إسلام ويب

العمل الصالح وأهميتهللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ ببيان أن العمل في الدنيا هو الذي يحدد نوع الجزاء في الآخرة، ثم ذكر بعض الأمور المعينة على بذل أسباب النجاة في الآخرة، وذكر منها: التدبر في قصص القرآن الكريم والسنة النبوية، وأورد قصة آدم مع إبليس، وكذلك قصة نوح مع قومه، ثم حذر من الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم الشرعية، وبين أن ذلك يؤدي إلى التقصير والتهاون في العمل لأجل نيل مرضاة الله في الآخرة.

    1.   

    مبدأ الثواب والعقاب الإلهي

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: لقد رتب الله عز وجل الجزاء في الدنيا والآخرة على فعل المكلف، وجعل مدار السعادتين في الدنيا وفي الدار الآخرة نتيجة سلوك الإنسان، وزود الإنسان بالإمكانات التي تعينه على سلوك طريق الخير باختياره، أو سلوك طريق الشر باختياره، وأقام الحجة على الخلق ببعثة الرسل، وبإنزال الكتب، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] وفطر الإنسان على فطرة الدين، والأرض القابلة لاستنبات الدين هي: الفطرة، يقول عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل: يمسلمانه؛ لأنه مسلم بالفطرة، وفي حديث آخر في صحيح البخاري وهو حديث قدسي، يقول الله عز وجل: (إني خلقت عبادي حنفاء -أي: مستقيمين- فاجتالتهم الشياطين).

    ترتيب الجزاء الأخروي على كسب الإنسان الدنيوي

    إن المتأمل لآيات الكتاب الكريم ولأحاديث الرسول صلوات الله وسلامه عليه يجد هذا واضحاً، بل يذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه الجواب الكافي أن هذا واضح في أكثر من ألف موضع في القرآن الكريم، وهو أن الله دائماً يرتب الجزاء على فعل الإنسان.

    قال عز وجل: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55] فلا يحصل شيء من العبد إلا ويحصل له جزاء، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، يقول عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41] فظهر الفساد في البر والبحر: فساد في الهواء، والماء، والثمار، وكل شيء بكسب العباد، فتتأثر جميع المخلوقات بكسب الإنسان بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] وإلا لو أذاق الله العباد كل ما عملوا ما بقي على ظهرها من دابة، ولكن الله حليم يمهل ولا يهمل، ويقول عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:26-27] فهذه آية توضح أن القضية قضية كسب، فاكسب خيراً؛ تربح، واعمل سيئات؛ تحسب عليك، فلا يأخذ ذنوبك غيرك، ولا يأخذ حسناتك غيرك، يقول الله عز وجل: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31] ويقول عز وجل: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:46-52] في الجنة من كل فاكهة زوجان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن:53-54] جنى أي: ثمر، فثمر الجنان دان، وأنت جالس يأتيك الثمر في مجلسك، وحين تقوم يقوم معك، وحين تمشي يمشي معك، فأينما اشتهيته وجدته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:55-56] نساء الجنة قاصرات الطرف، فقد قصرت طرفها على زوجها فلا تطمع في سواه، ولم يطمثها قبله أحد، فهي نظيفة مبرأة، وبعد ذلك يقول الله عز وجل في وصفهن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:57-58].

    حورياتك في الجنة وزوجاتك -يا عبد الله- مثل الياقوت والمرجان، فتصور امرأة مثل الياقوتة، كيف يكون وضعها؟ الآن أقل قطعة من الياقوت أو المرجان قيمتها مبالغ طائلة، وحجمها لا يتعدى رأس الإصبع، فكيف تريد ياقوتاً أو مرجاناً بلا قيمة؟ لا.

    ثم قال عز وجل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:59-60] وهذا الشاهد من الآيات، هل جزاء إحسانهم في الدنيا إلا إحسان الله لهم بالثواب العظيم في الجنة.

    في الآية التي تلوتها عليكم يقول الله فيها: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا [يونس:26] أي: أحسنوا في عقيدتههم فكانت خالصة من الشرك، وأحسنوا في عقيدتهم فكانت صافية من شوائب البدع والخرافات؛ لأن العقيدة لا بد أن تكون صافية من أمرين: ليس فيها شرك ولا بدعة ولا خرافة، وإنما خالصة: توحيد لله، واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك أحسنوا في عبادتهم، فيعبدون الله على أفضل صورة، وأحسنوا في سلوكهم، وأخلاقهم، وتعاملهم، فماذا يحصل لهم وهم محسنون؟ قال الله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس:26] ما هي الحسنى؟ قال العلماء: الحسنى هي: الجنة، والدليل: أنها جمعت كل شيء حسن، فكل ما خطر في بالك مما يتصوره عقلك ويذهب إليه خيالك من جميع الملذات والنعم، ففي الجنة أعظم منه، ويكفيك أن الله يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] وليس بما كانوا يلعبون، أو يسمرون، أو يضيعون، لا. بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] فقد قطعوا لياليهم وأيامهم في طاعة الله، فيقول الله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس:26] أي: الجنة، واحدة بواحدة، لكن بقي مكسب؟ ما هو؟ قال: (وزيادة)، فما هي الزيادة؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنها النظر إلى وجه الله الكريم)، وهو أعظم نعيم يحل بأهل الجنة، وهل أعظم من أن تمتع بصرك بالنظر إلى وجه ربك وخالقك؟!

    الآن إذا جاء ملك أو وزير أو أمير، ومر من شارع أليس يتدافع الناس ويتسابقون، ويقفون في الشوارع يريدون أن يروه إذا مر، ويريدون أن يروا وجهه إذا عرض، لماذا؟ لأنه صاحب فضل عليهم، وهل هناك صاحب فضل أعظم من فضل الله عليك؟ خلقك من العدم، ورباك بالنعم، وأوجدك من لا شيء، ثم أرسل لك رسوله، وأنزل عليك كتابه، وهيأ لك جنته، ودعاك إلى عبادته، ثم سرت في طريقه حتى أسكنك جنته، وبعد ذلك وأنت في الجنة يتم عليك نعمته بأن تنظر إليه.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت يا حي يا قيوم! يا فارج الهم! يا كاشف الغم! يا أرحم الراحمين! نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تمتعنا وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع إخواننا المسلمين بالنظر إلى وجهك الكريم في الدار الآخرة، وأن تعتق رقابنا من النار، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] وهذه الزيادة تأتي بعد تطمين الله لأهل الجنة، بأنهم يمرون على النار وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ [يونس:26] والقتر هو: الإحراق، فإحراق النار يأتي منه قترة وعذاب شديد وَلا ذِلَّةٌ [يونس:26] والذلة هي: الخزي؛ لأن عذاب النار ينقسم إلى قسمين: عذاب مادي وهو: الإحراق، وعذاب معنوي وهو: الذلة والانكسار الذي يحصل للإنسان في النار.

    والنار كلها سيئة -نعوذ بالله وإياكم من النار وما فيها من العذاب- قال تعالى: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:26].

    جزاء من كسب السيئات في الدنيا والآخرة

    وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ [يونس:27] وهل السيئات مكسب؟ قال العلماء: ليست مكسباً، ولكن من باب التهكم والسخرية، فيسخر الله منهم ويتهكم بهم.

    فهؤلاء المغفلون الذين عاشوا ستين أو سبعين سنة وهم يحملون ويكسبون على رءوسهم سيئات، فيكسب أحدهم من عينه سيئات فينظر إلى ما حرم الله، ويكسب من أذنه سيئات فيستمع إلى الأغاني وما حرم الله، ويكسب من لسانه سيئات فيتكلم في الغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن وشهادة الزور ويمين الفجور، ويكسب من بطنه سيئات فيأكل ما حرم الله، ويكسب من فرجه فيقع في الزنا واللواط وما حرم الله، ويكسب من يده فيبطش فيما حرم الله، ويكسب من رجله فيمشي إلى ما حرم الله، فهذا يكسب ويجمع، فماذا يجمع؟ يجمع سيئات. وأين تذهب السيئات؟ أتذهب إلى غيرك أم إليك؟ بل إليك، فأنت الذي أتيت بها، فهل نعطي الجماعة وهم ما فعلوا منها شيئاً؟ لا والله، فما معك إلا الذي معك، يقول الله: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46] وعندنا مثل في الجنوب -ويمكن أن أكثركم من أهل الجنوب- يقول: (ما غبر صبيح فعلى قرنه)، وصبيح عندنا هو: الثور، وسمي صبيحاً؛ لأن في جبهته بياضاً، فإذا جاء صبيح هذا إلى الحقل أو الزرع جاء إلى الجثوة، والجثوة هي: الدمن، أي: السماد الطبيعي، فيأتي يغرس قرنه ويخوض معركة مع الجثوة، ويأخذ هذا السماد وينطح به في السماء، ويحسب أنه يغبر على القبيلة وهو يغبر على رأسه.

    وكذلك نحن نقول لصبيح المعاصي من البشر، نقول: يا صبيح المعاصي! ما عصيت من معصية فعلى قرنك، والله ما تضر أحداً، وما تضر الدولة، ولا الجماعة، ولا أمك، ولا أبوك ولكن تضر نفسك.

    فإن كنت تحب نفسك؛ فتوقف عن المعاصي، وإن كنت تكره نفسك؛ فزود، قال تعالى: بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [القيامة:14].

    قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ [يونس:27] فماذا نعطيهم؟ أنعطيهم حسنات؟ معقول؛ لأن الذي يعمل السيئات ويتصور أن الله سيعطيه حسنات فهذا يتهم الله بأنه لا يعرف كيف يجازي عباده، لا. قال: جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا [يونس:27] خذ سيئة وأعط سيئة فليس هناك غير ذلك، وبعدها قال تعالى: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ [يونس:27] فلا يمنعهم من الله أحد.

    وقد يقول شخص: أنا صاحب سيئات، ولكن عندي من يمنعني: فعندي جاه، وسلطة، وقوة، ومال، أيمنعك ذلك من ربي؟ والله لا يمنعك من الله أحد، ولكن الله يمنعك من كل أحد؛ لأن الله غالب على أمره، والتاريخ موجود أمامنا، فهل استطاع فرعون الذي ادعى أنه الرب ويقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] هل امتنع من الله؟ أبداً.

    النمرود الذي يقول لإبراهيم: ادع ربك أن يخرج لي في الميدان، أريد أن أحارب ربك، فأين هو النمرود ؟ ذهب، سلط الله عليه بعوضة دخلت من أنفه واستقرت في دماغه، وصارت تنتفض حتى ضربه عبد من عبيده في رأسه فشطره إلى نصفين وسقط نصف جناح البعوضة، فقال الله لها: أتريدين دية، أم تريدين جناحك؟ قالت: أريد دية، فكم الدية؟ قال: الأرض من يوم أن خلقتها إلى يوم أن أفنيها.

    قالت: لا، بل أريد جناحي.

    وجاء في الحديث: (لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).

    فمن يمتنع من الله؟ لا أحد.

    يقول الله: مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ [يونس:27] ثم بين الله عز وجل حال وجوههم يوم القيامة، فأهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، وجوه مبيضة، ومسفرة، ضاحكة مستبشرة، فرحة بلقاء الله، تفرح بأن الله أنجاها من النار ووعدها بالجنة.

    لكن أولئك قال الله فيهم: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يونس:27] الله أكبر! لا إله إلا الله! كيف يكون وجهه وليس قطعة بل قطع من الليل البهيم الأسود؟ قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران:106] تبيض وجوه أهل الإيمان والعمل الصالح، وتسود وجوه أهل الكفر والنفاق والفجور والمعاصي والعمل السيئ، قال تعالى: كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:27].

    ميزان الفلاح في الآخرة

    أيها الإخوة: من كان يريد السعادة والفوز والفلاح؛ فلا بد له من أن يتأمل هذه القضية، وألا يتكل على شيء، إلا على رحمة الله، ثم إيمانه وعمله الصالح. أما الاتكالات والمغالطات -والتي سوف آتي بها إن شاء الله في هذا الدرس- فنريد أن نضعها جانباً، وأن نعمل؛ لأن الميدان ميدان عمل، يقول الله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ [الملك:2] أكثر أموالاً، أو أرفع رتبة، أو أكبر جسماً، أو أقوى عضلاً كل هذا لا قيمة له.

    تعال إلى صاحب أكبر رتبة في الدنيا إذا مات، وقل له: كيف أنت في رتبتك؟ يقول: لا شيء.

    تعال إلى أكبر تاجر في الدنيا وعنده المليارات واسأله وقد وضع في التراب، وخرج من الدنيا، وليس معه إلا قطعة قماش من ماله كله، وقل له: ماذا نفعك المال؟ سيقول: لا شيء.

    تعال لصاحب العضلات، والقوة، والرياضة، إذا لف في أكفانة ووضع في التراب، واسأله: أين عضلاتك؟ يقول: لم تغن عني شيئاً، فما الذي ينفعك هناك؟ قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] ويقول: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7] فالقضية قضية عمل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (يا فاطمة ! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً، فلا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتيني بالنسب) فلا ينفع النسب، يقول الله: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المؤمنون:101-102] فبم تثقل الموازين يوم القيامة؟ وما هي العملة الدارجة؟ وما هي الوحدة الوزنية يوم القيامة؟ فوحدة الكيلو، ووحدة الذهب، والريالات، والعمارات، والوظائف، والزوجات، والألوان، والجنسيات، كل هذه لا تنفع، فليس هناك إلا وحدة واحدة ربانية هي: العمل، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] فهذا الذي يوزن به الناس. ولو كان عبداً حبشياً كأن رأسه زبيبة! ولو كان عبداً حبشياً، فـبلال عبد حبشي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأسمع قرع نعليك في الجنة يا بلال !) وأبو لهب بن عبد المطلب قرشي هاشمي، وهو عم الرسول، يقول الله فيه: تَبَّتْ [المسد:1] أي: خسرت وخابت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] لماذا؟ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا [المسد:2-5] أي: في عنقها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ، فلماذا ارتفع بلال الحبشي إلى أن أصبح سيد الصحابة؟ يقول عمر رضي الله عنه: [أبو بكر سيدنا وأعتق بلالاً سيدنا] عمر المخزومي الهاشمي القرشي يقول: إن بلالاً سيده. ولماذا أصبح أبو لهب واسمه عبد العزى ، أي: عبد الإله الذي كان يعبده الكفار، وسمي أبا لهب تشاؤماً، أي: أبو النار، فله نصيب منها قبل أن يدخلها، ومع أنه قرشي هاشمي، فلماذا تبت يداه؟ بسبب العمل، فليس عنده شيء من مؤهلات الآخرة.

    1.   

    التدبر في القصص القرآني

    الذي يريد النجاة يلزمه أن يتدبر هذه القضية، ويلزمه بعد التدبر أمران:

    الأمر الأول: أن يمعن النظر في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، وأن يستقرئ التاريخ بدءاً بخلق آدم، وأمر الملائكة بالسجود له، وطاعة الملائكة وعصيان إبليس، وما ترتب على طاعة الملائكة وما ترتب على عصيان إبليس، ونهي الله لآدم من أكل الشجرة، وما ترتب على المخالفة من خروجه من الجنة، وتوبته بعد أن نزل إلى الدنيا، وما ترتب على التوبة من رجعته إلى الجنة.

    ثم خذ الرسل والأنبياء، فقصصهم تاريخ واضح أخبرنا الله به في كتابه عز وجل، تقرءوه كأنما ترى القضايا مفصلة؛ لأن العرض القصصي في القرآن عرض واضح وأخاذ وجذاب، فتجده في سورة الأعراف بشكل، وفي سورة يونس بشكل، من أجل أن يعطيك عدة مناظر للحادثة، فتخرج كأنما هي مصورة أمامك.

    قصة آدم عليه السلام مع إبليس

    يقول الله عز وجل للملائكة: وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] وبعد ذلك علم آدم الأسماء كلها، وبعد ذلك أمر الملائكة بالسجود له فقال: إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص:71-73] والملائكة الذين سجدوا هم عباد الله الذين يطيعون الله، ويسبحونه بالليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فبطاعتهم ظلوا ملائكة مقربين عند الله عز وجل، إلا واحداً، وهو إبليس.

    ولهذا فالطائعون في الأرض قدوتهم الملائكة، والعصاة قدوتهم إبليس، فهو المدير العام للعاصين، فإذا أردت أن تصير مع المدير العام فاعص الله. وبعد ذلك ماذا كانت معصية إبليس؟ طلب منه أن يسجد: قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [الحجر:33-34] يقول ابن القيم : يا قليل العزم! إبليس طرد من الجنة بذنب، وأنت عند الباب وعندك ألف ذنب تريد أن تدخل، وأبوك أخرج من الجنة وهو من أهلها بذنب، وأنت خارجها وعندك ألف ذنب. فلا يمكن ذلك. فلا بد من المراجعة مع هذه النفس الأمارة بالسوء.

    فلما رفض أن يسجد، والله عز وجل لا يعصى، فهل يعصى الملك في مملكته؟ أبداً، إذا صدر أمر من أي ملك أو رئيس دولة في مملكته؛ لزم الشعب تنفيذ أمره. وهل يعصى المدير في إدارته؟ هل يعصى الرجل في بيته؟ لا. فهل يعصى الله في خلقه، وسماواته وأرضه؟ لا يعصى. لكن إبليس عصى، وقال: لا أسجد. ولماذا لا تسجد؟ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76] والنار تأكل الطين وهذا قياس فاسد؛ لأن النار وسيلة إحراق، والطين وسيلة إعمار، فقال الله له: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:34-36] يريد أن يستوفي قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:37-39] لا إله إلا الله! إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:40] الذين تشرفوا بعبوديتهم لك، فهؤلاء لا أقدر عليهم، قال الله له: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42] لا تقدر عليهم، فهم في جنابي، ولاذوا بحماي، فليس لك عليهم سلطان، إلا من اتبعك، والذي يأبى إلا أن يمشي وراءك، وتوسوس له بالشر فيطيعك؛ فإن جنهم موعدهم أجمعين إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42].. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18] أي: ستساق أنت ومن معك إلى جهنم. لماذا؟ لأنهم ما تشرفوا بالعبودية لله عز وجل، فلما خرج إبليس من الجنة رأى أن المسألة فيها لعنة وطرد والسبب آدم، فجاء إليه ووسوس له: وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20] وقال له: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ [طـه:120] وهي في الحقيقة شجرة الخروج لا الخلد. لكن انظر كيف قلب الحقائق، فجعل الأبيض أسود، فشجرة الخروج يقول عنها: إنها شجرة الخلد، فمثلاً حين يأتي الشيطان إلى الشخص الهادئ الجالس، فيقول له: أتريد أن ترى الدنيا؟ فأنت مهموم وعندك وساوس وأفكار. قال: نعم. قال: أتريد أن تنشرح وترى الدنيا كلها؟ قال: نعم. قال: خذ هذه الحبة، أو هذه الجرعة من (الكوكايين) أو المخدرات، فسترى الدنيا كلها. فإذا أخذ الجرعة وإذا برأسه يدور، وبعد فترة وإذا به مروج للمخدرات، وماذا بعد ذلك؟ قبضوا عليه، وأخرجوه، ونسفوا رأسه. فمن الذي ورطه في هذا؟ إبليس ورطه كما ورط أباه، فقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [طـه:120] فمسكين آدم عليه السلام أحسن الظن بالشيطان؛ لأنه حلف له. قال الله: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]* فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [الأعراف:22] أي: بكيد وخديعة ومكر، فما كان آدم يتصور أن أحداً يحلف بالله كاذباً، فصدق الشيطان، ولهذا لا تصدق الشياطين من الإنس، فقد يأتي ويحلف لك: والله إني أريد مصلحتك، فهذا شيطان، يريد أن يدليك كما دلى أباك -والعياذ بالله-.

    وبعد ذلك رجع آدم عليه السلام، قال الله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طـه:121]* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طـه:122] ثم بقيت سلسلة العمل بالخير والشر ممثلة في الناس إلى يوم القيامة، وتأتي نتائج الناس وثمرات أعمالهم واضحة.

    قصة نوح عليه السلام مع قومه

    هاهو التاريخ أمامنا بدءاً بنوح عليه السلام، والذي بدأ دعوته في أمته ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومارس معهم جميع وسائل وأساليب الدعوة سراً وجهاراً، ليلاً ونهاراً، وبعد ذلك ذكرهم بنعم الله، وقال: إن الله أعطاكم ومنَّ عليكم ورزقكم، فاشكروا الله عز وجل: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً [نوح:10-20] وبعد مزاولات وممارسات طويلة ومتنوعة في سبيل هدايتهم، رفضوا، قال عز وجل: قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً [نوح:21].. إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً [نوح:5]* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً [نوح:6]* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [نوح:7] فإذا جاء ووقف بينهم وهم جالسون في مجموعات، وقال: اتقوا الله، واعبدوا ربكم، قالوا: ماذا تقول؟ ويجعلون أصابعهم في آذانهم، وبعد ذلك يأخذ الواحد منهم ثوبه أو إزاره ويغطي وجهه، ويقول: لا أريد أن أراك، ولا أريد أن أسمع كلامك وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ [نوح:7-9] أي: دعوتهم دعوة جهرية على الملأ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً [نوح:9] إلى آخر الآيات.

    وبعد ذلك قال وقد دعا الله: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:26] لكن ما قالها نوح -كما يقول المفسرون-: إلا بعد ممارسة؛ لأن بعض الناس الآن يدعو إلى الله مرة واحدة، فإذا لم يجد استجابة، يقول: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:26] يقول: أخي هذا ليس فيه خير، أو أبي هذا شرير ليس فيه خير، أو زوجتي هذه ليس فيها خير، كم سنة دعوتها؟ أدعوتها سنة، أو سنتين، أو ثلاثين سنة، أو تسعمائة وخمسين سنة؟ قال: لا. كلمتهم في الدين فرفضوني، عجباً: إنها قضية مسلمة، كيف تريد من شخص يعيش على المعاصي مدة ثلاثين سنة أن تكلمه كلمة واحدة فيرجع إلى الله؟ شخص قضى من عمره في المعاصي يحتاج منك دعوة مدة ثلاثين سنة حتى يرجع إلى الله، أما بمجرد كلمة .. فلا يمكن أن تغير الناس بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب وبهذه السهولة، فلا بد من الصبر، والمعاناة، وتغيير الأساليب، والتفنن والتنويع، حتى يهديه الله عز وجل، يقول الله: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35].

    فنوح عليه السلام ما قصر في دعوته، فقد مكث تسعمائة وخمسين سنة لا تشغله إلا الدعوة إلى الله، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، بكل الأساليب، وبعد بذل الأسباب، وبعد معرفةٍ وصبرٍ وخبرة في أن هذه النوعية من البشر نوعية خبيثة لا يمكن أن تهتدي، قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً [نوح:26] لماذا؟ قال: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ [نوح:27] من هم عباده الذين أسلموا؟ وكم عدد الذين أسلموا؟ قضى من عمره تسعمائة وخمسين سنة، فكم ثمرة هذه الدعوة؟ في أصح الروايات: أنهم بلغوا اثنا عشر رجلاً، فيقول نوح وهو خائف عليهم: يا رب! إذا ما أهلكت أولئك الكفار، فإن هؤلاء الاثني عشر سيضلون؛ لأن أولئك عندهم بالليل والنهار ليضلوهم: يا رب! نجّ هؤلاء الاثني عشر، أما البقية فأغرقهم ودمرهم، ولأنه لا يتصور أنه سيأتي منهم نسل طيب، قال: وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً [نوح:27] فهم سيئون وأولادهم فجرة كفار. عندها استجاب الله عز وجل دعوته، فقال الله عز وجل له: اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون:27] وكان يصنع الفلك في صحراء وليس في بحر وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ [هود:38] قالوا: ما هذه يا نوح؟! قال: هذه فلك، قالوا: أين البحر يا نوح! أتصنع فلكاً في الصحراء؟ فسخروا منه، وقالوا: تعالوا وانظروا إلى نبيكم هذا، أليس مجنوناً؟ أيصنع سفينة في الصحراء؟! ولكن كان عنده ثبات على دينه وعقيدته، وكان يقول: وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38]* فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [هود:39] فاضحكوا الآن، لكن فيما بعد سترونها تجري في البحر.

    هكذا أهل الإيمان يثبتون على دينهم ولا يتزعزعون لمجرد سخرية أهل الباطل، فأهل الباطل يسخرون منك، إذا رأوك أعفيت لحيتك، قالوا: (أوه مطوع معه لحية) فقل: نعم. مطيع لله، وأقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن بعض الناس إذا قيل له: (مطوع) سكت وذهب يحلقها، تقول له: ماذا بك؟ قال: يا شيخ! كل من رآني قال: (مطوع) لا إله إلا الله! ألا تصبر على كلمة مطوع؟ والصحابة حلقوا رقابهم في سبيل الله، وأنت لا تصبر على كلمة (مطوع) أتريد الجنة وأنت لا تصبر على كلمة واحدة؟ فأين الإيمان؟ لا إله إلا الله!

    ولما انتهى من صنع الفلك، قال الله عز وجل له: فَاسْلُكْ فِيهَا [المؤمنون:27] أي: أركب جماعتك، خذ معك مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [المؤمنون:27] من جميع المخلوقات: من الحيوانات، والسباع، والطيور؛ لأن الأرض ستنتهي كلها. فالحياة فنيت في عهد نوح إلا من ركب السفينة، وما بقي في الأرض أحد من الناس، والطيور والهوام والسباع والوحوش. فأخذ معه من كل زوجين اثنين ذكر وأنثى، من أجل أن يستمر التوالد وتستمر الحياة. وبعد ذلك قال الله عز وجل : وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [المؤمنون:27] وبعد ذلك ركبوا في السفينة، ولما استقروا فيها، قال الله عز وجل: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر:11]* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر:12] أي: فجر الله الأرض عيوناً، وحتى التنور الذي يوقد فيه النار، هل يتوقع أن يخرج منه ماء؟ فيصبح مكان النار ماءً؟ قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40] فار التنور بالماء، قال الله عز وجل: فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12] أي: فالتقى ماء السماء مع ماء الأرض على أمر قد قدره الله وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13] الدسر أي: المسامير تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:14] هذه السفينة سفينة ربانية لا تجري بالذرة، ولا بالفحم الحجري، ولا بالديزل ولا بالبنزين تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:14].

    وبعد ذلك يشفق نوح وتنتابه عاطفة الأبوة، ويقول لربه عز وجل: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود:45] وأنت قد قلت: وأهلك، ظن نوح أن الأهلية هنا: أهلية النسب، وأنه جمع أولاده وما علم أن الأهلية هي: أهلية العقيدة والدين، فقال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45] وأنت وعدتني بنجاة أهلي، وولدي رفض أن يركب، وقلت له: ارْكَبْ مَعَنَا [هود:42] قال: سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43] فيا رب! لا تغرقه؛ لأنه من أولادي، قال الله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] فما الذي أهلكه؟ عمله الغير صالح، وما الذي نجى نوحاً والاثني عشر معه؟ العمل الصالح.

    فتدمير وإغراق كامل للكون والحياة من أجل الكفر، وإعمار ونجاة لسفينة تجري بعين الله من أجل الإيمان والعمل الصالح، ثم بعد نوح خذ سلسلة الأنبياء:

    فرعون وما عمل الله به من إغراق، فروحه إلى النار، وجسمه إلى الغرق، فقصة هود مع قومه، وصالح مع قومه، وشعيب مع قومه، وموسى مع بني إسرائيل وفرعون، وعيسى مع قومه، ومحمد صلى الله عليه وسلم مع الكفار في مكة ، فماذا حصل لأقوامهم؟ دمر الله عليهم.

    في غزوة بدر الفاصلة، وقف النبي صلى الله عليه وسلم على القليب؛ وهو حفرة فيها مجموعة من رءوس الكفر عقبة بن أبي معيط وأبو جهل وأمية بن خلف ، وهم الرءوس الكبار، فوقف عليهم وقال: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، أما أنا فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فقال الصحابة: يا رسول الله! أتخاطب قوماً قد ماتوا؟ قال: والذي نفسي بيده! إنهم لأسمع لكلامي منكم) فما الذي ذهب بهم إلى هذا المصير، ووجدوا ما وعدهم الله من النار؟ العمل السيئ.

    استعراض القرآن لنتائج الأعمال

    ثم استعرض بعد ذلك كلام الله عز وجل فيما يتعلق بالأعمال، من أول البقرة إلى آخر الناس، تجد باستمرار أنه ليس هناك شيء يحصل إلا بالعمل، قال الله عز وجل من أول البقرة: آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:2-5] فبماذا كانوا على هدىً من ربهم ومفلحين؟ بست خصال:

    يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، وينفقون، ويؤمنون بما أنزل إليك، ويؤمنون بما أنزل من قبلك ويوقنون بالآخرة، فهذه خصالهم التي استحقوا بها أن يكونوا من أهل الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة.

    ثم انتقل بعدهم إلى الكفار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] لماذا؟ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] لماذا ختم الله عليهم؟ قال: لأنك لو أنذرتهم أو لم تنذرهم لا يؤمنون، فلا ينفع فيهم، قلوبهم مقفلة ومنكوسة -والعياذ بالله-.

    ثم جاء على المنافقين، وهم: الذين يلعبون على الحبلين، فيأخذون من الكفر أعماله، ويأخذون من الدين أقواله، والقول لا ينفع من دون عمل، قال الله: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:8-10].

    ثم استمر في العرض، فتأتي بأول سورة الأنفال، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] ويقول الله عز وجل: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71] فانظروا متى جاءت الرحمة؟ جاءت بعد هذه الأعمال الخمسة: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله.

    ويقول في أول سورة المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] بماذا أفلحوا؟ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:2-5] إلى آخر الآيات.

    المهم، لو استعرضت معكم كل القرآن على هذا النحو، نرى أن الله يرتب الجزاء على فعل العبد.

    استعراض السنة لنتائج الأعمال

    نأتي إلى السنة، وهي الوحي الثاني، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي) وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: كتاب الله وسنتي) وقال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة، فهذه السنة تأتي فيها فتجد الأحاديث فيها شاملة، وملفتة للنظر، فكل شيء مرتب على الإيمان والعمل الصالح، فأحياناً يكون العمل واحداً لكن القصد يختلف؛ فتختلف النتيجة.

    في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه، لما هاجر الصحابة إلى المدينة هاجر أناس لهم أغراض، فشخص هاجر من أجل أن يتزوج أم قيس ، وشخص هاجر من أجل تجارة، قال: الناس ذهبوا وأنا سوف أذهب أبيع وأشتري معهم، وهم في الظاهر مهاجرون. ولكنهم في الباطن مختلفين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهذا ذهب يريد أن يتزوج؛ فيقال له: تزوج، ولكن ليس لك شيء عند الله، وهذا ذهب يتاجر؛ فيقال له: تاجر، لكن ليس له شيء عند الله. لكن هذا ترك ماله وخرج من بيته مهاجراً إلى الله، هذا له الشيء العظيم عند الله عز وجل. وهكذا كل الأحاديث على هذا النحو. وأذكر لكم حديثاً واحداً فيه عبر، وهو حديث في الصحيحين ، قال عليه الصلاة والسلام وهو يحكي لنا خبر من كان قبلنا من الأمم، قال: (كان فيمن كان قبلكم من الأمم ثلاثة، خرجوا في سفر، فآواهم المبيت إلى جبل، فدخلوا في غار ليبيتوا، وحينما ناموا، انطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فلا يستطيعون الخروج) ولا يوجد هاتف ولا دفاع مدني، ولا يوجد إلا صخرة لا يزحزحها إلا مئات الرجال، فما يفعل لها ثلاثة نفر؟ لا يقدرون على شيء، فكان أحدهم عاقلاً فقال: (إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا الله، فادعوا الله بصالح أعمالكم) الله أكبر! لو تقال هذه الكلمة لنا -أيها الإخوة- أو لو يحصل هذا لي أو لكم -ولا ننفي الخير عن العباد، ولكن هذا حال معظمنا- ماذا نقول لله عز وجل؟ وبإي شيء ندعو الله؟ لا إله إلا الله! فالأول وقف، وسأل الله، قائلاً: (اللهم إنه كان لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها مراراً وكانت تمتنع عليَّ وآوتها الحاجة يوماً إلى الاقتراض مني، فقلت لها: لا أعطيك حتى تخلي بيني وبين نفسك، فأطاعته مضطرة لا مختارة، يقول: فلما قعدت منها مقعد الرجل من زوجته، قالت لي: يا هذا! اتق الله) الله أكبر! هذه الكلمة ما أعظمها في القلوب المؤمنة، هذه الكلمة تهز القلوب من الداخل، كان عمر إذا قيل له: اتق الله يمرض أسبوعاً، لكن من الناس من تقول له: اتق الله، فكأنك نفخته وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206] فهذا المنتفخ تكفيه جهنم، قالت له: (يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت وتركتها) وطبيعي أن هذه القضية -أيها الإخوة- سهلة في الذهن، ولكن في التطبيق العملي لا يعملها إلا من كان عنده من الإيمان مثل الجبال الراسيات؛ لأنه في تلك اللحظات يضيع العقل، ويعمى البصر، وتطغىالشهوة على الإنسان، وينسى حتى النار، وينسى الله، ولا يستحضر أن الله يراه. لكن هذا مؤمن، لما سمع كلمة اتق الله، غلبت عليه مخافة الله وطغت على شهوته، وألغى حبه، ورغبته في ممارسة الجريمة، قال: ( اللهم إن كنت تعلم أني تركتها من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) من الذي حركها؟ الله، وذلك بسبب العمل، لكنهم لا يستطيعون الخروج، فرأوا النور ولكن الفتحة صغيرة فلا يستطيع أحد أن يخرج.

    فقام الثاني وقال: (اللهم إنه كان لي أبوين كبيرين في السن، وكنت لا أغبق قبلهما زوجة ولا ولداً -أي: ما أعطي لبناً ولا عشاء لأحد قبلهم- ورعيت يوماً إبلي فنأى بي المرعى بعيداً -يعني: ما وجدت مرعىً إلا في مكان بعيد- يقول: ثم عدت آخر الليل وقد ناما، فحلبت غبوقهما -أي: اللبن- وكرهت أن أوقظهما، وجلست واقفاً على قدمي والقدح في يدي، وحولي صبية يتضاغون من الجوع -أولاده يبكون من الجوع- فقلت: والله لا أغبقكم إلا بعدهما، حتى برق الفجر) لا إله إلا الله! طول يومه وهو على رجله يرعى؛ لأن الرعي ليس سهلاً، وأشق مهنة هي: مهنة الرعي، فلا يجلس لحظة إلا ويطرد ويحد ويعد، وحين رجع لم ينم، بل ظل واقفاً، ولو أيقظهما للعشاء لما أزعجهما، لكنه حساس، وله قلب عظيم، وعنده تقوى، وبر، فيقول: لا أيقظهما من النوم، ولا أعطي أولادي قبلهما، فترك امرأته وأولاده جياعاً إلى أن جاء الفجر- قال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) أين أبناؤنا وبناتنا من هذا الحديث؟ أين هم؟ كيف يفرطون في باب وطريق موصل إلى الجنة عن طريق الوالدين، فإذا كان عندك أم أو أب أو الاثنين معاً فاسلك إلى الجنة عن طريق برهما؛ لأن البر من أعظم القربات، والعقوق من أكبر الكبائر. ورد في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) فقرن الله عقوق الوالدين بالشرك، وقرن برهما بطاعته، فقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14] وقال عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36] وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] فلا تضيع هذا الباب وتصرخ في أبيك أو أمك. ويقول بعض الشباب: أبي سيئ، أو ليس جيداً. عجيب! إذن تذهب إلى أي معرض ونبدل أباك ونعطيك واحداً وفق هواك. ليس معك إلا أبوك، وليس لك طريق إلى الجنة إلا عن طريقه، حتى ولو كان كافراً! ولو كان كافراً أما أمر الله بطاعة الأب وإن كان كافراً؟ قال الله عز وجل: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15] أي: بالشرك، ثم قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فإذا كان لك أب مشرك أو كافر وأمرك بالكفر فلا تطعه، ولكن صاحبه بالمعروف، وأنفق عليه، واعمل له كل شيء، لماذا؟ لأنه سبب وجودك في هذه الحياة. وبعد ذلك فالجزاء لك من جنس عملك مع أبيك، فكما تكيل لأبيك يكيل لك ولدك ويزيد، وفي الحديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) وكما تدين تدان. (فقام الثالث وقال: اللهم إنه كان لي أجراء -أي: عمال عملوا عندي بأجر- فأعطيت كل واحد أجره، إلا واحداً ترك أجره وذهب، فنميته، حتى صار وادياً من الإبل ووادياً من البقر ووادياً من الغنم، ثم جاءني بعد زمن, فقال: إني كنت قد عملت عندك قبل سنوات، وتركت أجري عندك، وأنا الآن بحاجة إليه؛ فأعطني أجرتي، فقلت له: إن ما ترى من هذه الأودية المملوءة بالمواشي والأنعام هي لك، قال: أتهزأ بي، قال: لا والله لا أهزأ بك ولكنها لك، فقد نميت لك أجرتك، وبارك الله فيها، قال: فاقتداها واستاقها فلم يترك منها شعرة واحدة. اللهم إن كنت تعلم أنني صنعت ذلك خوفاً منك فافرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة، وخرجوا يمشون).

    ونقول لأصحاب المؤسسات، والشركات، والأعمال الذين يستأجرون ويستعملون العمال، ويعطلون حقوقهم، ويؤخرون أجورهم، ففي بعض المؤسسات تمر الأشهر ولا تدفع أجور العمال، لماذا؟ حتى يتركها في البنك فتزيد، ثم يدفع لهم فيما بعد من أرباحها الربوية، وإذا اشتكى العامل في مكتب العمل؛ يأتي به صاحب العمل ويقول: هذا خروج نهائي بدون عودة؛ لأنك مشاغب، فسترى ما سنفعل بك. أقول: أنت ستريه لكن الله سيريك ما سيفعل بك.

    إذا استطعت على الناس فاعلم أن الله يستطيع عليك، فهذا العامل مسكين، له زوجة، وأولاد، وطموحات، وآمال، ويريد أرضية في بلده، ويريد أن يبني له بيتاً، وعنده مثلما عندك، لماذا تستغله وتمتهنه وتحتقره وتمارس عليه ضغطاً؟ وتؤخر أجره؟ لماذا تلزمه نهاية كل شهر أو عندما تجدد إقامته تأخذ منه خمسة أو ثلاثة آلاف؟ بأي حق؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) فما هذه الممارسات؟ وما تجارة الرقيق هذه؟ لماذا تتاجر في أحرار؟ ألأن الله جعل يدك العليا؟ ألأن الله جعلك صاحب المؤسسة؟ كان بالإمكان أن تكون أنت عاملاً عنده في بلده، وكان بالإمكان أن تكون أنت الفقير وهو الغني، لكن الله فضلك، أفيليق بك وقد فضلك الله أن تعامل الله بهذا الأسلوب، في امتهان عباد الله واحتقارهم؟ إنه لا يجوز ذلك لك، يقول الله: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فالظلم ظلمات يوم القيامة، والله يقتص يوم القيامة للشاة الجلحاء من ذات القرن، والحديث في الصحيحين ، فإن الله يخلق الشاة ومعها قرن، ويخلق الشاة الأخرى وليس معها قرون، فتأتي ذات القرن وتنطح الأخرى والقرن ليس منها، فمن أعطاها القرن؟ هل هي اشترته من السوق؟ فهذا القرن من الله، تأتي التي ليس عندها قرن وتنطحها في بطنها. فهذه النطحة عند الله، ويوم القيامة يقتص لها، والحديث كما يقول العلماء: إن فيه إشارة إلى أن من الناس من يستعمل قرنه مثل الشاة، فهو ليس معه قرن ولكن معه مال، فيستعمل المال لينطح به من ليس عندهم مال. وهو إنسان لكن معه منصب، فقرن المنصب هذا ينطح به الناس. وهو صاحب رتبة يظلم الذي تحته، أو صاحب إدارة يظلم الذي تحته، فلا يجوز هذا. إنسان عنده مؤسسة وعنده قرن المؤسسة، فيهدد الناس بهذا القرن الذي معه. نقول: انطح الناس بقرنك لكن يوم القيامة يقتص من قرنك، لكل واحد آذيته بهذا القرن، فلا يجوز، وفي الحديث عبرة للناس: (أعطوا العامل أجره قبل أن يجف عرقه) تأتي في نهاية الشهر وتعطيه حقه، ماذا يحصل لك؟ العامل يقول: بارك الله لك في رزقك، وفقك الله، ويأتي في العمل يخلص، ويكون لك بركة في مالك. لكن أن تعطل أجر العامل تحت وطأة الاضطرار والإذعان لك، يلعنك بالليل والنهار، ويدعو عليك بالسر والجهار، وإذا ذهبت به لأي عمل، يفسده وأنت ترى، فكيف إذا أنت لم تر، لماذا؟ لأنك ما أعطيته حقه، كيف تريد أن يعطيك وأنت لم تعطه؟ فالحياة قائمة على المعاوضة، فخذ جهداً وأعط مالاً، أما أن تأخذ من الناس عملاً وبعد ذلك تماطلهم، ولا تعطيهم شيئاً، فهذا ظلم، والظلم ممنوع في الدنيا -أيها الإخوة- ومن ظلم الناس في الدنيا اقتص الله منه في النار يوم القيامة، ولهذا جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها اليوم قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وإنما الحسنات يوم القيامة) فهذا الحديث الذي أذكره لكم هو فقط الذي سوف أقف عنده، وهذا الأمر الأول.

    1.   

    الحذر من المغالطات والفهم الخاطئ لبعض الأمور

    أنا قلت لكم: لا بد من أمرين:

    الأمر الأول: أن نتأمل كتاب الله وسنة رسول الله، لنعرف كيف رتب الله الجزاء في الدنيا والآخرة على العمل.

    الأمر الثاني: أن يحذر العبد من بعض المغالطات، والخدع، والأماني، والأوهام، التي يزينها الشيطان ليخدعك بها؛ من أجل أن تعتمد على هذه الخدع وتترك العمل، فيغمسك إلى أذنيك في النار. والله قد بين كما سمعتم، والرسول بين، أنه لا ينفع إلا العمل، واسمعوا آية في سورة آل عمران يقول الله فيها: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران:30] أي: من معاصٍ محضرة، لكن ماذا؟ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30] أي: إذا جاء يوم القيامة والمعاصي أمامه يتمنى أن بينه وبينها أمداً بعيداً، لكنها ملاصقة له، بل على ظهره وكتفه، يقول الله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ [الأنعام:31] أي: ذنوبهم. أين يحملونها؟ عَلَى ظُهُورِهِمْ [الأنعام:31].. وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل:25] أي: إذا كان هو داعية ضلال فيحمل أوزاره وأوزار كل من أضله فإذا كان مغنٍ؛ فيحمل وزر الغناء، وكل من ضل عن طريق الله بالغناء فأوزارهم على ظهره. وإذا كان يبيع اسطوانات وأشرطة، فيحمل وزره ويحمل وزر كل من اشترى شريطاً من هذا الدكان. وإذا كان يبيع أفلام الفيديو؛ فيحمل وزره ووزر كل من ضل بسبب أي شريط بيع من هذا الدكان. وإذا كان يبيع الدخان؛ فيحمل وزر الدخان وكل من شرب (سيجارة) واحدة من هذا الدخان، يقول الله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ [الأنعام:31] وإذا كان يؤجر دكانه على صالون حلاقة، أو هو نفسه فتح مؤسسة واستورد الحلاقين، ونحن لا تنقصنا المعاصي حتى نأتي بشخص يجلد لحى المسلمين، ويسميه: صالون جنة النعيم، ورأيت مرة في أحد الإعلانات: صالون اللحية الغانمة، والله ما هي بغانمة، لحية تحت رجل الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يكنسها الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يضعها في صندوق القمامة ويدعو عامل البلدية ويقول له: اكنس هذه اللحى، ما هي بغانمة، أين اللحية الغانمة؟ هي التي تكون في وجهك، أما حين تحلقها عند الحلاق أو في الحمام وتذهب مع مياه التصريف فهذه ما هي بغانمة، ثم يقول: نعيماً. الله لا ينعم عليك، نعيماً على ماذا؟ تحلق لحيتي وتأخذ مالي وتقول: نعيماً، لا. إنه عذاب أليم -والعياذ بالله-.

    فإذا فتحت دكان حلاقة أو أجرت على حلاق؛ فما من لحية تحلق هنا إلا وعليك إثم حلقها إلى يوم القيامة، ولو لحيتك ملء وجهك، ولكنك حلقت لحى المسلمين، وفتحت قلعة لمحاربة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    فانتبه! ولا تعتمد إلا على العمل، يقول الله: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30] فهي فوق ظهره وهو يقول: يا ليت المعاصي ليست معي، لكن لا والله، فقد كانت معك في الدنيا فهي معك في الآخرة، ولو أنك ابتعدت عنها هنا؛ لأبعدها الله عنك في الآخرة. لكن ما دامت معك هنا فكيف تريدها أن تبتعد عنك هناك؟ لا. فرفيقك رفيقك، وعملك عملك، إن كان عملاً صالحاً فهو معك، وإن كان سيئاً فهو معك، قال الله عز وجل: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30].

    والمغالطات -أيها الإخوة- كثيرة، سوف أذكرها لكم باختصار:

    المغالطة الأولى: الاعتماد على سعة رحمة الله ومغفرة الله بدون عمل

    تأتي عند العاصي .. المقيم على المعاصي إلى رأسه، وتقول له: اتق الله! يقول لك: ربنا غفور رحيم، هذا مستهزئ بالله، وعاجز، ومغرور ومخادع، فالله غفور رحيم لمن تاب وأناب ورجع إلى الله، يقول الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] ثم قال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ [الزمر:54] أي: إن كنتم تريدون أن يغفر الله لكم؛ فأنيبوا إلى الله، ثم قال: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر:55] ويقول: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ [طـه:82] فليس غفاراً لمن داوم على المعاصي، ويقول: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49-50] قال العلماء: غفور رحيم لمن تاب، وعذاب أليم لمن استمر على المعاصي، ويقول عز وجل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156] قال الشيطان: أدخل في الرحمة هذه، وقال اليهود والنصارى: ونحن كذلك، قال الله: فَسَأَكْتُبُهَا [الأعراف:156] فالرحمة واسعة ولكني أكتبها لمن تتوفر فيه أربعة عشر شرطاً: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف:156]* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157] فهذه أربعة عشر شرطاً -لا نقدر عليها إلا أن يشاء الله- من أجل أن ندخل في رحمة الله. أما أن نقيم على المعاصي ونقول: رحمة الله، فلا يجوز ولا يمكن أبداً، فلا تعتمد على رحمة الله إلا إذا عملت؛ لأن العمل مؤهل، لكن القبول برحمة الله، والعمل مؤهل لكن دخول الجنة برحمة الله، قالوا: يا رسول الله! وهو يقول لهم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) الرسول صلى الله عليه وسلم يطمع في رحمة الله، وهل هناك في الدنيا أعبد من الرسول؟! كان يقوم الليل حتى تتشقق قدماه، وبعد ذلك يطمع في رحمة الله، وأنت وأنا نطمع في رحمة الله ونحن مقيمون على الذنوب والمعاصي، لا. فأول مغالطة: اعتماد الناس على رحمة الله وسعة عفوه ومغفرته وهم مقيمون على الذنوب، هذه مغالطة، إذا أردت المغفرة والرحمة، فأقلع عن الذنب، فهذه أول واحدة.

    المغالطة الثانية: الاعتماد على حسن الظن بالله ارتكاب المعاصي

    لحديث صحيح، وهو حديث قدسي: (أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء) قال العلماء: حسن الظن يقتضي حسن العمل، فالمؤمن يحسن الظن بأن الله لن يضيع عمله؛ فيعمل صالحاً، لكن أن يحسن الظن بالله ويرتكب المعاصي، فهذا سوء ظن بالله. الآن أنا أضرب لكم مثالاً: الموظف الذي يحسن الظن بمديره أن يرقيه ويتيح له فرصاً من انتدابات، ودورات، وترقيات، ما الذي يلزمه؟ يلزمه حسن العمل، دوام مبكر، انصراف متأخر، تواجد مستمر، أداء متميز، طاعة مطلقة، أي: يلزمه أن يكون موظفاً مثالياً، وبعد ذلك لو جاءت أي فرصة فيحسن الظن بالمدير. لكن أن يكون موظفاً فاشلاً، لا يداوم إلا الساعة العاشرة، وإذا دخل والأوراق على الطاولة أدخلها في الأدراج، وقال: يا ولد! هات قهوة وهات شاهي، وذهب وأتى بفول وطعمية، وقال: أغلق الباب واتركنا نفطر. فيفطر وكأنه قد عمل إلى أن تعب، وهو ما قد أنجز ولا معاملة، ثم أخذ (السيجارة) وأشعلها، ثم يكلم زميله في الهاتف قائلاً: أين سمرت البارحة؟ وأين ذهبت؟ وبعد ذلك دعا السكرتير قائلاً: أين (الجرائد)؟ وما هي أخبار المباريات أمس؟ وما هي أخبار الأفلام والفن؟ إلى أن يؤذن الظهر وهو لم ينجز ولا معاملة، وآخر اليوم إذا أذن الظهر صلينا، وركب سيارته وذهب. فالمدير لا يعرف هذا الموظف الفاشل، ما رأيك حين تأتي عنده يقول: أنا أحسن الظن بالمدير أنه سيرقيني، فهل هذا وارد؟ وإذا رقاه المدير، ماذا يكون هذا المدير؟ فاشل مثله.

    فالمدير لا يرقي إلا الموظف المجتهد، أما الموظف البطال فلا. -ولله المثل الأعلى- فحسن الظن بالله، أنك إذا أحسنت ظنك بالله في أن يغفر لك، فاعمل عملاً صالحاً من أجل أن يغفر الله لك، يقول الحسن البصري : [إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا. والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل!].

    أما إحسان الظن بالله مع المعاصي، فهذا يسميه العلماء: عجز، والعاجز قد أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم والحديث في سنن الترمذي ، يقول عليه الصلاة والسلام: (الكيس -العاقل الفطن الأريب- من دان نفسه) دانها أي: جعلها مدينة له، واستعلى عليها وانتصر عليها. فإن كانت نفسه تحب الأغاني، يقول: لا. وإن كانت تحب النظر إلى الحرام، يقول: لا. وإن كانت تحب النوم عن صلاة الفجر، يقول: لا. فدان نفسه حتى أصبحت مثل الدابة الذلول، لكن بعض الناس حمار نفسه، يريد أن يقوم ليصلي، فتقول نفسه: نم، قال: حسناً، وركبت عليه، وبال الشيطان في أذنيه. أو يريد أن يترك سماع الأغاني، فتقول نفسه: يا شيخ! اسمع، قال: حاضر، فهذا حمار نفسه (الكيس -العاقل- من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني).

    إذن فمن المغالطات:

    أولاً: مغالطة الاعتماد على الرحمة بدون التوبة.

    ثانياً: الاعتماد على حسن الظن بالله مع إساءة العمل.

    المغالطة الثالثة: الاعتماد على مكفرات الصغائر

    ثالثاً: الاعتماد على بعض النصوص التي ورد فيها: أن بعض الأعمال إذا عملها الإنسان كفَّر الله بها خطاياه، مثل: حديث في صحيح مسلم : (أن من صام يوم عاشوراء كفَّر الله عنه ذنوب سنة ماضية) أو حديث في الصحيحين : (أن من صام يوم عرفة كفَّر الله عنه ذنوب سنتين: سنة ماضية، وسنة مقبلة) أو (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، كفر الله خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر).

    فهذه النصوص صحيحة ولكنها تكفِّر الذنوب الصغيرة التي يلم بها العبد إلماماً من غير إصرار، أما الكبائر فلا يكفرها إلا أحد أمرين: إما التوبة، وإما النار، وأنت -أيها الإنسان- المقيم على الكبيرة بالخيار، ما هو الأفضل والأخف: التوبة أو النار؟ التوبة، كبائر الذنوب إذا أصر عليها الإنسان فلا كفارة لها إلا أن يتوب قبل أن يموت، أو يعذب بها بعد الموت، ونحن نقول: إن الخيار الأفضل أن يتوب؛ لأن التوبة أسهل، صحيح أن التوبة فيها صعوبة ومعاناة، فإذا كان الشخص يدخن ويريد أن يتوب فإنه يدوخ، لكن هذه الدوخة أخف أو النار؟ ترك الزنا فيه صعوبة على الذي قد استمرأه، ترك شرب الخمر فيه صعوبة لمن تعوده، لكن صعوبة ترك الذنب أخف مليون مرة من العذاب على الذنب، فهذه النصوص الشرعية الثابتة إنما تدل على تكفير السيئات التي يلم بها العبد من صغائر الذنوب دون كبائرها.

    المغالطة الرابعة: الاعتماد على الاستغفار مع المداومة على الذنب

    وهذا كما ورد: (المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بالله) وأضرب لكم على هذا مثالاً: لو كنت واقفاً بسيارتك في ميدان، وجاء شخص من الناس وهو راجع إلى الوراء وصدم سيارتك من غير قصد، ونزل وأبدى أسفه واعتذاره، وتحمله لمسئولية خطئه، وقال: سامحني أنا والله لم أعلم ولم أر، ولم أقدر المسافة، فأنت بحكم أنك صاحب حق، بالخيار: إما أنك تعفو عنه، أو أن تطلب منه شيئاً من المال مقابل الخطأ الذي حصل منه، والأولى أن تعفو؛ لأنه غير متعمد. لكن بعدما صدمك وتحركت أنت بسيارتك لحقك، وحين توقفت وعينه في عينك جاء صدمك في الباب الذي عندك، وبعد ذلك نزل إليك وقال: آسف يا أخي! أنا صدمتك هناك لكن -يا أخي- لحقتك وصدمتك. هل تسامحه؟ بل تقول: لا والله أما هذه فلا أسامحك فيها. ولكن يمكن أن تكون كريم أخلاق وتفوتها له أيضاً. فإذا بك تمشي، ولما وقفت عند بيتك إذا به وراءك ويصدمك مرة ثالثة، فهل تنزل تضاربه؟ أم تقول له: شكراً؟ بل تنزل وتأخذ العصا من تحت المقعد وتضربه حتى يموت، وتقول: أنت قاعد ورائي صدمتني هناك، وصدمتني في السوق، وعند بيتي، تريد أن تذبحني يا عدو الله! لماذا؟ لأنها ثلاث مرات -ولله المثل الأعلى- فواحد يستغفر ويقول: أستغفر الله العظيم من الدخان ويمصها، فهل هذا مستغفر؟ هذا كذاب ومخادع، ومستهزئ بالله، لا بد أن يصحب الاستغفار الندم والإقلاع وترك الذنب والمعصية، أما المداومة على الذنب والاستغفار، وتقول: أنا أستغفر الله، وسوف أزني وأستغفر الله، وسوف أشرب الخمر وأستغفر الله، وسوف آكل الربا وأستغفر الله، فكيف يكون ذلك؟! فأقلع عن الذنب واستغفر الله من الذنب الماضي وداوم على الطاعة، هذا هو الاستغفار الحقيقي.

    المغالطة الخامسة: أن يعتمد الإنسان على صلاح أبويه

    فإن كان أبوه شيخاً أو داعية أو رجلاً صالحاً، يقول: الحمد لله عز وجل سيشفع في أبي، وإن شاء الله أبي فيه خير ويأتيني خيره، لا. فأبوك خيره له وأنت شرك عليك؛لأن الله يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39] دع أباك ولا تأخذ منه شيئاً وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:40-42] فلا تعتمد على صلاح أبيك، لم ينفع ولد نوح صلاح أبيه، فالأب نبي وولده كافر فما نفعه والده. البعض يعتمد على أنه موجود في دار مقدسة، كأن يكون من أهل مكة أو المدينة ، فيقول: نحن ربنا راضٍ عنا، فنحن جيران بيت الله، وجيران رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنقول: ما ينفعك هذا الجوار، إن لم تكن أهلاً له. أما أن تعتمد على أنك من أهل مكة ، فلا. فإذا أسأت فمصيبتك أكبر، ليس من يعصي في مكة كمن يعصي في غيرها، فكما تضاعف فيها الحسنات تضاعف فيها السيئات وتكبر لفضيلة الزمان والمكان.

    المغالطة السادسة: الاعتماد على محبة الصالحين

    من الناس من يعتمد على المغالطة السادسة وهي: مغالطة محبة الصالحين، يقول: والله يا شيخ! أنا أرتاح للصالحين وأنا أحب الصالحين، لكنها محبة جوفاء، ومحبة صورية كاذبة، إذ أنه لا ينتفع بالصالحين، ولا يقلدهم، ولا يعمل عملهم، فأعماله أعمال السيئين، ولسانه يحب الصالحين، فهذا كذاب، يقول الإمام الشافعي :

    أحب الصالحين ولستُ منهـم     وأرجو أن أنال بهم شفاعة

    فمن يقول هذا؟ الشافعي وهو من الصالحين، بل من أئمة الصالحين رضي الله عنه وأرضاه، يقول: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم يتعلم. وكان إذا أراد أن يحفظ وضع المسطرة على السطر الثاني من أجل ألا تنتقل عينه للسطر الثاني فيحفظه قبل الأول، حفظ موطأ مالك في ستة أيام، وهو أعقد كتاب من كتب الحديث، ولما رآه مالكاً قال: ما أرى إلا أن الله قد نور قلبك بالإيمان فلا تطفئه بظلمة المعاصي.

    وخرج يوماً يريد أن يشتري سلعة، فمرت امرأة وكشفت الريح عن عقبها؛ لأن عباءتها طويلة والرياح هبت عليها فكشفت طرف رجلها، فنظر النظرة الأولى المسموح بها، وغض بصره، ولما رجع إلى البيت، أراد أن يقرأ ويحفظ، فإذا به لا يحفظ، فذهب إلى شيخه وكيع بن الجراح ، وقال له: يا شيخ! حفظي ما عاد كالسابق، قال: أين ذهبت؟ قال: إلى السوق، قال: وماذا رأيت؟ قال: لا شيء، إلا امرأة مرت وهبت الريح فكشفت عن ساقها فرأيتها، قال: لو أنك كررتها ما حفظت حرفاً، مثل بعض طلبة العلم الآن يقول: أنا لا أحفظ القرآن. كيف تحفظ القرآن وأنت كل يوم في سوق النساء؟ كيف تحفظ القرآن وأنت تتسمع الأغاني؟ فلا تجتمع الأغاني مع القرآن، فقال رضي الله عنه:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور     ونور الله لا يؤتاه عاصي

    كان يقول:

    أحب الصالحين ولست منهـم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    قال له الثاني ورد عليه:

    تحب الصالحين وأنت منهم     وحب القوم يلحق بالجماعة

    قال:

    وأكره من تجارته المعاصي     وإن كنا سواءً في البضاعة

    والشافعي الذي يقول هذا القول! يقول:

    أحب الصالحين ولست منهـم     وأرجو أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي     وإن كنا سواءً في البضاعة

    وما عنده من المعاصي مثلما عندنا رضي الله عنه ورحمه، فعليك ألا تعمل سوءاً ثم تحب الصالحين وتقول: أنا أجلس مع الصالحين، من جلس مع قوم يقال: (قوموا مغفوراً لكم). فمغفور لكم أي: للصالحين .. للتائبين، أما المقيمون على الذنب فلا؛ لأن عندك موانع.

    المغالطة السابعة: الاعتماد على الإرجاء

    من المغالطات: الاعتماد على الإرجاء، بأن يقول: إنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وما دمنا مؤمنين ونقول: لا إله إلا الله قال صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فلا إله إلا الله مفتاح له أسنان، وأسنانه الفرائض والعبادات والعمل الصالح، فلا تنفعك لا إله إلا الله إلا إذا عملت بها، وطبقت شروطها السبعة. أما أن تكون كلمة مجردة فلا تنفع.

    المغالطة الثامنة: الاعتماد على القدر

    ثامناً: الاعتماد على القدر؛ بأن يأتي الشخص ويعصي، وإذا قلت له: لماذا تعصي الله؟ قال: ربما أني شقي، فيقول: ربما أنك سعيد، وما يدريك أنك شقي؟ هل اطلعت على اللوح المحفوظ؟ هل قرأت الكتاب الذي في الأزل؟ لماذا تحتمل أنك شقي ولم تحتمل أنك سعيد، إلا لانهزامك أمام شهوتك، ونفسك الأمارة بالسوء، وتحمل مسئولية سلوكك على قدر ربك، لا. فليس لك علاقة بما كتب في الأزل، بل لك علاقة بالعمل، فأنت عبد خلقك الله للعمل الصالح، وبإمكانك أن تعمل العمل الصالح، وعندك يقين أن الله لا يظلم مثقال ذرة، فاعمل صالحاً والله لا يظلمك، أما أن تعمل السيئات وتحتج بالقدر، وتقول: ربما أن ربي كتبني شقياً، إذن اصفعه على وجهه، فإذا صفعته، وقال: ما لك تصفعني؟ فقل: ربما أن ربي قد قدر عليَّ ذلك، فسيرفض، ويقول: لا. ما قدر الله الصفعة أنت الذي فعلتها، فقل: فلماذا لا ترضى بالصفعة، وترضى بالمعاصي التي تقول: إن الله قدرها عليك؟!

    فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، لكن يجب أن نؤمن بالقدر ونعمل بما أمرنا الله به، ونفر من قدر المعاصي إلى قدر الطاعات، ومن قدر الجوع إلى قدر الشبع، ومن قدر الظمأ إلى قدر الري، ومن قدر المرض إلى قدر العلاج، وهكذا، نفر من قدر إلى قدر.

    لما دخل عمر بن الخطاب الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح ومجموعة من الصحابة، وذهبوا إلى عمواس ، وجدوا الطاعون أمامهم، فقال عمر : [لا ندخل، فقال أبو عبيدة : أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين! -أي: أتفر من قدر الله وهو المرض من أجل أنك تخاف على نفسك- قال: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة ! نفر من قدر الله إلى قدر الله] فهذا هو الفهم الصحيح للإسلام. أترون هذا المؤمن الذي يقع في المعاصي ويحتج بالقدر مثله مثل: مدرس في فصل فيه ثلاثون طالباً، ودخل عليه المدير والموجه وقالوا له: كم تقدر نسبة النجاح عندك من خلال معرفتك بالطلاب؟ فقال المدرس؛ لأنه يعرف الطلاب ويعرف الفروق الفردية بينهم، قال: أتوقع أن ينجح ثمانية وعشرون طالباً، إلا طالبين لن ينجحا، فهو يعرف أن في الفصل طالبان لا يحضران درساً، ولا يصغيان لشرح، ولا يتجاوبان مع المدرس، فقام أحد الطلاب الثلاثين ووضع الدروس ولم يحضر درساً، وحين جاء آخر السنة وطلعت شهادته ساقط، وعليها عشرون دائرة حمراء قال له أبوه: لماذا سقطت؟ قال: إن الأستاذ في أول السنة حين دخل علينا المدير والموجه، قال: سوف يسقط طالبان، فربما أني أحدهما، فما رأيكم في هذا العذر؟ أهذا ينفع؟ لا ينفع عند المدير ولا عند الأب، فكيف ينفع عند الله؟! أتعمل المعاصي وتقول: ربما أن الله قدر عليَّ؟ لماذا لا تحتمل أن يكون القدر أحسن؟ أما قضية القدر فليست لك أنت، فالله هو المقدر وأنت المقدر عليك أن تسير في أمر الله. إذا أذن المؤذن فهل تملك قدرة على الصلاة؟ نعم. أما إذا قدر الله عليك وأصابك حادث مروري وتقطعت رجلاك، فهل يكلفك الله أن تصلي في المسجد، أم يعفيك؟ بل يعفيك، ويجوز لك عندها أن تصلي في البيت، وإذا مرضت فلم تستطع أن تقوم لتصلي، فصل قاعداً. لكن أن تكون عندك القدرة على أن تصلي وتقعد، وعندك القدرة على أن تصلي وتنام، فعندها أنت مؤاخذ؛ لأنك تملك الوسيلة التي تستطيع أن تعمل بها العمل الصالح.

    هذه أيها الإخوة! بعض المغالطات التي يغالط بعض الناس أنفسهم بها، والمغالط لنفسه هو أضيع الناس، يمكنك أن تغالط الناس لكن أن تغالط نفسك، فلحساب من؟ لحساب الشيطان الرجيم.

    فيا إخوتي في الله! عوداً على بدء، أكرر وأقول: لا بد من الإيمان والعمل الصالح، كمؤهلات نعتمد عليها لترشيحنا إلى أن ننال رحمة الله عز وجل، ولن ندخل الجنة بالعمل؛ لأنه لا قيمة لعمل أمام جزاء لا يعلمه إلا الله، أي: مهما عملت من عمل فهل يساوي شيئاً مما في الجنة مما أعده الله لك؟ لا. لكنه مؤهل وسبب، وإلا فالدخول برحمة الله عز وجل.

    فلنحذر -أيها الإخوان- من الاتكال على المغالطات، ولنتق الله في أنفسنا، ونتوب إلى الله من الذنوب صغيرها وكبيرها، ودقيقها وجليلها، وأن نحافظ على الطاعات، وأن نصبر -أيها الإخوة- فإنما هي أيام معدودة، وساعات محدودة، وسنين معينة، وسوف ننتقل منها إلى الدار الآخرة، وهناك سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

    ووصية أقولها للإخوة الذين يسألون ويقولون: وكيف نواجه المعاصي؟ كيف نواجه هذه الشهوات العارمة، وهذه السيول الجارفة من الذنوب؟

    أقول واجهوها بأمرين:

    الأمر الأول: الصبر.

    والأمر الثاني: اليقين.

    فتصبر عن الزنا وعندك يقين أن الله سيعوضك في الجنة بالحور العين، وتصبر عن الغناء وعندك يقين أن الله سيعوضك بأن تسمع غناء الحور في الجنة، وتسمع خطاب رب العالمين، وتصبر عن النظر المحرم في الدنيا وعندك يقين أن الله سوف يمتعك بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة، وتصبر على الصلاة، والطاعة وعندك يقين أن الله سيثيبك، يقول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] يقول ابن تيمية رحمه الله: لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين.

    هذا وأسأل الله في الختام أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.

    1.   

    الأسئلة

    نصيحة لأصحاب الدشوش

    السؤال: يتسابق الناس في هذه الأيام لتركيب هوائيات الإرسال المباشر مما يمكنهم من استقبال عشرات المحطات العالمية بما فيها من شرور، فما نصيحتكم؟

    الجواب: قبل أن أنصح أقول: هذه الهوائيات أو هذه الصحون، هي صحن الشيطان، وهذه مائدة إبليس، فالدش يصب ماء على رأسك وأنت تغتسل، لكن هذا يصب ناراً ويصب شراً وعذاباً ولظى على رأسك وأنت تركبه فوق بيتك، من أجل أن يصب كل ما هب ودب على أسرتك وعلى أولادك، فأسأل كل من ركبه: هل تجلب هذه الهوائيات خيراً أو شراً؟ بل شراً محضاً، وهل ينقصنا الشر حتى نقوي أجهزة الشر من أجل أن نجلب لنا مزيداً من الشر؟ هل هناك عاقل يركب فوق رأسه شيء يصب عليه الشر؟ ففيها أفلام جنسية، ومن أين تأتي هذه الأفلام الجنسية؟ من بلاد كافرة، بلاد لا أخلاق لها ولا دين ولا مبادئ ولا عقائد، يعيشون كما تعيش البهائم، يتسافدون كما تتسافد الحمر، يركب الرجل الأنثى في الشارع، وينقلون هذا في أفلام وتنشر عبر الهوائيات، وأنت تركب هذا الهوائي من أجل أن يربي ولدك وابنتك، تربية جنسية. وهناك إذاعات تنصير تبث مبادئ التنصير باللغة العربية عبر الأقمار، من أجل أن تعرف دين النصارى وتفكر في أن تغير دينك، وتزعزع عقيدة التوحيد في قلبك. وهناك أفلام جرائم، تعلم الولد كيف يحترف الجريمة، وأفلام بوليسية سيئة. فيذهب الرجل ويستدين المال إن لم يكن عنده ويركب هذا الهوائي فوق بيته، وقيل: إن هناك من يركب هوائيين، وشخص قال: إنه رأى ستة هوائيات، حتى لا يترك في الأجواء موجة شر إلا وحولها على بيته. فهل يعمل هذا عاقل أيها الإخوان؟!

    أنا أقول: لا تبرأ ذمتك -أيها الإنسان- بهذا العمل، إنك تدمر دينك ونفسك وعقيدتك، وأسرتك وأولادك، وسوف تعض أصابع الندم: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] إن كنت قد فعلت ذلك فسارع الآن وأزله، وإن كنت لم تعمل فاسأل الله أن يحفظك وأن يثبتك، واعتصم بكتاب الله، يقول الله: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ [الزخرف:43-44].

    حكم السفر إلى بلاد الكفار للسياحة

    السؤال: في هذه الأيام، أيام العطلة يسافر الكثير إلى بلاد الكفر، فهل من كلمة لمن أراد السفر؟

    الجواب: العطلة نعمة، يقول عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) فنحن مغبونون في هذه النعمة: عافية، وشباب، ومدرسون، وطلاب، وثانويات، وجامعات، وصحة، وفراغ ثلاثة أشهر، كيف تقضي هذه الأشهر الثلاثة؟ تقضيها بما يرضي الله، إما أن تلتحق بالمراكز الصيفية حتى تنتفع بما يلقى فيها من خير، تمارس فيها أنشطة، وأعمالاً صالحة، أو تذهب إلى الحج والعمرة، أو تزور رحمك إذا كان في الجنوب أو الشمال أو الرياض أو أي منطقة، أو تمارس بعض الأعمال السياحية المباحة، كزيارة بعض المناطق الطيبة والجميلة في بلادك، أما أن تحجز وتسافر من أجل أن تفسد خارج البلد، وترجع وقد ضيعت دينك فهذه مصيبة. فنحن نحذر كل إنسان من أن يسافر، فهناك فتن صانك الله منها فلماذا تراها؟ ولماذا تترك ولدك وامرأتك وابنتك يرونها، وتحجز لأهلك كلهم؟ فإذا كان عندك أربعين أو خمسين ألفاً فأرسلها لإخوانك في البوسنة والهرسك الذين يموتون جوعاً الآن، أو أرسلها إلى إخوانك المجاهدين الأفغان الذين يحتاجون إلى كل ريال بعد قيام دولة الإسلام عندهم، أو استأجر لك شقة عند الحرم واجلس صلِّ الصلوات الخمس في الحرم، فالشقة لمدة عشرة أيام أو عشرين يوماً تأخذها بخمسة آلاف أو ستة آلاف ريال، وأدرك كل تكبيرة في الحرم، وفي الصف الأول، أو الصف الثاني، فهي لك بمائة ألف تكبيرة، وهذا أحسن من أن تكون على شواطئ، وأنهار، و(بلاجات) ومسارح، ومراقص، ومخامر وفساد، فلا ترجع إلا وقد صب الله عليك من الغضب مثل الجبال الرواسي، الله ينعم عليك وأنت تحارب الله بنعمه، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (إني أنا والجن والإنس في خبر عظيم، أخلقهم ويعبدون غيري، وأرزقهم ويشكرون سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي).

    أترون أن النعمة التي نحن فيها تستمر مع المعاصي؟ والله لا تستمر، وعندي من التاريخ شاهد على هذا اليمين، وعندي من القرآن شاهد، يقول الله عز وجل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] ويقول في قصة سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ [سبأ:15] يقول لهم الناصحون: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] ونحن نقول لأهل هذه البلاد: كلوا من رزق ربكم واشكروا له. تدخل السوق فتملأ سيارتك، من كل ثمار الدنيا، وتدخل (السوبر ماركت) تملأ العربية من كل ثمار وملذات ومتاع الدنيا، وتعطيه ورقة، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة، هل في الدنيا بلد أطيب من هذه البلاد؟ ورب غفور يغفر الذنب العظيم، قال الله: فَأَعْرَضُوا [سـبأ:16] أي: رفضوا وركبوا رءوسهم، حجز وسافر، وزنا، وسكر، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سـبأ:16] فاكتسحهم واقتلع بلادهم وحروثهم وزراعتهم من أرضها، ثم قال: وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ [سـبأ:16] بدل الجنان الوارفة والثمار الدانية جنتين، ماذا فيهما؟ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سـبأ:16] (خمط) أي: الشوك، (وأثل) وهو الشجر الذي ترونه فليس له ثمر، (وشيءٍ من سدر قليل) أي: النبق، فهذا هو الفاكهة، فليس عندنا برتقال أبو سرة، ولا تفاح أبو لمعة، ولا موز أبو نقطة، والله لا نعرف هذه، إلا فيما بعد حين فتح الله الخير عندنا.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.