إسلام ويب

كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع [4]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله بالصدقة على الفقراء والمحتاجين؛ درءاً للمفسدة وصوناً لأنفسهم من ذل السؤال والحقد على الأغنياء، وأباح للمحتاج السؤال بقدر حاجته، ولكن لا يجوز لأحد أن يسأل الناس أن يتصدقوا عليه وهو قادر على الكسب، ويتخذ ذلك مهنة له، فسؤال أموال الناس محرم إلا للضرورة، وبهذا التشريع الحكيم تستقيم أمور الناس، ويصلح المجتمع بالأخذ بأسباب التقدم، مع عدم إغفال الإحسان والشفقة على العاجزين.

    1.   

    وجوب النفقة على الزوجة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    ما زلنا في شرح حديث: (أنفقه على زوجك) ، وقدمنا بأنه سواء قدمت الزوجة أو الولد، فإن لهما الأولوية في الإنفاق، والزوجة مطلقاً لها حق النفقة على زوجها سواء كانت غنية أو فقيرة.

    ويقولون: على زوجها صدقة فطرتها، إلا الأحناف فيقولون: إنها إذا كانت غنية فعليها أن تزكي عن نفسها صدقة الفطر؛ لأنها صدقةٌ عن ذاتها ولديها المقدرة على أن تزكي فلتكن زكاة فطرها من مالها.

    1.   

    حكم النفقة على الخادم

    قوله: (قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك): الخادم: يطلق على الأجير، وعلى المملوك، فإذا كان مملوكاً فنفقته واجبة عليه، وإن كان أجيراً فبحسب الشرط، وهناك الأجير الخاص والأجير العام.

    فالأجير العام مثل أرباب الصنائع، كالنجار في الورشة، تأتي له بالخشب وتقول: أريد أن تصنع لي من هذا باباً، أو عنده الخشب، وتقول له: اصنع لي باباً مقاساته ومواصفاته كذا، ويأتي غيرك، ويقول له مثلك، وهكذا، فيتعاقد في الوقت الواحد مع عدد من الناس، فهذا أجير عام، ومثله الخياط تأتيه بالقماش ليفصل لك على مقاسك، ويأتي غيرك كذلك ويجتمع العديد، وكلٌ له ثيابٌ عنده يخيطه، فهذا أجير عام، وليس له على المؤجرين نفقة.

    والأجير الخاص: هو الذي استفرغ وقته في خدمتك، بأن يكون معك، وأجرته على زمنه لا على عمل يده، أما الأجير العام فيأخذ الأجرة على عمل يده لا على الزمن، تقول له -مثلاً-: فصل الثياب بريالين، أو بعشرة، أو بعشرين، وسواء خاطه في ساعة أو أخره إلى أسبوع، ما لم يكن هناك شرط في موعد التسليم، فلا ينظر إلى الزمن في حق الأجير العام، ولكن ينظر فيما استؤجر عليه، هل أحسن خياطة الثوب أو أساء؟ هل أصلح الثوب أو أفسده؟ فهو المسئول عن ذلك.

    بخلاف الأجير الخاص فأجرته على زمنه، لك عليه الأربع والعشرون الساعة، وله حق المنام والطعام، فهو يعطيك وقته كله، وأنت تأمره: افعل هذا، افعل هذا، وليس مشروطاً عليه عملٌ بعينه.

    إذاً: الأجير الخاص -خادمك- نفقته عليك، ولهذا عليك أن تخرج زكاة فطرته في رمضان؛ لأن الزكاة -زكاة الفطرة- تابعةٌ للنفقة، واليوم أصبحت البيوت مليئة بالخدم والخادمات، وأصبح لهم عقود على أن الشهر كاملاً بكذا، فهذا الخادم إن كنت علمت بأنه في حاجة فعليك نفقته، ونحن نجزم بأنه ما تغرب، وترك بلده وربما ترك عياله، وربما ترك زوجه إلا للحاجة، وكذلك الخادمة ما تركت زوجها، وخرجت من بلادها إلا للحاجة والفاقة التي دفعتها، فإذا كنت تصدقت على الخادم أو الخادمة بما هو زائد عن النفقة، بثياب، بلوازمها، بدنانير من زكاة مالك، فهو أيضاً صدقة، وهذا يجبر خاطرها، ويشجعها على العمل.

    لكن لا تعط الخادمة -مثلاً- صدقة من الصدقة لتزيد في عملها؛ لأن هذه مؤاجرة، فلا تعطها صدقة حتى تدفعها على الحماس في العمل، بل تصدق عليها لأنها محتاجة، ولأنك مشفقٌ عليها، وتعلم أن لها عيالاً في بلادها، وتريد أن تحول إلى أولادها أو والديها مصاريف، فزدتها من عندك عند التحويل، فهذه صدقة.

    قال: (تصدق به على خادمك) وقد كثر الحث على الإحسان إلى الخدم، وسيأتي بيان حق الخادم؛ وأن له كسوته، وله طعامه، وله الإرفاق به، وأنه لا ينبغي أن يكلف من العمل فوق طاقته، (وإذا كلفتموهم فأعينوهم) .

    وجاء أن أبا مسعود رضي الله تعالى عنه رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضرب خادماً له، فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أقدر عليه منه على ذلك العبد، أي: أنت لك القدرة عليه لأنه خادمك، ولا يستطيع أن يواجهك، ولكن الله أقدر عليك من قدرتك على خادمك؛ لأنه خالقك، فنظر أبو مسعود فإذا الذي يخاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأثر وقال: هو حرٌ لوجه الله يا رسول الله, فجعل كفارة ضربه أن يطلقه، وأن يجعله حراً في سبيل الله.

    وأيضاً هناك آثار في معاملة الخدم في البيوت: (لا تضربوا خدمكم على كسر الأواني، فإن لها آجالاً كآجالكم)، البعض إذا كسر خادمه الكأس أو الصحن يضربه مستعلياً عليه، وهو غريب ضعيف في يدك، فلا ينبغي ذلك، لأن لها أجلاً، والبعض ربما يخصمها من أجرته؛ إن كان مفرطاً فاتركه يذهب لحاله؛ لأنه متعدٍ، أما إذا لم يكن مفرطاً ولا متعدياً فلا، فلو أنه انكسر في يدك أنت، ماذا تفعل؟ أو انكسر في يد زوجك أو ابنتك، ماذا تفعل؟

    فهذه أمور تدخل تحت قضاء الله وقدره، ولا ينبغي أن يصب جام غضبه على خادمه من أجل شيء قدره الله سبحانه دونما تفريطٍ ولا تعدٍ.

    قوله: (فقال: عندي آخر. قال: أنت أبصر به) وفي بعض الروايات: (شأنك به) ، أي: ما دمت قد قدمت نفسك، ثم زوجك، ثم ولدك، ولم يذكر الوالدين، مع أن الوالدين بعد الزوجة والولد إذا كانا محتاجين، وفي الحديث: (أنت ومالك لأبيك) ، لكن بشرط ألاَّ يضر بالزوجة، ولا يضر بالولد، ولا بشريكٍ في المال، ولا أن يأخذ من مالِ ولدٍ يعطي لولدٍ آخر؛ لأن ذلك يوغر الصدور، حيث لم يكن قد أخذ من مال ولده لنفسه، بل أخذ من مال الولد لولد غيره، ولا يحق له ذلك، فإذا أدى الحقوق والواجبات التي عليه، الأول فالأول وكفى ذلك؛ فهو حر في الباقي، فإن أراد أعطاه صديقه، أو جعله في بناء مسجد، أو لفاعل خير، أو لطالب علم منقطع أو محتاج.

    فما دام أن دائرة الواجبات قد كفيتها، فما وراء ذلك لك أن تنظر من أحق به، ومن أولى أن تعطيه إياه، وقدم الأهم فالأهم، أو الأحوج فالأحوج.

    1.   

    إنفاق المرأة من بيت زوجها

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعضٍ شيئاً) متفق عليه ] .

    هذا من سعة فضل الله سبحانه (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها) لم يقل: هل قال: من مالِ، بل: من طعامِ، فالحديث ينصبُّ على الطعام، والطعام في العرف: ما يطعم سواء كان خبزاً، أو إداماً، أو فاكهةً، أو ما هو أصله للطعام كالتمر والدقيق والحب، فهذا يسمى طعاماً.

    ولم يقل: من مال؛ لأن المال عزيز، والإنفاق من الطعام نوع من المشاركة؛ فهو قابل للاشتراك، فلو طبخت قدراً، وغرفت لمسكين منه في صحن، ما نقص ذلك شيء، وإن قل على المجموعة لكن لن يضرهم، لكن لو كان عنده ألف دينار، وأخذت منها ديناراً واحداً ضر على الألف، والدينار معدٌ لنوائب الزمن وللحاجات وللمهمات، لكن الطعام إذا لم يؤكل فسد، ولذا قال: (من طعام بيته).

    وقوله: (غير مفسدة)، فلو كان الطعام هذا معداً على قدر حاجة زوجها وأولادها، فلا ينبغي لها أن تتصدق منه؛ لأنها ينبغي أن تراعي أهلها أولاً، والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عما استرعيت عليه، إلا إذا كان زوجها وأولادها في مستوى الإيثار، ويرضون غيرهم ممن هو أشد حاجةً منهم، كما جاء في الحديث أنه جاء ضيفٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل لزوجاته كلهن: هل عندكن عشاء لهذا الضيف؟ وكل واحدةٍ تعتذر بأنه لا شيء عندي، فقال صلى الله عليه وسلم ((من يستضيف هذا، وله الجنة) ، الجنة في عشاء ضيف! لكن قد فتشنا تسعة بيوت وما فيها عشاء، وإذا كان الشيء مفقوداً يصير غالياً جداً، لو أن عندك الدنيا بحذافيرها وأنت في صحراء، واشتد بك الجوع، وجاء إنسان عابر سبيل، فقلت له: عندك طعام؟ قال: عندي قرص أقسمه بيني وبينك، فلو قال: بكم تشتريه؟ ستشتريه بدينار، بعشرة، بألف، بل ستقول: بكل ما أملك في بلدي، ومثل ذلك كأس من الماء في الصحراء، يدفع المضطر في شرائه كل ما يملك.

    إذاً: قوله: (من يضيف هذا الليلة، وله الجنة؟) هذا الثمن متعادل، وإن كان الجنة لا يثامنها شيء، لكن بحسب التسعير عندنا؛ لأن الشيء المعدوم يبذل فيه الإنسان طاقته وجهده، (فقال رجل: أنا، فأخذ الضيف، وذهب به إلى البيت، ودخل على زوجه، وقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله! ما عندي إلا عشاؤك وعشاء العيال، قال: أما العيال فعلليهم حتى يناموا) ، فأخذت تعللهم حتى أخذهم النوم وهم جياع! قال: وأما أنا فعندما تقدمين الطعام وأمد يدي مع الضيف، فتأتين أنتِ، وتعمدين إلى السراج كأنك تصلحينه فتطفئينه، ونبقى في الظلام، فيستمر الضيف على أكله، وأنا أمد يدي معه لتختلط بيده، وأرفعها خالية، وأوفر الطعام للضيف.

    انظروا هذه الحيلة يا جماعة! يعملها لماذا؟ هل ليستحل بها الربا؟

    هل يخدع مغفلاً؟ لا والله! لكنها حيلة ليحصل على الثمن النفيس!

    ففعلت المرأة، وشبع الضيف، وبات الرجل والمرأة والعيال بدون طعام، هل هذه ستميتهم؟ هل هذه كل ليلة؟ لا، هي ليلة نادرة يتحملونها، ويصبرون عليها، فكان جزاؤه أن لقيه صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، وبادره النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: (لقد عجب ربنا من صنيعكما البارحة!) ؛ لأنها -والله- حيلة لطيفة جداً، فهو اتفق معها على هذه الحيلة، ونِعمَ الزوجة الصالحة، فلو كانت غيرها ستقول: لا، أنا ما يخصني عشاؤه، اذهب ابحث له عن عشاء، أنا لا أبيت جائعة، ولا أترك الأولاد يبيتون جائعين، ليس هو أولى من عيالي، هذا قاموس معروف، لكنها امرأة مؤمنة في بيت صالح، فتعاونت مع زوجها على مطلوبه، وباتا طاويين، وبات الضيف شبعان، فعجب ربنا من صنيعهما هذا!

    اشتراط عدم الإفساد عند إنفاق الزوجة من بيت زوجها

    إذاً: حينما يتصدق الإنسان مع قلة الشيء يعظم الأجر.

    هنا بيَّن صلى الله عليه وسلم أن (المرأة إذا أنفقت من طعام زوجها غير مفسدة فلها أجر)، وغير مفسدة: يعني أنها مراعية لظروف العائلة، وظروف البيت، وظروف الأسرة، وظروف الأفراد، فإن كانوا على شاكلة من عجب ربنا منهم، فالحمد لله، وإلا فتراعي الظروف، ولا ينبغي أن تضيع من تعول، وفي الحديث أن: (امرأة قالت: هل للمرأة أن تتصدق من مال زوجها؟ قال: لا، إلا بإذنه، قالت: ولو من طعامه؟ قال: الطعام أعز مالنا) ؛ لأن الطعام هو القوت، وبه الحياة، ولذا يقول العلماء: إذا أرادت المرأة أن تتصدق من مال زوجها، فلابد من إذنه، وأطال العلماء البحث في ذلك كـابن حجر في فتح الباري، ويدور البحث على قوله: (غير مفسدة).

    فإذا أذن لها إذناً فعلياً فلا مانع من أن تعطي المسكين، أو أذن لها إذناً اعتبارياً، بأن علمت من زوجها أنها إذا أعطت السائل تمرات أو قرص خبز أو شيئاً من الإدام فإنه لا يغضب، لأن ذلك لا يضره ولا يضر عياله، فهذا إذنٌ اعتباري فلا مانع، وتقدمت لنا قصتان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، الأولى: أنها كانت تأكل من قطف عنب، وأعطت السائلة حبة، وما استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، والثانية: أن امرأة جاءت تحمل طفلتين، فأعطتها تمرة، وما استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وكذلك شاةٌ ذبحوها فوزعت وبقي ذراعها، فقال عليه الصلاة والسلام: (لقد بقيت كلها إلا الذراع!!) فالذي بقي هو الذي ضاع، ولكن الذي تصدق به فهو الباقي عند الله.

    إذاً: إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها بطيب نفسها، غير مفسدة على أهل بيتها طعامهم ومعاشهم، بإذن زوجها الاعتباري أو الحقيقي؛ فلا مانع من ذلك.

    ومما يوضح قوله (غير مفسدة) حديث هند ، لما قالت: (إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، لا يعطيني ما يكفيني أنا وعيالي، هل آخذ من ماله ما يكفيني وعيالي؟ فقال: خذي ما يكفيك بالمعروف)، أي: لأن النفقة واجبة لكِ ولعيالكِ، ولكن بالمعروف، لا تأخذي هذا الإذن وتفسدي، فتصنعين طعاماً يكفي عشرين وأنتم خمسة، ثم يرمي الباقي أو يفسد، هذا هو الإفساد، بل خذي بقدر ما يكفيكِ بالإحسان وبالمعروف.

    وهكذا بين صلى الله عليه وسلم، أن هذه المرأة لها من الأجر مثل ما لزوجها، وفي الحديث الآخر الصريح: (إن الله يدخل باللقمة ثلاثةً الجنة: صاحب الطعام، وطاهيه، ومناوله) ، صاحب الطعام هو صاحب البيت -رب البيت- وطاهيه سواء كانت الزوجة، أو كان الخادم، أو الطباخ في البيت، أو غيره، والخادم الذي يناوله، فإذا كان الطاهي، أو الزوجة، أو الخادم؛ يقدم ذلك بطيب نفسٍ لا مكرهاً، ولا مجاملة، ولا إلزاماً عليه، ولا كراهية لرب البيت، بأن يخرج الطعام باسم الصدقة، وهو يريد أن يؤذيه أو يضيق عليه أو يفسد عليه ماله، بل يؤجر إذا كان يفعل ذلك طواعيةً، وفي حديث آخر (والخازن) ، وهو الذي يكون على المخازن، يخرج من المخزن الدقيق ليعجن ويخبز، أو يخرج السمن ليطهى به، فيعطي المسكين من هذا الطعام، فإن للخازن مثل أجر المالك، فيكون لصاحب المال، وللطاهي، وللخادم وللخازن أجرٌ متعادل سواء بسواء.

    إذاً: العبرة ليست بالكثرة، ولكنها بما وقر في النفس من طيبها، وحب المسكين والإشفاق عليه والرحمة به، والله تعالى أعلم.

    قال عليه الصلاة والسلام: (كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك؛ لا ينقص بعضهم من أجر بعضٍ شيئاً) .

    فلو كان الحساب أن الحسنة بعشر أمثالها، فنقول: نقسمها على الأربعة وكل واحد له حسنتان ونصف، لكن الرسول يخبر أن كل واحد له عشر حسنات، ولا ينقص واحدٌ من أجر صاحبه شيئاً، فتكون الحسنة لهم بأربعين حسنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود فقالت: (يا رسول الله! إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حليٌّ لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من أتصدق به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق ابن مسعود ؛ زوجك وولدك أحقُ من تصدقتِ به عليهم) رواه البخاري ] .

    1.   

    عدم الإسراف في النفقة على الأولاد

    تقدم الكلام على حديث الرجل: (عندي درهمٌ يا رسول الله! قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك...) ، وتكلمنا على حقوق الأولاد، وأنه ينبغي معاونتهم ومراعاتهم وتوفية حقوقهم والإنفاق عليهم ما داموا لا يجدون أسباب الرزق ولا مجالات عمل، وهناك ناحية تركناها سهواً، وهي: أن بعض الناس قد تدفعه الشفقة والعطف على الولد بأن يغدق عليه المال بلا حساب، ويستجيب لجميع طلباته، وهذا في الواقع مفسدة، كما أن ترك الولد دون الإنفاق عليه مفسدة، ويدفعه إلى الإساءة، وهكذا الإغداق عليه بدون حساب يكون فيه الإفساد أيضاً، وأول ما يكون الضرر على الولد:

    إن الفراغ والشباب والجده مفسدةٌ للمرء أي مفسده

    ونسمع أن بعض الناس لديه الولد المدلل، فيشتري له السيارة، وعند مجيء موديل جديد يستقذر الأولى، ويصر على أبيه أن يشتري له أخرى، ويرضخ أبوه لطلبه، ويأتيه بأخرى جديدة، ثم لأنه لم يتعب فيها، ولم يدفع من ثمنها شيئاً؛ لا يبالي بها، ولا يهتم بالحفاظ عليها، وهذا كمثال.

    فكثرة المال في يده بغير حساب تدفعه إلى تصريف المال في غير طريقه، وقد يصيبه المفاسد من الآخرين، وجاءت في السنة النبوية قصة ينبغي للمجتمع كله أن يتعظ بها، حتى تكون للعاطفة حدود، وهي ما ثبت (أن رجلاً يهودياً رض رأس فتاةٍ بين حجرين، من أجل أوضاح لها على رأسها، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وجيء إليه بالفتاة، وهي في الرمق الأخير، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ ..فلان؟ ..فلان؟..فلان؟ حتى ذكر الجاني حقيقة؛ فأومأت برأسها أي: نعم هو، فأتي به فاعترف، فاقتص منه، ورضَ رأسه بين حجرين) .

    فهذه القصة تعطينا دراسات واسعة في باب الأمن الجنائي؛ لأن هذه طفلة صغيرة، يحبها أهلها، ولشدة محبتهم لها زينوها بالحلي، ورصعوا رأسها بقطع الذهب، وهذا الذهب بريقه يخلب عيون ضعاف النفوس، فسولت لليهودي نفسه بقتلها، وجاء في بعض طرق الحديث: (فاستدرجها إلى ضاحية المدينة، وأدخلها خربة، ورض رأسها) ، وقد سبق أن شرحنا هذه القصة بكتابة تحليلية طويلة، ونشرت في مجلة الجامعة، بأن أهل هذه الفتاة شاركوا في الجناية عليها، لأنهم وضعوا عليها ما لا تستطيع حفظه ولا حراسته ولا صيانته، ووضعوا عليها ما يطمع فيها الأشرار، فهم الذين سلطوا عليها هذا اليهودي، ولولا تلك الأوضاح التي على رأسها ما التفت إليها!

    ثم أيضاً: يجب على البلديات، وعلى ولاة الأمور؛ ألاَّ يتركوا في أطراف المدن أماكن خربة تكون مأوى لمثل هؤلاء الناس، وتكون موطناً لتنفيذ خططهم الإجرامية، وكان بسبب هذه المقالة بحث مع المسئولين في بعض الخربات، وعولجت قضيتها تجنباً لوجود مأوى لهذه الأعمال.

    والذي يهمنا أن زيادة التعاطف مع الأولاد وإعطاءهم أكثر مما يستحقون؛ فيه مفسدة، كما أن عدم الإنفاق عليهم فيه مفسدة، ولا شك أن الفضيلة هي التوسط، كما قيل: الفضيلة وسطٌ بين طرفين.

    وكذلك قوله: (تصدق به على زوجك)؛ بعض الزوجات قد تدل على زوجها من الجوانب التي يتأثر بها، فتكثر عليه الطلبات ويرضخ لها، ويستجيب لعواطفها، وفي كل مناسبة تحتاج إلى لباس جديد، وكل ما يظهر نوع من الألبسة بما يسمى (الموضة) تحمل زوجها فوق طاقته، ولربما حملته على الاستدانة من أجلها! وهذا لا يتفق مع الأخلاق الفاضلة، ولا مع المروءة، ولا مع حسن العشرة، فلا ينبغي التطرف، لا في الإمساك والتقصير في أداء الواجب، ولا في البذخ الزائد عن الحاجة، فيكون ذلك إطغاءً للولد أو للزوجة، هذا ما أحببنا التنبيه عليه؛ تتمةً لما جرى عليه الحديث البارحة فيما يتعلق بالإنفاق على الولد.

    1.   

    صدقة المرأة على زوجها وأولادها

    وهنا ذكر المؤلف رحمه الله حديث ابن مسعود أنه ذكر لزوجه زينب أن صدقتها عليه وعلى أولادها منه أولى من الغريب، وسياق هذا الحديث: أن زينب بعد صلاة الصبح ذهبت إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدت عند الباب امرأة حاجتها كحاجتها، فجاء بلال ، وقالت له: قل لرسول الله: زينب في الباب، فلما ذكر ذلك لرسول الله قال: أي الزيانبِ؟

    يعني: أية زينب تعني؟ وهذا تعليم نبوي، فعلى الإنسان إذا عرف نفسه أن يعرِّف بما يكشف عن شخصيته، كمن يطرق الباب، فيقال: من؟ فيقول: أنا، (أنا) هذا ضمير للمتكلم، كل متكلم يقول: أنا، فإذا قيل: من أنت؟! فينبغي أن يقول: فلان ابن فلان، وهنا كذلك: لما قال: : زينب ، قال: أي الزيانب؟ فالزيانب كثر، وهي كانت قد قالت: (ولا تسمني له) ، لكن لما سأله، من هي؟ قال: زينب ، استجابة لطلب رسول الله، فقال: أي الزيانب؟

    فهي أرسلته ليسأل لها، وهنا في الرواية أنها سألت مباشرة، وسواءً كان السؤال منها مباشرةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كان السؤال لها من بلال، أي: بالواسطة.

    وقولها: (عندي حلي) جاء في كتاب الأموال: أنه كان عندها طوقٌ من ذهب تزكيه كل سنة، حتى أخذ عليها أكثر من قيمته، ثم جاء هذا التساؤل، فقال لها ابن مسعود : إن زكاةَ مالك وصدقتك عليَّ وعلى أولادي منكِ؛ أولى من الغريب، فهي استبعدت أن تتصدق على زوجها وولدها؛ ومعلومٌ عند الجميع أن الصدقةَ لا تجوز للأصل وللفرع، يعني: لا تصح على الأبوين ولا على الأولاد؛ لأنهم إن كانوا محتاجين فنفقتهم واجبة من رأس المال، وإذا تصدق على أبويه أو على أولاده فكأنه يؤدي واجباً عليه من صدقة هي حقٌ المساكين، فترددت في ذلك، فقالت له: اسأل رسول الله، فقال: اسأليه أنتِ، فسألت، فقالت: (عندي حلي أردت أن أتصدق به)، وظاهر هذا اللفظ أنها تتصدق بعين الحلي، ولكن رواية أبي عبيد في الأموال: أنها تريد أن تتصدق، أي: تخرج زكاة حليٍ عندها.

    وهنا سؤال: كيف لا يجوز للرجل أن يتصدق على زوجه وعلى أولاده، ويجوز للمرأة أن تتصدق على زوجها وأولاده منها؟

    قالوا: إن هذا تابعٌ لوجوب النفقة، فالزوجة إذا كانت غنية غير ملزمة بنفقة زوجها، وهي حينما تعطي الزوج، لا تسقط حقاً واجباً عليها، وكذلك إذا أعطت الأولاد، لكن والزوج إذا امتلك الصدقة أنفقها على الأولاد، بل وعليها هي نفسها، فالزوج يأخذ الصدقة من زوجته، فإذا ذهب واشترى بها طعاماً، وأتى به إلى البيت، وأكل الجميع -ومنهم الزوجة- فلا مانع من ذلك؛ لأنها حينما أعطتها أعطتها بحق، وحينما أكلتها أكلتها بحق، وهو حق الإنفاق ثابت لها على زوجها، كما قالوا: في صدقة الفطر أو صدقة المال: لو أنك أعطيت جارك زكاة الفطر تمراً تعرفه من تمر بستانك، ثم جئت تزوره في العيد، فقدم لك القهوة والتمر، فنظرت! فإذا التمر الذي قدمه إليك من تمرك أنت، هل تقول: أنا لا آكل الصدقة؛ لأن العائد في صدقته كالكلب؟ لا، أنت لم تعد فيها، ولكنها وصلت محلها، واستلمها مستحقها، ثم قدمها إليك باسم الإكرام.

    ومن ذلك ما وقع في قصة بريرة : (لما دخل صلى الله عليه وسلم، وقال: أعطوني الغداء، فأعطوه خبزاً وإداماً، قال: ألم أر البرمة فيها لحم؟! قالوا: هذا لا يصلح لك، إنه لحمٌ تصدق به على بريرة ، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: هو لها صدقة، ولنا منها هدية) ، أي: بريرة أخذته باسم الصدقة، أما أنا ما أخذت صدقة، لكن بريرة ستقدمه إلي باسم الهدية.

    إذاً: العين واحدة لم تختلف، ولكن اختلف الاعتبار، فباعتبار الصدقة من المتصدق إلى بريرة هي في مجال الصدقة، وباعتبار نقلها من بريرة إلى رسول الله، فهي هدية بريرة ليست متصدقة على رسول الله، إنما تهدي إليه، فاختلف القصد، واختلف الحكم.

    وكذلك الزوج لا يعطي صدقته لزوجته؛ لأن نفقتها واجبةٌ عليه، وكذلك أولاده، لكن هي كزوجة لا تجب عليها النفقة لا للزوجِ ولا للأولاد، فأعطتها للزوج.

    وإذا كانت الزوجة غنية، والزوج فقيراً، وبينهما أولاد، ولا يستطيع الزوج أن ينفق على أولاده، فهل الأم تنفق على الأولاد لغناها أم لا؟ هذا بحث يتطرق إليه الفقهاء، ويختلفون في ذلك، قالوا: إذا لم تنفق الأم الغنية عليهم، مات الأولاد من الجوع، وهل يذهب الزوج يتدين؟ لا، بل عليها أن تشارك في مثل هذه الحالة، أو تنفق عليهم ويكون ديناً عليه.

    الذي يهمنا هنا أنها كزوجة لا تجب عليها النفقة للزوج ولا للأولاد، فصح منها الصدقة عليهم، والقاعدة: لا تصح الصدقة على من تجب عليك نفقته، وإن كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يجوِّز ذلك في الأخ والعم ونحوه، والأخ يختلف: إذا كان بينك وبين الأخ توارث؛ فلا يصح أن تتصدق عليه، وإذا لم يكن بينك وبينه توارث، فإنك تتصدق عليه؛ لأنه إن كان للأخ ابن فهو يرثه، ولا صلة لك بإرثه، فلك أن تتصدق عليه، أما إذا كان يرثك وترثه فإن الغرم بالغنم، فكما أنك ترثه إن مات غنياً فتنفق عليه إن كان فقيراً.

    فتتعلق الصدقة على الآخرين بقاعدة: من وجبت عليك نفقته لا يصح أن تعطيه صدقة. لأنك تكون كأنك تجبر ما وجب عليك من النفقة بما تعطيه من الصدقة، وهنا لما قالت: (إن ابن مسعود قال لي كذا، قال لها صلى الله عليه وسلم: صدق ابن مسعود )، أي: يجزئكِِ ويجوز لكِ، وقيل: إن الصدقة على الغريب صدقة، وعلى القريب صدقةٌ وصلة، أي: وصلة رحم، وفي الحديث: (ابدأ بمن تعول، ثم الأقرب فالأقرب، )، إذاً يجوز أن تتصدق المرأة على زوجها وأولادها منه.

    1.   

    حرمة سؤال الناس تكثراً

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعةُ لحم) متفق عليه].

    بعدما ذكر المؤلف أحاديث الحث على الصدقة، وفضائلها، و(اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى)، جاء هنا بهذا الحديث ينفر من سؤال الناس تكثراً، وسؤال الناس عند الحاجة بما يسد الجوع والفاقة لا مانع منه، لكن يمنع إذا كان تكثراً، (من سأل وعنده أوقية لقي الله وليس في وجهه مزعة لحم).

    ومعنى: (سأل الناس تكثراً) أي: زيادةً عن حاجته في اليوم والليلة، وهذا تشنيع على من سأل وهو في غنىً عن ذلك.

    سبب استمرار بعض الناس في السؤال

    وقوله: (لا يزال الرجل يسأل الناس)، أي: فهو مستمر في سؤال الناس، ولماذا هذا الاستمرار؟

    هذا على قسمين:

    قسمٌ بدافع الحاجة، فالحاجة مستمرة وبالتالي السؤال مستمر، ولكن لا تكثراً، بل تكففاً أو تعففاً.

    القسم الثاني: تعودًّا، أي أنه تعوَّد السؤال، وهذا كما يقول بعض الناس: من استمرأ السؤال وأخذه مرة ومرتين، ورضيت به نفسه، قل أن يترك ذلك، بل يستمر، وإذا أراد أن يمتنع صعب عليه الامتناع؛ لأنه وجد حلاوة الكسب بدون كدٍ ولا تعب، وهذه والله! ما هي حلاوة، إنما هي عين المرارة والغضاضة، لكن إحساسه الشخصي ذهب، وليس في وجهه مزعة لحم، كما يقول العوام: أراق ماء وجهه فلم يبقَ في وجهه ماء الحياء، فإذا كان الأمر كذلك، فسواء عنده، إن سأل أو لم يسأل، أعطاه الناس أو لم يعطوه، ابتسموا في وجهه أو تجهموا في وجهه، أصبحت هذه الأمور عنده عادية.

    ومن زمن قريب سمعنا أو قرأنا في الصحافة اكتشاف بعض شخصيات لها مكانة، ينتهون من أعمالهم، ويذهبون يمتهنون السؤال! ووجدوا أن دخلهم من هذا أضعاف أضعاف راتبهم، ولما سئلوا عن سبب ذلك قالوا: تكاليف الحياة زادت، ونحن نحتاج إلى مسايرة الناس!

    وأغرب ما سمعت في هذا أن أسرة كريمة جداً وقع بينهم نزاع، فقتل شخصٌ شخصاً من هذه الأسرة، وحكم بالقصاص، فجاء أهل القاتل وعرضوا على ولي الدم الصلح بديتين، بثلاث، بأربع، فامتنع؛ لأن ولي القاتل لا يهمه أن تتضاعف الدية عشرة أضعاف، فقال أبو المقتول: أنا أقبل دية واحدة لكن بشرط: أن يحصلها والد القاتل -ووالد القاتل ذو منزلة رفيعة في مجتمعهم- أي: بالسؤال من الناس، لا برصيده في البنك، ولا بما يملكه في بيته، ولكن يحصلها من القرش والقرشين والأكثر والأقل بسؤال الناس، قال: هذا صعب، وكيف أن يقف هذا الموقف، والناس يعرفونه؟ قال: يذهب إلى أي مدينة من المدن التي لا يعرفه فيها أحد، ويأتي بها بهذه الطريقة، قال: متى أجمعها؟ قال: حتى بعد عشر سنين، أنا راضٍ بهذا، وأمام هذا النزاع وخطورة هذه القضية وافق الرجل، وكان بعد أن ينتهي من وظيفته يذهب إلى مدينة لا يعرف فيها، ويلبس لباس السائلين، ويتكفف الناس، وفي زمنٍ قريب جداً جمع الدية، فسلمت وجرى الصلح، ثم بعد ذلك فإذا بالرجل على طريقته، يذهب إلى بعض المدن ومعه لباس السائلين، ويسأل الناس، فجاءوا إليه، وقالوا: ماذا تفعل؟ قال: لا أستطيع أن أترك هذا، وقالوا لفلان: لمََ طلبت هذا الطلب، وقد عرضت عليك الدية مضاعفة؟ قال: أردت أن أقتله قتلةً وهو حي، فيبقى بهذه الحالة؛ لأني أعلم أنه إن استمرأ سؤال الناس لا يترك ذلك أبداً.

    ولهذا -يا إخوان- الشخص في أول مرة: إذا أصيب بحاجة أو بفاقة، ثم مد يده، ووجد من يعطيه، وكثر في يده ذلك، وقضيت حاجته، إن كان ذا نفسٍ كريمة ووجهٍ حيي اكتفى بذلك وكفَّ حالاً، وإن مات إحساسه، ومات شعوره، وأريق ماء وجهه، فإنه يستمرئ ويعيش بها.

    ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله)؛ ففي هذا إبقاء على شخصيته، وإبقاء على معنويته، وإبقاء على إحساسه وشعوره، حتى لا يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحمٍ، يعني: تهلهل لحم وجهه بسبب مده يده إلى الناس، فمات إحساسه، ومات شعوره، ولهذا تجد بعض السائلين -نسأل الله السلامة- يأتيك فتقول: والله! الآن ما عندي فكة، يا أخي: كذا.. يا ابن الحلال! أنا الآن ما أنا مستعد، أنا قادم للمسجد، ما أنا قادم للصدقة، لا يخفى عليك أني ما أتيت بشيء من المال، وكأنه يطالبك ديناً ويفترض عليك أن تدفعه إليه، كان يكفيه الإشارة، لكنه تعود، وصار السؤال مهنة له!

    إذاً: التربية النبوية والتربية الإسلامية لمصلحة شخصية الإنسان نفسه، لأخلاقه، لإحساسه، لشعوره؛ ليبقى إنساناً كريماً فعلاً، ويبقى بعيداً عن مذلة السؤال، ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على العمل والاستغناء، ويكفينا أنه أرسل الشاب خمسة عشر يوماً إلى الجبل ليحتطب، وقال: (ولا أرين وجهك خمسة عشر يوماً) ، ويسمح له بالتخلف عن الجماعة في المسجد النبوي، ويذهب ويصلي هناك، وعنده مسجده وطهوره؛ ليحفظ ماء وجهه، وليحفظ كرامته، وليصونه عن مذلة السؤال، ونسأل الله السلامة والعافية!

    سؤال الناس تكثراً سبب لدخول جهنم

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يسأل الناس أموالهم تكثراً؛ فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر) رواه مسلم ].

    بعض السائلين يسأل الناس أكثر من حاجته، هو في حاجة إلى قوت اليوم، ويسر الله له عشرة ريالات أو خمسة ريالات أو أكثر أو أقل.. بحسب حالة البلد، ومعه ما يكفيه اليوم، فلماذا يطوف على الناس؟ ولماذا يلح على الناس؟ كان يكفيه هذا، وغداً ييسر الله له الأمر، لكن نسأل الله السلامة! (من يسأل الناس تكثراً) أي: يكفيه عشرة ريالات، ولكنه يطلب عشرين.. وثلاثين.. وأربعين.. وكلما جاءه أخذه وأكله أَكْلاً لَمّاً [الفجر:19] ، هذا الذي يسأل الناس تكثراً إنما يأكل جمراً، فليستكثر من ذلك أو ليستقل.

    وهل الرسول يأمره هنا أن يستكثر أو هذا من باب : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً [الكهف:29] ؟ فهذا ليس تخييراً، بل هو تهديد، أي: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ونحن قد أعددنا للظالمين وللكافرين ناراً، فليس المعنى: من شاء آمن ومن شاء كفر فلا عليه، المعنى: اعمل الذي تريده، ونحن عندنا الجزاء، فهذا تهديد وليس تخييراً، لكن الأسلوب أسلوب التخيير، والله سبحانه وتعالى لا يضره كفر الكافر، ولا ينفعه إسلام المسلم، ولكن هذا راجع للإنسان بنفسه، فقوله: ( فإنما يسأل الناس جمراً) أي: وما دمت قد عرفت أنها جمر؛ فإن أحببت فتكثر أو تقلل، وهذا في نهاية الزجر.

    الحث على الاستعفاف عن سؤال الناس

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمةٍ من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه) رواه البخاري ].

    قبل شرح هذا الحديث، مما يتعلق بـ( إنما يأخذ جمراً) ورد أنه ({توفي رجل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرفه، فسأل ماذا ترك؟ -وكان فقيراً يسأل الناس- قالوا: ترك دينارين، قال: كيتان من نار)، سبحان الله! فالناس يخلفون الملايين والأموال الطائلة، والله سن الميراث للمال المتروك بعد الميت، إذاً: فيجوز اقتناء الدينارين، والألفين والمليونين، لكن لما كان يسأل الناس، فكان الواجب أن يسأل بقدر حاجته، لكن أن يتكثر حتى يتوافر عنده ديناران، فهذا هو المستكثر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم في حقه: (كيتان من النار)، كل دينار بكية من النار، والدينار نصف اسمه نار، وبهذه المناسبة كان في اختبار قول القائل:

    كأن وجهه دينارٌ جلته حدائق الضرابِ

    فبعض الطلاب سأل: ما لون الدينار؟ نحن ما رأينا الدنانير، فقال القائل: نصف اسمه يدلُ عليه، لكن كان الطلاب أغبياء ما فهموها، وإلا كان غشاً في الاختبار.

    إذاً: المسألة بقدر الحاجة لا مانع منها، فالله سبحانه وتعالى جعل حقاً للفقراء والمساكين شرعاً، وفرض على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم بجمع الزكاة وتوزيعها عليهم؛ ولا عيب في سؤال المحتاج الفقير، والله سبحانه وتعالى يمتحن عباده بالغنى كما يمتحنهم بالفقر، لينظر: أيشكر هذا أم لا؟ وهذا أيصبر أم لا؟

    فالغرض من هذا التنفير، وتقبيح السؤال تكثراً، لكن لو طرأت على الإنسان حاجة فلا مانع أن يسأل؛ لأنه حقٌ له.

    ذم احتقار المهن والأعمال

    ثم جاء هذا الحديث ليرشد إلى العمل المنتج عيب في عمل اليد الذي يستعف به صاحبه؛ لأن بعض الناس يعيبون بعض المهن، ويحتقرون الأعمال اليدوية، ويزدرون أشياء لا عيب فيها، فبعض الناس لو قلت له: تعال تعلم السباكة، قال: السباكة! تعال تعلم الخرازة، قال: الخرازة! هذه صفات كذا كذا، تعال تعلم النجارة، تعالَ خذ مكنسة واكنس في الشارع، وخذ راتباً وعش به، قال: أنا آخذ مكنسة وأكنس في الشارع؟! نعم لأنك ستموت جوعاً، أو تسأل تكثراً، فأيها أولى لك: أن تستغل طاقتك وصحتك في تنظيف الشارع للمسلمين، أو تتكفف الناس السؤال؟ وكيف تستعيب المكنسة ولا تستعيب من مد اليد؟!

    فيجب أن يكون عندك قانون مطَّرد، أنت تستحي من أخذ المكنسة؛ فيجب أن تستحي من مد يدك، اليد التي تمتد لسؤال الناس الأولى لها أن تمسك المكنسة، فهنا قال: (لأن يأخذ أحدكم حبلاً وفأساً فيحتطب) في ذاك الوقت المهن قليلة، مثل البناء والنجارة فلم تكن كثيرة، بل هي نجارة بلدية كل واحد يقدر أن يعملها، فكانت المهن محدودة، لكن الاحتطاب أمر عام، ومثله أن يحتش الحشيش من الوديان ومن الأراضي البيضاء، ويبيعه علفاً لأصحاب الدواب.

    فأي مهنة يجب ألا يحتقرها إنسانٌ، مادام أن هذا العمل يعفه عن تكفف الناس السؤال، وسمى لي بعض المشايخ - الله يغفر له ويرحمه- شخصاً كنت أعرفه، وكان يعمل في السمكرة، وكان هناك الصفيح تُعمل منه أباريق للحمامات، وتعمل أوعية للسمن من الصفيح (التنك)، وهكذا تنك التمر وتنك الزيت، وكانت براميل البترول أو الغاز يصنعون منها أدوات، وكان هذا الشخص جالساً وجواره جماعة يخرزون ويخيطون الأحذية القديمة ويصلحونها، فجاء رجل تركي، ومعه نعل من الخشب والجلد، وفيه وساخة، والسير مقطوع، فجاء لهؤلاء الذين يصلحون الأحذية ليصلحوه له، فامتنع كل واحد منهم عن ذلك لأنه وسخ! وهذا السمكري شغله في التنك، وليس في الأحذية، فنادى الرجل: تعال، تعال، ما عندك؟ قال: عندي كذا كذا، قال: هاته.

    فأخذ القبقاب من طرف، وحك الوساخة التي فيه في الأرض حتى زالت عنه ، ثم طلب من هؤلاء مسمارين فأعطوه فسمر الجلد في القبقاب، وأصبح صالحاً، وأعطاه نصف ريال، ونصف ريال في ذاك الوقت له قيمة كبيرة.

    وهو لم يعطه نصف ريال على كونه دق المسمارين، لكن على كونه قبل أن يعمل هذا في الوقت الذي رفضه الآخرون، فقام هذا الرجل واشترى بنصف الريال تميزاً وسكراً وشاياً، واشترى جبناً، ثم أفطر هو وزملاؤه وجيرانه من نصف ريال، ثم قال لهم: لمَ تردون هذا؟ النصف ريال هذا خسارة أن تضيعوه، ونحن جلسنا هنا لخدمة الناس.

    فهذا -يا إخوان- كنموذج، فأنت في صنعتك لا ترفض أن تعمل هذا؛ لأنه وسخ، الأرض -يا أخي- تنظفه، أو خذ خرقة ونظفه، فهذا الرجل ما ترفع أن يفعل هذا الفعل، وحصل من ورائه ما أفطر هو وجيرانه به.

    إذاً: لا ينبغي لإنسان أن يترفع عن الأعمال، ما نشتكي من شبابنا السعودي إلا ترفعه عن كثير من مجالات الأعمال العامة، والشاب السعودي إذا تخرج وحمل شهادة -أياً كان مستواها- لا يريد إلا طاولة وتلفوناً وفنجان شاي وجريدة، هذا الذي يريده! وأما الأعمال الحرة فلا يريدها، مع أنها تدخل عليه أكثر من راتبه أضعافاً، لكن يريد أن يقال عنه: ذهب الدائرة، وجاء من الدائرة، ذهب الوظيفة وجاء من الوظيفة!!

    وقد شاهدنا في هذا المسجد النبوي بعض زملائنا في الدراسة، كان يصبح الواحد منهم في السوق متحزماً ويحمل على رأسه، ويساعد الفلاحين في إنزال البضائع، ويأخذ من هذا شيئاً ومن هذا شيئاً، ويجمعها ويبيعها، ويرجع إلى بيته بما يحتاجه منها، وبما اشتراه من حاجات البيت، وإذا كان بين المغرب والعشاء تجده أميراً من الأمراء، عليه ثياب مكوية نظيفة، وكوفية مكية، وغترة مهذبة، جالس أمام الشيخ، فهذا من خيرة الناس لا يترفع أن يعمل في الصباح، فهو طالب علم لا يرضى لنفسه أن يمد يده.

    الحديث ليس مقتصراً على حزمة حطب لمن يريد أن يتعفف، بل الحديث مبدأ عام، وينبغي على كل إنسان عاقل أن يستعف بأي عمل، وقد ذكرنا أن على المسئولين إيجاد مجالات للعمل وللقضاء على العطالة والبطالة، لكن إذا لم يكن هناك مشاريع عند الدولة، وإذا لم تكن لديها إمكانات، فالعمل الحر واسع، من بيع وشراء أو صناعة أو غير ذلك.

    قوله: (لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأتي بحزمةٍ..) يأخذ حبلاً وفأساً كما في بعض الطرق، ولابد من فأس ليكسر به الحطب، وحبل يحزمه فيه، ويحمله على ظهره، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أميراً على بلدة، فكان يذهب إلى السوق، ويأتي بحزمة الحطب يحملها على ظهره ويقول: افسحوا الطريق لأميركم، فهو أمير ويحمل الحطب؟! لعله ليس عنده ما يستأجر به أحداً، وكما قيل: رب السلعة أولى بحملها.

    إذاً: لا يوجد عيب في العمل، كلمة (عيب) في عمل هي العيب، ولا ينبغي للإنسان أن يحتقر شيئاً، وهؤلاء الذين يغسلون السيارات لو تركناهم مفلتين في البلد ضائعين، لكانوا شراً على الناس، فهو يغسل السيارة ويأخذ له عشرة ريالات، يغسل سيارتين، ثلاثاً، أربعاً، أو أكثر أو أقل، فيقضي وقته وينفع الآخرين، ويكسب قوته، فأياً كان العمل -دون تسمية نوعٍ بذاته- فاعمله مادام ليس فيه حرام، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (من بات كالاً من عمل يده؛ بات مغفوراً له)؛ لأنه يعمل بطاقته.

    وأعتقد أني أكثرت عليكم في هذا المجال؛ لأننا -فعلاً- في حاجة ماسة إلى هذا المنهج، بصرف النظر عن حزمة الحطب، أو عن سقية الماء، وقد رأينا طلاب علم كانوا يحملون الماء في أول النهار، ثم إذا جاء وقت الدرس حضروا كما ذكرت لكم، ولا يمدون أيديهم إلى الناس، وهكذا كثير من الناس من يبدأ حياته عاملاً صغيراً، ثم يتدرج ويبارك الله في عمله، ويصبح من كبار الأغنياء.

    يا جماعة! وجدنا جمعيات خيرية كثيرة، وجمعيات نسائية، وجمعيات لفئة كذا، ألا يمكن أن نوجد جمعية لإيجاد عمل للعاطلين أو للبحث عن عمل لهم أو مساعدتهم أو لإرشادهم لما ينفعهم؟ الإمكان يمكن، لكن هل يقبل أحد على هذا؟ حبذا لو أن جهة من الجهات تبنت هذه الفكرة، وكل من ليس عنده عمل يأتي إليهم، ويقول: أنا إمكاناتي كذا، أنا متعلم كذا، أنا أحسن كذا، أنا مستطيع أن أعمل كذا، وإذا كان إنسان يحتاج إلى عامل في شيء ما، يتصل بهم ويحصل على ما يريد من طريقهم، فتكون هذه الجمعية كواسطة بين المواطنين المحتاجين لعمال وبين الفارغين من العمل، وهذا يسهل الطريق، ويقرب الاتصال بين، العامل وبين الذي يريد أن يعمل عنده، لعل الله أن ييسر هذا، إن شاء الله.

    جواز السؤال عند الضرورة أو سؤال السلطان

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسألة كدٌ يكدُ بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمرٍ لابد منه) رواه الترمذي وصححه ].

    هذا كالحديث المتقدم ما عدا هذا الاستثناء: (المسألةُ كدٌ)، والكد مثل الخمشة، فهو رضة أو حفرة في الوجه.

    فتجوز المسألة للسلطان، وسؤال السلطان ليس داخلاً في هذا، ولماذا السلطان لا يكون داخلاً في هذا؟ لأنك إن سألت السلطان، والحالُ أن البلد مسلم، فالسلطان تحت يده بيت مال المسلمين، ولكل فردٍ حقٌ فيه، فإذا أعطاك السلطان، فإنما يعطيك من حقك الذي في بيت مال المسلمين، فلا يكون في ذلك كدٌ ولا خدوشٌ؛ لأنك لم تسأله ماله الخاص، كما تسأل عامة الناس فتكون ممن سأل الناس أموالهم تكثراً.

    أما إذا سألهم غير أموالهم، فإنسان عنده مثلاً وقف خيري على الفقراء أو على الغرباء، أو على الطلاب، وجاء واحد من هؤلاء المنطبق عليهم الوصف الموقوف عليهم، وجاء للناظر وقال: أعطني من حقي، أنا لي حق في هذا الوقف، فهو لم يسأل الناظر ماله، إنما سأله ما تحت يده، وللسائلِ حقٌ فيه؛ فليس في ذلك شيء، وكذلك سؤال الإنسان للسلطان؛ لأن السلطان يعطي الجميع، والسلطان تحت يده بيت مال المسلمين، فهو يعطي منه، وله أن ينظر من يعطي ومن لا يعطي، ومن يعطي الكثير ومن يعطي القليل على حسب ما يترجح عنده من مصلحة الشخص السائل.

    ومن باب الطرافة: أن أعرابياً جاء إلى معاوية وقال: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا أعطيتني، فقال: هل يوجد رحم بيني وبينك وأنا قاطعها؟! قال: نعم، قال: ذكرني بهذه الرحم! قال: أنا وأنت أولاد آدم؟ قال: والله! أنت صادق، أتسألني بالرحم الذي تتصل إلى آدم؟ قال: نعم، قال: والله! هذه رحم يجب أن توصل، ولك حق، وكتب إليه كتاباً لعامله على بيت المال: ادفع إليه درهماً، وصك الكتاب، وقال له: اذهب بالكتاب إلى عامل بيت المال، فذهب الرجل ومعه كتاب من أمير المؤمنين معاوية ، ففض الكتاب، فدخل وأعطاه درهماً! قال: ما هذا؟ قال: الذي كتب لك معاوية ، قال: ألا تستحي؟! معاوية يكتب بدرهم؟! قال: هذا كتابه الذي أعطاك، خذه وارجع له، فرجع إليه، وقال: ما هذا يا معاوية ؟! تكلف نفسك، وتكتب كتاباً إلى عاملك، وترسلني على درهم! قال: يا أخا العرب: والله! لو وصلت الرحم التي تصل إليَّ بها بمثل هذا ما بقي في بيت المال درهم! وهذا صحيح.