إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [7]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لكل صلاة ما يناسبها من طول أو قصر في القراءة، مراعياً فيها جانب المأمومين، وجانب الوقت الذي تكون فيه الصلاة.

    1.   

    شرح حديث: (ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله من هذا)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن سليمان بن يسار قال: (كان فلان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا) أخرجه النسائي بإسناد صحيح ].

    بدأ المؤلف يفصل مقدار ما يقرأ الإنسان في الصلاة، وذلك ابتداء من حديث أبي سعيد ؛ حيث بين لنا القراءة في الأوليين من الظهر بقدر سورة السجدة، وفي الأخريين نصفها، وفي الأوليين من العصر نصف سورة السجدة، وفي الأخريين قدر ربعها.

    وهنا المسألة الثانية، ونقدم لها بمقدمة بسيطة: نعلم جميعاً -يا إخوة- أن الإسلام بصفة عامة مبناه على التيسير، والصلاة كذلك مبناها على التخفيف والتيسير، ومعاذ رضي الله عنه لما طول وقرأ البقرة، وخرج الرجل من الصلاة وصلى منفرداً، وبلغ الخبر رسول الله قال: (أفتان أنت يا معاذ ؟! من أم بالناس فليخفف)، وقال: (أين أنت من الشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والضحى والليل إذا سجى

    وتقدم لنا مبدأ في حديث المسيء في صلاته: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، إذاً: بداية تبدأ بما تيسر، وتنتهي بما لا مشقة فيه؛ حتى وجدنا من لم يستطع أن يأخذ من القرآن شيئاً أنه يجزئه قول: سبحان الله، والحمد لله... إلى آخره.

    إذاً: هذه المسألة، وهي: مقدار ما يقرأ المصلي في صلاته من سور مع الفاتحة سرية أو جهرية إنما هو بحسب البيئة أو فئة الموجودين، ومقتضيات الحال، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لأدخل في الصلاة بنية الإطالة؛ فأسمع بكاء الأطفال فأخفف رحمة بقلوب الأمهات).

    إذاً: هذه المسألة لا حد فيها، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بالطور، وقرأ فيها بالمعوذتين، فليس هناك حد، وكم هو الفرق بين الطور وبين الفلق والناس، قالوا: يفعل ذلك أحياناً، ويفعل ذلك أحياناً؛ لأنه ربما علم بكثرة الناس خلفه، وكثرة العدد موحية بوجود ذوي الأعذار، بخلاف إذا ما وجد عشرة أو خمسة عشر معروفون، وكلهم على نشاط، وكلهم يرغب في الإطالة، فلا مانع من ذلك.

    إذاً: كل النصوص التي تأتي في هذه المسألة من تحديد ما يقرأه الإنسان مع الفاتحة مرجعه إلى حالة المصلين، فتارة جاء التطويل، كما جاء في بعض الروايات: أنه قرأ الأعراف في ركعتين، إذاً: ليس هناك ضابط معين يلتزم به الإنسان، وهذا الحديث يفصل بعض التفصيلات.

    وعن سليمان بن يسار قال: (ويقرأ في المغرب بقصار المفصل).

    القرآن منه الطوال، ومنه المفصل، والطوال هي السور الطويلة، وفصل ما بين السورة والسورة بعيد، فتجد البقرة جزئين ونصف، والفاصل في سورة آل عمران كذلك، ولما تأتي إلى آخر المصحف تجد ثلاث سور في صفحة واحدة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)؛ فتجد ثلاث فواصل في صفحة واحدة.

    وما هي طوال المفصل؟

    لا تجد نصاً متفقاً عليه بين الفقهاء أو القراء أو المفسرين فيه حد لبداية المفصل، ولكن بعضهم يقول: أوله الصافات، وقيل: أوله الحَواميم من (غافر)، وقيل: فصلت، وقيل: القتال، وقيل: سورة الفتح، ولكن الذي في ذهني أن الجمهور على أن أول المفصل هو سورة الحجرات، وما يليها هو من طوال المفصل، ويتفقون على أن قصار المفصل من الضحى، وعلى هذا: فقد كان يقرأ بقصار المفصل، وهو ما جاء في بعض الروايات: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، وهذا في المغرب، بينما الرواية الأخرى: (يقرأ بالطور).

    إذاً: هذا بيان لبعض حالات ما يقرأه الإنسان مع الفاتحة.

    استحباب قراءة سورة كاملة في الصلاة

    كل ما سبق إنما جاءنا بسور كاملة، وجاءنا ما يوحي بأنه تنقسم السورة الواحدة بين الركعتين، وأما قراءة بعض الآيات من سورة في ركعة، وبعض الآيات من سورة أخرى في ركعة، فـمالك رحمه الله في مبحث سجود التلاوة يكره أن يقتصر الإنسان على بعض آيات من سورة طويلة، والأفضل عنده سورة قصيرة بقدر تلك الآيات أولى من أن تأخذ بعض آيات من سورة، وما وجه النظر في هذا؟

    وجهة النظر عميقة جداً؛ لأنك إذا جئت وأخذت خمس أو أربع أو ثلاث آيات من سورة من السور الطوال ربما تكون تلك الآيات التي أخذتها جزءاً من موضوع طويل، لكن حينما تأخذ سورة صغيرة فكل سورة من القصار هي موضوع مكتمل بذاته، وحتى لو طالت قليلاً فسوف تجدها تدور حول موضوع واحد، وقد أشرنا سابقاً إلى هذا، وأن هذا يحتاج إلى تأمل.

    فلو جئت من أول المفصل وأخذت من سورة تبارك، انظر إلى افتتاحية السورة فسوف تجد موضوعها يدور حول افتتاحيتها، تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1]، فكل ما يأتي بعد الافتتاحية يدور حول القدرة والعظمة الإلهية: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك:3-4]، إلى آخر السياق، وإذا جئت إلى الجزء الأخير فأوله: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ:1-3]، وما هو النبأ العظيم الذي اختلفوا فيه؟ قيل: هو القرآن، وقيل: هو البعث، وهو الصحيح، ثم تأتيك بعد هذا أدلة البعث مكتملة في سورة النبأ: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا [النبأ:6-10]، إلى قوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ:17-18]، فكل السياق في هذه السورة يمشي تباعاً على النبأ العظيم ويبينه.

    وإذا جئت إلى قصار السور مثل الضحى، رأيتها تدور حول تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، وتعداد النعم عليه، وتأتي بعدها سورة الانشراح وهي تابعة لما قبلها بصيغ الاستفهام المتتالية، وهكذا تجد (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تدور حول وحدانية المولى سبحانه، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) تدور على الاستعاذة بالخالق من المخلوقات، فوجهة نظر مالك رحمه الله فيما يقرأه القارئ مع الفاتحة أنه يختار سورة قصيرة خير من أن يختار عدة آيات من سورة طويلة، مع أن الكل جائز لعموم ما تيسر، والذي تيسر آية أو أكثر.

    مقدار القراءة في صلاتي العشي والصبح

    قوله: (وفي العشاء بوسطه)، إذا اتفقنا على أن أول المفصل سورة الحجرات، فإن وسطه من عم إلى الضحى، هذا من وسط المفصل.

    (وفي الصبح بطواله) وطواله طوال المفصل، إن قلنا: من الصافات أو غافر أو القتال أو الفتح.. كل هذا من طواله، يعني من السور الطويلة التي هي في أوائل المفصل.

    إذاً: هناك مغايرة، وعلى هذا التقسيم فأطول صلاة هي الصبح، لماذا؟ يقول بعض العلماء: الصبح يكون عند قيام الناس من النوم، والناس في غفلة، فإذا قرأ الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثم سلم فالذي في بيته يكون لم يتوضأ بعد، لكن إذا قرأ من طوال المفصل فتوجد فرصة للذي يتأخر؛ عله إن لم يدرك الأولى أن يدرك الثانية، فقالوا: إطالة القراءة بغية أن يدرك المتأخر الصلاة، ولكن أعتقد -والله تعالى أعلم- أن الصبح ليست وقت عمل، وهو أرجى أوقات العبادة، حتى أن علماء الاجتماع يقولون: أقوى ما يكون الذهن والذاكرة في الصباح؛ لأنك تنام ليلاً طويلاً وتستريح عن التفكير، والعقل في راحة، وكلما أخذ الجسم راحته كلما كانت جميع أعضائه أقوى على ما يقوم به فيما بعد؛ لأنها في فترة راحة؛ فإذا استيقظ من النوم يكون أقوى وأشد استعداداً لتلقي كل خير، ولذا يوصون الطالب إذا أراد أن يحفظ الدرس أن يحفظه بعد صلاة الصبح؛ فالمذاكرة والفهم يكون في وقت خال، وفي جو هادئ.

    فإذا كان الأمر كذلك فيكون صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في الصبح؛ لأن الناس لديهم استعداد أكثر لسماع القرآن، وهذا بخلاف العصر ويقولون أيضاً: وقت الظهر وقت القيلولة، وكانوا يفطرون في الضحى، ويقيلون قبل الصلاة، فيقومون أيضاً على نشاط، ولكن صلاة العصر أكثر الناس في أعمالهم، فهم في حالة انشغال فيخفف عليهم، وإذا جاء إلى العشاء يعقبها النوم وليس هناك عمل، فكان هذا مراعاة لحالات الناس لئلا يشق أو يضيق عليهم.

    إذاً: يذكر لنا أبو هريرة بصلاة هذا الرجل أن الصلاة في الصبح بطوال المفصل، والصلاة في المغرب بقصارها، والعشاء بأوسطها، وهكذا يقولون في تفاوت القراءة ما بين صلاة وأخرى.

    وقال أبو هريرة رضي الله عنه: (ما صليت وراء أحد أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا) أخرجه النسائي بإسناد صحيح. وهذا مما يعطي الحديث حكم الرفع، وكأن أبا هريرة يقول: هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال رحمه الله: [ وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور) متفق عليه ].

    أين قصار المفصل من الطور؟

    1.   

    شرح حديث: (كان رسول الله يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ...)

    قال رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم * تَنزِيلُ و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ ) متفق عليه ].

    كأن المؤلف يقول: صلاة الرجل التي قال عنها أبو هريرة أشبه بصلاة رسول الله، وأنه يقرأ في الصبح بطوال المفصل، ما عدا صبح الجمعة؛ لأن للرسول فيها قراءة مستقلة، ما هي؟ (الم) السجدة، و(هَلْ أَتَى)، وهل يقرأهما معاً في ركعة أم يقسمها في ركعتين؟

    هما سورتان، والصلاة ركعتان، إذاً: كل واحدة في ركعة، وتأتي بعض النصوص في أنه كان يديم ذلك، ويرى بعض العلماء عدم الاستدامة.

    ولماذا خص صبح الجمعة بهاتين السورتين؟

    لأن كلتا السورتين تتحدث عن خلق الإنسان ابتداءً، وعن مآله انتهاء: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السجدة:8-9]، ثم بين حالة الإنسان في آخرته وما يؤول إليه، وفي السورة الثانية: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:1-2] إلى آخر السورة، ويقولون: يوم الجمعة هو يوم خلف آدم، كما أن يوم الإثنين هو يوم محمد صلى الله عليه وسلم، فيوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه نزل منها، وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها عبد قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه.

    إذاً: يوم الجمعة يدور معه أخبار خلق الإنسان والجنة والنار والبعث؛ فهي فرصة لتقرأ فيها هذه السورة على مسامع المسلم فيتذكر بدايته، ونهايته، ويتهيأ للجنة التي أخرج منها أبوه آدم ليعود إليها، وهكذا السورة الثانية.

    إذاً: نستطيع أن نقول: إن هناك اختيار لبعض السور لبعض المناسبات، لكن لا نستطيع أن نقرر أو أن نقول: إن هذه سنة، وهذه بدعة، ولكن هذا من عمل النبي صلى الله عليه وسلم الذي شرعه للأمة، فقد كان يقرأ في الصبح من يوم الجمعة بهاتين السورتين، وتأتي بعض النصوص بالمداومة عليها، ولكن نجد بعض الأئمة لا يداوم عليها، وخاصة أيام الموسم، وإذا سألته قال لك: هناك بعض الناس لا يعرف هذه السورة ولا القراءة فيها، ولم يعودهم أئمتهم، فإذا كبر الإمام وسجد للتلاوة ركعوا، فيكون ساجداً وهم ركوع، وإذا قام من السجود رفعوا من الركوع، وإذا كبر للركوع كانوا هم سجود؛ فيحصل اختلال في الصلاة، فإذا وجدت شدة زحام، والوافدون كثر، وخيف الارتباك؛ فلا مانع من الترك؛ حفاظاً على صحة الصلاة واتباع الإمام، أما في الأيام العادية فلا مانع من قراءتها، وبعض العلماء يقول: لا ينبغي الاستدامة عليها؛ حتى لا يظن العامي بأنها فرض في كل يوم جمعة، وأن صبح الجمعة لا يصح إلا بهما.

    فينبغي أن يتبين للناس أنها سنة في هذا اليوم، وأن الغرض منها ليس مجرد السجدة، ولا أن أي آية من آيات السجدة أو سورة من سور السجدة تجزئ، والقرآن فيه عشر سجدات متفق عليها، والباقي مختلف فيها، ولكن المراد موضوع ومضمون السورتين، وهو التذكير ببدأ خلق الإنسان وبعثه ومآله يوم القيامة ليتأهب لذلك، وخاصة في يوم الجمعة الذي تتضاعف فيه الأعمال، ويندب فيه فعل الخير، وهذه من السنة المعمول بها، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ وللطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (يديم ذلك) ].

    هذه الزيادة يأتي بها المؤلف، وهو شافعي المذهب، والشافعية يؤكدون عليها ويرون دوامها، ولو اقتصر على آية السجدة منها فقط لأجزأ، إلا أنه لو اقتصر على آية السجدة فإنه يضيع الغرض المطلوب من قراءة سورة السجدة؛ لأن الغرض هو عرض السورة بكاملها لتمام موضوعها في خلق الإنسان وبعثه.

    1.   

    أحكام سجود التلاوة

    وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا آية عذاب...).

    هناك مباحث عديدة فقهية تتعلق بالسجود في التلاوة في سورة السجدة، ملخصها: أن ما ثبتت فيه سجدة عنه صلى الله عليه وسلم إذا قرأها الإنسان وحده فهو بالخيار؛ فإن شاء سجد، وإن شاء لم يسجد، والسجود ليس بواجب، ولا فرض عليه؛ أخذاً بعمل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه عندما خطب وقرأ آية سجدة، فنزل من المنبر وسجد وسجد الناس معه، ثم قرأ مرة أخرى بتلك الآية، وتهيأ الناس للسجود، فلم ينزل ولم يسجد، وقال: هي آية سجدة فمن شاء فعل، ومن شاء ترك.

    أما إذا كان الإنسان يستمع، فيقولون: القارئ والسامع كلاهما يسجد إلا أن القارئ على نفسه، وبعضهم يجعل سجدة التلاوة كالصلاة يشترط فيها: الطهارة، واستقبال القبلة، ويرون عدم السجود في وقت النهي عن الصلاة، وآخرون يقولون: هي عبادة مستقلة لا علاقة لها بالصلاة، فحيثما سجد ولو بغير وضوء فلا بأس، أما المستمع فهو بين حالتين: أما القاصد فهو متابع للقارئ فإن سجد القارئ سجد معه، وإن لم يسجد فلا سجود عليه، وأما من استمع عفواً بدون إلقاء سمع فلا سجود عليه.

    ويذكرون في ذلك: أن رجلاً قرأ آية سجدة عند عثمان رضي الله تعالى عنه، فسجد القارئ فسجد معه، ثم جاء شخص آخر وقرأ السجدة من أجل أن يسجد عثمان ولكن هذا القارئ لم يسجد فما سجد عثمان ، فقال: يا أمير المؤمنين! قرأ فلان فسجدت وقرأت فلم تسجد؟ قال: لأنه قرأ فسجد فسجدنا معه، وأنت قرأت فلم تسجد فلم نسجد معك، ومن هنا قالوا: المستمع الملقي السمع للقارئ إن سجد القارئ سجد معه.

    وهنا نقطة عند الأحناف دقيقة جداً: قالوا: لا سجود لسامع الصدى، والصدى هو: رجوع الصوت من جرم يصطدم به، وهذا يظهر عند الجبال، إذا كان الجبل مرتفعاً، وخاصة إذا كان قائماً ليس مدرجاً ولا بسفح طويل، أو إن كنت تمشي وأمامك جدار، فإذا اقتربت من الجدار تسمع صوتك، من أين جاء هذا الصوت؟ الصوت يذهب مع الهواء فيصطدم بالجرم الذي أمامه فيرجع، وكذلك الأذن إنما تأخذ صدى الصوت؛ لأن الصوت يأتي مع الهواء فيصطك بطبلة الأذن من الداخل، وكما يقول الأطباء: هناك شاقوص وسندان، فتتحرك إبرة الأذن بهذا الصدى فتنقل الصوت إلى الدماغ، والآن الصدى موجود معك في كل بيت، وهو: المذياع أو (الراديو)، وهو عبارة عن جهازين: جهاز استقبال وجهاز إرسال، وجهاز الاستقبال يأخذ الصدى من المحطة التي ترسل، وجهاز الإرسال الذي يسمعك، فعند الأحناف لا سجود مع الصلاة هنا، فلو سمعت عبد الباسط أو الحصري يقرأ آية سجدة ومشى، فليس عليك سجود؛ لأنه هو بنفسه ليس ساجداً في الإذاعة ولا في القراءة.

    مبحث سجود التلاوة مبحث واسع، وكنا قد جمعنا فيه بعض الأبحاث، وخلاصة ما يدور حوله في سجود التلاوة: أواجب هو أم سنة؟

    ويذكرون في ذلك أخباراً عديدة منها: أن أبا قتادة أو غيره قرأ بسورة فيها سجدة، فسجد وكان بالدار شجرة فسجدت بسجوده، فقال صلى الله عليه وسلم: (نحن أحق بالسجود من الشجرة)، لكن الحديث فيه مقال.

    ويهمنا: أن سجود التلاوة مشروع، وقد ورد في القرآن في خمسة عشر موضعاً ويختلف الأئمة في موضع الآية؛ أهو قبلها بآية أو بعدها بآية؟ وهذا بحث فقهي توجد مباحثه في كتب الفقه جميعاً.

    1.   

    شرح حديث: (كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم لك الحمد ملء السموات والأرض...)

    قال رحمه الله: [ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم لك الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، رواه مسلم ].

    هذا الإعجاز النبوي بهذا الأسلوب العظيم نجد بعض العلماء يقول فيه: إن الدعاء والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم والتسبيح بمثل هذه العمومات لا يصلح؛ لأنك بكلمة واحدة تريد أن تملأ السماوات والأرض؟ (الحمد لله ملء السماوات والأرض)، وإذا ورد النص في هذا لم يبق لأحد مقال، والباب هو باب فضل الله سبحانه وتعالى، وقد جاء في الحديث الآخر عند مسلم : (الحمد لله تملأ الميزان)، هذه كلمة واحدة ملأت الميزان، وجاء في وصف الميزان: (لو أن السماوات السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة؛ لمالت بهن لا إله إلا الله).

    إذاً: لا نستطيع أن نتحكم بالعقل ما دام قد ثبت هذا بالنص. (والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض، والحمد لله وسبحان الله تملآن ما بين السماء والأرض)، .. (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

    إذاً: ما دام النص ثابت فلا كلام لأحد، وهنا في الحديث: (ملء السماوات وملء الأرض).

    تصور بإدراك العقل أن هذا الحمد ملأ السماوات والأرض، ثم قال: (وملء ما شئت من شيء بعد)، وهنا يتساءل العقل عند قول: (ما شئت من شيء بعد) ماذا بعد السماوات والأرض؟! هل يمكن لنا أن نتساءل هذا التساؤل ونحاول أن نصل إلى جواب، أم نترك ذلك إلى علم الله سبحانه وتعالى؟

    ما دام أن النص يقول: (وملء ما شئت من شيء بعد)، فلا مانع، وأوسع من هذا كله قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ [آل عمران:133]، إذاً: يوجد شيء آخر غير السماوات وغير الأرض وهي الجنة، وهل هناك شيء آخر؟ في الحديث الآخر: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، وما الكرسي في العرش إلا كدراهم في ترس، وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم).

    إذاً: عالم الملكوت لا يمكن لعقل أن يحيط به، وهذا الذي جاءتنا به النصوص، ولم يقل: ملء السماوات وملء الأرض، وانتهينا، ولكن أين الكرسي؟ وأين العرش؟ وأين ما وراء ذلك؟ الله أعلم.

    المهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوسع مجال الذكر إلى هذا الحد؛ فهل فكرت في هذا حينما ترفع من الركوع وتقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد)؟ هل تتذكر هذا المعنى؟ وليس مجرد السعة فقط، ولكن نتذكر عظمة هذا الكون وبالتالي عظمة الخالق.

    (أهل الثناء): يا رب أنت أهل للثناء، هناك الحمد وهنا الثناء؛ لأن ملء السماوات فيه بيان القدرة لخلق السماوات، والخالق بديع السماوات والأرض، وقد تثني على مهندس صمم هذا المسجد، أو على طبيب ناجح، وبديع السماوات والأرض أحق بالثناء سبحانه جل جلاله، فتجمع الحمد أولاً لكمال ذاته، وتأتي بالثناء ثانياً لملء السماوات والأرض وما شئت من شيء بعد، وأنت تعلم بذلك، فيكون اجتمع منك لله الحمد والثناء.

    (أهل الثناء والمجد): المجد: العزة، والسلطان، والقدرة، مثلما يقولون: سهل ممتنع.

    (أحق ما قال العبد): هذه الألفاظ أحق ما يقولها العبد لمعبوده؛ أن يحمده بهذا الحمد المتسع، وبكل ما يمكن أو هو كائن في الوجود، والثناء على الله بما هو أهله من حسن الفعال والقدرة والإيجاد والإبداع ... إلخ.

    فإذا كان الله خلق السماوات ودبر أمرها، وسير فعالها، وما فيها من ملائكة كواكب، ليس فقط مجرد سماء وبنيت، وأديرت، وكذلك الأرض وما فيها من عوالم، حق الثناء لله، وأحق ما قاله العبد لربه مقابل هذا الملك بكامله.

    (وكلنا لك عبد)، أحق ما قال العبد -وأنا منهم- (وكلنا لك عبد)، وبهذا في هذه الحركة أعتقد أنه لا يتأتى لإنسان أن يقول: الله أكبر، ثم ينزل إلى السجود ويفوت على نفسه الخير الكثير، وهذا يبين خطأ من يقول: أركان الصلاة ركن طويل وركن قصير، أو ركن ثقيل وركن خفيف، بل كلها أركان مستوية، وتقدم لنا مبحث الطمأنينة، وأن الإنسان يطمئن في كل أركان الصلاة.

    (اللهم لا ما نع لما أعطيت): عطاء المولى سبحانه وتعالى عظيم، وإذا أراد الله سبحانه وتعالى لإنسان عطاء فلا راد له، وقد جاء هنا عطاء مطلق: (لا مانع لما أعطيت)، سواء كان العطاء مادياً محسوساً من غنى وصحة وولد ومنصب ... إلخ، أو كان عطاء معنوياً من مكارم أخلاق وتوفيق للعبادة وعلم نافع، ... إلخ.

    لا مانع يا رب لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، فالعطاء من الله، ولا موجود في هذا الوجود يمنع عطاء الله عمن أراد له خيراً، كما في الحديث : (لو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على أن يضروك بشيء لن يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك)!

    إذاً: في هذا الجزء من هذا الحديث وأنت قد توجهت إلى الله سبحانه وتعالى، وحمدته ملء السماوات والأرض، وأثنيت عليه سبحانه؛ تقف مقراً بين الرجاء والخوف، ولا تتوجه في حاجة أياً كانت إلا له سبحانه، إذ لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وقد جاء في الحديث: (كل شيء بقضاء الله وقدره حتى العجز والكيس)، يعني الذكاء والغباوة، الفطنة والجهالة، كلها بعطاء من الله وبقدر منه.

    والقرآن الكريم فيه توبيخ لعباد الأصنام وبيان لباطلهم: أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء:73]، لماذا تعبدونهم؟ هل لديهم منفعة ترجونها؟ هل تخافون من ضر يوقعونه بكم؟ هم لا يملكون نفعاً يجلبونه إليكم، ولا يقدرون على ضر يوقعونه بكم، فما هو موجب العبادة؟

    وتقدم مراراً الإشارة إلى قول العلماء: كل عاقل في هذه الدنيا إنما يسعى لأحد أمرين: إما لجلب نفع، وإما لدفع ضر، قال الشاعر:

    إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع

    مع ملاحظة اختلاف الجهة وانفكاكها، إذا أنت لم تنفع صديقك تضر عدوك، يعني لابد أن تفعل شيئاً، فإذا كنت لا تستطيع نفعاً ولا ضراً، كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [النحل:76] ما قيمة هذا؟

    وفي هذا الموقف بين يدي الله الاعتراف بأنه: لا مانع لما أعطيت قليلاً كان أو كثيراً، ولا معطي لما منعت قليلاً كان أو كثيراً، إذاً: وأنت بين يدي الله في الصلاة تزداد رغبة وإيماناً ويقيناً بأن العطاء من الله ولا يدفع الشر إلا الله، وهذه أيضاً وقفة جديدة مع الوقفة الأولى: (ربنا ولك الحمد؛ حمداً طيباً طاهراً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).

    ثم يعقب ذلك بما يشبه التذييل والتكملة، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا ينفع ذا الجد، والجَد بمعنى الحظ، تقول لإنسان: فلان محظوظ، ومن أين جاء له الحظ؟ صاحب الحظ مهما قلت فيه فإن حظه لن يأتيه بشيء إلا من عند الله، وبالكسر (الجِد) بمعنى الاجتهاد، والمعنى الآخر (للجَد) الذي هو أبو الأب؛ لا دخل له في هذا.

    (ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، يعني: ذا الحظ والذكاء والفطنة، عقله وفطنته وحظه لا ينفعه بشيء.

    ولو كانت الأرزاق تأتي على قدر الحجى لماتت من جهلهن البهائم

    والغنى والفقر ليسا بالذكاء أو بالحظ، والآن يوجد جهاز بحجم الكف يحسب قدر مائة شخص، ومائتا ألف كلمة تترجم في جهاز مثل الكف من الإنجليزي إلى العربي ومن العربي إلى الإنجليزي، ويُخزِّن أرقام أكثر من مائتي رقم تلفون، وآلة حاسبة، وكلها قدر الكف، أين ذهبت عقولنا؟ مائتا ألف كلمة تترجم من الإنجليزي إلى العربي ومن العربي إلى الإنجليزي، وأكبر شخص مترجم الآن لا يحفظ مائتي ألف كلمة.

    إذاً: العقل كآلة إذا كان أوتي شيء من الذكاء فمن الله، هذا الذي ركب أو اخترع هذا الجهاز من أين؟ من العقل والعقل مَنْ خلقه ووهبه وأعطاه هذا إلى أن توصل إلى ذلك؟ الله، إذاً: الكل راجع إلى الله.

    قال قارون : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78]، والعلم من أعطاك إياه؟ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل:78] من الذي علمك بعد أن خرجت من بطن أمك؟!

    إذاً: العاقل يتأمل حقيقة وجوده، وحقيقة وجود الكون من حوله، وهذه لفتات أو لمسات تأتي من الرسول صلى الله عليه وسلم في ساعة توجه الإنسان بكليته إلى الله، واستعداد استقبال هذا التوجيه أكثر مما لو جاءه وهو ماش في السوق، أو ذاهب إلى البيت، أو نائم في غرفته، أو جالس يأكل ويشرب، لكن يصلي ويناجي ربه، فيعلمه حقيقة علاقته بالله: يا رب! أنا جئت إليك وأقررت أنك رب العالمين، تصرفهم كيفما شئت، وأنا فرد من أفراد تلك العوالم كلها، وأقررت بأنك مالك يوم الدين ومآله إليك، ثم رجوت وسألت بذله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، اعتراف، اهْدِنَا [الفاتحة:6]، فيبين حقيقة علاقة الإنسان بالله في هذا الحديث.

    ولهذا نقرأ: (الدعاء مخ العبادة)؛ لأنك لو تأملت في ألفاظ الدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت العمق والبعد إلى حد بعيد جداً، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741882005

    عدد مرات الحفظ

    684648506