إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ سعيد بن مسفر
  3. من أسباب عذاب القبر .. أكل الربا [10]

من أسباب عذاب القبر .. أكل الربا [10]للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القبر إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وقد جعل الله بعض العقوبات في الحياة البرزخية لبعض أهل الكبائر، ومن أعظم هذه العقوبات عقوبة المرابي؛ لأن الربا من أعظم الكبائر. وقد شدد الله الوعيد على آكلي الربا؛ فآذنهم بالحرب في الدنيا والآخرة، ومن تلك الحرب أنه أعد للمرابي عذاباً في الحياة البرزخية إلى أن تقوم الساعة قبل عذاب الآخرة.

    1.   

    من آثار رحمة الله

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    المطر رحمة مادية من الله لعباده

    أيها الإخوة في الله! القلوب فرحة، وهي تأمل المزيد من الله عز وجل من رحمته وغيثه، المطر ينزل في هذه اللحظات، والغيث يهمل والقلوب تأمل، والله يقول: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى:28].

    وقد سمّى الله المطر أو الغيث رحمة؛ لأنه دليل رضوان من الله عز وجل، وأحياناً يأتي دليل عذاب وعقوبة من الله عز وجل، إذا غضب ربنا تبارك وتعالى حينما تنتهك حرماته ولا يستجاب لأمره، فهو يعذب بالمطر إما بالإنزال وإما بالمنع، فيمنعه فيموت الناس، أو ينزله فيموت الناس، ينزله حتى يغرقهم: وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40] ويمنعه حتى يموتون جوعاً وعطشاً، ولكن بالمقادير التي يحتاجها الناس يكون رحمة، أن ينزل الله المطر على الناس بالمقدار الذي يريدونه؛ لأن تحديد نسبة نزول المطر لا يملكها أحد على وجه الأرض: يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ [الشورى:27].

    فإذا جاء الغيث على المقدار الذي يحتاجه الإنسان، من غير تدمير ولا تخريب، ولا كوارث، ولا فيضانات، ولا إهلاك، كان هذا دليل رحمة من الله عز وجل، قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى:28]. أما إذا جاء المطر كثيراً غزيراً مغرقاً مدمراً، فهو دليل عذاب من الله، ينبغي على هؤلاء الذين ينزل عليهم هذا الشيء أن يراجعوا حساباتهم مع الله، وأن يصححوا وضعهم قبل أن يكون المطر الذي نزل ناراً وعذاباً وحجارة من السماء -والعياذ بالله- فالمطر ينزل في هذه اللحظات وهذه الدقائق المباركة، ونحن نأمل من الله تبارك وتعالى أن يكون سقيا رحمة لا سقيا عذاب، وأن يعطينا بقدر ما نحتاج فإنه أعلم بحاجاتنا تبارك وتعالى.

    والله يا إخوان! القلوب تتألم كثيراً حينما نسمع الرعد ونرى البرق ونرى السماء ملبدة بالغيوم ثم ينزل من المطر قطرات وبعد ذلك يذهب، على ماذا يدل هذا؟ المفروض أن الإنسان العاقل يتأمل، كأنه يرينا تبارك وتعالى آثار رحمته ثم يبعدها منا من أجل أن نطلبه، وأن نتوب إليه، وأن نستغفره، وأن نلح عليه، وأن نراجع حساباتنا فيعطينا، وإلا فماذا؟ هذه عملية ترغيب وتشويق، أنت ترى محتاجاً وتعطيه شيئاً ثم تمنعه، من أجل أن يلح عليك، يقول: أعطني، زدني بارك الله فيك، فنحن نطلب من الله الذي لا إله إلا هو أن يسقينا وأن يسقي جميع المسلمين، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً سحاً طبقاً غدقاً نافعاً غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم اسقنا غيث الإيمان في قلوبنا وغيث المطر في بلادنا وأوطاننا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، وأدر لنا به الضرع، وأنبت لنا به الزرع، واجعلنا فيه من السعداء في الدنيا والآخرة يا رب العالمين!

    الرسول رحمة قلبية للناس

    لقد سمّى الله رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة فقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]. وفي الحديث الذي يرويه الحاكم وهو صحيح وقد ذكره السيوطي في صحيح الجامع، قال عليه الصلاة والسلام: (أنا الرحمة المهداة) وقال عز وجل: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164]. فالرحمة القلبية هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرحمة المادية هو المطر، وقد تأتي هذه ولا تأتي تلك، أي: ليس بالضرورة أن تأتي الاثنتين إلا إذا توفرت رحمة القلوب، إذا رحم الله القلوب بأن تمسك الناس بغيث القلوب عن طريق التمسك بالهداية الربانية والرسالة النبوية -رسالة الإسلام- جاءت تبعاً لها بالضرورة الرحمة الأخرى رحمة المطر، أما إذا تخلفوا عن الرحمة النبوية، ولم يتمسكوا بدين الله فقد تأتي الأولى لكن إما على سبيل العذاب والتدمير أو على سبيل الاستدراج والمكر من الله، كما يحصل الآن في بلاد الكفر، عندهم أمطار بالليل والنهار، لكن هل هذا دليل رضوان الله عليهم؟ لا. إنما يمتعهم الله عز وجل ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً [آل عمران:178] من أجل أن يزداد العذاب عليهم.

    وديننا الذي شرعه الله عز وجل، ونبينا الذي أرسله الله، وكتابنا الذي أنزله الله هو رحمة لهذه القلوب، يقول الله عز وجل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] الرحمة العظيمة وسعت كل شيء، فيا حرج ويا شقاء من ضاقت عليه هذه الرحمة ولم تسعه، ولكن لا تسعه إلا إذا توفرت فيه الشروط التي ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف، فقال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157] أربعة عشر شرطاً لنيل هذه الرحمة، وللحصول على الفلاح أن تتوفر فيك كل هذه، فإذا توفرت بداية بالتقوى ونهاية بمناصرة هذا الدين واتباع هذا النور الذي أنزله الله على رسوله الكريم فأنت من المفلحين.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا غيث الإيمان والرحمة وغيث المطر إنه على ذلك قدير.

    1.   

    من أسباب عذاب القبر: التعامل بالربا

    في هذه الليلة -أيها الإخوة الكرام- نختم أسباب عذاب القبر -أجارنا الله وإياكم منها- نختمها بالحديث عن السبب السابع الذي يُعذب أصحاب القبور بسببه إذا هم وقعوا فيه، خصوصاً أصحاب الثراء؛ لأن الفقير ليس عنده إمكانية أنه يرابي، لكن يقع في هذا السبب أصحاب الأموال الذين أكرمهم الله بالمال، وأحسن إليهم بالغنى، وجعل أيديهم العليا، وجعل الناس ينظرون إليهم ولا ينظرون هم إلى الناس، وكان الأولى بهم والأجدر أن يشكروا الله على هذه النعمة، كما قال قوم قارون لـقارون : وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77].

    وهؤلاء أصحاب الأموال العريضة والطويلة الأجدر بهم والأولى والأفضل لهم والأصلح في حقهم في الدنيا والآخرة ما دام أن الله قد منحهم المال وأحسن إليهم بالرزق أن يحسنوا إلى أنفسهم بصرف هذا المال في طاعة الله عز وجل وعدم مبارزة الله ومحاربته بهذا المال، فإن المرابي محارب لله ولرسوله، كل صاحب معصية لم يأذن الله بحربه كما أذن على صاحب الربا، قال عز وجل: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] أشعل الله الحرب بينه وبين المرابي، وأطلق الفتيل، وأعلمهم بأنه محاربهم، وفي الحقيقة لا مقدرة لهم ولا قوة ولا شأن لهم بالله عز وجل؛ لأن الله يقول: والله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    الربا موبقة ومهلكة ومعضلة خطيرة، وقع فيها كثير من الناس في هذا الزمان، زمن الانفتاح المادي، وزمن كثرة الخير، وانتشار الفضل، وعموم الرزق من الرزاق واهب الفضل ذي الجلال والإكرام، فوقع كثير منهم إما بالجهل، أو بعدم المبالاة، أو بالرغبة في الإثراء وفي تعدد وتكثير المال ولو عن طريق الحرام، وقعوا في هذه الجريمة المنكرة التي عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات -أي: من المهلكات- بل هي من أكبر الكبائر.

    هذه الجريمة الخطيرة حرمت لأسباب ولأشياء ودواعي تواجدها في المجتمعات الإسلامية، وتسببها على الإنسان المرابي في الدنيا والآخرة.

    أدلة تحريم الربا من القرآن

    يقول الله عز وجل: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ [البقرة:275] أي: يوم القيامة إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] الذي دخل فيه الجن، وقضت على العقل، يصبح يتخبط، فلا يعرف يتصرف، تجده يتكلم كلاماً غير معقول، ويتصرف تصرفات غير مسئولة، وربما يأكل أذاه؛ أي: يأكل حتى نجاسته وعذرته، وربما يقع على أمه، مجنون يتخبطه الشيطان وبعضهم يريد أن يلقي بنفسه من العمارة، وبعضهم يلقي بنفسه في النار، يفحس وجهه في جهنم.

    هناك شخص مصروع إذا جاءه الجني لم يرض إلا أن يفحس وجهه في النار، من غير عقل، هذا المرابي يقوم يوم القيامة وحالته كحالة الذي يتخبطه الشيطان من المس، والسبب في هذا أنهم قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:275-276].

    ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:278-281].

    ويقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:130-131].

    علل تحريم الربا

    لماذا حرم الله الربا؟

    هذا السؤال يتردد على ألسنة وعقول عباد المادة، الذين جاءتهم نقود يريدون أن يستثمروها بأي وسيلة، يمصون دماء البشر، ولا يعانون من معاناة الآخرين، ولا يهمهم فقر الفقراء، أو موت الجائعين، إنما يهمه ما دام عنده فلوس لماذا لا يشتغل فيها بالربا؟ ولماذا حرم الله الربا؟

    علل الربا ذكرها العلماء، فقالوا: إنها أربع:

    العلة الأولى: محض التعبد.

    إذ لا يسأل ربنا عما يفعل وهم يسألون، ومقتضى العبودية: أن ترضخ وتستسلم لأمر خالقك ومولاك من غير أن تسأل، أنت عبد مأمور، وإذا أمرك الله بأمر أو نهاك عن نهي لزمك بمقتضى عبوديتك أن تقول: سمعنا وأطعنا، الله حرم؟ حرم، لماذا؟ ليس لك دخل في هذا.

    لكن من فضل الله ورحمته أحياناً يبرر الأمر، أو يعلل للنهي ويبين الحكمة، فضلاً منه ورحمة، وإلا فلا حجة لنا في أن نطلب من الله؛ لأننا نصير عبيد منفعة، وإذا أمرنا الله ورأينا الحجة وكانت الحجة والعلة مقنعة وكافية ومبررة قبلنا أو رفضنا، فنحن إذاً لا نعبد الله، بل نعبد أهواءنا وعقولنا، يقول تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36]. إن بيّن الله لك الحكمة كان فضلاً منه ونعمة، وإن لم يبين كان موقفك أن تستجيب لأمر الله، وأن ترضخ وتستسلم وأن تقول: سمعنا وأطعنا، فالعلة في الدرجة الأولى في كل العبادات والمنهيات محض التعبد أي: أن الله تعبدنا ابتلاءً واختباراً.

    العلة الثانية: أنه لو أحل الربا لبطلت المكاسب ولتعطلت التجارات، إذ من يحصل على درهمين بدرهم، كيف يتجشم مشقة كسب التجارة وحمل البضاعة وتسويقها وعرضها وليس هناك حاجة أو إمكانية. إن شخصاً يتاجر قد يقول: ما دام أنا عندي فلوس وأنا أعطي الناس ريالاً بريالين، أو ريالاً بعشرة، أو عشرة بأحد عشر، فلا داعي أن أذهب وأشتري أشياء ولا أشتري لي دكاناً ما دام الفلوس نفسها أتاجر فيها.

    وببطلان التجارة وبتعطيل المكاسب البشرية تنقطع مصالح الناس وتنعدم الحياة الاجتماعية، إذ أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارة وبالمبادلة والمعاوضة وبالحرف والصناعة، فالله أعلم بشرعه وما يصلح عباده، فهو حرم عليهم هذا ليتبادلوا المصالح، وليبدأ هذا بالشراء، أنا أعمل دكاناً في المأكولات، والثاني يعمل دكاناً في الملابس، والثالث يعمل دكاناً في الفواكه، لماذا؟ من أجل أن ننمي هذا المال، لكن إذا كان الربا مباحاً فأنا أعمل دكان صرافة، وهذا صرافة، وهذا صرافة، وبالتالي من يجلب المئونة للناس؟ من يعمل معوضات في التجارة؟ تصبح المعوضات فقط في الريال، ولا يصبح معوضات في بقية الأشياء، وتنقطع الحرف وتتعطل الصناعات والمهن وبالتالي ينقلب نظام العالم كله رأساً على عقب، هذه العلة الثانية.

    العلة الثالثة: أن الربا يؤدي إلى انقطاع الفضل والمعروف والإحسان والقرض الحسن، الله تبارك وتعالى شرع القرض، وبين ثوابه، والحديث في السنن وفيه مقال: (أنه مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشرة أمثالها، والقرضة بثمانية عشر مثلاً فلما سأل صلى الله عليه وسلم جبريل: ما بال القرض أعظم أجراً من الصدقة والقرض يعود والصدقة لا تعود؟ قال: إن المستقرض يستقرض من حاجة، والسائل ربما يسأل من غير حاجة).

    فعلاً الشحاذ والسائل أصبحت وسيلة عنده صناعة أو وظيفة، تجده يشحذ وجيبه ممتلئ بالنقود وعنده رصيد في البنك، لكن المستقرض لا يأتيك يستقرض إلا وليس معه ريال واحد، فكان أجرها أعظم؛ لأثرها على المستقرض، فلو أبيح الربا لتعطل هذا الجانب، وسوف ينعدم مبدأ المعروف، ولأصبح لما يأتي واحد تقول: بالله أنا عندي أزمة وأريد منك ألف ريال، قال: كم تعطي عليه بعد ذلك: ألف ومائة، أو ألف ومائتين، أو ألف وثلاثمائة؟ هل في هذا معروف؟ لا. فيه زيادة والزيادة محرمة، ولكن الله حرمها ليبقى الإحسان، تأتي تريد ألفاً أعطني ألف ريال، هذا ألف ريال لكن متى ترده؟ وهذا مبدأ ينبغي أن نأخذ به حينما نقرض الناس؛ لأن كثيراً من الناس يستقرضون ويتسبب هذا القرض في قطيعة بين المستقرض والمقرض، يأخذ حقه وبعد ذلك لا يسدده، ثم بعد ذلك يتمنى أنه ما أقرضه؛ لأنه أقرضه من أجل تزيد الصلة بينه وبين زميله، فأصبح القرض سبباً للقطيعة بينه وبين زميله، إذ أنه لم يسدده في الوقت المعين، وربما أنكره المال؛ لأنه ما كتب عليه كتاباً، وربما أعطاه بعد تعب إذا طلبه، وبعض المستقرضين إذا جاء صاحب القرض يقول: أعطني حقي يا أخي؟ قال: أنت فضحتنا، أعطيتنا ألف ريال وكل يوم وأنت تطلبني. يا أخي! أريد حقي، كيف فضحتك؟ أنت الذي جئت تأخذ مني حقي، فأحسنت إليك، لو أنني أقفلت الباب ذاك اليوم عليك وقلت: ما عندي شيء، أو ابحث لك عن غيري، أو عندي لكن لن أعطيك؛ لأني راصد هذا المبلغ لمشروع أو لمهمة أريد أصرفه فيها، كان قلت: شكراً في أمان الله، ما أخذته بصميل ولا بعصا، لكن لما فتحت بابي وفتحت جيبي وأقرضتك حقي تتخذني عدواً، فلا بد من الأمرين:

    أولاً: الكتابة، تأخذ منه سنداً؛ لأنه سوف ينسى وتنسى، ولا يذكركم إلا الكتابة.

    ثانياً: أن تحدد أجلاً، إذا قال: أريد ألف ريال. تقول: إلى متى؟ إذا قال: قريب. قل: لا أريد قريباً، ماذا قريب؟ قال: شهراً أو شهرين، لكن شهرين صدق.

    وأذكر مرة كنت في العمل، وجاءني أحد الإخوة فقال لي: أريد منك خمسة آلاف ريال؟ قلت: متى تردها؟ قال: أصلي معك صلاة العصر وأعطيك إياها في نفس اليوم وهو صادق، وأنا أذكر أننا نخرج من العمل الساعة الثالثة ونصل بيوتنا ونصلي العصر، والرجل بيته في الحجاز، ومتى يذهب ويأخذ ويعود، فعرفت أنه لا يأتي بها في العصر، فقلت: لا. ردها في صلاة المغرب، قال: لماذا؟ قلت: المغرب صدق أما العصر كذب. أي: لو صبرت عليك للمغرب وتأتي بها أحسن من عصر وترد لي الفلوس، قال: حسناً، والرجل جزاه الله خيراً من أجل الكلمة هذه وقعت في قلبه استأذن في الساعة الثانية، وذهب إلى البيت، ولما دخلت المسجد أصلي العصر وإذا به جالس في الروضة، ماذا فيك؟ خذ، قال: هذا عصر سداد ليس عصر كذاب، فالشاهد في الموضوع: أن المستقرض ينبغي أن يحدد الأجل ويكتبه في الورقة، وبعد ذلك لا تحزن إذا جاءك صاحب الحق يطلب حقه، قل: بارك الله فيك وجزاك الله خيراً (رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى).

    إذا جئت تطلب فاطلب بالمعروف، وإذا أعطيت تعطي بالمعروف، وكن سمحاً في جميع أمورك.

    فمن أسباب وعلل تحريم الربا: أن الربا يفضي بالنهاية إلى قطع مبدأ الإحسان والإقراض بين الناس.

    العلة الرابعة: وهو أن الغالب أن المقرضين هم الأغنياء، وأن المستقرضين هم الفقراء، ولو مُكن الأغنياء من الزيادة في القرض على الفقراء لأفضى هذا إلى الضرر وأُلحق زيادة التراكم في الديون على هذا المسكين، فهو ما جاءك يطلب إلا لأنه محتاج، فعندما تعطيه ألفاً ويرده بألف ومائة، معناه سديت حاجة لكن سببت مشكلة في أنك زدت في مسألة المال والرصيد والتراكم عليه، ولكن لو أعطيت المبلغ ألفاً بألف، سديت حاجة ولم تعمل له مشكلة.

    هذه هي مجمل العلل التي ذكرها العلماء في علة تحريم الربا.

    1.   

    شرح لنصوص الوعيد في أكل الربا

    حال قيام آكل الربا يوم القيامة

    يقول الله عز وجل -كنوع من الشرح بالنسبة للآيات الكريمة-: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ [البقرة:275] أي: يوم القيامة من قبورهم: إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275] أي: يصرعه الشيطان فيخبطه تخبيطاً من جهة الجنون، فإذا بعث الله الناس يوم القيامة وخرجوا من قبورهم مسرعين يخرجون وهم عقلاء إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون ويقعون على وجوههم وجنوبهم وظهورهم كما يحصل للمصروع، وسر هذا: أن الحرام الذي أكلوه بطريق المكر والخداع والمحاربة لله عز وجل ولرسوله رَبَا في بطونهم؛ لأنه رِبا، ورَبَا: أي: كبر، حتى نفخها وأثقلها، ولذلك لما قاموا من قبورهم عجزوا عن حمل بطونهم؛ لأنه يأتي وبطنه مثل الجبال يوم القيامة، كل ريال دخل عليه من الربا يحشره الله وهو في بطنه يأتي به يوم القيامة، وصاروا كلما أرادوا الإسراع والسير مع الناس سقطوا وتخلفوا، ومعلوم أن النار التي تحشرهم إلى الموقف كلما سقطوا أكلتهم، وزاد عذابهم، فجمع الله عليهم في الذهاب إلى الموقف عذابين عظيمين: التخبط، والسقوط في النار ولفح جهنم وأكلها لهم وسوقها لهم بعنف -أعاذنا الله وإياكم من ذلك-.

    السبب في هذا: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [البقرة:275] أي: العذاب الشديد الذي أذاقهم الله عز وجل بسبب قولتهم الفاسدة وحكمهم القياسي المنكوس الذي بنوه على عقولهم القاصرة حين قدموها على النص الشرعي فقالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا [البقرة:275].

    هذه الكلمة للكفار، يقولون: البيع مثل الربا، لماذا يحل الله البيع ويحرم الربا، وهذه كلها سواء؟ وجعلوا الربا أصلاً وجعلوا البيع مقيساً عليه، مبالغة في حله، ومحبة له، واعتناءً بشأنه، ووجه القياس فاسد؛ لأنهم تخيلوا أنه كما يجوز شراء الشيء بعشرة ريال ثم يبيعها الإنسان بأحد عشر ريالاً، يجوز أن يشتري عشرة ريال ويدفعها بعد ذلك أحد عشر ريالاً، إذ لا فرق عندهم في هذه الصور، مع حصول التراضي من الطرفين، وغفلوا أن الله عز وجل الذي شرع الشرائع ونزَّل تحريم هذا الأمر وحد لنا حداً ونهانا عن نهي، فوجب علينا كعبيد لله امتثال ذلك؛ لأن حدود الله لا تقابل بقضايا الرأي والمنطق والعقل، بل يجب تقديم أمر الله عز وجل سواء فهمنا أو لم نفهم، هذا هو شأن العبيد وشأن التكليف، والعبد الضعيف القاصر المحدود ذو الرأي الناقص وذو العقل السقيم يتعين عليه الاستسلام لأمر الله عز وجل القوي القادر العليم الحكيم الرحمن الرحيم.

    ومتى حكم عقله وعارض أمر سيده ومولاه انتقم الله منه، وأذاقه العذاب الشديد إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:12-13].. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

    ثم قال عز وجل: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة:275] أي: من زلَّت به القدم، وغفلت به الرجل، وسار في هذا الطريق، ووضع أمواله في الربا، ووصلته النصيحة، وبلغه الأمر: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ [البقرة:275] أي: يغفر الله خطيئته الماضية: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ [البقرة:275] أي: تجاهل وشاقَّ الرسول وعصاه وتعالى على أمر الله وارتفع عليه: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275] واحد تقول له: الربا حرام وهذا الدليل فيه من كتاب الله ومن سنة رسول الله ويقول: صدقت، ويستمر في الربا والمعاوضة، هذا متعالي على أمر الله، إذا كان الله عز وجل هدد من يرفع صوته على الرسول أو يجهر له بالقول كجهره لأحد إخوانه في الله أن يحبط عمله، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الحجرات:2] أي: عند المحادثة معه كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] تحبط: أي تفسد وتبطل وترد، مهما كانت وأنتم صحابة، وهذه الآية نزلت في الصحابة، وحكمها معهم؛ لأن الرسول لا يرفع صوته عليه إلا وهو حي، ولكن العلماء أخذوا منها القياس قالوا: إذا كان من يرفع صوته أو يحادث الرسول محادثة كمحادثته لأخيه يوشك أن يحبط الله عمله، فكيف بمن يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم؟! كيف بمن يشاقه؟! والله يقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً [النساء:115] وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم : لما نزلت هذه الآية افتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس بن شماس ، وهذا صحابي جليل وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم كان جهوري الصوت قوي الحجة والبيان، إذا جاءه الخطباء يقول: أين ثابت ؟ كما أن حسان شاعر النبي فـثابت خطيب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نزلت هذه الآية خاف الرجل وصار يصلي ويخرج من المسجد إلى البيت، ويغلق على نفسه بالغرفة، ولا يفتح لأحد، فافتقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال: (يا أبا عمرو ! ما صنع ثابت وأين هو؟ أيشتكي من مرض؟ قال: يا رسول الله! ما علمت عليه شكوى، إنه جاري) يقول: عرفت أنه ليس مريضاً؛ لأنه جاري، والجار يعرف عن جاره ليس مثل الآن، الجار يموت لا يدري عنه جاره الآن؛ لانقطاع الصِلات الإيمانية بين الناس، يقول: (إنه جاري ولو كان مشتكياً لعلمت ولكن آتيك بخبره، فخرج من مجلسه وطرق الباب على ثابت قال له: ما لك إن الرسول يسأل عنك؟ فقال: آية نزلت في كتاب الله أخشى أن يحبط عملي بسببها؛ لأني جهوري الصوت، وأخشى أن أرفع صوتي على رسول الله وأنا أكلمه أو أحدثه، مثلما أحدث واحداً منكم وأجهر بالقول كجهري لأحدكم فيحبط عملي، فلما رجع سعد بن معاذ إلى النبي وأخبره قال: لا. بل يعيش سعيداً ويموت شهيداً ويدخل الجنة) وبشره الله، وهو من المبشرين بالجنة رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه لا يشاق الرسول ولا يعصي الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن هنا: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].

    الربا محق مادي ومعنوي

    ثم قال عز وجل: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [البقرة:276] وهذا فيه جواب على الذين يريدون أن يكثروا أموالهم بطريق الربا يقول الله لهم: لا تحاولوا المستحيل، فإن الربا الذي تقصدون من ورائه زيادة الأموال، الله يمحق الأموال بالربا يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا [البقرة:276] أي: معاملة لفاعليه بنقيض قصدهم، فإنهم آثروه على الله وأحبوه على أوامر الله، تحصيلاً وطمعاً بالزيادة، غير ملتفتين ولا آبهين ولا مبالين بما يسببه لهم من غضب الله في الآخرة وهم دنيويون همهم زيادة المال، فمحق الله تلك الزيادة في الدنيا قبل الآخرة، ومحق المال من أصله، حتى صير عاقبتهم إلى الفقر المدقع، كما هو مشاهد في أكثر من يتعاطاه، وبفرض أنه مات على غِرَّة، يمحقه الله من أيدي ورثته، فلا يمر عليهم أدنى زمان إلا وقد صاروا في غاية الفقر والذلة والهوان، قال صلى الله عليه وسلم: (الربا وإن كثر فإلى قِلِّ) أي: إلى المحق، أي: المحق هنا محق مادي ومعنوي، فالمادي أن الله يمحق هذا المال مهما كان.

    ثانياً: من المحق المعنوي أن الله عز وجل يرتب على المرابي الذم، ليس هناك شخص مرابي ويحبه الناس، بل يذمونه، والبعض يكرهونه وخصوصاً الفقراء الذين ليس عندهم شيء؛ لأنه ما عنده رحمة، ما عنده قرض حسن، إذا جاءوا يطلبون يقول: هات، الذم والبغض، وسقوط العدالة، والكراهية في قلوب الناس، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق، والقسوة، والغلظة، فالذي يزيد عليه يدعو عليه، يقول: الله ينتقم منه، الله يعطيه وهو ما يعطيني، يدعو عليه بأنه أخذ ماله بغير حق، وذلك سبب زوال البركة من هذا المال الذي فيه لعنة الله ورسوله والعياذ بالله.

    الصدقة بركة وزيادة في الدنيا والآخرة

    ثم قال عز وجل: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] وهذا عكس ما هو مشاهد الآن في الميزان الاقتصادي المادي، أن الربا زيادة والصدقة نقص، لكن عند الله الربا نقص والصدقة زيادة، كيف؟ يقول العلماء: إذا كان عندك -مثلاً- أربعمائة ريال في جيبك، وعرض عليك مشروع خيري، أو رأيت فقيراً، أو علمت بأسرة محتاجة، وأخرجت من هذا المبلغ خمسين ريالاً أو مائة ريال، لما تأتي تعد الباقي في الشنطة تجد أن الباقي ثلاثمائة ريال، الظاهر أنه نقص، لكن الله يقول: وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] كيف يربيها؟ قالوا:

    أولاً: هذا المبلغ الذي أخذ منك يربيه الله في الآخرة حتى يصبح كالجبال الرواسي: (إن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) أنت تضعها ريالاً لكنها تأتي يوم القيامة مثل الجبال، هذه واحدة.

    ثانياً: يصرف الله عن الإنسان من الآفات والمشاكل التي كان بالإمكان أن تلتهم هذه المائة وأضعافها الشيء الكثير -فمثلاً- يصرف الله عنه مرض زوجته بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه السقم من أولاده بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه الحوادث في سيارته بأسباب الصدقة، ويصرف الله عنه الفساد في زراعته وتكون مزارعه باستمرار محفوظة، ويصرف الله عنه الكساد في تجارته، وتكون تجارته مطلوبة، وبضاعته مرغوبة، وجلبه للزبائن محبوب، بأسباب أنه أنفق، لكن لو أنه ما أنفق في سبيل الله، وأعطى هذه المائة لشخص قرضاً بمائتين بعد ذلك، لكن الله يمحقه؛ أولاً: تمرض المرأة، وإذا مرضت تلك الليلة يذهب بها إلى المستشفى، وفي المستشفى لا يريدون علاجها؛ لأنهم يقولون: بلاش، فيذهبون المستوصف ويخسر خمسين ريالاً وأعطاه قبضة حبوب، وبعد ذلك يمرض الولد، وبعد ذلك يوقف السيارة وإذا هي مصدومة في جنبها لا يدري من صدمها، وبعد ذلك زراعته تخرب وبركة أمواله وبركة حياته في أكله حتى في طعامه لا يجد له بركة بأسباب الربا، فالله يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] يقول في الحديث: (ما نقص مال من صدقة بل تزيد، بل تزيد، بل تزيد) وفي بعض الآثار: [ما هلك مال في بر ولا بحر إلا بأسباب منع الزكاة].

    أحد التجار يخبرني حكاية عن تاجر في مكة ، يقول: كان له تجارة بينه وبين الهند ، وبعد ذلك الباخرة آتية، وكانت البواخر يوم ذاك تسير (بطرب) بدائية عن طريق الشراع وليس بالبواخر الحديثة، وفي البحر اضطربت الباخرة وهاجت وتكسرت، وكادت أن تغرق، ولكن ربانها -أهل السفينة- خففوا من البضائع أملاً في نجاة أنفسهم، ولا يعلمون لمن البضائع طبعاً؛ لأنهم مؤتمنين عليها آتين بها من الهند، فقاموا يأخذون من الكراتين ويرمون البضاعة، حتى بقي شيء تنجو به السفينة، إلى أن وصلوا ميناء جدة، وفي ميناء جدة كان كل التجار واقفين وكل واحد منهم لديه كشفه يريد أن يستلم بضاعته، ووجدوا أن البضائع كلها مرمية إلا تاجر بضاعته ما ذهب منها ولا كرتون، لما جاءوا عليه وإذا به من أهل الزكاة ومن أهل الصلاة ومن أهل الخوف من الله، وأولئك بضاعتهم فيها حرام، وفيها منع زكاة، وفيها ربا، ذهبت [فلا هلك مال في بر ولا بحر إلا بأسباب منع الزكاة].

    فهنا يقول الله: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] أي: يزيدها؛ لأنه كما جاء في الحديث الصحيح: (ما من يوم تشرق فيه الشمس إلا وملك ينادي يقول: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً) هذه دعوة الملك يدعو لك كل يوم: يا من أنفقت في سبيل الله! يا من أنفقت فيما يرضي الله! أن الله يخلف عليك، الفقير عندما تعطيه ريالاً، يقول: خلف الله عليك، بارك الله لك، جزاك الله كل خير، الله يوسع عليك، الله يمدك، الله يعطيك، سبحان الله! وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سـبأ:39] تبارك وتعالى.

    حرب الله على أهل الربا

    ثم قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:278] وهنا يقول العلماء: إن في نداء الناس بالإيمان وهو يدعوهم إلى ترك الربا فيه استثارة وتنبيه، فيه أنكم مؤمنون، كيف تؤمنون وتعملون الربا؟! هل يتصور؟! يا أيها الذين آمنوا! كيف تقعون في الربا وقد آمنتم بالله، ورضيتم به رباً، وبهذا الإسلام ديناً وبهذا الرسول نبياً، ثم تقعون في الربا؟! فيه إلهاب لهم واستثارة وإشعال لمشاعرهم، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278] خافوا من الله، راقبوا الله، اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية من خوفه: وَذَرُوا أي: اتركوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ثم قال بعدها: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن كنتم صادقين، إذ ليس مؤمناً من يرابي، وما هو بصادق أبداً، لو كان مؤمناً صادقاً لترك الربا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278].

    فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا [البقرة:279] شخص رفض، قال الله عز وجل: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] إذا رفضتم خلاص استمروا في الربا، لكن قد أذن الله بحربكم: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ويقول العلماء: الحرب هي على شاكلتين: حرب في الدنيا، وفي الآخرة، فأما الحرب التي في الدنيا فالخسارة العاجلة، والمحق لهذا المال، والقلق في القلب، والاضطراب في النفس، والحيرة في الفؤاد، وشقاء النفس، وعذاب داخلي يشعر به المرابي لا يمكن أن يجده أي إنسان على وجه الأرض؛ لأن الإنفاق والإعطاء نفع للناس يترتب عليه رحمة في القلوب، مردود عاجل، والقسوة على الناس ومزاولة الشدة عليهم، يترتب عليها قسوة في القلب وضيق في النفس ولعنة في الضمير -والعياذ بالله- هذا في الدنيا وجبة عاجلة.

    قال: وأما الآخرة فإن الله يختم له بسوء الخاتمة، إذا لا يلهم الشهادة؛ لأن من اعتاد الربا وتورط فيه فإنه يختم له بسوء الخاتمة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله كثيراً من حالات المرابين في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: أن كثيراً من المرابين حينما حضرتهم الوفاة كان يقال لهم: قولوا لا إله إلا الله، فكانوا يقولون: العشرة بعشرين، قل: لا إله إلا الله قال: العشرة بعشرين، ومات على العشرة بعشرين والعياذ بالله.

    لكن هذا في الدنيا يختم له بسوء الخاتمة، وفي القبر يسلط عليه العذاب، ما هو العذاب؟ ورد في الأحاديث الصحيحة من حديث سمرة بن جندب في البخاري : (ثم انطلقنا إلى رجل يسبح في نهر من دم، وآخر واقف على طرف النهر، وعنده كوم من حجارة، وذاك يسبح إلى طرف النهر، فإذا قرب منه فغر فاه وضربه بحجر بفمه ثم نزل في بطنه ورجع إلى طرف النهر، ثم يرجع وكلما جاء ألقمه حجر، فقلت: من هذا؟ قال: هذا آكل الربا) هذا عذابه في القبر -أعوذ بالله وإياكم من هذا الحال- أنت تتقزز إذا وقع على ثوبك نقطة دم، أو إذا وقعت في يدك دجاجة مذبوحة أو ذبحت لك ذبيحة تغسل يديك بصابون بل بالديتول فكيف بمن يسبح في الدم؟! وبعد ذلك من يوم أن يموت إلى أن يبعثه الله يوم القيامة وهو في الدم، لماذا الورطة هذه؟ من أجل ماذا؟ من أجل تبني عمارة أو تشتري سيارة جديدة أو تتزوج بزوجة، بعض الناس يقول: أنا مضطر للربا، لا يا أخي! والله أنت لست مضطراً للربا، فاصبر على الفقر وعلى الجوع وعلى أن تأكل الطين تعجنه وتأكله ولا تصبر على النار لحظة واحدة، فلا يا أخي! صبرك على نفسك في الدنيا ولا صبرك عليها في النار في الآخرة، لا توقع نفسك في الربا بأي حال من الأحوال.

    حال التائب من أكل الربا

    ثم قال عز وجل: وَإِنْ تُبْتُمْ [البقرة:279] ذلك الذي لم يرفض يأذن بحرب من الله ورسوله، والذي يتوب إلى الله: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ [البقرة:279] راجعوا حساباتكم، واشطبوا الزيادات التي أخذتموها على الناس، إن كانت قروضاً وخذوا فقط رأس المال لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ [البقرة:279-280] أي: إن كان هذا المدين الذي أخذت منه أعطيته الدين على أمد أن يرد أكثر أو أسقطت منه الربا طبعاً وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280] أي: من توبتك لله عز وجل ألا تشد عليه وتقول: لا. أنا أعطيتك ألف بألف ومائة الآن هاتها الآن ولا أشتكي، هات ألف والمائة سامحتك بها، لا أنظره إلى أن الله ييسر عليه، ثم قال: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280] أي: إذا كان تركت شيئاً من مالك فضلاً عن ذاك الربا تركته فإن تركته كان ذلك خير لك في الدنيا والآخرة.

    هذا ما يتعلق -أيها الإخوة- بالشرح الإجمالي لهذه الآيات.

    فتأملوا -أيها الإخوة- كيف وعد الله آكل الربا هذا الوعد الشديد الذي يظهر لمن له بصيرة في الدين قبح هذه المعصية وشؤمها ومزيد فحشها، لما يترتب عليها من العقوبات العظيمة في الدنيا والآخرة، لا سيما محاربة الله ورسوله التي لم يترتب على شيء من المعاصي إلا على صاحب الربا والعياذ بالله.

    وإذا ظهر للإنسان العاقل قبح هذا الأمر وتاب إلى الله عز وجل عن هذه الفاحشة المهلكة، فإنه يحمد الله عليها.

    1.   

    حال الربا وآكله في السنة المطهرة

    لقد شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي سوف نتلوها ما طوي في هذه الآيات:

    الربا من السبع الموبقات

    فمنها: ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ، والحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هي يا رسول الله؟! قال: الشرك بالله والسحر) والسحر إما أن يكون عملاً أو تخلصاً، فمن الناس من يذهب يفعل سحراً لرجل أو امرأة، ومن الناس من يكون هو نفسه مسحور فيذهب إلى ساحر لفك السحر، ولا يجوز لك أن تذهب إلى ساحر لا لفعله ولا لفكه؛ لأنه من الموبقات، وإذا حصل السحر فعليك بالرقى الشرعية التي وردت بها الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والصبر والاحتساب، والعاقبة دائماً لأهل الإيمان، صحيح لما تذهب إلى الساحر يبين أن فيك سحراً فيفكك منه، لكن قد خسرت دينك، ولكن إذا صبرت على السحر، وسلكت الطرق الشرعية في الرقى بالآيات الكريمة وبالأحاديث النبوية، ودعوت الله أن يخلصك من هذا، فإن الله يبتليك ويختبرك، ثم يكون نهايتك السلامة بإذن الله.

    وأذكر شخصاً من الإخوة كان له زوجة، ووضُع له سحر بينه وبينها، فكانت تراه على شكل غير الشكل الذي هو عليه، إذا دخل كانت ترى رأسه كبيراً جداً مثل أكبر رأس، فتصيح ولا تنظر فيه، تبكي إذا رأته من هول منظره؛ لأنه خيل لها في عيونها عن طريق السحر أن رأسه مثل جسمه عشر مرات، فإذا خرج من عندها تقطع قلبها عليه حباً ورغبة، فإذا دخل قامت تبكي وما تريد تراه، وبعد ذلك هذا الرجل الموحد ما ذهب إلى هؤلاء الكهنة ولا إلى المشعوذين ولا إلى السحرة، ولكن اكتفى بالرقى الشرعية، واستمرت به الحالة تقريباً سنة ونصف، وهو باستمرار على الرقية بالليل والنهار، كلما دخل على امرأته قام يرقيها، وكلما حصل له شيء في نفسه أخذ يقرأ القرآن، وذهب إلى العلماء وأخذ الرقى وتعالج، وبعد فترة منّ الله عز وجل عليه بالنعمة وخلَّصه من السحر، وذهب ما بزوجته وأبدل الله ذلك السحر محبة ووفاقاً وحياة زوجية سعيدة، وسلم دينه وآخرته، لكن بعد نوع من الابتلاء والامتحان.

    (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف) أي: الهروب من ملاقاة أعداء الله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) أي: اتهامهن بالريبة وبالفحشاء.

    عقوبة آكل الربا في الحياة البرزخية

    لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه

    وأخرج مسلم في صحيحه قوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) كلهم ملعونون، إما تؤكل أو تأكل أو تكتب أو تشهد عليه، واقع في اللعنة من بعيد.

    وأخرج البخاري أيضاً وأبو داود : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواشمة والمستوشمة) الواشمة: التي تعمل وشماً في الوجوه أو الأيدي، في الماضي كانوا يشمون النساء كنوع من التزين والجمال، لكنه وشماً يغير خلق الله؛ لأنه يبقى -يخرقون في الجلد أو الوجه ويضعون كحلاً على الدم، وبعد ذلك يندمل الجرح ويبقى أثره أسود- هذه ملعونة. (والنامصة والمتنمصة) النامصة: التي تحلق أو تنتف شعر الحواجب. (والواشرة والمستوشرة) والواشرة: التي تفعل لها مجاري في أسنانها من أجل الحسن لتغير خلق الله عز وجل. (والواصلة والمستوصلة) وهي التي تصل شعرها، تربط شعراً بشعرها من أجل أن تظهر للناس أنها كثيرة الشعر، ويدخل في هذا (الباروكة) إذا كان الوصل ملعون صاحبه فمن باب أولى المركب الذي يركب شيئاً غلطاً؛ لأنه عيب وتدليس أن يأخذ الإنسان، وهذا موجود عند النساء، ولكن قد سمعت أنه موجود عند بعض الرجال، فإنه يركب له (باروكة) ولا أعلم ما الذي ينتظر؟ يخطبه والعياذ بالله. (لعن الواشمة والمستوشمة، ولعن آكل الربا وموكله) وهذا في صحيح البخاري وفي سنن أبي داود (ونهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن المصورين).

    أخرج الحاكم في مستدركه وصححه قال: (أربع حق على الله عز وجل أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها) وطبعاً الذي ما يدخل الجنة لا يقعد عند الباب بل يذهب إلى النار. (مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم، والعاق لوالديه) -أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    1.   

    من أكبر الكبائر: عقوق الوالدين

    إن من العقوق: أن ترفع صوتك على أمك أو على أبيك، لو قلت لها: أف فقط، فأنت عاق، انتبه! خصوصاً الشباب الطيب؛ لأنهم من فضل الله التزموا بكثير من الجوانب لكنهم ربما وقعوا في معصية عقوق الوالدين، حتى ولو كانوا غير صالحين لا يجوز لك أن تعقهم؛ لأن الله يقول: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15] ولكن ماذا؟ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فلا بد من الطاعة ومن البر ومن الإحسان ولا بد من الخضوع للوالد مهما كان ولو كان كافراً إلا في أمر الله لا تطيعه، فإذا قال لك: لا تصل، فلا طاعة له في معصية الله، أما أن يناديك يدعيك وأنت نائم أو جالس وتقول: تعبان، أو تناديك أمك تريد منك غرضاً تريد تساعدها تريد منك شيئاً وتقول: لا، فيما بعد، قل: حاضر، لماذا؟ لأنه إذا دعتك وصرت سريع الإجابة وخرجت على طول في طلبها، من يوم أن تخرج وهي تدعو لك، تقول: الله يوفقك، ويرشدك، ويهديك، ويسددك، ويحفظك في الدنيا والآخرة، دعوة الوالدة هذه ما أعظم منها، وكذلك العكس إذا دعتك ولم تجب، وذلك ما لها سلطة عليك إذا أصبحت رجلاً تأتي تضربك! فماذا يحصل منها؟! ترجع إلى نفسها فتدعو، تقول: الله لا يوفقك، الله يجعلها في وجهك، وتدعو عليك، وربما توافق واحدة منها، وممكن ما هي صادقة في بعض الأمور؟ لكن إذا وافقت باباً مفتوحاً فإن الله يرفعها فوق السماء وتتفتح لها أبواب السماء.

    حدثني من أثق فيه قصة عجيبة موجودة هنا في الواديين، فهي قصة معاصرة قريبة، والذي يحدثني هو الذي يعرف صاحبها، يقول: كان هناك رجل معروف في إحدى القرى ببر والديه، مشهور، كانت له والدة يبرها براً لا يمكن أن يبر أحداً من الناس، لا يمكن أبداً أن ينام إلا إذا ذهب إلى فراشها وتفقد حالها وقام (بتكبيسها) وبإرجاع الدفاء عليها ثم تقبيلها، ثم يقول لها: يا والدتي سلمي عليَّ، سامحيني ادع لي، ثم تدعو له ويذهب إلى فراشه.

    ولا يمكن أن يأكل الطعام إلا بعدها، ولا يشرب القهوة إلا بعدها، ويأتي بالطعام الطيب والكسوة الطيبة لها ولا يفضل زوجته عليها، المهم بار عظيم البر بأمه.

    يقول: في يوم من الأيام خرج من قريته، يريد أن يذهب إلى السوق، سوق خميس مشيط متجهاً من الواديين إلى الشرق إلى أحد رفاقه، وكانوا يركبون على الدواب، ويقومون قبل الفجر من أجل يقطعون الطريق ويصلون إلى الأسواق قبل الشمس وقبل أن ينفض السوق، يأخذون السوق من أوله، يقول: فقام قبل الفجر، وشرب قهوته وأمه موجودة وزوجته، ثم نزل وركب على حماره، وقامت أمه وهي معه تودعه إلى الباب وتدعو له: الله يوفقك، الله يشرح لك الأمر، الله يجعل لك التسديد، وتدعو له بدعاء عظيم، وبعد ذلك رجعت تنام وهو ذهب إلى غرضه، وفي الطريق يقول: وهو بين القرية وبين جبل (ضنك)، هذا الذي بالمدينة العسكرية معروف اسمه جبل (شكر) في التاريخ واسمه ضنك الآن، يقول: وهو ماشي مع شروق الشمس، إذا بذلك الحيوان المفترس الذي ليس له مثيل بالدنيا، يقول: فيه عدة أوصاف من مجموعة حيوانات، الطول طول البعير، والرقبة قصيرة ليست برقبة البعير، لكن الخرطوم والرأس أشبه برأس السبع، ولكنه مدبب، يقول: أوله مثل الدبوس، وآخره مخروطي الشكل، يقول: ولما رأيته من بعد، يقول: صحت عليه، كعادتنا إذا رأينا ذئباً أو رأينا سبعاً أو شيئاً نصيح عليه، ما نخاف منه وهو طبعاً يشرد، يقول: فأنا عملت عليه هذا الأسلوب ظناً مني أنه سوف يشرد، يقول: صحت عليه بصوت قوي، يقول: فما هو إلا أن وجه عليّ، يقول: والتهم الأرض بيني وبينه في أقل من لحظة مثل البرق، يقول: فاغراً فاه، يقول: موجهاً عليَّ بشكل كاد يلتقمني أنا وحماري وأنا على الحمار، يقول: والله ما بقي بيني وبينه إلا أمتار، وأنا مستسلم، ماذا أفعل؟ لا يمكن أن أقف لهذه المصيبة وهذه الداهية، يقول: وإذا بصوت في الجبل وراء الرجل كان صياح امرأة، هو (صياح أمه) والدتي تصيح والصوت ليس من هنا من وراء بل من أمامي، يقول: فوقف عندي والتفت الحيوان إلى الصوت، يقول: ثم رجع، يقول: أنا حينما شعرت بأني نجوت من هذه المهلكة، لا أملك في تلك اللحظة ولا مقداراً من القوة ولا القدرة على أني أتحرك أو أمشي أو أرجع، يقول: بل كان كمن قتل ومات ثم بعثه الله، يقول: كأنه قد حكم عليّ بالموت والله أحياني، يقول: فضربت بعصاي طرف رأس الحمار -الدابة- يقول: ورجعت لا أريد السوق، لا أريد أبيع ولا أشتري ولا شيئاً، يقول: ورجعت وأنا متعب إلى البيت، يقول: وربطت حماري في الفناء، ودخلت البيت، وأدخل وإذا بوالدتي تبكي، ويوم رأتني، يقول: قامت عليّ وأخذتني واحتضنتني بقوة وبعناق شديد، وقالت: الحمد لله، الحمد لله.

    قال: ما بك يا أمي! ما الذي حصل؟

    قالت: يا ولدي رأيت لك رؤيا مفزعة.

    قال: وماذا رأيتي؟

    قالت: رأيتك أنك في يوم تأتي مكان (فلان) في المكان نفسه.

    يقول: والله نفس الموقع بالضبط.

    تقول: وأنت ماشي، والشمس شارقة، إلا وذاك الوحش الذي هجم عليك يا ولدي، ما بقي بينه وبينك شيء، وأراد أن يأكلك، تقول: ورأيته أنه يريد يأكلك فصرخت بأعلى صوتي، تقول: وإذا به يقف وتلفت فيّ وإنه يرجع عليك وأنت مكانك والحمد لله الذي ردك، فسبحان الله الذي لا إله إلا هو!! كيف حفظ الله هذا الرجل بسبب بره وطاعته لأمه، الصوت بالواديين ويسمعه عند (ضنك)، بأسباب ماذا؟ الصوت يحمله الله عز وجل، مثل قصة سارية الجبل ، فقد كان عمر في المدينة وسارية في بلاد الشام ، والمعركة محتدمة والعدو يريد أن يدخل عليهم من وراء الجبل، فيقطع عمر الخطبة يوم الجمعة ويقول: يا سارية الجبل، فيسمعه أهل الموقف كلهم في الشام ، ويرجعون إلى الجبل وإذا بالعدو قد التف عليهم من الخلف، وينجي الله الذين آمنوا بهذه المعجزة العظيمة وبهذه الكرامة، فهذه كرامة لهذا الرجل ببره بوالدته.

    فعقوق الوالدين -يا إخواني- من أعظم المعضلات، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعق والده أو والدته، بل عليك أن تكون سامعاً مطيعاً رقيقاً طيباً، وإذا قال لك أبوك أو أمك أي شيء، قل: طيب، أبشر، حاضر، ولو كانت هناك عليك مشاكل أو تعب؛ لأن الله يقول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24].

    1.   

    الربا ثلاث وسبعون باباً

    أخرج الحاكم على شرط الشيخين والبيهقي قال: (الربا ثلاث وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه).

    وروى ابن ماجة بسند صحيح، كما رواه البيهقي أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (الربا سبعون باباً أدناها أن يقع الرجل على أمه) والذي يمارس الآن أعلى شيء، لكن أقلها كأن يأتي الرجل أو يقع الرجل على أمه والعياذ بالله.

    وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح والطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية في الإسلام).

    1.   

    ليست السعادة في زيادة الأموال

    أخرج الإمام أحمد في حديث طويل، قال: (رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة نظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وقواصف -في ليلة الإسراء والمعراج- فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت) البطن مثل العمارة، طبعاً لا يكبر رأسه ورجليه، لكن الذي يكبر بطنه حتى يصير مثل العمارة ورأسه هناك بسيط، كيف تقلب هذه البطن؟ كيف تأخذه وتمشي به؟! لا إله إلا الله! ولماذا تملؤه -يا أخي- بالحرام الآن، وأنت تأخذه فوق ظهرك يوم القيامة، تطبخ ورق، تأكل أكثر مما يأكله الفقراء، يا أخي! ليست الدنيا كلها كسرة وخرقة، هذه الدنيا يكفيك منها ما سد جوعتك ووارى عورتك، فإن كان معك كوخ يضلك، ودابة تقلك فبخٍ بخ، ليس هناك أحسن منك، لماذا تجمع وتريد ترصد أرقاماً.

    زيادة المال زيادة في التعب والقلق

    أحد الأثرياء وأنا في الرياض يقص لي حالته يوم كان بسيطاً وفي بداية تجارته وحالته الآن أنه من أثرى أثرياء المملكة، وكنت في بيته معزوماً عنده، والمجلس ممتلئ بالضيوف فنحن في وليمة كبيرة أعدها لي جزاه الله خيراً، وقلت له: أسألك بالله أي الحالتين أفضل عندك الآن أو سابقاً؟

    قال: والله تلك الحالة أحسن من الآن إنها كلمة تأتي من إنسان يعرفها.

    قلت: اسمعوا يا جماعة! قلت: لماذا طيب؟

    قال: حاجة الإنسان مبنية على أربعة أشياء: على أكل ولبس وزوجة وسكن، يقول: هذه متوفرة لكل شخص، يقول: وما فوق هذا تعب، فوق هذا أرقام، فقط جمع نقود، وماذا يفعل الشخص يفصل له ثوب سعره خمسمائة، و,إذا أراد بعضهم أن يفصل له ثوباً، يطبخ له ورق ويأكل؟ يسكن بيتاً من ورق أبو مائة أو ذهب؟ لا سيسكن كما يسكن الفقير، وسيأكل كما يأكل الفقير، وسيلبس كما يلبس الفقير، وسيتمتع وينكح كما ينكح الفقير، بل الفقير يتمتع بهذه أكثر من الغني، بعض الأغنياء طعامه حبوب، بعض الأغنياء ممنوع من كل شيء، كل شحماً قال: ممنوع، عندي حساسية، كل أرزاً؟ قال: ممنوع عندي سكر، كل فاكهة؟ قال: ممنوع عندي حموضة، فماذا تأكل؟ قال: والله ما غير فنجال حليب أو كسرة عيش، وأمواله ماذا يفعل بها؟!

    بينما تعال عند الفقير، يلحق لك الصحن من طرفه إلى طرفه ولا عنده لا حساسية ولا حموضة ولا شيء، هذا أحسن من هذا والله.

    كذلك بعض التجار والأثرياء مع زوجاتهم، زوجته في عذاب معه، لا تعرفه ولا يعرفها؛ لأنه مشغول بالأموال، النهار يطلب والليل يحاسب.

    قصة السعادة في بيت متواضع

    يذكر بعض أهل العلم: أن رجلاً كان من أهل الثراء وكانت زوجته مسكينة في عذاب، مشغول باستمرار، كلما دخل يدخل وهو زاهق، قد تحطم، وإذا جاء وصبت له القهوة برد ثم شربه، لماذا؟ مشغول يحاسب الدفتر، إلى أن ينام عند الفجر، وإذا جاء الصباح قام وأخذ دفاتره وذهب إلى التجارة، وهي مسكينة. بينما كان لهم جار آخر وهذا الجار كان يشتغل سقاء، يأخذ في الصباح (سقته) ويذهب يبيع وبعد ذلك يذهب إلى السوق يشتري لحماً وخضرة وأشياء أخرى ويجلس مع زوجته في أكل وشرب وفي بسط وفي ضحك يتكلمون، وفي الليل في أنس. وقد كانت آنذاك (المرازيب) ليست مثل حماماتنا، كان الذي يغتسل يسمعون صب المرزاب في الأرض، فيسمعون المرزاب يصب كل يوم من عندهم، وهذا مرزابه ناشف من شهر، فذهبت امرأة التاجر، تزور امرأة الفقير وهم جيران.

    قالت لهم: أراكم ما شاء الله مبسوطين، وعندكم ضحك، ودائماً في سمر، وعندكم استئناس، وأسمع المرزاب يصب كل ليلة، كيف حالكم؟

    قالت: الحمد لله في نعمة.

    قالت: وماذا عندكم؟

    قالت: زوجي يشتغل سقاء يبرد له من الصباح يذهب يبيع لأناس نحن معاملون لهم، ويأخذ الفلوس ويشتري بها أغراض ويأتي ونأكله والحمد لله، وفي نعمة من فضل الله، كيف أنت؟

    قالت المرأة: والله إني في مصيبة مع هذا الزوج، عندنا أموال لكن والله ما أراه إلا من السواد إلى السواد، ولا يدخل البيت إلا يحاسب وينام، ماذا أقضي به وأقضي بأمواله، لكن يكون خيراً إن شاء الله. ذهبت تريد أن تدبر لها مكيدة، وكيد النساء عظيم، ذهبت إلى زوجها في الليل وهو يحاسب قالت: يا فلان! اليوم أنا ذهبت عند جيراننا، وقد رأيتهم في حال لا يعلم به إلا الله من الفقر والحاجة، وهم في ضيق، ولا عندهم شيء، وأنت عندك أموال والله يخلف عليك، أريد منك طلبات للمرأة، وقد طلبني زوجها تعطيهم عشرة آلاف ريال يبيعون فيها ويشترون، يحفظون لك رأس المال والمكسب بينكم وبينه.

    قال: حاضر لا مانع عندي.

    أخذت العشرة آلاف منه وجاءت في الصباح وذهبت إلى المرأة وهي تنظر إلى الرجل.

    قالت: زرتكم في الأمس ووجدتكم في حالة خفت عليكم ما عندكم شيء، والآن طلبت زوجي وأعطاني عشرة آلاف، أتيت بها لك من أجل تبيع فيها وتشتري، وتحفظ له رأس المال، والمكسب بينك وبينه نصف.

    قال: بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، وهذا حق الجار على الجار، فذهب الرجل وفرحت المرأة، من أجل أن يصيروا تجاراً، المهم أخذ الفلوس وخرج ذاك اليوم، ولا رجع إلا بعد العشاء.

    ولما رجع وإذا به يحاسب، بعنا وشرينا، المهم ما جاءه النوم إلى نصف الليل، ثم نام، ولم يكن في تلك الليلة مرزاب، وفي اليوم الثاني كذلك خرج من الصباح ما جاء إلا بعد العشاء، واليوم الثالث والرابع هكذا، مر أسبوع وأسبوعان والرجل قد انفتحت عليه الدنيا، وأصبح وراءها، قامت المرأة وقالت: هذا المال يشغلك عنا ويشغلنا عنك، والله إن كنت تريدني، هذا المال الله لا يبارك فيه ولا نريده، نريد أن نكون على حالتنا الأولى، وعلى الخضرة حقنا، وعلى اللحمة الأولى، لا نريد غير هذا، وبعد ذلك أخذت رأس المال ورجعته إلى التاجرة هذه وقالت: الله يبارك فيك أنت وزوجك، وخذي فلوسك وأنا وزوجي في سعادة بدون مالكما.

    فالسعادة -أيها الإخوان- ليست في تكثير الأموال ولا في تجميعها، وإنما السعادة في دين الله تبارك وتعالى.

    سوء عاقبة آكلي الربا

    يقول في الحديث: (فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت -كالعمارات بطنه- فيها حيات) الله أكبر! تحول المال إلى حيات وعقارب، يقلقل ويصلصل داخل بطنه. (فيها حيات ترى من خارج البطون) البطن شفاف من انتفاخه، منتفخ مثلما تنفخ البالونة حتى تبقى شفافة وداخلها الحيات والعقارب، والناس يرون هذه الأموال والأكياس والسيارات والعمارات تحولت إلى حيات وعقارب داخل بطنه، قلت: (يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا) والعياذ بالله.

    وأخرج الأصفهاني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما عرج بي إلى السماء نظرت في سماء الدنيا، فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام -العمارات الضخمة- قد مالت بهم بطونهم، وهم منضدون -أي: مرميون - على سابلة آل فرعون، موقوفون على النار كل غداة وعشي يقولون: ربنا لا تقم الساعة أبداً. قلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا من أمتك لا يقومون إلا كما يقوم الذي يخبطه الشيطان من المس).

    فيا أخواني! هل بقي مبرر لشخص يرابي؟ لا والله لا يوجد مبرر أبداً، بل علينا من الآن من كان له مبلغ في أي مكان من أجل الربا عليه أن يعود إلى الله، ويتوب إلى الله، ويقنع بالحلال، ويكتفي بما رزقه الله عز وجل، ليبارك الله له في رزقه في الدنيا، ويبارك له في رزقه في الآخرة.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقني وإياكم حسن القول وصالح العمل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    علاج قسوة القلب

    السؤال: لي فترة طويلة وأنا أحاول أن أبكي فلا أستطيع وقلبي أقسى من الحجر، مع أنني لا أقوم الليل فكيف أصنع؟

    الجواب: رقة القلب ولين العاطفة والخشوع والخضوع والخوف والوجل، هذه من نعم الله، ومن مِنن الله، يقسمها على الناس كما يقسم الله الأرزاق، فمن الناس من له رزق كثير ومنهم من ليس عنده شيء، لكن ليس هذا بالضرورة أن قلبك أقسى من الحجر أي: أنك لا تخاف الله، لا. المقياس الذي تقاس عليه أمور العباد، هو على مدى استجابتهم لأمر الله وبعدهم عن نهي الله، فقد نجد إنساناً وقافاً عند أوامر الله، لا يرتكب لله عز وجل نهياً ولا يترك لله أمراً، وبالرغم من ذلك لا يبكي وهو من السعداء، وقد نجد آخراً بمجرد ما يسمع آية كريمة أو حديثاً يبكي، لكن لو أتيت تفتشه لوجدته منغمساً إلى مسامعه في المعاصي والذنوب، فهو يبكي ويخرب، فبكاؤه لا ينفعه، لكن إذا وجدنا إنساناً رقيق القلب والعاطفة سريع التأثر، وقافاً عند حدود الله لا يرتكب لله نهياً، ولا يترك لله أمراً فهذا طيب، ولكن هناك وسائل ذكرها العلماء ترقق القلب وتجعل قلبك ليناً -إن شاء الله-:

    أولاً: زيارة القبور، من غير شد الرحال، تذهب إلى المقابر وتقف عندها وتسلم على أهلها.

    ثانياً: ذكر الموت والقبر والظلمة في داخل القبر، وتصوره على التصور الصحيح، ولو بممارسة شيء من وسائل الإيضاح، أي: من الشيء العملي في بيتك، كان ميمون بن مهران عنده قبر في بيته، حفر قبراً في طرف بيته، وكان إذا قسا قلبه، يقول لزوجته وأولاده: تعالوا! فيدخل في القبر ويُغطي عليه القبر، ويقول لهم: كونوا قريبين لا تبتعدوا عني، فإذا صحت عليكم افزعوا إليّ، ويصبر في الظلمة وفي الوحشة وفي الضيق إلى أن تكاد روحه تطير، ثم يصيح، ويقول: رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] يقول: إذا سمعتموني أسرعوا إليّ ثم يقول: إذا سمعوا الكلمة جاءه أولاده وفتحوا عليه قال: ها مد يدك ويطلعونه فيقول لنفسه: يا ميمون ! قم واعمل صالحاً قبل أن تقول: ربي ارجعون فلا تجاب، يقول: فيقوم من قبره وهو نشيط نشاطاً عظيماً للعبادة والعمل الصالح، هذا درس عملي.

    ثانياً: تتذكر الحياة الآخرة، وتتذكر الجنة والنار.

    ثالثاً: تحسن إلى الفقراء؛ لأن من أحسن إلى الفقراء أحسن الله إليه، من رحم المساكين رحمه الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.

    أيضاً تمسح بيدك على رأس اليتيم، إذا رأيت يتيماً في أي أرض ومسحت على رأسه ووضعت مع المسح مبلغاً من المال له في يديه وقبلته وواسيته؛ لأنه من يمسح رأسه إذا لم تمسح رأسه أنت؟ من يقبله من يواسيه؟ أبوه ليس موجوداً ولهذا خير بيت في الأرض بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في الأرض بيت فيه يتيم يساء إليه.

    فهذه الأمور مما ترقق -إن شاء الله- القلوب.

    وأيضاً: قراءة القرآن بنوع الأداء الذي فيه خشوع وخضوع، وإن لم تبك فلا أقل من أن تتباكى، أي: تشعر نفسك بالخشوع ولو تصنعاً؛ لأنه مرحلة انتقالية -إن شاء الله- إلى أن تخشع ويلين قلبك بإذن الله وأسأل الله أن يلين قلوبنا جميعاً لذكره وطاعته.

    حكم استقبال القبلة ببول أو غائط

    السؤال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة ببول أو غائط، ولكننا نرى الناس اليوم يضعون الكراسي في الحمامات في اتجاه القبلة، فما الحكم؟ وما حكم الوضوء في الحمام؟

    الجوب: ورد النهي حقيقة في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس أحدكم إلى حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها).

    ولكن العلماء يقولون: النهي هنا محمول على الكراهة ليس محمولاً على التحريم، والدليل: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (رقيتُ يوماً بيت حفصة فنظرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة) قال العلماء الذين جمعوا بين الحديثين، وكلاهما صحيح قالوا: إنه يحمل النهي على العراء، ويحمل الإباحة على البنيان، فإذا كان الإنسان في عراء أو في صحراء، فإنه لا ينبغي له أن يستقبل القبلة ببول ولا بغائط، أما إذا كان بنياناً، في حمام محاط بأربعة جدران، فإنه يجوز له أن يستقبل القبلة ويستدبرها باعتبار وجود حوائل، هذه طريقة الجمع، وقد ذكر هذا ابن قدامة وذكره النووي في المجموع .

    حكم بيع التقسيط مع زيادة الثمن

    السؤال: اشتريت سيارة من شخص لكني اشتريتها بالتقسيط، فبدلاً من أن قيمتها نقداً تسعة وعشرون أخذتها بتسعة وثلاثين، على أن أسدده قسطاً شهرياً قيمته ثمانمائة ريال فهل هذا من الربا؟

    الجواب: لا. ليس من الربا البيع بالتقسيط إذا حدد الثمن وزاد عليك صاحب السلعة؛ لأنك تعطيه على آجال، فليس هناك شيء إن شاء الله، لكن المحذور بيعتين في بيعة، أنك تنفصل أنت وإياه ولا تعلم ماذا أخذت بالتقسيط أو بالنقد، أما إذا اتفقت أنت وإياه على أنك تأخذها بالتقسيط، ودفعت له شيئاً من المقدم والباقي على آجال فليس هناك شيء إن شاء الله؛ لأن هذا من التيسير على الناس.

    حكم الوضوء في الحمام

    السؤال: ما حكم الاستنجاء أو الوضوء في الحمام؟

    الجواب: الأولى أن تستنجي وتقضي حاجتك في الحمام وأن تكمل وضوءك خارج الحمام إذا كان هناك محل للوضوء خارج الحمام، أما إذا لم يتمكن من الوضوء إلا في داخل الحمام مثل أكثر البيوت، فإنك تستنجي وتتوضأ داخل الحمام، وتبدأ البسملة قبل الدخول ولا تذكر الله داخل الحمام مطلقاً.

    حكم النظر إلى العمة المطلقة بنتها

    السؤال: طلقت إحدى زوجاتي وانتهت العدة وتزوجت بأخرى، ولكن أمها التي كانت عمتي سابقاً لا زالت تكشف وجهها عليّ، وأنا أجد في نفسي حرجاً فما حكم الإسلام؟

    الجواب: حكم الإسلام أنه لا حرج في ذلك؛ لأنها محرمة عليك على التأبيد؛ لأنه لا يجوز لك أن تنكحها حتى ولو طلقت بنتها، فهي عمتك ولو طلقت بنتها، ويجوز لك أن تكشف عليها، لأنها من المحرمات عليك.

    حكم أخذ مال المسلم بغير حق

    السؤال: يوجد صاحب مؤسسة كبيرة ولديه عمال كثير ويأخذ من كل عامل خمسمائة ريال على أن يكونوا أحراراً في عملهم، فما حكم هذا العمل؟

    الجواب: هذا العمل حرام؛ لأنه أخذ مال المسلم بغير حق، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة، قال: (ألا إن أموالكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ولا يجوز لك أن تمارس تجارة الرقيق على هؤلاء الأحرار، بأي حق يا أخي المسلم! إذا أردت عمالاً وأتيت بهم شغلهم بالراتب في عملك والعمل لك، أما أن تأتي بهم وتقول: اذهبوا حيث شئتم، وأعطوني كل شهر خمسمائة ريال ربحتم أو لم تربحوا، هذا حرام عليكم، أول شيء تعارض مع الأنظمة التي شرعت، ثانياً: محرم بالشرع؛ لأنه أكل لمال المسلم بغير حق.

    وقد سمعنا أن بعض العمال يلجأ إلى السرقة من أجل أن يعطي عمه خمسمائة ريال، يظل شهراً ما جاءه شيء، لكن إذا جاء آخر الشهر ما أتى الخمسمائة قال: تعال هات خمسمائة ريال أو رحلتك، أعمل لك خروجاً. سبحان الله! هذا لا يجوز في دين الله عز وجل.

    حكم الذهاب للجهاد بدون رضا الوالدة

    السؤال: هل يجوز لي الجهاد ولي والدة وأنا أحد أولادها وأقوم على رعايتها، وهي غير موافقة على أن أذهب إلى للجهاد، ثم لا أستطيع الخروج إلا بتزوير ورقة، فما الحكم، علماً بأنني مصر على الجهاد في سبيل الله، فما هو الحكم؟

    الجواب: ما دام لك والدة -يا أخي- وأنت أحد أولادها وتقوم على رعايتها، وهي غير موافقة، فعليك أن تبقى في رعايتها وطلباً لرضاها، وتأخذ المال الذي سوف تخرج به وترسله للإخوان المجاهدين، فإنهم الآن أحوج إلى المال من أي وقت مضى، وبشكل عجيب جداً؛ لأن المعركة الآن ضروس، والآن حديد يقابل حديداً، لكن حديد فاسد إن شاء الله يقابل حديداً مؤمناً، كان الجندي المجاهد يقابل روسياً ملحداً، يود أن يخرج وينصرف، الآن لا يوجد إلا جندي مؤمن أفغاني مع ملحد أفغاني، والأفغاني الملحد متمسك؛ لأنه على أرضه لا يريد يخرج، أين يذهب؟ فهو مستميت، والمؤمن مستميت، والغلبة -إن شاء الله- لأهل الإيمان، ولكن فيها نوع من الصعوبة، فلا بد الآن الذين كانوا يساهمون؛ لأن بعض الناس لما سمع أن روسيا خرجت برد في مد إخوانه المجاهدين، لا، بل زد؛ لأنهم الآن يقطفون ثمرات الجهاد إن شاء الله بإنزال آخر الضربات بهؤلاء الملاحدة إن شاء الله تبارك وتعالى، وأنت -يا أخي- أرسل بالفلوس التي معك إلى المجاهدين الأفغان، فإنك بإذن الله تجاهد بهذا المال؛ لأن (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) وما دام أن أمك غير راضية، والقضية فيها خلاف بين أهل العلم في حكم الجهاد الأفغاني هل هو فرض عين أو فرض كفاية على المسلمين؛ لأنه لو قيل بفرضية العين للزم كل المسلمين في كل الأرض أن يذهبوا وإلا أثموا، وبالتالي تخلو مواقعهم منهم، ويترتب على هذا مفسدة، ولم يقل بهذا أحد إلا بعض أهل العلم، ولكن الصحيح: أنه ليس فرضاً عينياً، ولكنه بالمال فرض عين، يجب أن تجاهد بمالك؛ لأنه في حدود إمكانك.

    حكم لبس البنطال في العمل

    السؤال: ما حكم لبس البنطلون في العمل؟

    الجواب: ليس فيه شيء، لبس البنطلون إذا كان واسعاً، وتحتاجه طبيعة عملك كأن تكون نجاراً أو فني كهربائي أو فني في أي عمل، والثياب هذه يمكن تؤذيك في أداء عملك ولا تعينك على أداء شغلك، فإذا لبست بنطالاً بشرط أن يكون واسعاً وليس ضيقاً، فليس فيه شيء إن شاء الله، إنما من يلبس البنطلون على نية الافتخار بهذا الزي الذي يلبسه الكفار واتسم به الغربيين، ويأخذ معه حبلاً في رقبته، يسمونه الكرفتة، وأنا أفكر في كل شيء إلا هذا الحبل ما عرفت له معنى، معروف الذي في رقبته حبل من هو؟ أبو رباط، وهذا يضع على رقبته رباطاً، لا أعلم ما السبب سبحان الله العظيم! فالذي يعمل هذا افتخاراً بهؤلاء يمكن أن يكون فيه محظور؛ نظراً لأنه منهي عن التشبه بالكفار: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).

    تفسير آيتي الشرك والمغفرة

    السؤال: قرأت القرآن وفيه آيتان لم أقدر على تفسيرهما، ولم أجمع بينهما، وهي قوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53]؟

    الجواب: الجمع بينهما: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] أي: إذا مات الإنسان وهو مصر على الشرك فلا يغفره الله، والآية الثانية: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] لمن تاب قبل الموت، فمن تاب قبل الموت ولو كان مشركاً فالله يغفر ذنبه، لكن من مات ولم يتب من الشرك فالله لا يغفر الشرك، هذا هو الجمع بينهما.

    حكم صلاة حاسر الرأس

    السؤال: ما حكم صلاة الرجل بدون غطاء على رأسه، بالغترة أو طاقية أو غيرها؟

    الجواب: الصلاة صحيحة، ولكن بعض أهل العلم كره أن يصلي الإنسان ورأسه مكشوف أو عاتقه ليس عليه شيء من اللباس، أما الصلاة فهي صحيحة؛ لأن حد عورة الرجل من السرة إلى الركبة، ولكنه منافٍ لأدب الصلاة، إذ ينبغي أن تأخذ على رأسك شيئاً أو على جسمك مما اعتاد الناس أن يتستروا به.

    حكم إمامة الفاسق في الصلاة

    السؤال: أعرف شاباً تخرج من كلية الشريعة وبعد تخرجه استلم إمامة مسجد جامع، ولكنه يدخن ولا يصلي صلاة الفجر في المسجد، وهذا الشاب يستهزئ بالملتزمين والمتدينين ويسخر منهم، فما توجيهكم لمثل هذا الشاب؟

    الجواب: نقول لهذا الشاب: اتق الله عز وجل في نفسك، طالما وقد قامت عليك حجج الله الدامغة، أولاً: تخرجت من كلية الشريعة، وأصبحت محسوباً على العلماء.

    ثانياً: أصبحت محسوباً على الأئمة باستلامك لإمامة مسجد جامع، ثم بعد ذلك تصير فاسقاً -والعياذ بالله- وعاصياً تدخن وتترك الصلاة وتستهزئ بأهل الإيمان، وجريمتك هذه جريمة ليس بعدها جريمة، اتق الله تبارك وتعالى، ما دام الله وفقك للعلم ووفقك أيضاً لهذا المنصب فكن في محله، وإذا لم تستطع فرد الشهادة شهادة الزور ردها للشريعة، واترك الإمامة لغيرك، واستمر في فسقك وسوف تندم وستعض على أصابع الندم.

    حقيقة الالتزام الصحيح

    السؤال: عملت كثيراً من الفواحش، وفهمت منك أن المعاصي إذا كثرت لا يغسلها إلا النار، وأنا تبت إلى الله والتزمت وربيت لحيتي وقصرت ثوبي والحمد لله ندمت على كل عمل كنت أعمله؟

    الجواب: أقف هنا عند قوله: ربيت لحيتي وقصرت ثوبي، أرجو أن لا يفهم الإخوة أن مجرد الالتزام هو هذان الأمران؛ تربية اللحية وتقصير الثوب، هذا من الالتزام، لكن ليست كل الالتزام؛ لأن من الشباب من يلتزم بهذين الأمرين ثم إذا جئت تفتشه تجد عنده من العظائم ما لا يعلمها إلا الله، فهذا يخدع نفسه والناس، ويضلل على الناس أنه ملتزم .. لحية طويلة وثوب قصير لكن عمله فاسد، لا. نحن نريد التكامل في حياة المسلم والشاب الملتزم، نريد لحية معفاة وثوباً قصيراً، وأيضاً يكون عنده حساسية في كل الأوامر والنواهي، أما أن يهمل هذه الأوامر، ويضلل الناس بهذه، ويضلل نفسه؛ لأنه إذا رأى نفسه هكذا قال: أنا من الملتزمين، لكن الغيبة يأكل بها حتى يموت، وإذا هو في الليل وليس ثمة أحد قام يسمع الأغاني لوحده، وثوبه قصير ولحيته طويلة ويسمع الأغاني، وإذا دخل عليه شخص أغلق الراديو لماذا؟ لأن الناس سوف يقولون: لماذا تسمع الأغاني وأنت مطوع؟! فهو يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله، يخاف من الناس ولا يخاف من الله، إذا مشى في الشارع تلفت هل أحد يراه، إن كان رأى أحداً مشى معتدلاً، وإن كان لا يوجد أحد فتح عيونه في النساء، ولحيته طويلة وثوبه قصير، هذا يضلل نفسه ويضلل الناس، نريد التكامل -يا إخواني- لا نريد أن يفهم من الدين أنه الظاهر فقط، ونحن لا نقلل من شأن الظاهر، الظاهر له أهميته في الدين، لكن المعول على الباطن، إنما ينظر إلى البواطن لا إلى الظواهر، الله عز وجل ينظر إلى الأعمال كلها متكاملة، من تخدع، يمكن أن تضلل الناس في الدنيا وتخدعهم وتقول أنك وأنك، لكن ربك يعرف ماذا في قلبك، إي نعم. يقول الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

    والتقوى عمل قلبي هنا موجود في الصدر، ولا يعني هذا أن يأتي شخص من الناس يحلق لحيته ويطول ثوبه ويقول: التقوى هاهنا، نقول: لا ما هنا التقوى؛ لأنه هناك مثل يقول: "من خش في المزقف تبادى على الضيف" وإذا وجدت كرامة في المطبخ تحصل وتخرج على الضيف، لكن إذا هنا إيمان يخرج على الناس، وإذا هنا نفاق يخرج على الناس، التقوى هاهنا وآثارها على الجوارح، أما التقوى هاهنا واللحية محلوقة، والدخان في جيبك، وشريط محمد عبده وشيطانه في جيبك وفي سيارتك، ووتنام إلى الساعة السابعة ولا تصلي الفجر في المسجد، ثم تقوم تغسل وتنقر أربع ركعات، اثنتين اثنتين وتذهب تصلي ووجهك أغبر وعيونك معمشة وربك ساخط عليك والشيطان قد بال في أذنيك، وتقول: التقوى هاهنا، فليس هنا تقوى، وما هنا إلا فسق، وعدم خوف من الله تبارك وتعالى.

    فأخونا هذا يقول: إنه تاب، فجزاه الله خيراً.

    حكم التوبة ثم الرجوع إلى بعض المعاصي

    السؤال: أنا أصلي الأوقات كلها وأحياناً أصلي في بعض الأيام اثنتين وتسعين ركعة، ولكن أحياناً يأتي عليّ ظرف فلا أصلي إلا الفروض فقط والرواتب ولا أصلي بقية النوافل؛ لأنني يوم كنت صغيراً كنت أترك الصلاة أحياناً، وأصوم كل اثنين وخميس وثلاثة أيام من كل شهر أي: الأيام البيض، فهل لي من توبة؟ رغم أنني أتوب شهراً وأرجع أحياناً إلى بعض الأمور مثل بعض المعاصي، ولكن قبل أسبوعين عدت إليها وتبت إليها الآن فهل لي من توبة؟

    الجواب: نعم، وما تغسلك إن شاء الله جهنم، بل تغسلك توبة الله ورحمته، ما دمت على هذا الوضع وأنت الآن في زمن المهلة، وتتوب إلى الله فأبشر بأن يغسل الله كل ذنوبك هذه بالتوبة والرحمة والمغفرة، ثم يبدلها وينقلها من ديوان السيئات إلى ديوان الحسنات، لكن اثبت، إي نعم. لا تكن لعبة للشيطان، تتوب الآن وتعود غداً، فالشيطان يضحك عليك، يقول: هذا دجال هذا ليس بتائب، التائب جبل راسخ، إذا تاب تاب؛ لأنه يخاف من سوء العاقبة، فيمكن لو مت الآن وأنت في أحسن حالاتك الإيمانية فاحمد الله، لكن يمكن تنهزم في لحظة من اللحظات، وترجع وعلى أمل أنك تقسم وتموت ثم تموت والعبرة بالخاتمة، فأنت تقول: يا مسلم سلم، إذا شرقت عليك الشمس تقول: يا رب! ثبتني ولا تغرب شمس هذا اليوم إلا وأنا ثابت، فإذا غربت الشمس تقول: يا رب! ثبتني هذه الليلة حتى أصبح، فإذا أصبحت فقل: يا رب! وهكذا، كل يوم تشرق فيه الشمس اطلب الله الثبات إلى المغرب، ثم اطلب الله الثبات من المغرب إلى العشاء، واعتبر أنه في سجلات اليوم آخر يوم لك.

    أنت تحت التهديد والخطر، كلنا سوف نموت، من منا الآن عنده وثيقة أنه سوف يموت بعد زمن معين؟! الأمر صادر علينا بالإعدام كلنا، ولكن مواعيد الإعدام مغيبة عنا، ويمكن هذه الليلة هناك ناس سيموتون من أهل هذا المجلس، ويمكن غداً سيموتون، يمكن بعد غد، وما دونه لا نعرف، يجب أن نكون دائماً تائبين إلى الله عز وجل.

    أهمية القدوة الحسنة للدعاة والصالحين

    السؤال: أرجو توجيه كلمة عن أهمية القدوة في الإسلام؛ لأن كثيراً من الناس يجادلوننا قائلين: إن الشباب الملتزم المتدين لا يجدِّون في أعمالهم، ويعتبرون الدين فقط مظهر كالصلاة والصيام وغيرها، فأرجو التنبيه إلى ذلك؟

    الجواب: أيها الإخوة! نحن دعاة إلى الله عز وجل بالمظهر والمخبر، وبالسلوك وبالجدية في العمل، وأيضاً بعض العصاة يأخذ علينا هذا المأخذ، إذا رأوا مؤمناً ملتزماً في تدينه لكن في الدوام لا يأتي إلا متأخراً، ويخرج، ولا يمشي عمله، قالوا: انظروا المطوع، يأكل حراماً، ويقول: صلوا، وهو لا يأتي إلا آخر شخص، لا.

    ينبغي أن تكون مطوعاً وأول الناس في دوامك، وأخلص الناس في عملك، وأكثر الناس إنتاجية، وبهذا تكون داعية حقيقة.

    حكم كشف المرأة وجهها للأقارب غير المحارم

    السؤال: سؤالي هو من منطوق نقاش دار بيني وبين أحد زملائي حول كشف المرأة على أقاربها مثل أبناء أعمامها وعماتها، وكشف زوجة الأخ على أخيه، فنحن نعلم أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحمو الموت) في الخلوة ؟

    الجواب: من قال لك: في الخلوة، هذه مشكلتك، الحمو الموت في الخلوة، لا. الحمو الموت في الخلوة والجلوة، مع الناس ولوحده، ولا يجوز أن تكشف المرأة لابن العم ولا لابن الخال ولا لأخ الزوج، سواء خالية أو معها أحد؛ لأنه أجنبي عنها، وخذوها قاعدة: من الذي يحل له أن تكشف له المرأة أو تحرم؟ هناك المحرمات تنقسم إلى قسمين: محرمات على التأبيد، ومحرمات على التوقيت، يعني: مؤقتة، تزول الحرمة بزوال المؤثر. -فمثلاً- زوجة أخيك المسلم، جارك متزوج هل تحل لك زوجته الآن وهي متزوجة؟ لا تحل لك، لكن لو مات عنها زوجها، أو طلقها ماذا تصبح لك؟ حلال، فهي محرمة عليك؛ لأنها متزوجة، فإذا ذهب المؤثر زالت الحرمة وبقيت حلالاً لك. فهذه المحرمة على التأبيد يجوز كشف الوجه عليك؛ لأنها لا تحل لك الآن ولو بعد حين، والمحرمة على التوقيت التي يمكن أن تكون لك زوجة إذا زال سبب التحريم، هذه يحرم عليك أن تكشف عليها -فمثلاً- زوجة أخيك، لو مات أخوك لتزوجتها من بعده، لو طلقها أخوك لتزوجتها من بعده، أجل لا يجوز أن تكشف عليها، حكمها مثل حكم امرأة الجار، فلا فرق بين الاثنتين، كذلك بالنسبة لزوجتك ابن عمها، هو لا يحل له أن يتزوجها؛ لأنها امرأتك الآن، لكن لو طلقتها جاز له أن يتزوجها، ابن عمها أو ابن خالها، فلا مجال للنقاش في هذا الموضوع.

    وعليك أن تتوب إلى الله عز وجل، وعليك أن تقنع إخوانك بأنه لا مجال لكشف الوجه إلا على من أباح الله.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفقني وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يأخذ بقلوبنا إلى ما يحبه ويرضاه.

    والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.