هذه الواسطة ما نفعت ذهبوا إلى فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها، فكلمته، قال: (ألا تحبين ما أحب يا ابنتي؟ قالت: بلى. قال: لا تؤذيني في عائشة)، ثم جاءت زينب بنت جحش وفعلت ما فعلت، ولقيت ما لقيت، وانتهى الأمر بأنهن ما وصلن إلى شيء.

    نصرة الله لنبيه ولو على أزواجه

    زوجات رسول الله تقسمن فيما بينهن على رسول الله وحن حزبين، ثم جاء حزب ثالث -إن صح هذا التعبير مع التجوز- ينضم إلى رسول الله مناصرة له، اقرءوا إن شئتم قوله سبحانه: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ [التحريم:4] انظروا إلى الأسلوب البلاغي! فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التحريم:4]، لو كان في غير القرآن يمكن أن يقال: فإن الله مولاه، لكن يؤتى بضمير الشأن لتقوية الخطاب والبيان، وهو من تعلمون رب العزة فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4].

    نحن قلنا تجوزاً: الحزب الثالث، أو الحزب الثاني مقابل أمهات المؤمنين هو الله وجبريل وصالح المؤمنين وعموم الملائكة ظهيراً.

    انظر إلى هذا التعداد: الله، وجبريل، وصالح المؤمنين، والملائكة، أمام تسع نسوة، وهل لدى النسوة من الفاعلية ما يحتاج إلى تجنيد كل هذا؟ وكان يستشهد ببيت واحد من شعرائهم، يقول:

    ما استعظم الإله كيدهن إلا لأنهن هن

    ولا يستغرب بعض الأشخاص أن يسمع أن زوجات رسول الله تحزبن عليه؛ لأن هذا من طبيعة النسوة، ومن دافع المحبة والغيرة، والله سبحانه وتعالى عاتبهن وحذرهن، وقبل كل شيء فتح لهن باب التوبة إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ [التحريم:4] وهذه القضية بين حفصة وعائشة فيما أمر ما، فقد صغت وصفت وانتهت قلوبكما وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ... [التحريم:4].

    صبر أمهات المؤمنين وتعففهن

    إن تلك الحياة التي مرت ببيت النبوة مع ما فيها من أحداث لها جانب آخر يحكي ما كن عليه أمهات المؤمنين من الصبر والتعفف والزهد في الدنيا، كما قالت أم المؤمنين: كان يمضي على بيت رسول الله الهلال والهلال والهلال -شهران بين ثلاثة أهلة- لا يوقد في بيت محمد صلى الله عليه وسلم ناراً: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا [الواقعة:71-73]، تنضج طعامك، تصنع الشاي، وتصنع وتصنع على النار، أما هنا فلا يوجد، فما كان طعامكم يا أماه؟ قالت: الأسودان: التمر والماء.

    ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فيرسل إلى أمهات المؤمنين واحدة تلو الأخرى: من كان عندها طعام فليأت بعشاء الضيف، فكل واحدة تعتذر: ليس عندي شيء، تسعة بيوت ليس عندهن عشاء للضيف! فيتوجه صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه: من يستضيف هذا هذه الليلة وله الجنة؟ أحضروا المقاييس، أحضروا الموازين، أنت تعلم بأن الثمن يعادل المثمن، هذا قيمته ألف ريال، ولو قلت: ألفي ريال فذلك يكون زائداً عن السلعة، ولو قلت: مائتي ريال تكون ناقصة عن السلعة، فعادة يكون الثمن معادلاً للمثمن، فأي ليلة هذه التي ثمنها الجنة؟! الآن أبسط واحد منها الآن بمقدوره أن يعشي عشرة أشخاص، لكن في ذلك الوقت تسعة بيوت لرسول الله ليس فيها عشاء الضيف، كيف كانت تلك الحياة؟ والشيء إذا قل أو انعدم لا يثامنه شيء.

    إذاً: (فله الجنة)؛ لقلة الطعام وندرته، وجاء في القصة: أن الذي ذهب به إلى بيته قال لزوجه: هل عندك من طعام لضيف رسول الله؟ قالت: لا والله إلا عشاء العيال. قال لها: علليهم حتى يناموا دون عشاء، ثم قدمي الطعام لي وللضيف، ثم اعمدي إلى السراج لتصلحيه فأطفئيه، وأنا سأحرك يدي في القصعة تلتقي مع يد الضيف، أوهمه أني آكل معه، وما أنا بآكل، ولكن أوفر له الطعام.

    انظروا إلى هذه الحيلة: أولاده ينامون جوعاً بلا عشاء، وكذلك الزوجة والزوج والطعام بين أيدهما، ولو كان بعيداً لقلنا: صابر، لكنه أمامه، ولا يرفع منه شيئاً إلى فيه.

    إذاً: الطعام كان متوفراً. هذا أحسنهم حالاً الذي رضي أن يأخذ الضيف ليضيفه تلك الليلة، وإذا به ليس عنده إلا عشاء عياله، فيحتال هو وأم العيال على توفير عشاء الضيف.

    والله لا أريد أن أقول: إن له الجنة؛ لأنها لو كانت قليلة في هذا أو كثيرة فالرسول قال له: (وله الجنة).

    فلما غدا بضيف رسول الله في الصباح استقبلهما صلى الله عليه وسلم متبسماً وقال: (لقد ضحك ربنا من صنيعكما البارحة)، العملية تضحك فعلاً أن يحتالا لإشباع الضيف على جوع: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، وليسوا كل الناس: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    فقال: يا رسول الله! أويضحك ربنا؟ قال: بلى. وهنا أحاديث الصفات، وكذلك الصحابي مر بها وقال: لا عدمنا خيراً من رب يضحك. هذا تعليقه على صفة الضحك لله، أكثر من هذا لا يوجد، وهكذا كن في بيوت رسول الله تمضي عليهن الليالي وليس عندهن عشاء ضيف!

    إذاً: كانت تلك البيوت مساكن لهن، ومعاهد لما يجرى فيها من آيات الله والحكمة، وكن يعلمن الناس سواء مباشرة أو عن طريق النسوة، أو بواسطة الزوجات للأزواج، كما قالت أم المؤمنين عائشة للنسوة: مروا أزواجكن أن يستنجوا بالماء، فإني أستحيي منهم.

    وهكذا -أيها الإخوة- علينا أن نجدد دراسة حالات المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسبق أن كتبت مقدمة بحث في السيرة النبوية وأنها تنقسم إلى قسمين -في نظري-: سيرة ذاتية، وسيرة تبليغية، والسيرة الذاتية: هي ما كان يتعلق بشخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذاته وبيته وفيما يخصه، والسيرة الرسالية: ما كان فيها تبليغ الرسالة للأمة.

    والحمد لله رب العالمين.