إسلام ويب

أحوال أهل النارللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ حفظه الله عن تباين الناس في الحياة، مبيناً أن ذلك ينبني عليه تباينهم في الآخرة، وقد أوضح أن ذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لحال الكافرين إنما هو لحكمة بالغة، ثم تحدث عن ذلة الكافر يوم القيامة وهوانه، وعذابه، وندمه، وخصامه لغيره من أهل النار، ذاكراً وقوع الخصومة بين التابع والمتبوع، والضعفاء والمستكبرين، بل خصومة الكافر مع أعضائه، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    1.   

    الحكمة من الإخبار بأحوال الآخرة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فإن أحوال الناس تختلف يوم القيامة بحسب أحوالهم في هذه الحياة، فلا يكون مصير الناس سواء؛ لأن سلوكهم في هذه الدنيا ليس بسواء، قال الله سبحانه وتعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20] وقال جل جلاله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36].. وقال سبحانه: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28].. وقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثـية:21] .

    فمن ظن أن مصير الناس يوم القيامة واحد فهو كافر وجاهل وجاحد.

    لا. فليس المصير واحداً؛ لأن العمل هنا ليس واحداً، قوم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وخضعوا لشريعة الله، وساروا على منهج الله، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، وبكوا من خشية الله، وجاهدوا في سبيل الله، هل يستوون هم والمفسدون في الأرض الذين زنوا، وسكروا، ولاطوا، وقتلوا، وسرقوا، وارتكبوا ما حرم الله، ورفضوا جلَّ ما حرم الله، هل يكون مصير هؤلاء وهؤلاء واحداً؟ مصير الناس يختلف يوم القيامة بحسب اختلاف أحوالهم في هذه الدار.

    تثبيت الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم

    وإن من رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بنا أن نقل لنا في كتابه وفي سنة رسوله صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ صوراً حية من أحداث يوم القيامة ومن أحوالها التي تكون لأهل الإيمان ولأهل الكفر والنفاق، حتى لكأن الإنسان ينظرها عياناً، وهذه فيها حكمتان ومصلحتان:

    الحكمة الأولى: تثبيت الإيمان بالرسول الكريم صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ، إذ من أخبره بما يحدث يوم القيامة يخبرنا عن أمور لا تكون في هذه الدار، وما سمع بها أحد منذ آدم -من غير الأنبياء والرسل- وما سمعنا أحداً بعده منذ مات إلى يومنا هذا يخبر ويتهدد ويتوعد ويَعد ويمني بجنة أو نار، فإن من توعد وهو لا يستطيع التنفيذ يعرف أنه من أكبر الكاذبين، وإذا وعد وهو يعرف أنه لا يفي يعرف أنه أحد الكاذبين، لكن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يهدد الكفار ويتوعدهم بالعذاب من مصدر القوة، والثقة بالله ثم بالنفس، ويعد المؤمنين ويمنيهم بالجنة من مصدر الثقة بأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سوف يعطيهم جزاءهم.

    جاء رجل اسمه العاص بن وائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمل في يده عظمة من عظام الأموات هشة -وهو كافر- وقال: يا محمد! أتزعم أن الله يعيدنا بعد أن نكون عظاماً ورفاتاً، وفت العظم بيده أمام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكلمة الواثق المطمئن إلى وعد الله ووعيده. قال: (نعم. ويدخلك الله النار).

    فمات هذا الرجل على الكفر، فلو كان هذا الرجل أسلم لكان الوعد غير صحيح، إذ كيف يدخله الله النار وهو مسلم؟ لكن من علم الله الذي أعطاه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن أخبره بأن هذا الرجل سيستمر على كفره ولن يسلم، رغم أن الناس في ذلك الوقت كانوا يدخلون في الدين وكان من المتوقع أن يكون هذا ممن يسلم، ولكن قال له: (ويدخلك الله النار) فمات كافراً.

    ونزل القرآن يؤيد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويقول له: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً [يس:78] يعني: بالعظم وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] الذي يخلق العظم، ومن هذا الذي خلق العظم! إن الذي خلق هذا العظم قادر على أن يعيد هذه العظام ولو صارت رماداً. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78]* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79] القادر على البداءة قادر على الإعادة، وله المثل الأعلى، إذ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79]* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:80]* أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس:81]* إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:83].

    هذه هي الحكمة والمصلحة الأولى التي نجنيها من مشاهد أحوال الناس يوم القيامة، تثبيت الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لو كان متقولاً ما وعد.

    العظة والعبرة

    الحكمة الثانية: أننا نأخذ العظة والعبرة، ونعمل عملاً صالحاً، حتى لا نكون ممن يتعرضون لتلك الأحوال؛ لأن الكفرة والمنافقين كلٌّ يمقت نفسه ويزدريها، ويتمنى لو تسوى به الأرض، يقول الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41]* يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:42] يودون أن تبتلعهم الأرض ويكونون عدماً، من المقت، والنكال والخزي، والعار، والعذاب والنار.

    في ذلك اليوم يحصل مقت، ويعني: ازدراء واحتقار للنفس، يقول: أحدهم مخاطباً نفسه: ما الذي أوصلني إلى هذه الحال المزرية، إنه سلوكي وتصرفاتي، يا ليتني لم أسرْ في هذا الطريق، يا ليتني أطعت الله يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66].. يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [الحاقة:25]* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:26]* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:27]* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] ما نفعني مالي الذي كنت أتعب في جمعه هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] فلقد ضاعت سلطتي، وانتهت مرتبتي ورتبتي، وضاع ملكي وجاهي. فيقول الله للملائكة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] يحصل للإنسان عندها مقت عظيم ذكره الله في القرآن في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم في حالات المقت الشديد لأنفسهم يُنَادَوْنَ [غافر:10] وبنى الله الفعل هنا للمجهول لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر:10] يزدريكم ويحتقركم الله أكثر مما أنتم الآن تحتقرون أنفسكم وتزدروها؛ لأنكم وضعتموها في مكان كان بالإمكان أن تضعوها في غيره، لكن عصيتم الله بالزنا، وبالغناء، وبالكفر، وبالنفاق، وبالعجز، وبالتكاسل، وبالتسويف، وبالتكذيب، وضعتموها في هذا الموقف وقد جاءتكم الآيات، والله ما في الأرض أوضح من آيات كتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    ماذا بقي لنا أيها الإخوة؟ إن الله أنزل إلينا قرآناً فيه ثلاثون جزءاً، ثلاثون جزءاً أما يكفينا؟ يقول الله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51] كان يكفي أمره: أسلموا وادخلوا في دين الله وكفى، لكن لا. كرر أوامره ونهيه: يا أيها الذين آمنوا.. يا أيها الناس.. اعملوا.. اعملوا.. ينادي الله عباده ويوجهم.

    ويوم القيامة يمقت الكافر نفسه ويزدريها ويتمنى أنه لم يعرف هذه الحياة، والإنسان بطبيعته إذا وضع نفسه في وضع مزري فإنه يمقتها، لو رأينا إنساناً يُجلد في السوق، ويقام عليه حد الزنا، ويُنزل من السيارة ويداه مكبلتان والعساكر يقودونه كالماشية، ويأتي مأمور التنفيذ ليضرب ظهره ويجلده، فما هي نفسيته في تلك اللحظات؟ أليس يمقتها؟! أما يتمنى أن تبتلعه الأرض وأنه لا يحضر السوق في ذلك اليوم؟! بل بعضهم يلطم وجهه، وبعضهم يرخي رأسه، وبعضهم ما يود أن يذكر اسمه في الإعلان، فهل يعدل هذا الموقف لذة الزنا، إن لذة الزنا ذهبت وانتهت لكن جلد ظهره، وتشويه سمعته، وتسجيله في القائمة السوداء، مع أصحاب الجرائم والسوابق، وأخذ بصماته لأن له سوابق: هذا (زانٍ، سكير، عربيد، خبيث..) كل هذا لم ينته.

    وآخر يقتل ويخرج لتدق عنقه أو ليرمى صدره بالبندقية؛ لأنه قتل، فما هو شعوره إذا أنزل من السيارة ونظر يميناً وشمالاً فرأى الناس مجتمعين حوله، والعساكر يحملون الأسلحة، وهو يُقاد ويرى الحبل والخشبة أمامه، ما رأيكم بنفسيته؟ أليس يمقتها؟ أليس يزدريها؟ أما يتمنى أنه ما عرف الحياة؟ أما يشعر أنه أبأس إنسان على وجه الأرض؟ وأنه ليس هناك في الدنيا أشقى منه؟ نعم. لماذا؟ من وضعك في هذا المكان؟ عدم خوفك من الله، وعدم سيرك على منهج الله.

    1.   

    أحوال الكفار والمنافقين يوم القيامة

    الأحوال الأخروية ثلاثة:

    1- حالة الكفار والمنافقين.

    2- وحالة العصاة.

    3- وحالة المؤمنين جعلنا الله وإياكم منهم!

    وسوف نتحدث عن حالة الكفار والمنافقين يوم القيامة: عن ذلتهم، وهوانهم، وصغارهم، وخيبتهم وندامتهم.

    ذلتهم وهوانهم على الله

    يقول تَبَارَكَ وَتَعَالَى في وصف ذلتهم: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً [المعارج:43] الأجداث: القبور كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43]* خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:44] أهل الإيمان لا تجد عليهم ذلة، بل لهم عزة وكرامة عند الله، ولهم فضل وفرح بلقاء الله، لكن الكفار ترهقهم ذلة وأبصارهم خاشعة، فترى المجرم لا يرفع رأسه؛ لأن وجهه أسود، وسلوكه سيئ فهذه حالتهم:خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [المعارج:44] والرهق: هو الحركة المضطربة بقوة. إذا قيل: فلان يرهقه البرد فليس برداً فقط وإنما يرتعش، فهذه الذلة تأخذهم وترهقهم ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:44].

    والخروج من القبور بهذه الصورة يصور سرعة انطلاقهم إلى مصدر الصوت؛ لأنه ينادى يوم القيامة فيبعث من في القبور، يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً [المعارج:43] مسرعين منطلقين، ماذا حدث؟ يريدون سماع الصوت كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43] مثلما كانوا ينطلقون إلى هذه الأنصاب، والأفراح، والزنا والمعاصي مسرعين، فهناك أيضاً ينطلقون مسرعين كأنهم على تلك الصفة خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:44].

    وبعد ذلك الصوت القوي، يقول الله عَزَّ وَجَلّ: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر:6]* خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر:7]* مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8] والحكمة من التصوير والتمثيل بالجراد؛ لأنه من أضعف الحشرات، ولعل منكم من أدرك فترة وجود الجراد في النهار خاصة، إذا ما جئت إليه وهو بين الزرع وأردت أن تنفره كيف هي حالته؟ وهل تخاف منه؟ هل يأكلك الجراد؟ لا. تنفره، وهو ينتشر من الرعب والخوف الذي أنت تطارده به، فيهرب منك.

    كذلك الكفار والمنافقون يوم القيامة خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر:7]* مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [القمر:8] وبعد أن يقوموا يتأكد لديهم بأنه البعث، وأنه الذي كانوا يوعدون، فقد كانوا يكذبون بالبعث، ولم يكونوا مصدقين به، فلو كانوا يصدقون به لكان له أثر في حياتهم، ولكنهم كذبوا، وعندما يقومون من قبورهم يقولون كما قال الله عَزَّ وَجَلّ: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [يس:51]* قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] وعندها يجيبهم أهل الإيمان فيقولون: ( هَذَا ) يعني: هذا يوم البعث هذا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] هذا وَعدْ الله لنا وصدق الرسول لنا فيصدقون، ماذا يقولون: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات:20] يدعون على أنفسهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.

    جحوظ أعينهم وشخوص أبصارهم

    ثم تضيف الآيات الأخرى ملامح جديدة وأبصارهم في حالة الخوف والشدة، حتى إن العين لتبرز جاحضة من الخوف، تكاد أن تخرج ولا يستطيع أن يغمضهما عن النار؛ لأن النوم وإغماض العين أمنة.

    تجد من يُخرج إلى السوق ليقتل تكون عيناه تدور شمالاً ويميناً، وينظر من أين سيأتي السياف ليقطع رقبته، ومن ذا يربطه، وأخيراً تغطى عينيه حتى لا يرى شيئاً. ويصور الله عَزَّ وَجَلَ هذا المشهد بعد خروجهم وأبصارهم شاخصة فيقول الله عَزَّ وَجَلَ: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ [إبراهيم:43] لا يمكن أن يطرف طرفةً واحدةً، فعينه انفتحت وشخصت وجحظت وبرزت، لم تعد تقدر على الإغماض حتى تتصلب لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء [إبراهيم:43] هواء من الخوف؛ لأن القلب هنا هو مصدر الخوف، إذا كان لديك خوف فهل يرتاح قلبك أو يضطرب؟ لو أن شخصاً أخبرك بخبر مخوف، تقول: إن قلبي يكاد أن يطير من الخوف، وإذا كان الخبر ساراً تجد في قلبك انشراحاً وطمأنينة.

    مثال آخر: إذا ركبت في الطائرة يضعون لك حزام الأمان، فإذا انطلقت الطائرة، وأتيت على مطب هوائي تشعر بأن قلبك اُنتزع من مكانه، فما بالك -أخي- بخوف يوم القيامة (وأفئدتهم هواء) كما قال الله عَزَّ وَجَلّ .

    فزعهم وهلعهم

    ثم يذكر الله عَزَّ وَجَلّ مشهداً آخر، وهو مشهد الفزع والخوف والهلع الذي يقتلع قلوب الناس يوم القيامة -اللهم ارحمنا برحمتك- حتى إن القلوب لتسد الحناجر، فلا يبقى للرجل حنجرة يتكلم بها أو يتنفس منها، فتبلغ القلوب الحناجر، يقول الله عَزَّ وَجَلّ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]* يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] والآزفة: القيامة، أزفت الآزفة، أزف الموعد، أزف الامتحان، أي: لا توجد فرصة، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سمى القيامة آزفة فإذا أزفت الآزفة فإن القلوب لا تبقى في الصدور كما هي الآن، وإنما تصعد إلى الحناجر إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]* يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].

    هذه القيامة -أيها الإخوة- يصورها الله لنا، فماذا أعددنا لها؟ لا إله إلا الله، ما أقسى قلوبنا!!

    أخي الكريم: إذا أتيت المخبز تذكر لو طلب منك أن تجلس ولو لحظة واحدة في هذا الفرن، والله لن تستطيع، لو طلب منك أن تعبد الله طيلة حياتك أو أن تجلس فيه دقيقة واحدة لاخترت الأول ورفضت أن تجلس.

    نحن أيها الإخوة! في غفلة وبعد عن الله، لقد تحجرت قلوبنا وماتت، والله لو تعلم البهائم من أمر الآخرة ما نعلم ما أكلنا منها سميناً.

    خرج عليه الصلاة والسلام على الصحابة وهم يضحكون فقال لهم: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله) كان أهل الإيمان يبكون من خشية الله، لا نريد الآن بكاء بل نريد الابتعاد عن الحرام والمعاصي، والقيام بطاعة الله عَزَّ وَجَلَ.

    تقديمهم إلى العذاب الشديد مقرنين في الأصفاد

    ولما كان المجرم والكافر متمرداً على الله، هارباً منه، مستكبراً عن عبادته، فإنه يؤتى به يوم القيامة مقبوضاً عليه، مقرناً، أي: في القيد؛ لأنه لو ترك لم يأت، وهذا شأن كل مجرم في الدنيا، فإن أي مجرم لا يحضر إلا بقيد، والقيد توقعاً لهروبه، أما هؤلاء فإلى أين يهربون يوم القيامة؟! يقول الله حكاية عن الكافرين: يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة:10]* كَلَّا لا وَزَرَ [القيامة:11]* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [القيامة:12] فيؤتى بهم وهم مقرنون في الأصفاد، تجمع أيديهم مع أقدامهم إلى رقابهم ثم يوضعون في قيد واحد.

    يقول الله عَزَّ وَجَلّ: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48]* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [إبراهيم:49]* سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ [إبراهيم:50] ملابسهم من القطران، أي: الزفت وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [إبراهيم:50] الأيدي والأقدام والرقاب مقرنة كما تقرن البقر في الأضماد.. يقرنون في الأصفاد، وملابسهم الفاخرة تجدها من قطران أسود، وتشب على وجوههم النار.

    ثم قال الله: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [إبراهيم:51] إن الله سريع الحساب ولو أمهلهم، وفي هذه الأجواء يؤتى بهم على هذا الوضع المزري مقرنين مكتفين وسرابيلهم من قطران، في تلك اللحظات يحصل شيء عظيم آخر وهو: أن الشمس تدنو من الرءوس، تقترب منهم حتى تغلي رءوسهم كما يغلي اللحم في القدر، وأما أهل الإيمان فإنهم في مظلات الرحمن، اللهم إنا نسألك من فضلك يا مولانا، ونسألك أن تظلنا في ظلك نحن وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأنتم إن شاء الله منهم كما في الحديث في صحيح مسلم (وشاب نشأ في عبادة الله) أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.

    وشاب نشأ في عبادة الله لم يعرف الهوى ولا الغناء ولا الزنا، وإن عرفها تركها وتاب إلى الله.

    أخي حفظك الله! اصبر. كم هذه الدنيا، خمسين أو ستين سنة؟! لماذا تعرض نفسك لهذا العذاب؟ وما بين الرجل منا والجنة والنار إلا أن يموت؟ يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (والذي نفسي بيده! إن الجنة أو النار أقرب لأحدكم من شراك نعله).

    شراك نعلك الذي في رجلك والله إن الجنة والنار أقرب إليك منه، فإذا أتتك منيتك تَحَدَّدَ مصيرك.

    فمن يضمن أنه يعيش هذا الأسبوع أو هذا الشهر، ما يدريك يا أخي! لعلك لا تنام اليوم، فلماذا نفرط؟ ولماذا لا نتق الله في ديننا وإسلامنا.

    ففي تلك اللحظات وتلك الأجواء يؤتى بالشمس وتدنو حتى لا يكون بينها وبين الناس إلا مقدار ميل، والميل ورد في ذكره في صحيح مسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل) يقول سليم بن عامر : [والله لا أدري هل هو ميل المسافر أو ميل المكحلة] وسواء هذا أو هذا فكلها مصيبة، فإن ميل المسافة كم سيكون الميل يساوي [1700] متر تقريباً، كيلو وثلثين، لكن أين الشمس الآن؟ ومن يستطيع أن يجلس فيها لحظة في النهار؟

    تفر من الهجير وتتقيه     فهلا من جهنم قد فررتا

    فلست تطيق أهونها عذاباً     ولو كنت الحديد بها لذبتا

    فكلما صعد الإنسان إلى أعلى تعرض للصهر والاحتراق، فالذين يصعدون إلى الفضاء تكون لهم ملابس خاصة تتحمل درجة الحرارة العالية والتي قد تصل إلى (400) درجة مئوية فوق الصفر.

    ولكنها يوم القيامة تدنو على رءوس الناس، وفي تلك اللحظات يقوي الله أجسادهم كي تتحمل النار؛ لأنهم خلق جديد لن يموت، فهم خلقوا وماتوا، ثم بعثوا ولن يموتوا بعدها، فتأتي النار فتحرقهم وتصهر أجسادهم وتذيب جلودهم ويسيل معها العرق إلى درجة أنه يلجم بعضهم إلجاماً، وهذا حديث في صحيح مسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (يكون الناس على قدر أعمالهم من العرق، فمنهم من يكون عرقه إلى كعبه، ومنهم من يكون عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يكون عرقه إلى حقويه، ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً، وأشار صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى فمه).

    من منا الآن يعرق ويسيل عرقه أمامه مثل الماء؟! إن أعلى درجة حرارة في الرياض أو جدة تصل الآن (45) درجة مئوية، الآن الماء لا تتحمله لأنه ساخن بدرجة (45) درجة، ومهما بلغت درجة حرارة الأرض فلا يمكن أن يسيل عرقك سيلاً أمامك، فكيف بيوم فيه العرق أنهاراً بل بحاراً يغطي الناس من كثرته.

    ندمهم وحسرتهم

    لا إله إلا الله! وحين يرون هذا المصير ويتذكرون الذي أوردهم هذه الموارد، وإذا بهم يراجعون أنفسهم ويقولون: إنها المعاصي والذنوب، والكفر، والتكذيب، فيحصل عندهم حسرة وندامة تقطع قلوبهم؛ لذا سمى الله يوم القيامة بيوم الحسرة؛ لأن فيه حسرة ليست بعدها حسرة، يقول الله عَزَّ وَجَلّ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:39] أنذرهم يوم الحسرة، وقد أنذرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الحسرة وصاح في يوم من الأيام كما في الحديث أنه قال: (أنذرتكم النار .. أنذرتكم النار .. أنذرتكم النار).

    وتصل درجة الحسرة عند الإنسان إلى درجة أنه يأكل يديه من بنانه إلى كتفه، قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً [الفرقان:27]* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً [الفرقان:28]* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:29] وبعد هذه الحسرات والندم وأكل اليدين يعيد الله له يده الأولى.. وهكذا.

    وفي تلك اللحظة يحصل عندهم يأس وإبلاس، والإبلاس هو غاية اليأس، يعني: عدم الرجاء، أي: لا يسلمون من هذا المصير، ولهذا يقول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ [الروم:12] وسمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله، قال الله: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:78] فليس عنده أمل بأنه ينال هذه الرحمة؛ ولذا سمي إبليس من الإبلاس، وهؤلاء يوم القيامة يبلسون أي: تتقطع آمالهم وينقطع رجاؤهم وييأسون من رحمة الله، وهذا أعظم العذاب؛ بأن ينقطع الرجاء، فالرجاء يجعلك على أمل.

    مثلاً: سجين يقولون له: هناك أمل أنك تخرج في يوم كذا وكذا، فيبعث في قلبه الطمأنينة، أما إذا قيل له: حكم عليك بالسجن المؤبد، كيف سيكون حاله؟ تجد أنه انقطع الأمل عنه ويحصل عنده اليأس، ويمر عليه اليوم كسنة؛ لأنه لا يوجد أمل.

    إحباط أعمالهم

    كذلك أهل النار عندما يدخلون النار يبلس المجرمون، وبعد ذلك يتعلقون ببقايا آمال في أعمال كانوا يصنعوها في الدنيا ظنوا أنها تنفع؛ لأن أعمال الكفار يوم القيامة تنقسم إلى قسمين:

    أعمال بغي وكفر وفساد، فهذه باطلة وفاسدة، ولا يرجون ولا يتوقعون من ورائها خيراً، وهذه شبهها الله في القرآن بالظلمات، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:39]* أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] هذه الأعمال الباطلة ظلمات بعضها فوق بعض.

    وظلمات يظنون أنها تنفعهم يوم القيامة وهي:

    الصدقة، العتق، صلة الأرحام، الصدق في المواعيد، والمعاملة، والاتجار، لكن هذه نفعتهم في الدنيا؛ لأنهم لم يعملوها لوجه الله وإنما للدنيا، صدقوا في المعاملات لكي تنضبط أمورهم، أخلصوا في العمل لكي تشترى بضائعهم، ووصلوا أرحامهم لكي يبادلوهم بالمودة والمشاعر، وتصدقوا إلى جمعيات الحيوانات من أجل غريزة نفسية؛ فما نفعهم هذا العمل في الدنيا، يقول الله فيهم: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].

    حبط ما صنعوا في الدنيا والحبط: هو داء يصيب بعض المواشي، إذا أكلت بعض النباتات انتفخ بطنها، ثم حبطت ثم انفجرت يسمى (الحشر) ويقولون: الغنم (حَشَرَت) إذا أكلت طعاماً من ذرة لم تنضج، فهؤلاء يأتون ببطون يحسبون أن فيها شيئاً، لكن قال الله وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].

    ويقول عَزَّ وَجَلّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20] ويقول الله عَزَّ وَجَلّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً [الإسراء:18].. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء:19] فهؤلاء عملوا عملاً صالحاً ولكن ما أرادوا به وجه الله، فإذا جاءوا يوم القيامة ظنوا أنهم على شيء، قال الله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ [النور:39] أي: أعمالهم الصالحة كَسَرَابٍ [النور: 39] السراب الذي في الصحراء، إذا رأيته في الظهيرة ترى كأنه ماء، فتقدم عليه وتشد نفسك إليه فكلما اقتربت ابتعد عنك، قال الله: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39] فهؤلاء عملوا عملاً كسراب، ويوم لقوا الله ما وجدوا شيئاً.

    ثم مثَّل الله عملهم بالرياح الشديدة التي تهب على الزروع والثمار اليانعة فتحطمها، قال الله عَزَّ وَجَلّ: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ [آل عمران:117] يعني: الكفار، نفقاتهم، وصدقاتهم، وإغاثاتهم، وإعطاؤهم للجمعيات الخيرية، والبر وهم كفار؛ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ [آل عمران:117] ريح لا رياح، والريح أشد فِيهَا صِرٌّ [آل عمران:117] أي: فيها عواصف شديدة وصوت يصر ويقطع الأشجار فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:117] لديهم زروع وثمار من العمل لكن لديهم ريح فيه صر وهو الكفر، فأهلكت عملهم هذا والعياذ بالله.

    وقد شبه الله عملهم أيضاً بالرماد، وتصوروا رجلاً جعل الله أعماله كلها رماداً، والرماد نهاية النار، كما يقول المثل: (النار ما خلفت إلا رماداً) يضرب هذا المثل إذا وجد -مثلاً- رجل صالح وابنه فاسد فيقولون هذا المثل.

    فقد شبه الله أعمال الكفار الصالحة بالرماد، قال الله عَزَّ وَجَلّ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18] تصور شخصاً معه رماد، والريح اشتدت فذهبت به، قال الله: لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18] ولذا يجعل الله أعمالهم هذه كلها هباءً: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].

    في الحالة الأولى: لهم الذلة والصغار والنكال والعذاب.

    ثم في الحالة الثانية: لهم إحباط العمل، فيقولون: عندنا عمل، فيحبطه الله فلا يبقى.

    1.   

    تخاصم أهل النار

    الحالة الثالثة: وهي التخاصم والتلاوم والمعاذير، وكل شخص يتكلم على أخيه وزميله، يسبه ويلعنه ويحمله المسئولية على هذا.

    مثلاً: قُبض على أربعة سكارى وأدخلوهم السجن، فكل شخص يلعن الآخر في سجن الدنيا.

    أما في يوم القيامة فهو يحدث عندما يعاين أهل النار النار، ويرون العذاب وما هم فيه وما يحصل لهم.

    عداوة وكراهية بعضهم لبعض

    أولاً: كراهية وعداوة بعضهم لبعض يقول الله عَزَّ وَجَلّ: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان فاسقان! يقول: أما المؤمنان فمات أحدهما فأدخله الله الجنة، وفي الجنة رأى ما هو فيه من النعيم، وذكر صاحبه الذي كان يأمره بطاعة الله وينهاه عن معصية الله فخشي عليه أنه يضل بعده، فقال: اللهم! إنه كان لي خليل يأمرني بطاعتك وينهاني عن معصيتك حتى وردت هذا المورد ودخلت الجنة، اللهم! إني أسألك أن تثبته على دينك حتى تجمعني به في جنات النعيم، قال: فثبته الله وكتب له الجنة وهو في الدنيا، قال: والخليلان الفاسقان أحدهما مات فدخل النار، فلما وقع في الورطة تذكر من ورطه، فإذا به يخشى أن يسلم خليله ويهتدي ويذهب إلى الجنة وهو في النار، فقال: اللهم! إنه كان لي خليل يأمرني بمعصيتك وينهاني عن طاعتك حتى وردت هذا المورد، اللهم! لا تهده ولا تجعله يسلم حتى يرى ما رأيت ويدخل فيما فيه دخلت.

    الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] هذا مخاصمة بين أهل النار لا يوجد منهم شخص يحب الآخر، أما أهل الإيمان فهم عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات:44]* يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الصافات:45]* بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:46]* لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات:47] يتساءلون ويتحادثون ويتنادمون وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25]* قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:27]* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:28] نسأل الله من فضله أن يجعلنا من أهل الجنة وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين.

    هؤلاء أهل النار كلهم: بعضهم يلعن بعضاً، لا يوجد شخص يحب الآخر.

    المخاصمة بين التابعين والمتبوعين

    وتحصل مخاصمة ثانية بين التابعين والمتبوعين، بين العابد والمعبود، فيتبرأ كل من الآخر.

    قال تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ [الشعراء:91]* وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [الشعراء:92]* مِنْ دُونِ اللَّهِ [الشعراء:93] أين آلهتكم؟ أين أصنامكم؟ أين مبادئكم؟ أين أفكاركم؟ أين قدوتكم؟ أين شيوعيوكم؟ أين حداثيوكم؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء:93] هل ينصرونكم وينقذونكم، أو يمتنعون من العذاب؟

    قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ [الشعراء:94] يعني: الذين عبدوهم، كلهم سواء وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء:95]* قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ [الشعراء:96] يتشاجر في النار التابع والمتبوع تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97]* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98] نجعلكم مثل الله نطيعكم، تحرمون ما أحل الله فنحرمه، وتحلون ما حرم الله فنحله، وتشرعون شريعة غير دين الله ثم نطبقها، وتضعون قوانين ما أنزل الله بها من سلطان ونحن نطيعكم عليها، سويناكم برب العالمين سبحانه تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97] أي: والله لقد كنا في ضلال مبين إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98] ثم يقولون: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99] من هم المجرمون؟ هم دعاة الضلال الذي يضلون الناس ويزينون لهم الباطل، ويخدعونهم بدعوتهم إلى غير منهج الله، هؤلاء يقال لهم يوم القيامة بأنهم مجرمون، ثم يقولون: وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ [الشعراء:99]* فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ [الشعراء:100]* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:101]* فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:102] لكن لا عودة أبداً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:103]* وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:104].

    تحدث مخاصمة أيضاً بين هؤلاء الأتباع والمتبوعين.. بين الظالمين ومن تبعوهم في الضلال.

    يقول الله عَزَّ وَجَلّ: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات:22] يعني: نظراءهم وأشكالهم، وليس المقصود أن كل ظالم يحشر هو وزوجته، فقد يكون الرجل ظالماً لكن زوجته مؤمنة، مثل فرعون فهو ظالم كافر في النار، وزوجته آسية بنت مزاحم مؤمنة في الجنة: قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11]لم تقل: ابن لي بيتاً في الجنة وحسب، وإنما قالت: (عندك) سألت الجار قبل الدار!

    فهنا يقول الله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات:22] أي: الذين ظلموا والذين هم مثلهم، والذين كانوا يعبدونهم مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ أي: دلوهم، لكن إلى أين؟ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:23] فقد دللناهم في الدنيا على صراطنا المستقيم فرفضوه وساروا في طريق الشيطان، فالآن دلوهم إلى نهاية الطريق فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:23].

    ثم قال: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ [الصافات:24]* مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:25] لماذا لا تستنكرون؟ لماذا لا يدافع بعضكم عن بعض؟ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:26]* وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27]* قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات:28] يقولون: كنا كلما أتينا نريد طريق اليمين ردتمونا عنه قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الصافات:29] أي: أنتم في الأصل كنتم معنا، وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [الصافات:30] لم نأخذكم بالغلظة أو بالقوة والبطش بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ [الصافات:30]* فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ [الصافات:31]* فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ [الصافات:32] يقولون: نحن هكذا كنا غاوين فأغويناكم معنا فلماذا أطعتمونا؟ قال الله: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الصافات:33]* إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات:34]* إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35].

    الخصام بين الضعفاء والمستكبرين

    يحدث أيضاً خصام آخر في النار بين الضعفاء والمستكبرين، يقول الله: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً [إبراهيم:21] يقولون: نحن أتباعكم ولابد أن تحملوا من العذاب شيئاً أكثر منا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21].

    وفي موضع آخر من القرآن يقول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ [غافر:47] يعني: يتحاكمون ويتخاصمون، ويتشاجرون فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا [غافر:47-48] الله أكبر! لا إله إلا الله! يقولون: أين نذهب بكم؟ كيف ننصركم؟ ونحن معكم.

    فأهل النار يقول الكبير منهم للصغير: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:48].

    وهذا كله في عرصات القيامة قبل أن يدخلوا النار، وعندما يدخلون النار ويقفون على الأبواب يتخاصمون أيضاً، يقول الله عَزَّ وَجَلّ: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص:55] شر مآب وشر مصير للطاغين المجرمين جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ [ص:56-59] يعني: مجموعة جاءوا إلى النار مُقْتَحِمٌ [ص:59] فلا يدخلون النار مشياً وإنما يدفعون دفعاً يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً [الطور:13] ثم سبعين سنة يهوون حتى يصلوا إلى قعرها هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ [ص:59] أي: مقتحم عليكم في النار.

    فيقول من في النار: لا مَرْحَباً بِهِمْ [ص:59] كان إذا رآه في الدنيا يرحب به ويأخذه بالأحضان؛ لأنهم اجتمعوا في الدنيا على صوت العود والأغاني، ويوم القيامة يقول: لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ [ص:59] فيقول الذين في الأعلى: قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ [ص:61-61].

    ظهور الحقيقة للكافرين الساخرين من المؤمنين

    وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ [ص:62] وهم في النار تذكروا، قالوا: أين الذين كنا نتصورهم من الأشرار من هم؟ هم أهل الإيمان؛ لأن الكفار كانت فطرهم منكوسة، ونظراتهم مغيرة، كانوا يتصورون المؤمن شريراً ويقولون: هذه عقلية متخلفة وهذا هوس ديني.

    فتجده في الدنيا يلمز ويغمز، ويصب الاتهامات على المتدينين، فأحياناً يصفهم بالتزمت، وبالاحتقار، فنقول: وأنت أين أنت؟ يقول: هؤلاء أشرار. أين الذين كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ [ص:62]* أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً [ص:63] يقول ضحكنا عليهم في الدنيا، أين هم الآن؟ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ [ص:63] لعلهم في النار، ونحن لا نراهم بأعيننا، أين هم؟ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص:64].

    ثم يتضح لهم أن أولئك في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، بما صبروا وتحملوا من الأذى في سبيل إرضاء الله تعالى.

    ويقع خصام آخر بين الكافر وبين قرينه، القرين: الشيطان.

    يقول الله عَزَّ وَجَلّ: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق:23]* أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق:24]* مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [ق:25]* الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [ق:26] فيقول الآخر: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [ق:27] فيتبرأ إبليس ويقول: ما أطغيته، ولكن كان في ضلال بعيد، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ [ق:28]* مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29].

    خصام بين الكافر وأعضائه

    هذه مخاصمة بين الكافر وبين الناس، ثم بينه وبين زملائه، بينه وبين المستكبرين، ثم بينه وبين شيطانه، ثم تحصل مخاصمة بين الإنسان وبين نفسه، بينه وبين أعضائه، فعينك التي تستخدمها في الحرام والله لتكونن خصماً لها يوم القيامة، وتكون خصمك يوم القيامة.

    فيقول الله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت:19] يوزعون، أي: يجمعون، يجمع أولهم على آخرهم، مثلما تَجَمعُ الغنمَ إذا أدخلتها في الحضيرة، لا تُدخلها واحدة واحدة، وإنما تتجمع كلها، تخشى أن إحداها تهرب فتردها.. وهكذا، يحشرون ويوزعون حتى لا يفلت منهم أحد.

    حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت:20] ويبدأ الخصام: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:21] يقولون: إن الله الذي أنطقنا كما أنطقكم أول مرة، أنطقنا نحن الجوارح بما عملنا.

    أنت كانت عينك لك، وجعلتها عدوة لك،وكانت أذنك لك، ولكن جعلت أذنك عدوة لك، كان بالإمكان أن تجعل هذه العين صديقة لك تنظر بها في الحلال، وتقرأ بها القرآن، وأذنك تسمع به القرآن ولسانك تتكلم به في الحق، فتكون هذه يوم القيامة شواهد لك، ولكن يوم أن سخرتها في الباطل أصبحت شهيدة عليك.

    ويكون هذا حين يعاينون العذاب الشديد الذي أعده الله لهم، فيلجئون بعد ذلك إلى التقليد، والإنكار، وتكذيب الملائكة، ويدعون أنهم كانوا صالحين، فما يبقى عليهم حجة إلا أن يُشْهَدَ الله عليهم أنفسهم.

    فيختم الله على أفواههم، وتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وبعد سماعهم لكلام جوارحهم، يقول أحدهم لأعضائه: بعداً لكنَّ وسحقاً، عنكن كنت أجادل.

    يا إخوان! والله إن هذا الحديث تشيب منه الرءوس إن كان في القلوب إيمان وحياة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يلقى العبد ربه فيقول له: ألم أكرمك ألم أسودك؟ ألم أزوجك ؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل؟ وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب. فيقول الله: أظننت أنك ملاقيَّ، قال: لا يا رب، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلق الله آخر -رجلاً ثانياً- فيقول له مثل ذلك، ثم يلق الله -رجلاً ثالثاً- فيقول له مثل ذلك فيكذب على الله- فيقول: رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت، وتصدقت، وصمت، ويثني بخير على نفسه ما استطاع فيقول الله: ألا نبعث شاهدنا عليك؟! فيفكر في نفسه، فيقول: من الذي يشهد عليَّ فيختم الله على فمه، ويقول لفخذه: أنطقي، فتنطق فخذه، وينطق فمه وعظمه وجلده بعمله الذي كان يعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسبب سخط الله عليه). أخرجه مسلم .

    وفي صحيح مسلم حديث آخر، وفيه حوار آخر يجري بين العبد وبين جوارحه، وهذا الحوار يثير العجب والاستغراب، وقد أضحك هذا الموقف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضحك فقال: أتدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم، فيقول الله: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14] ثم يختم على فيه فيقال لأكتافه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام -وبعد ما تأتي أعضاؤه بالشهادة يعطى فرصة للكلام- فيقول: لأعضائه بعداً لكُنَّ وسحقاً، عنكن كنت أناضل، عنكن كنت أجادل!).

    هذه هي الخصومات ثم يدخلون بعد ذلك النار وترتفع أصواتهم باللعن، ويقول الله في هذا قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].

    هذا -أيها الإخوة- هو حال الكفار يوم القيامة، فهل يريد أحد منا أن يكون في مثل هذه الحال ؟ نعوذ بالله من هذه الحال.

    اللهم إنا نعوذ بك من النار ومن حال أهل النار، ومن حر النار، ومن عذاب النار، ومن الخزي والبوار، ونسألك يا الله، يا أرحم الراحمين ! أن تجيرنا من النار، اللهم حرم أجسادنا على النار، ولحومنا على النار وأبشارنا على النار، وحرمنا يا مولانا على النار! وآباءنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741282145

    عدد مرات الحفظ

    684624939