إسلام ويب

كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة [5]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضم اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة من السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف العلماء في مشروعيته، فالجمهور يقولون بالضم، بينما الإمام مالك لا يرى الضم، وهذه المسألة ومثيلاتها فيها دلالة على لزوم معرفة وجهة نظر المخالف، وعدم التشنيع عليه في المسائل الاجتهادية.

    1.   

    شرح حديث: (صليت مع النبي فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    [ وعن وائل بن حجر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره)، أخرجه ابن خزيمة ].

    وائل بن حجر له خصيصة من بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم تكن العادة أن نترجم لأحد، وإنما نحفظ أسماءهم فقط ولا نذكر تراجمهم، لكن يلفت النظر هنا: أن وائل بن حجر من أبناء ملوك حضرموت، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن مجيئه قبل أن يصل، فقال: (يأتيكم وائل بن حجر وهو من بقايا أبناء الملوك، جاء راغباً طالباً يبتغي فضل الله، وجاء إلى الله وإلى رسوله راغباً في الإسلام)، ولما وصل أفسح له النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، وافترش له رداءه وأجلسه عليه، لماذا؟

    في السنة النبوية مناهج عديدة، ونأخذ من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل الناس منازلهم، وليس في هذا محاباة ولا مغايرة، ولكن إكراماً، ويذكرون عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه أتاها مسكين فأعطته كسرة خبز، ثم أتاها رجل ذو هيئة يسأل، فأجلسته وقدمت له طعاماً، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن ذاك يكفيه تلك الكسرة، وهذا ممن يصدق فيهم قوله: (أنزلوا الناس منازلهم). وهذا من مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ومن محاسن الآداب التي علمنا إياها، ونقول: الأصل أن الناس سواسية! وليس هناك مانع، فهم سواسية فيما يتساوون فيه، ألا تراهم في صف الصلاة: أمير ومأمور، وغني وفقير، وصغير وكبير، وكلهم في صف واحد سواسية، ليس هناك اختلاف، ورمضان يأتي على الجميع فيصومون، لكن في أمور الدنيا هناك أمور يكون التفاوت بسببها؛ ثم أليس في فعله صلى الله عليه وسلم ترغيباً له؟! هو من أبناء الملوك ويترك الملك ويأتي وتقول له: اذهب أنت مثل فلان وفلان، أقل ما فيه شيء من المجاملة ومن الترغيب، وفي تكريمه تكريم لمن وراءه.

    ويهمنا أنه يذكر لنا هيئة من هيئات الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من حسن ترتيب المؤلف؛ فقد جاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع إذا رفع يديه حذو منكبيه عند افتتاح الصلاة، ثم عند الركوع، وقبل أن يركع، ونحتاج إلى معرفة موقع اليدين بعد هيأتهما في الافتتاح، فهل جعلهما حذو منكبيه حتى يركع؟ لا، فإما أن يسدلهما أو يضمها، فجاء بحديث وائل هنا ليبين لنا موقع اليدين عند القيام.

    هيئة وضع اليدين على الصدر

    ذكر رضي الله عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره في الصلاة، لا كما يفعل بعض الناس كأنه يخنق نفسه، وكمن يدليها على بطنه.

    ويذكر ابن رشد في (بداية المجتهد) قاعدة فقهية عند قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، وهي: هل العبرة بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟

    بمعنى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ هل يجزئ أن أمسح أول الرأس أم لابد أن أذهب إلى آخره؟

    وينطبق ذلك أيضاً: أن يأتي إنسان ويقول: فلان له عليّ ألف ريال أدفعها إليه في رمضان، وفي أي يوم من رمضان؟ لفظ عام، فصاحب الدين في رمضان قال: أعطني الألف، قال: لا، في آخر يوم من رمضان، فأول يوم يصدق عليه أنه رمضان، وآخر يوم يصدق عليه أنه رمضان.

    إذاًً: العبرة بأوائل الأسماء أم بأواخرها؟ الواقع أنها قضية ليست مطردة، ففي بعض الأشياء لا تحتمل تردد، وفي بعضها تحتاج إلى قيد وتحديد.

    وهنا: (يضع اليمنى على اليسرى على صدره): هل في أول الصدر من جهة البطن أم في آخر الصدر من جهة العنق؟ يحتمل الحديث الوجهين، ولكن جاءت النصوص الأخرى بالوضع الطبيعي، لا يرفعها إلى ترقوته، وهو العظم المستدير بالعنق، ومن بعده الضلوع، فإذا رفعه إلى الترقوة خرج عن الصدر، وإذا نزل عن الضلوع فقد نزل إلى القفص الصدري ومنه إلى البطن، وتأتي نصوص أخرى: فوق السرة، وعند السرة، وكلها تدور حول وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.

    إذاً: نرجع إلى الهيئة المعتادة، والشيء العرفي الذي يتعارف عليه الناس، والصورة التي ليست مستنكرة، فبعض الناس يكون مسترخي الأعصاب فيضعهما على البطن، وكأنه تعبان أو كسلان، وبعضهم يضعها وكأنه لا يستطيع أن ينهض، وبعض الناس يتعنت ويتشدد ويضع الأصبع على الأصبع، وبعضهم يذهب إلى نصف الساعد، وبصورة لو رأيتها تستنكر أن تكون هذه هيئة للصلاة.

    والأمر الوسط هو الوضع على وسط الصدر، وألا يكون على هيئة مستنكرة.

    خلاف المالكية في الضم

    وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة يتفق عليه أصحاب المذاهب الثلاثة: أبو حنيفة والشافعي وأحمد رحمهم الله، أما مالك رحمه الله وهو إمام المذهب المالكي فإنه ينص على ذلك في الموطأ، فهو مذهبه، وأعتقد أن أسانيد أحاديث الموطأ فوق التهمة وفوق البحث والتنقيب عنها، وإذا ذكر مالك فهو النجم، والحديث الوارد عندنا هنا في السنن، فإذا كان مالك رحمه الله يذكر ما يسمى بالقبض في الصلاة، ومع هذا نجد بعض المالكية يقول: هذا في النوافل وليس في الفرائض، فله أن يقبض في النافلة ولكن يسدل في الفريضة، ولماذا؟

    يروون في ذلك أثراً عن مالك ، وأنه في رواية عنه سدل اليدين، أو أنه صلى سادلاً لهما، وأنه سئل عن القبض فقال: لا أدري، وكل هذه الأخبار ناقشها ابن عبد البر وهو من كبار أئمة المالكية، ثم نصر القبض، جاء آخر وقال: يفعل ذلك في النافلة وفي الفريضة بشرط: أن يفعل ذلك في الفرض استناناً، أي: عملاً بالسنة -لأن أمامه الحديث كالجبل، وهو في الموطأ، ولا يستطيع أن يحيد عنه- ولكن لا يفعله استناداً، وكيف استناداً؟ تعبان أو كسلان ويسند نفسه بهذا، فيقول: إن فعلها استناناً وامتثالاً لسنة رسول الله فلا مانع، وإن فعلها استناداً فهذه حركة زائدة عن الصلاة.

    إذاً: نرجع ونقول: لا حاجة إلى هذه التفريعات، وما دام ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وليس هناك فرق في الحديث بين نافلة وفريضة، وأخذ بذلك الأئمة الثلاثة، ومالك نص على ذلك في الموطأ، فلم يبق لهذه المسألة موضع للخلاف فيها، ولكن وجد تدوين هذا الخلاف في كتب المالكية، ويكون النقاش بين المالكية مع غيرهم، لا مع مالك.

    كيفية التعامل مع الخلافات الفقهية

    بهذه المناسبة، ونظراً لآثار الخلاف في الفروع، فقد يتخذ البعض هذه المسألة بالذات -لأنها واضحة وعملية- سبباً للشقاق والفرقة بين المسلمين، ونسمع من الإخوة الأفارقة أنه في بعض الأماكن يوجد هناك الخصومة، أو النزاع، وقد يكون هناك التبديع، لماذا؟ لأنه خالف المذهب أو الإمام، أو لأنه خالف الحديث؛ لأن الحديث يقول بالقبض، وهم يقولون بالسدل.

    أقول: هذا الوضع وهذه الكيفية هيئة من هيئات الصلاة، وبإجماع المسلمين ومنهم أئمة المذاهب الأربعة أن الفريضة والنافلة صحيحة؛ سواء قبض اليمنى على اليسرى أو سدل اليدين بجانبيه، فإذا كانت الصلاة صحيحة على كلا الحالتين فلماذا نختلف ونفترق، ونجعل جزئية فقهية في فرع من فروع الإسلام سبباً للخلاف والشقاق والخصومات والفرقة؟ هذا غرض عدو الإسلام، أن يشغل المسلمين بجزئيات عن أساسيات الدين، سواء عن جهاد، أو صلاة بعينها، أو طلب العلم حقيقة، أو بحث العقائد والتوحيد وضرورة ذلك، ويشغلهم بجزئية يدورون فيها، وخصومات، لماذا هذا كله؟ لا حاجة لهذا.

    حكم الضم بعد الرفع من الركوع

    في هذا الحديث يقول الراوي فيه: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره، ولكن متى يضع؟

    نجد الجمهور يتفقون على أن هذا الوضع على الصدر بعد تكبيرة الإحرام حين القراءة قائماً، ثم جد أمر جديد، وهو بعد الرفع من الركوع هل يضع اليمنى على اليسرى على صدره أو يرسل يديه؟

    هذه مسألة جديدة، وسبق أن طلبت من الإخوة طلبة العلم أن ينقبوا في بطون الكتب الفروع والأصول، والحديث، والتفسير، وأصول الفقه، والفقه؛ ليوجدوا لنا نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحاً ولا أقول صحيحاً؛ فلو وجدوا ضعيفاً لقبل؛ فلم يجدوا نصاً صريحاً بأنه صلى الله عليه وسلم كان يضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع.

    إذاً: توجد مواضع في الصلاة لا توضع اليمنى على اليسرى فيها، وإنما توضع اليدان في مواضع منصوص عليها: أما في الركوع فيلقم يديه ركبتيه، أما في السجود فيضع يديه على الأرض، أما في جلسة التشهد فيديه على فخذيه.

    إذاً: بقي عندنا الموضع الذي يمكن أن توضع اليمنى على اليسرى فيه في الصلاة: إما قائماً للقراءة، وإما بعد الرفع من الركوع؛ فهل كان يضعهما في الموقفين أم في موقف واحد؟

    نختصر الطريق، وأمامنا أئمة أجلاء أوسع مجالاً، وأتقى لله، وأصفى أذهاناً، وأطهر قلوباً، وأوعى للعلم، وهم أئمة المذاهب الأربعة، فأولاً مالك : المالكية يقولون: حتى عند القيام للقراءة يسدل يديه، فإذا كانوا يقولون بالسدل عند موضع الاتفاق فهل يقبضون بعد الرفع؟ هذا مسقوط من الحساب.

    نأتي إلى الأحناف والشافعية -وبدون تفصيل في المذاهب- يقولون: إن وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع بدعة، ولا أصل له، وبعضهم لم يذكره ولم يتعرض له.

    وأما عند الحنابلة فقد نص صاحب المغني وصاحب الإنصاف على الروايات المختلفة عن أحمد ، فتوجد عن أحمد رواية بوضع اليمنى على اليسرى على الصدر بعد الرفع من الركوع، وإن شاء ترك، وأما صاحب الإنصاف فرجح الترك، ووافق الجمهور في عدم القبض بعد الرفع من الركوع.

    أرجع إلى التنبيه الأول وهو: أن وضع اليدين في القيام للقراءة، أو وضع اليدين بعد الرفع من الركوع، أو سدل اليدين في الموضعين، لا علاقة له بصحة الصلاة وبطلانها.

    وثم نقطة أخرى: من اختار لنفسه وضع اليدين على الصدر بعد الرفع لا يحق له شرعاً أن يعيب من لم يفعل ذلك، أو أن يراه متعصباً جاهلاً، ولا ينبغي أيضاً لمن لم يفعل ذلك أن ينظر لمن يفعل ذلك بأنه مبتدع، أو بأنه متعصب، والمسألة خلافية، والخلاف فيها ضعيف جداً، وليس فيها سوى رواية عن أحمد مرجوحة، لكن قولهم موجود، ولو نظر إنسان في القواعد وفي الأدلة وفي الأقوال واختار لنفسه، فلا ينبغي أن نعيب عليه، لماذا؟ لأن له سلفاً، ولو أنه مرجوح، ولأن الأمر لا يتعلق بصحة ولا بفساد.

    والذي يهمنا كطلبة علم وكمسلمين في أي عمل من أعمال الصلاة: ألا نتخذ الجزئيات مثار خلاف ونزاع وتفرق بيننا، هذا في الصف يقبض يديه بعد الركوع، وإذا سلم نظر لصاحبه كأنه أخطأ! وهذا يسدل يديه بعد الركوع، وبجانبه أخ له يقبض؛ فإذا خرج من الصلاة لا يسلم عليه!

    كل اختار لنفسه قولاً بعد أن سمع، أو قرأ، أو وقف على ما يسر الله إليه، ولعل في هذا القدر كفاية فيما يتعلق بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.

    صور وضع اليد في هيئات الصلاة

    لو تفقدنا حالة الصلاة وكيفيتها نجد لكل ركن من أركان الصلاة هيئة: تكبيرة الإحرام وهي الدخول في الصلاة هيئتها رفع اليدين إلى المنكبين، ولو كبر سادلاً اليدين أخل بالهيئة في هذا الركن، وبعد تكبيرة الإحرام يأتي ركن القراءة باتفاق، ويضم يديه خلافاً لبعض المالكية، هيئة الركن الأول حركة اليدين للمنكبين، وهيئة الركن الثاني القراءة قائماً واليدان على الصدر، وهيئة الركوع اليدان مقبوضتان على الركبتين، وتكبيرة الانتقال فيها حركة اليدين إلى المنكبين، وبعد ركن القيام والاعتدال بعد الركوع نعيد اليدين إلى موضعهما، فيتشاكل هذا المنظر مع المنظر الأول، أو هيئة هذا الركن مع الذي قبله، أو نسدلهما ليفارق بينهما، وفي حركة السجود اليدان إلى الأرض، وفي الجلوس بين السجدتين اليدان على الفخذين.

    إذاً: بقي حالة الرفع وحالة القيام، فإذا قبضنا بعد الرفع شاكلنا هذا الركن مع ركن القيام، وإذا سدلنا غايرنا وأعطينا كل ركن هيئته التي تميزه عن غيره، أرأيت لو أن إنساناً دخل المسجد وإمامه ممن يقبض في الموضعين، ودخل الداخل والناس قيام، ووجد اليدين على الصدر مع قيام الناس، أيخطر بباله أنه في القراءة أم قد رفع من الركوع؟

    سيظن أنه في القراءة وينتظر الركوع، فهذا كبر ودخل وأخذ يقرأ على أن الإمام في القيام في الركوع، فإذا به يهوي إلى السجود، لكن إذا جاء ووجده واقفاً سادلاً يديه يعرف بأن الإمام في الرفع من الركوع.

    على كل هذا القدر والموقف أطلنا فيه، لا لمناقشة صحة وضع اليدين بعد الرفع من الركوع وعدم الصحة، ولكن للنهي عن اتخاذ هذه الحالة موضع نزاع ونفرة بين طلبة العلم، والعامة ليس لهم دخل في هذا، فكل يفعل ما تيسر له أو اقتنع به، والعامة يقلدون غيرهم، إنسان تقول له: اسدل يديك! يقول لك: لا، رسالة عن الشيخ ابن باز يقول فيها كذا، الحمد لله، ولكن ليس عند العامة أي نظرة لتغليط الآخرين؛ لأنه يرى أن هذا صوابه، لكن طلبة العلم ربما يكون في نفوسهم نظرات إلى الآخرين؛ لأنهم يريدون من كل الناس أن يكونوا مثلهم، والآخرون أيضاً يريدونكم مثلهم، وهذا الذي حملنا على الإطالة في هذه الجزئية، وإن لم تكن ركناً في الصلاة؛ لأن سلامة الصدور والألفة والتقارب بين الجميع أهم من هذا كله، وبالله تعالى التوفيق.

    1.   

    شرح أثر: (صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم)

    قال رحمه الله: [ وعن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن ].

    يسوق لنا المؤلف رحمه الله هذا الأثر عن نعيم المجمر وهو مولى لـعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ووصف بالمجمر؛ لأنه كان يأتي بالجمر، ويجمر -أي: يطيب- المسجد كل يوم جمعة عند منتصف النهار. يذكر لنا ما وقع له من صلاة خلف أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا تتمة لإثبات قراءة البسملة مع الفاتحة، فيذكر لنا نعيم أنه صلى خلف أبي هريرة وسمعه يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ويقرأ الفاتحة، وبعد الفاتحة يقول: آمين.

    ثم إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يخبر المأمومين خلفه، و(يقسم على ذلك ويقول: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه النسائي وابن خزيمة ؛ لكأنه يقول: ما سمعتم وما رأيتم من صلاتي فليس من عندي إنما هو اقتداء واتباع، وصورة لما رأيت وسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ينقلون لمن بعدهم ما أخذوه قولاً وعملاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تطهير المساجد وتطييبها

    ذكر نعيم المجمر يستوقفنا عند العناية بالمساجد وأنها تطيب، وجاء في الحديث: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور -كما في رواية عائشة رضي الله تعالى عنها- وأن تطيب)، وجاء القرآن الكريم في قوله سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36]، ترفع حساً ومعنى: حساً بالبناء، ومعنىً بالتكريم والحفاظ والصيانة، وإبعاد ما لا يليق ببيوت الله، وجاء في الحديث: (عرضت علي أعمال أمتي؛ حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد)، والنصوص في هذا كثيرة، وأعظم من هذا كله ما جاء في كتاب الله من عناية المولى سبحانه بالبيت الحرام؛ بما عهد به إلى الخليل وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذا الباب، فقال سبحانه: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة:125]، حيث أن عباد الله يأمون بيوت الله لعبادة الله؛ فيجب أن تتوافر لهم عوامل الراحة والطمأنينة، وأن تنزه المساجد عن كل ما يشوش على المصلي، (طهرا): حساً ومعنىً من الأوثان ومن غير ذلك مما يغاير معتقد المسلمين، ويكدر خاطرهم.

    وقد جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى امرأة مجذومة تطوف بالبيت فهمس إليها: يا أمة الله! لو جلست في بيتك لا تؤذي الناس، فانصرفت حالاً ولم تكمل شوطها، وبعد أن توفي عمر رضي الله تعالى عنه أتاها آتٍ فقال: اخرجي! إن الذي كان قد منعك قد مات. فقالت -وتعطي العالم درساً في السمع والطاعة وحقيقة الامتثال-: ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً. هكذا الأمة تحترم الكلمة، وتحترم العلم والعلماء، وتوقرهم في الحياة والممات.

    وقد سمعت من ينقل عن الشافعي رحمه الله أنه حينما دخل بغداد إلى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله قالوا: إنه صلى في الأعظمية، أي: محلة الإمام الأعظم، وهي نسبية أي: بالنسبة للأئمة المذهب الحنفي : محمد وزفر وأبو يوسف وأبو حنيفة ، يقولون: إنه صلى الصبح ولم يقنت، فقالوا: لم تركت القنوت في الصبح وهو مذهبك؟ قال: احتراماً لـأبي حنيفة رحمه الله، أو احتراماً لصاحب هذا القبر، وهذه آداب فوق المستوى، وهكذا ينبغي احترام الرأي، واحترام الكلمة والعلم، وتوقير العلماء.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم في عدم إيذاء الناس والملائكة: (من أكل من هذه الشجرة -البصل أو الثوم- فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان)، وفرع العلماء على هذا: كل ذي رائحة مؤذية مطلقاً، وعلماء العصر الحاضر يمثلون ذلك برائحة التبغ والدخان، وبعضهم ينبه على الجوارب إذا طالت مدته، وكثر فيه العرق وعفن، وبعض الفقهاء يقول: صاحب الجرح الذي أنتن، وصاحب ثوب المهنة إذا كانت له رائحة، ومن هنا نجد الأمر بالاغتسال يوم الجمعة.

    ويروي الشافعي رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة قالت: (كان الغسل للجمعة في أول الأمر واجباً كغسل الجنابة)، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان الناس في أول الأمر يلبسون الخشن من الثياب، وهم في أرض حارة، ويزاولون أعمالهم بأنفسهم؛ فيأتون وقد فاحت منهم روائح العرق، فأمرهم أن يغتسلوا، ثم لما وسع الله عليهم، وجاءتهم العلوج، وكفتهم مئونة العمل؛ صار الغسل يوم الجمعة سنة)، وذلك نظراً للحديثين: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، يعني: من بلغ سنه الحلم، لا لمجرد الاحتلام؛ لأن الاحتلام موجب للغسل مطلقاً.

    ثم جاء الحديث الآخر: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، وهكذا يحث صلى الله عليه وسلم على العناية بالمظهر والمخبر في المجتمعات العامة، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ماذا على أحدكم لو اتخذ ثوباً لجمعته سوى ثوبي مهنته)، ثوب المهنة اجعله للمهنة، جزار أو حداد أو في أي عمل كان، قد يكون الثوب طاهراً، ولكن قد يؤذي الجليس أو المجاور، فلا ينبغي أن يؤذي الناس بمثل ذلك، وكما روى البخاري في الأدب المفرد: (حسن السمت جزء من النبوة).

    والعناية بالمساجد عناية بالمسلم وبالإسلام، وهي تعظيم لحرمات الله، فها هو نعيم كان يجمر المسجد كل يوم جمعة عند منتصف النهار، وحث النبي صلى الله عليه وسلم المسلم إذا غسل واغتسل أن يصيب من طيب أهله، وقد كانت امرأة تقم المسجد فمرضت، فسأل صلى الله عليه وسلم عنها فقالوا: إنها مريضة مرضاً شديداً، فقال: (إذا ماتت فآذنوني)، فماتت ليلاً ودفنوها، ولما أصبح صلى الله عليه وسلم سأل عنها قالوا: إنها ماتت ودفناها ليلاً، فقال: (ألم آمركم أن تؤذنوني؟ قالوا: كرهنا أن نشق عليك بالليل، قال: دلوني على قبرها)، ثم ذهب صلى الله عليه وسلم إلى قبرها، وصلى عليها بعد أن دفنت، لأي شيء؟ لخدمتها للمسجد.

    وهكذا ينص المؤلف هنا على عمل هذا الراوي بأنه كان يجمر المسجد يوم الجمعة، ولا زالت السنة في هذا المسجد إلى اليوم، وللمجمرة في هذا المسجد النبوي ميزانية خاصة للعود، بل كانوا في أوائل الستينات يؤتى بالمجامر في صلاة التراويح وتجمر الصفوف بين كل ركعتين.

    إن العناية بالمساجد باب واسع لنظافتها وصيانتها من العبث، بل بوب البخاري رحمه الله: (الغلق للمساجد)، وساق حديث الكعبة ومفتاح الكعبة.

    سنية التأمين في الصلاة

    يذكر لنا المصنف هذا الحديث عن أبي نعيم رضي الله تعالى عنه أنه صلى وراء أبي هريرة فسمعه يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ومبحث بسم الله الرحمن الرحيم وهل هي من الفاتحة تقدم الكلام عليه، والجديد في هذا الحديث: أنه إذا فرغ من قراءة الفاتحة يقول: آمين.

    ومبحث التأمين في الصلاة قد أخذ حيزاً أيضاً ليس بالقليل، وناقشه كثير من علماء الحديث والتفسير، فتجدون أن القرطبي وابن كثير قد أفردا له فصلاً خاصاً في تفسير سورة الفاتحة، وأوسع من تكلم عنها في كتب الحديث لعله ابن حجر في فتح الباري فيما بوب عليه البخاري: (الإمام يجهر بآمين).

    وجاء في فضل (آمين) نصوص سيذكر المؤلف بعضاً منها، فمما جاء فيها عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما حسدتكم يهود ما حسدتكم على آمين، وفي صفوف الصلاة، وفي السلام)، أي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعض الروايات تزيد: (وفي الجمعة، ضاع عليهم يوم الجمعة، وهديتم إليه)، فقد بين صلى الله عليه وسلم: أن اليهود والنصارى أضاعوا يوم الجمعة، فاختار اليهود السبت، واختار النصارى الأحد، وهدى الله المسلمين إلى يوم الجمعة، وكذلك ضيعوا موعد الصيام بالتقديم والتأخير... إلى آخره.

    وجاء في (آمين) أيضاً عند البخاري وغيره: (إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين)، أو: (إذا أمَّن الإمام فأمنوا)، وكلها تلتقي عند معنى واحد؛ (فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، ويبحثون في تأمين الملائكة، أي نوع من الملائكة هم، وأية موافقة؟ قيل: الملائكة هم الحفظة الذين مع الإنسان يكتبون عليه أعماله، وقال الجمهور: الملائكة، عالم السماء عامة، وجاء اللفظ صريحاً: (من وافق تأمينه تأمين من في السماء)، يعني: الملائكة، والموافقة كما يصححه الباجي : إنما هي في الزمن، وغيره يقول: وافق تأمين الملائكة في الإخلاص.. في الاجتهاد.. في حسن النية... إلى آخره، ولكن كما بين الباجي وغيره: يصعب أن تكون الموافقة تامة في ذلك، ولكن الذي يمكن أن تكون هي الموافقة الزمنية.

    إذاً: قول القارئ خلف الإمام: (آمين) ثابت بالسنة، والشوكاني في نيل الأوطار يذكر عشرة أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في التأمين، ويقول: وثلاثة أخبار عن الصحابة موقوفة عليهم، ومما جاء موقوفاً: أن عبد الله بن الزبير كان يقول: آمين، وكان من خلفه يقولون: آمين، حتى يسمع للمسجد رجة، وجاء أيضاً عن أم المؤمنين عائشة في هذا المسجد، وسيذكر المؤلف رحمه الله النصوص الواردة.

    أما موقف العلماء من قول المأموم: (آمين)، فيذكره شراح الحديث والمفسرون: أما الشافعي وأحمد رحمهم الله فيقولان: يقولها المأموم والإمام جهراً في الجهرية وسراً في السرية، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله: لا يقولها الإمام، ولكن يقولها المأموم، وعن مالك رحمه الله روايتان: رواية توافق الشافعي وأحمد ، ورواية توافق أبي حنيفة بأن الإمام لا يقولها، والروايتان بحسب علماء الأمصار، أما علماء المدينة فيروون عن مالك مثل الشافعي ، أما أهل الكوفة ومصر فينقلون عن مالك : أن الإمام لا يقولها وإنما يقولها المأموم، وما عدا ذلك من الأقوال فهو خارج عن دائرة الأئمة الأربعة، ولا حاجة إلى إطالة الكلام فيها.

    يقول الشوكاني وابن عبد البر: النصوص الواردة تدل على أنها مشروعة، وأنها سنة، وأن الإمام والمأموم يقولانها، ويتحرى المأموم تأمين الإمام ليكونا معاً في وقت واحد؛ ليوافق ذلك تأمين الملائكة.

    معنى قول: (آمين) وموضعها

    أما قول: (آمين) ففيها لغتان: الأولى المد (آمين)، والثانية القصر (أمين)، وبعضهم ينقل لغة ثالثة هي: (آمّين) بتشديد الميم، ولكنها شاذة وإن صحت لغة، إلا أنها لا تتفق مع السياق والمعنى، لأن (آمّين) بمعنى قاصدين، كما قال تعالى: وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [المائدة:2]، والجمهور على أن معنى (آمين): اسم فعل بمعنى استجب، أي: استجب الدعاء المتقدم؛ لأن الفاتحة حمد لله، ثم نعته بصفات الجلال والجمال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:2-5]، ثم تأتي أعظم مسألة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، فهذه مسألة عظمة تتوقف عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهي منهج المسلم في حياته.

    والسر في كون تأمينك يوافق تأمين الإمام مع الملائكة: أن تكون مترقباً القراءة لست غافلاً ساهياً عما يقرأ الإمام، فتكون متابعاً للإمام من أول تكبيرة الإحرام إلى أن يفتتح القراءة، وتتابعه كلمة كلمة، آية آية؛ حتى تكون مترقباً لقوله: (ولا الضالين)، فتنطق بـ: (آمين).

    وعندما يسمع المأموم الإمام يقول: (ولا الضالين) لا ينتظر حتى يقول الإمام آمين؛ لأنه إن انتظر فاتته موافقة الإمام، إذاً: آمين بمعنى استجب، وآمّين قالوا: قاصدين الهداية إلى الصراط المستقيم، لكن المشهور ما عليه الجمهور وهو أن التأمين إنما هو بدون تشديد الميم، فهو: إما أن يكون بالمد وهو ما عليه الجمهور، وإما أن يكون قصراً كما يرويه البعض.

    وينبه بعض العلماء على أن المأموم إذا قرأ وكان منفرداً، أو أن الإمام إذا قال: (ولا الضالين) يفصل بين نون (الضالين) وبين مد (آمين)، لئلا يظن الظان أن آمين جزء من الآية؛ لأنها ليست من السورة.

    وجاء عنه صلى الله علي وسلم أنه قال: (أهدى إليّ جبريل آمين بعد الفاتحة)، إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ الفاتحة وأمنّ ببيان من جبريل عليه السلام، وأمر الناس أن يقولوا: آمين، على ما تأتي النصوص الواردة عند المؤلف رحمه الله.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734108476

    عدد مرات الحفظ

    684421332