اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العمل الصالح وأهميته للشيخ : سعيد بن مسفر


العمل الصالح وأهميته - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
بدأ الشيخ ببيان أن العمل في الدنيا هو الذي يحدد نوع الجزاء في الآخرة، ثم ذكر بعض الأمور المعينة على بذل أسباب النجاة في الآخرة، وذكر منها: التدبر في قصص القرآن الكريم والسنة النبوية، وأورد قصة آدم مع إبليس، وكذلك قصة نوح مع قومه، ثم حذر من الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم الشرعية، وبين أن ذلك يؤدي إلى التقصير والتهاون في العمل لأجل نيل مرضاة الله في الآخرة.
مبدأ الثواب والعقاب الإلهي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: لقد رتب الله عز وجل الجزاء في الدنيا والآخرة على فعل المكلف، وجعل مدار السعادتين في الدنيا وفي الدار الآخرة نتيجة سلوك الإنسان، وزود الإنسان بالإمكانات التي تعينه على سلوك طريق الخير باختياره، أو سلوك طريق الشر باختياره، وأقام الحجة على الخلق ببعثة الرسل، وبإنزال الكتب، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] وفطر الإنسان على فطرة الدين، والأرض القابلة لاستنبات الدين هي: الفطرة، يقول عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) ولم يقل: يمسلمانه؛ لأنه مسلم بالفطرة، وفي حديث آخر في صحيح البخاري وهو حديث قدسي، يقول الله عز وجل: (إني خلقت عبادي حنفاء -أي: مستقيمين- فاجتالتهم الشياطين).
 ميزان الفلاح في الآخرة
أيها الإخوة: من كان يريد السعادة والفوز والفلاح؛ فلا بد له من أن يتأمل هذه القضية، وألا يتكل على شيء، إلا على رحمة الله، ثم إيمانه وعمله الصالح. أما الاتكالات والمغالطات -والتي سوف آتي بها إن شاء الله في هذا الدرس- فنريد أن نضعها جانباً، وأن نعمل؛ لأن الميدان ميدان عمل، يقول الله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ [الملك:2] أكثر أموالاً، أو أرفع رتبة، أو أكبر جسماً، أو أقوى عضلاً كل هذا لا قيمة له.تعال إلى صاحب أكبر رتبة في الدنيا إذا مات، وقل له: كيف أنت في رتبتك؟ يقول: لا شيء.تعال إلى أكبر تاجر في الدنيا وعنده المليارات واسأله وقد وضع في التراب، وخرج من الدنيا، وليس معه إلا قطعة قماش من ماله كله، وقل له: ماذا نفعك المال؟ سيقول: لا شيء.تعال لصاحب العضلات، والقوة، والرياضة، إذا لف في أكفانة ووضع في التراب، واسأله: أين عضلاتك؟ يقول: لم تغن عني شيئاً، فما الذي ينفعك هناك؟ قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] ويقول: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7] فالقضية قضية عمل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـفاطمة : (يا فاطمة ! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً، فلا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتيني بالنسب) فلا ينفع النسب، يقول الله: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المؤمنون:101-102] فبم تثقل الموازين يوم القيامة؟ وما هي العملة الدارجة؟ وما هي الوحدة الوزنية يوم القيامة؟ فوحدة الكيلو، ووحدة الذهب، والريالات، والعمارات، والوظائف، والزوجات، والألوان، والجنسيات، كل هذه لا تنفع، فليس هناك إلا وحدة واحدة ربانية هي: العمل، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] فهذا الذي يوزن به الناس. ولو كان عبداً حبشياً كأن رأسه زبيبة! ولو كان عبداً حبشياً، فـبلال عبد حبشي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إني لأسمع قرع نعليك في الجنة يا بلال !) وأبو لهب بن عبد المطلب قرشي هاشمي، وهو عم الرسول، يقول الله فيه: تَبَّتْ [المسد:1] أي: خسرت وخابت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] لماذا؟ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا [المسد:2-5] أي: في عنقها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ، فلماذا ارتفع بلال الحبشي إلى أن أصبح سيد الصحابة؟ يقول عمر رضي الله عنه: [أبو بكر سيدنا وأعتق بلالاً سيدنا] عمر المخزومي الهاشمي القرشي يقول: إن بلالاً سيده. ولماذا أصبح أبو لهب واسمه عبد العزى ، أي: عبد الإله الذي كان يعبده الكفار، وسمي أبا لهب تشاؤماً، أي: أبو النار، فله نصيب منها قبل أن يدخلها، ومع أنه قرشي هاشمي، فلماذا تبت يداه؟ بسبب العمل، فليس عنده شيء من مؤهلات الآخرة.
التدبر في القصص القرآني
الذي يريد النجاة يلزمه أن يتدبر هذه القضية، ويلزمه بعد التدبر أمران:الأمر الأول: أن يمعن النظر في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، وأن يستقرئ التاريخ بدءاً بخلق آدم، وأمر الملائكة بالسجود له، وطاعة الملائكة وعصيان إبليس، وما ترتب على طاعة الملائكة وما ترتب على عصيان إبليس، ونهي الله لآدم من أكل الشجرة، وما ترتب على المخالفة من خروجه من الجنة، وتوبته بعد أن نزل إلى الدنيا، وما ترتب على التوبة من رجعته إلى الجنة.ثم خذ الرسل والأنبياء، فقصصهم تاريخ واضح أخبرنا الله به في كتابه عز وجل، تقرءوه كأنما ترى القضايا مفصلة؛ لأن العرض القصصي في القرآن عرض واضح وأخاذ وجذاب، فتجده في سورة الأعراف بشكل، وفي سورة يونس بشكل، من أجل أن يعطيك عدة مناظر للحادثة، فتخرج كأنما هي مصورة أمامك.
 استعراض السنة لنتائج الأعمال
نأتي إلى السنة، وهي الوحي الثاني، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي) وقال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك: كتاب الله وسنتي) وقال: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة، فهذه السنة تأتي فيها فتجد الأحاديث فيها شاملة، وملفتة للنظر، فكل شيء مرتب على الإيمان والعمل الصالح، فأحياناً يكون العمل واحداً لكن القصد يختلف؛ فتختلف النتيجة.في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه، لما هاجر الصحابة إلى المدينة هاجر أناس لهم أغراض، فشخص هاجر من أجل أن يتزوج أم قيس ، وشخص هاجر من أجل تجارة، قال: الناس ذهبوا وأنا سوف أذهب أبيع وأشتري معهم، وهم في الظاهر مهاجرون. ولكنهم في الباطن مختلفين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهذا ذهب يريد أن يتزوج؛ فيقال له: تزوج، ولكن ليس لك شيء عند الله، وهذا ذهب يتاجر؛ فيقال له: تاجر، لكن ليس له شيء عند الله. لكن هذا ترك ماله وخرج من بيته مهاجراً إلى الله، هذا له الشيء العظيم عند الله عز وجل. وهكذا كل الأحاديث على هذا النحو. وأذكر لكم حديثاً واحداً فيه عبر، وهو حديث في الصحيحين ، قال عليه الصلاة والسلام وهو يحكي لنا خبر من كان قبلنا من الأمم، قال: (كان فيمن كان قبلكم من الأمم ثلاثة، خرجوا في سفر، فآواهم المبيت إلى جبل، فدخلوا في غار ليبيتوا، وحينما ناموا، انطبقت عليهم صخرة من الجبل فسدت عليهم باب الغار، فلا يستطيعون الخروج) ولا يوجد هاتف ولا دفاع مدني، ولا يوجد إلا صخرة لا يزحزحها إلا مئات الرجال، فما يفعل لها ثلاثة نفر؟ لا يقدرون على شيء، فكان أحدهم عاقلاً فقال: (إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا الله، فادعوا الله بصالح أعمالكم) الله أكبر! لو تقال هذه الكلمة لنا -أيها الإخوة- أو لو يحصل هذا لي أو لكم -ولا ننفي الخير عن العباد، ولكن هذا حال معظمنا- ماذا نقول لله عز وجل؟ وبإي شيء ندعو الله؟ لا إله إلا الله! فالأول وقف، وسأل الله، قائلاً: (اللهم إنه كان لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها مراراً وكانت تمتنع عليَّ وآوتها الحاجة يوماً إلى الاقتراض مني، فقلت لها: لا أعطيك حتى تخلي بيني وبين نفسك، فأطاعته مضطرة لا مختارة، يقول: فلما قعدت منها مقعد الرجل من زوجته، قالت لي: يا هذا! اتق الله) الله أكبر! هذه الكلمة ما أعظمها في القلوب المؤمنة، هذه الكلمة تهز القلوب من الداخل، كان عمر إذا قيل له: اتق الله يمرض أسبوعاً، لكن من الناس من تقول له: اتق الله، فكأنك نفخته وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206] فهذا المنتفخ تكفيه جهنم، قالت له: (يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت وتركتها) وطبيعي أن هذه القضية -أيها الإخوة- سهلة في الذهن، ولكن في التطبيق العملي لا يعملها إلا من كان عنده من الإيمان مثل الجبال الراسيات؛ لأنه في تلك اللحظات يضيع العقل، ويعمى البصر، وتطغىالشهوة على الإنسان، وينسى حتى النار، وينسى الله، ولا يستحضر أن الله يراه. لكن هذا مؤمن، لما سمع كلمة اتق الله، غلبت عليه مخافة الله وطغت على شهوته، وألغى حبه، ورغبته في ممارسة الجريمة، قال: ( اللهم إن كنت تعلم أني تركتها من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) من الذي حركها؟ الله، وذلك بسبب العمل، لكنهم لا يستطيعون الخروج، فرأوا النور ولكن الفتحة صغيرة فلا يستطيع أحد أن يخرج.فقام الثاني وقال: (اللهم إنه كان لي أبوين كبيرين في السن، وكنت لا أغبق قبلهما زوجة ولا ولداً -أي: ما أعطي لبناً ولا عشاء لأحد قبلهم- ورعيت يوماً إبلي فنأى بي المرعى بعيداً -يعني: ما وجدت مرعىً إلا في مكان بعيد- يقول: ثم عدت آخر الليل وقد ناما، فحلبت غبوقهما -أي: اللبن- وكرهت أن أوقظهما، وجلست واقفاً على قدمي والقدح في يدي، وحولي صبية يتضاغون من الجوع -أولاده يبكون من الجوع- فقلت: والله لا أغبقكم إلا بعدهما، حتى برق الفجر) لا إله إلا الله! طول يومه وهو على رجله يرعى؛ لأن الرعي ليس سهلاً، وأشق مهنة هي: مهنة الرعي، فلا يجلس لحظة إلا ويطرد ويحد ويعد، وحين رجع لم ينم، بل ظل واقفاً، ولو أيقظهما للعشاء لما أزعجهما، لكنه حساس، وله قلب عظيم، وعنده تقوى، وبر، فيقول: لا أيقظهما من النوم، ولا أعطي أولادي قبلهما، فترك امرأته وأولاده جياعاً إلى أن جاء الفجر- قال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك من أجلك فارفع عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة) أين أبناؤنا وبناتنا من هذا الحديث؟ أين هم؟ كيف يفرطون في باب وطريق موصل إلى الجنة عن طريق الوالدين، فإذا كان عندك أم أو أب أو الاثنين معاً فاسلك إلى الجنة عن طريق برهما؛ لأن البر من أعظم القربات، والعقوق من أكبر الكبائر. ورد في الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) فقرن الله عقوق الوالدين بالشرك، وقرن برهما بطاعته، فقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14] وقال عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36] وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] فلا تضيع هذا الباب وتصرخ في أبيك أو أمك. ويقول بعض الشباب: أبي سيئ، أو ليس جيداً. عجيب! إذن تذهب إلى أي معرض ونبدل أباك ونعطيك واحداً وفق هواك. ليس معك إلا أبوك، وليس لك طريق إلى الجنة إلا عن طريقه، حتى ولو كان كافراً! ولو كان كافراً أما أمر الله بطاعة الأب وإن كان كافراً؟ قال الله عز وجل: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [لقمان:15] أي: بالشرك، ثم قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15] فإذا كان لك أب مشرك أو كافر وأمرك بالكفر فلا تطعه، ولكن صاحبه بالمعروف، وأنفق عليه، واعمل له كل شيء، لماذا؟ لأنه سبب وجودك في هذه الحياة. وبعد ذلك فالجزاء لك من جنس عملك مع أبيك، فكما تكيل لأبيك يكيل لك ولدك ويزيد، وفي الحديث: (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم) وكما تدين تدان. (فقام الثالث وقال: اللهم إنه كان لي أجراء -أي: عمال عملوا عندي بأجر- فأعطيت كل واحد أجره، إلا واحداً ترك أجره وذهب، فنميته، حتى صار وادياً من الإبل ووادياً من البقر ووادياً من الغنم، ثم جاءني بعد زمن, فقال: إني كنت قد عملت عندك قبل سنوات، وتركت أجري عندك، وأنا الآن بحاجة إليه؛ فأعطني أجرتي، فقلت له: إن ما ترى من هذه الأودية المملوءة بالمواشي والأنعام هي لك، قال: أتهزأ بي، قال: لا والله لا أهزأ بك ولكنها لك، فقد نميت لك أجرتك، وبارك الله فيها، قال: فاقتداها واستاقها فلم يترك منها شعرة واحدة. اللهم إن كنت تعلم أنني صنعت ذلك خوفاً منك فافرج عنا ما نحن فيه، فتحركت الصخرة، وخرجوا يمشون).ونقول لأصحاب المؤسسات، والشركات، والأعمال الذين يستأجرون ويستعملون العمال، ويعطلون حقوقهم، ويؤخرون أجورهم، ففي بعض المؤسسات تمر الأشهر ولا تدفع أجور العمال، لماذا؟ حتى يتركها في البنك فتزيد، ثم يدفع لهم فيما بعد من أرباحها الربوية، وإذا اشتكى العامل في مكتب العمل؛ يأتي به صاحب العمل ويقول: هذا خروج نهائي بدون عودة؛ لأنك مشاغب، فسترى ما سنفعل بك. أقول: أنت ستريه لكن الله سيريك ما سيفعل بك.إذا استطعت على الناس فاعلم أن الله يستطيع عليك، فهذا العامل مسكين، له زوجة، وأولاد، وطموحات، وآمال، ويريد أرضية في بلده، ويريد أن يبني له بيتاً، وعنده مثلما عندك، لماذا تستغله وتمتهنه وتحتقره وتمارس عليه ضغطاً؟ وتؤخر أجره؟ لماذا تلزمه نهاية كل شهر أو عندما تجدد إقامته تأخذ منه خمسة أو ثلاثة آلاف؟ بأي حق؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) فما هذه الممارسات؟ وما تجارة الرقيق هذه؟ لماذا تتاجر في أحرار؟ ألأن الله جعل يدك العليا؟ ألأن الله جعلك صاحب المؤسسة؟ كان بالإمكان أن تكون أنت عاملاً عنده في بلده، وكان بالإمكان أن تكون أنت الفقير وهو الغني، لكن الله فضلك، أفيليق بك وقد فضلك الله أن تعامل الله بهذا الأسلوب، في امتهان عباد الله واحتقارهم؟ إنه لا يجوز ذلك لك، يقول الله: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) فالظلم ظلمات يوم القيامة، والله يقتص يوم القيامة للشاة الجلحاء من ذات القرن، والحديث في الصحيحين ، فإن الله يخلق الشاة ومعها قرن، ويخلق الشاة الأخرى وليس معها قرون، فتأتي ذات القرن وتنطح الأخرى والقرن ليس منها، فمن أعطاها القرن؟ هل هي اشترته من السوق؟ فهذا القرن من الله، تأتي التي ليس عندها قرن وتنطحها في بطنها. فهذه النطحة عند الله، ويوم القيامة يقتص لها، والحديث كما يقول العلماء: إن فيه إشارة إلى أن من الناس من يستعمل قرنه مثل الشاة، فهو ليس معه قرن ولكن معه مال، فيستعمل المال لينطح به من ليس عندهم مال. وهو إنسان لكن معه منصب، فقرن المنصب هذا ينطح به الناس. وهو صاحب رتبة يظلم الذي تحته، أو صاحب إدارة يظلم الذي تحته، فلا يجوز هذا. إنسان عنده مؤسسة وعنده قرن المؤسسة، فيهدد الناس بهذا القرن الذي معه. نقول: انطح الناس بقرنك لكن يوم القيامة يقتص من قرنك، لكل واحد آذيته بهذا القرن، فلا يجوز، وفي الحديث عبرة للناس: (أعطوا العامل أجره قبل أن يجف عرقه) تأتي في نهاية الشهر وتعطيه حقه، ماذا يحصل لك؟ العامل يقول: بارك الله لك في رزقك، وفقك الله، ويأتي في العمل يخلص، ويكون لك بركة في مالك. لكن أن تعطل أجر العامل تحت وطأة الاضطرار والإذعان لك، يلعنك بالليل والنهار، ويدعو عليك بالسر والجهار، وإذا ذهبت به لأي عمل، يفسده وأنت ترى، فكيف إذا أنت لم تر، لماذا؟ لأنك ما أعطيته حقه، كيف تريد أن يعطيك وأنت لم تعطه؟ فالحياة قائمة على المعاوضة، فخذ جهداً وأعط مالاً، أما أن تأخذ من الناس عملاً وبعد ذلك تماطلهم، ولا تعطيهم شيئاً، فهذا ظلم، والظلم ممنوع في الدنيا -أيها الإخوة- ومن ظلم الناس في الدنيا اقتص الله منه في النار يوم القيامة، ولهذا جاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: (من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها اليوم قبل ألا يكون درهم ولا دينار، وإنما الحسنات يوم القيامة) فهذا الحديث الذي أذكره لكم هو فقط الذي سوف أقف عنده، وهذا الأمر الأول.
الحذر من المغالطات والفهم الخاطئ لبعض الأمور
أنا قلت لكم: لا بد من أمرين:الأمر الأول: أن نتأمل كتاب الله وسنة رسول الله، لنعرف كيف رتب الله الجزاء في الدنيا والآخرة على العمل.الأمر الثاني: أن يحذر العبد من بعض المغالطات، والخدع، والأماني، والأوهام، التي يزينها الشيطان ليخدعك بها؛ من أجل أن تعتمد على هذه الخدع وتترك العمل، فيغمسك إلى أذنيك في النار. والله قد بين كما سمعتم، والرسول بين، أنه لا ينفع إلا العمل، واسمعوا آية في سورة آل عمران يقول الله فيها: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [آل عمران:30] أي: من معاصٍ محضرة، لكن ماذا؟ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30] أي: إذا جاء يوم القيامة والمعاصي أمامه يتمنى أن بينه وبينها أمداً بعيداً، لكنها ملاصقة له، بل على ظهره وكتفه، يقول الله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ [الأنعام:31] أي: ذنوبهم. أين يحملونها؟ عَلَى ظُهُورِهِمْ [الأنعام:31].. وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [النحل:25] أي: إذا كان هو داعية ضلال فيحمل أوزاره وأوزار كل من أضله فإذا كان مغنٍ؛ فيحمل وزر الغناء، وكل من ضل عن طريق الله بالغناء فأوزارهم على ظهره. وإذا كان يبيع اسطوانات وأشرطة، فيحمل وزره ويحمل وزر كل من اشترى شريطاً من هذا الدكان. وإذا كان يبيع أفلام الفيديو؛ فيحمل وزره ووزر كل من ضل بسبب أي شريط بيع من هذا الدكان. وإذا كان يبيع الدخان؛ فيحمل وزر الدخان وكل من شرب (سيجارة) واحدة من هذا الدخان، يقول الله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ [الأنعام:31] وإذا كان يؤجر دكانه على صالون حلاقة، أو هو نفسه فتح مؤسسة واستورد الحلاقين، ونحن لا تنقصنا المعاصي حتى نأتي بشخص يجلد لحى المسلمين، ويسميه: صالون جنة النعيم، ورأيت مرة في أحد الإعلانات: صالون اللحية الغانمة، والله ما هي بغانمة، لحية تحت رجل الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يكنسها الحلاق ما هي بغانمة، ولحية يضعها في صندوق القمامة ويدعو عامل البلدية ويقول له: اكنس هذه اللحى، ما هي بغانمة، أين اللحية الغانمة؟ هي التي تكون في وجهك، أما حين تحلقها عند الحلاق أو في الحمام وتذهب مع مياه التصريف فهذه ما هي بغانمة، ثم يقول: نعيماً. الله لا ينعم عليك، نعيماً على ماذا؟ تحلق لحيتي وتأخذ مالي وتقول: نعيماً، لا. إنه عذاب أليم -والعياذ بالله-.فإذا فتحت دكان حلاقة أو أجرت على حلاق؛ فما من لحية تحلق هنا إلا وعليك إثم حلقها إلى يوم القيامة، ولو لحيتك ملء وجهك، ولكنك حلقت لحى المسلمين، وفتحت قلعة لمحاربة سنة النبي صلى الله عليه وسلم.فانتبه! ولا تعتمد إلا على العمل، يقول الله: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30] فهي فوق ظهره وهو يقول: يا ليت المعاصي ليست معي، لكن لا والله، فقد كانت معك في الدنيا فهي معك في الآخرة، ولو أنك ابتعدت عنها هنا؛ لأبعدها الله عنك في الآخرة. لكن ما دامت معك هنا فكيف تريدها أن تبتعد عنك هناك؟ لا. فرفيقك رفيقك، وعملك عملك، إن كان عملاً صالحاً فهو معك، وإن كان سيئاً فهو معك، قال الله عز وجل: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30].والمغالطات -أيها الإخوة- كثيرة، سوف أذكرها لكم باختصار:
 المغالطة الثامنة: الاعتماد على القدر
ثامناً: الاعتماد على القدر؛ بأن يأتي الشخص ويعصي، وإذا قلت له: لماذا تعصي الله؟ قال: ربما أني شقي، فيقول: ربما أنك سعيد، وما يدريك أنك شقي؟ هل اطلعت على اللوح المحفوظ؟ هل قرأت الكتاب الذي في الأزل؟ لماذا تحتمل أنك شقي ولم تحتمل أنك سعيد، إلا لانهزامك أمام شهوتك، ونفسك الأمارة بالسوء، وتحمل مسئولية سلوكك على قدر ربك، لا. فليس لك علاقة بما كتب في الأزل، بل لك علاقة بالعمل، فأنت عبد خلقك الله للعمل الصالح، وبإمكانك أن تعمل العمل الصالح، وعندك يقين أن الله لا يظلم مثقال ذرة، فاعمل صالحاً والله لا يظلمك، أما أن تعمل السيئات وتحتج بالقدر، وتقول: ربما أن ربي كتبني شقياً، إذن اصفعه على وجهه، فإذا صفعته، وقال: ما لك تصفعني؟ فقل: ربما أن ربي قد قدر عليَّ ذلك، فسيرفض، ويقول: لا. ما قدر الله الصفعة أنت الذي فعلتها، فقل: فلماذا لا ترضى بالصفعة، وترضى بالمعاصي التي تقول: إن الله قدرها عليك؟!فالإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، لكن يجب أن نؤمن بالقدر ونعمل بما أمرنا الله به، ونفر من قدر المعاصي إلى قدر الطاعات، ومن قدر الجوع إلى قدر الشبع، ومن قدر الظمأ إلى قدر الري، ومن قدر المرض إلى قدر العلاج، وهكذا، نفر من قدر إلى قدر.لما دخل عمر بن الخطاب الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح ومجموعة من الصحابة، وذهبوا إلى عمواس ، وجدوا الطاعون أمامهم، فقال عمر : [لا ندخل، فقال أبو عبيدة : أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين! -أي: أتفر من قدر الله وهو المرض من أجل أنك تخاف على نفسك- قال: لو قالها غيرك يا أبا عبيدة ! نفر من قدر الله إلى قدر الله] فهذا هو الفهم الصحيح للإسلام. أترون هذا المؤمن الذي يقع في المعاصي ويحتج بالقدر مثله مثل: مدرس في فصل فيه ثلاثون طالباً، ودخل عليه المدير والموجه وقالوا له: كم تقدر نسبة النجاح عندك من خلال معرفتك بالطلاب؟ فقال المدرس؛ لأنه يعرف الطلاب ويعرف الفروق الفردية بينهم، قال: أتوقع أن ينجح ثمانية وعشرون طالباً، إلا طالبين لن ينجحا، فهو يعرف أن في الفصل طالبان لا يحضران درساً، ولا يصغيان لشرح، ولا يتجاوبان مع المدرس، فقام أحد الطلاب الثلاثين ووضع الدروس ولم يحضر درساً، وحين جاء آخر السنة وطلعت شهادته ساقط، وعليها عشرون دائرة حمراء قال له أبوه: لماذا سقطت؟ قال: إن الأستاذ في أول السنة حين دخل علينا المدير والموجه، قال: سوف يسقط طالبان، فربما أني أحدهما، فما رأيكم في هذا العذر؟ أهذا ينفع؟ لا ينفع عند المدير ولا عند الأب، فكيف ينفع عند الله؟! أتعمل المعاصي وتقول: ربما أن الله قدر عليَّ؟ لماذا لا تحتمل أن يكون القدر أحسن؟ أما قضية القدر فليست لك أنت، فالله هو المقدر وأنت المقدر عليك أن تسير في أمر الله. إذا أذن المؤذن فهل تملك قدرة على الصلاة؟ نعم. أما إذا قدر الله عليك وأصابك حادث مروري وتقطعت رجلاك، فهل يكلفك الله أن تصلي في المسجد، أم يعفيك؟ بل يعفيك، ويجوز لك عندها أن تصلي في البيت، وإذا مرضت فلم تستطع أن تقوم لتصلي، فصل قاعداً. لكن أن تكون عندك القدرة على أن تصلي وتقعد، وعندك القدرة على أن تصلي وتنام، فعندها أنت مؤاخذ؛ لأنك تملك الوسيلة التي تستطيع أن تعمل بها العمل الصالح.هذه أيها الإخوة! بعض المغالطات التي يغالط بعض الناس أنفسهم بها، والمغالط لنفسه هو أضيع الناس، يمكنك أن تغالط الناس لكن أن تغالط نفسك، فلحساب من؟ لحساب الشيطان الرجيم.فيا إخوتي في الله! عوداً على بدء، أكرر وأقول: لا بد من الإيمان والعمل الصالح، كمؤهلات نعتمد عليها لترشيحنا إلى أن ننال رحمة الله عز وجل، ولن ندخل الجنة بالعمل؛ لأنه لا قيمة لعمل أمام جزاء لا يعلمه إلا الله، أي: مهما عملت من عمل فهل يساوي شيئاً مما في الجنة مما أعده الله لك؟ لا. لكنه مؤهل وسبب، وإلا فالدخول برحمة الله عز وجل. فلنحذر -أيها الإخوان- من الاتكال على المغالطات، ولنتق الله في أنفسنا، ونتوب إلى الله من الذنوب صغيرها وكبيرها، ودقيقها وجليلها، وأن نحافظ على الطاعات، وأن نصبر -أيها الإخوة- فإنما هي أيام معدودة، وساعات محدودة، وسنين معينة، وسوف ننتقل منها إلى الدار الآخرة، وهناك سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ووصية أقولها للإخوة الذين يسألون ويقولون: وكيف نواجه المعاصي؟ كيف نواجه هذه الشهوات العارمة، وهذه السيول الجارفة من الذنوب؟أقول واجهوها بأمرين: الأمر الأول: الصبر. والأمر الثاني: اليقين.فتصبر عن الزنا وعندك يقين أن الله سيعوضك في الجنة بالحور العين، وتصبر عن الغناء وعندك يقين أن الله سيعوضك بأن تسمع غناء الحور في الجنة، وتسمع خطاب رب العالمين، وتصبر عن النظر المحرم في الدنيا وعندك يقين أن الله سوف يمتعك بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة، وتصبر على الصلاة، والطاعة وعندك يقين أن الله سيثيبك، يقول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] يقول ابن تيمية رحمه الله: لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين.هذا وأسأل الله في الختام أن يوفقني وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه.
الأسئلة

 حكم السفر إلى بلاد الكفار للسياحة
السؤال: في هذه الأيام، أيام العطلة يسافر الكثير إلى بلاد الكفر، فهل من كلمة لمن أراد السفر؟الجواب: العطلة نعمة، يقول عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) فنحن مغبونون في هذه النعمة: عافية، وشباب، ومدرسون، وطلاب، وثانويات، وجامعات، وصحة، وفراغ ثلاثة أشهر، كيف تقضي هذه الأشهر الثلاثة؟ تقضيها بما يرضي الله، إما أن تلتحق بالمراكز الصيفية حتى تنتفع بما يلقى فيها من خير، تمارس فيها أنشطة، وأعمالاً صالحة، أو تذهب إلى الحج والعمرة، أو تزور رحمك إذا كان في الجنوب أو الشمال أو الرياض أو أي منطقة، أو تمارس بعض الأعمال السياحية المباحة، كزيارة بعض المناطق الطيبة والجميلة في بلادك، أما أن تحجز وتسافر من أجل أن تفسد خارج البلد، وترجع وقد ضيعت دينك فهذه مصيبة. فنحن نحذر كل إنسان من أن يسافر، فهناك فتن صانك الله منها فلماذا تراها؟ ولماذا تترك ولدك وامرأتك وابنتك يرونها، وتحجز لأهلك كلهم؟ فإذا كان عندك أربعين أو خمسين ألفاً فأرسلها لإخوانك في البوسنة والهرسك الذين يموتون جوعاً الآن، أو أرسلها إلى إخوانك المجاهدين الأفغان الذين يحتاجون إلى كل ريال بعد قيام دولة الإسلام عندهم، أو استأجر لك شقة عند الحرم واجلس صلِّ الصلوات الخمس في الحرم، فالشقة لمدة عشرة أيام أو عشرين يوماً تأخذها بخمسة آلاف أو ستة آلاف ريال، وأدرك كل تكبيرة في الحرم، وفي الصف الأول، أو الصف الثاني، فهي لك بمائة ألف تكبيرة، وهذا أحسن من أن تكون على شواطئ، وأنهار، و(بلاجات) ومسارح، ومراقص، ومخامر وفساد، فلا ترجع إلا وقد صب الله عليك من الغضب مثل الجبال الرواسي، الله ينعم عليك وأنت تحارب الله بنعمه، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (إني أنا والجن والإنس في خبر عظيم، أخلقهم ويعبدون غيري، وأرزقهم ويشكرون سواي، خيري إليهم نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي).أترون أن النعمة التي نحن فيها تستمر مع المعاصي؟ والله لا تستمر، وعندي من التاريخ شاهد على هذا اليمين، وعندي من القرآن شاهد، يقول الله عز وجل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] ويقول في قصة سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ [سبأ:15] يقول لهم الناصحون: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] ونحن نقول لأهل هذه البلاد: كلوا من رزق ربكم واشكروا له. تدخل السوق فتملأ سيارتك، من كل ثمار الدنيا، وتدخل (السوبر ماركت) تملأ العربية من كل ثمار وملذات ومتاع الدنيا، وتعطيه ورقة، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة، هل في الدنيا بلد أطيب من هذه البلاد؟ ورب غفور يغفر الذنب العظيم، قال الله: فَأَعْرَضُوا [سـبأ:16] أي: رفضوا وركبوا رءوسهم، حجز وسافر، وزنا، وسكر، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سـبأ:16] فاكتسحهم واقتلع بلادهم وحروثهم وزراعتهم من أرضها، ثم قال: وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ [سـبأ:16] بدل الجنان الوارفة والثمار الدانية جنتين، ماذا فيهما؟ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سـبأ:16] (خمط) أي: الشوك، (وأثل) وهو الشجر الذي ترونه فليس له ثمر، (وشيءٍ من سدر قليل) أي: النبق، فهذا هو الفاكهة، فليس عندنا برتقال أبو سرة، ولا تفاح أبو لمعة، ولا موز أبو نقطة، والله لا نعرف هذه، إلا فيما بعد حين فتح الله الخير عندنا.والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , العمل الصالح وأهميته للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net