اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحوال أهل النار للشيخ : سعيد بن مسفر


أحوال أهل النار - (للشيخ : سعيد بن مسفر)
تكلم الشيخ حفظه الله عن تباين الناس في الحياة، مبيناً أن ذلك ينبني عليه تباينهم في الآخرة، وقد أوضح أن ذكر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لحال الكافرين إنما هو لحكمة بالغة، ثم تحدث عن ذلة الكافر يوم القيامة وهوانه، وعذابه، وندمه، وخصامه لغيره من أهل النار، ذاكراً وقوع الخصومة بين التابع والمتبوع، والضعفاء والمستكبرين، بل خصومة الكافر مع أعضائه، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
الحكمة من الإخبار بأحوال الآخرة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.وبعد:فإن أحوال الناس تختلف يوم القيامة بحسب أحوالهم في هذه الحياة، فلا يكون مصير الناس سواء؛ لأن سلوكهم في هذه الدنيا ليس بسواء، قال الله سبحانه وتعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20] وقال جل جلاله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36].. وقال سبحانه: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28].. وقال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثـية:21] .فمن ظن أن مصير الناس يوم القيامة واحد فهو كافر وجاهل وجاحد.لا. فليس المصير واحداً؛ لأن العمل هنا ليس واحداً، قوم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وخضعوا لشريعة الله، وساروا على منهج الله، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، وبكوا من خشية الله، وجاهدوا في سبيل الله، هل يستوون هم والمفسدون في الأرض الذين زنوا، وسكروا، ولاطوا، وقتلوا، وسرقوا، وارتكبوا ما حرم الله، ورفضوا جلَّ ما حرم الله، هل يكون مصير هؤلاء وهؤلاء واحداً؟ مصير الناس يختلف يوم القيامة بحسب اختلاف أحوالهم في هذه الدار.
 العظة والعبرة
الحكمة الثانية: أننا نأخذ العظة والعبرة، ونعمل عملاً صالحاً، حتى لا نكون ممن يتعرضون لتلك الأحوال؛ لأن الكفرة والمنافقين كلٌّ يمقت نفسه ويزدريها، ويتمنى لو تسوى به الأرض، يقول الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41]* يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:42] يودون أن تبتلعهم الأرض ويكونون عدماً، من المقت، والنكال والخزي، والعار، والعذاب والنار.في ذلك اليوم يحصل مقت، ويعني: ازدراء واحتقار للنفس، يقول: أحدهم مخاطباً نفسه: ما الذي أوصلني إلى هذه الحال المزرية، إنه سلوكي وتصرفاتي، يا ليتني لم أسرْ في هذا الطريق، يا ليتني أطعت الله يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66].. يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [الحاقة:25]* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:26]* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:27]* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] ما نفعني مالي الذي كنت أتعب في جمعه هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] فلقد ضاعت سلطتي، وانتهت مرتبتي ورتبتي، وضاع ملكي وجاهي. فيقول الله للملائكة: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] يحصل للإنسان عندها مقت عظيم ذكره الله في القرآن في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم في حالات المقت الشديد لأنفسهم يُنَادَوْنَ [غافر:10] وبنى الله الفعل هنا للمجهول لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر:10] يزدريكم ويحتقركم الله أكثر مما أنتم الآن تحتقرون أنفسكم وتزدروها؛ لأنكم وضعتموها في مكان كان بالإمكان أن تضعوها في غيره، لكن عصيتم الله بالزنا، وبالغناء، وبالكفر، وبالنفاق، وبالعجز، وبالتكاسل، وبالتسويف، وبالتكذيب، وضعتموها في هذا الموقف وقد جاءتكم الآيات، والله ما في الأرض أوضح من آيات كتاب الله وسنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.ماذا بقي لنا أيها الإخوة؟ إن الله أنزل إلينا قرآناً فيه ثلاثون جزءاً، ثلاثون جزءاً أما يكفينا؟ يقول الله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51] كان يكفي أمره: أسلموا وادخلوا في دين الله وكفى، لكن لا. كرر أوامره ونهيه: يا أيها الذين آمنوا.. يا أيها الناس.. اعملوا.. اعملوا.. ينادي الله عباده ويوجهم. ويوم القيامة يمقت الكافر نفسه ويزدريها ويتمنى أنه لم يعرف هذه الحياة، والإنسان بطبيعته إذا وضع نفسه في وضع مزري فإنه يمقتها، لو رأينا إنساناً يُجلد في السوق، ويقام عليه حد الزنا، ويُنزل من السيارة ويداه مكبلتان والعساكر يقودونه كالماشية، ويأتي مأمور التنفيذ ليضرب ظهره ويجلده، فما هي نفسيته في تلك اللحظات؟ أليس يمقتها؟! أما يتمنى أن تبتلعه الأرض وأنه لا يحضر السوق في ذلك اليوم؟! بل بعضهم يلطم وجهه، وبعضهم يرخي رأسه، وبعضهم ما يود أن يذكر اسمه في الإعلان، فهل يعدل هذا الموقف لذة الزنا، إن لذة الزنا ذهبت وانتهت لكن جلد ظهره، وتشويه سمعته، وتسجيله في القائمة السوداء، مع أصحاب الجرائم والسوابق، وأخذ بصماته لأن له سوابق: هذا (زانٍ، سكير، عربيد، خبيث..) كل هذا لم ينته.وآخر يقتل ويخرج لتدق عنقه أو ليرمى صدره بالبندقية؛ لأنه قتل، فما هو شعوره إذا أنزل من السيارة ونظر يميناً وشمالاً فرأى الناس مجتمعين حوله، والعساكر يحملون الأسلحة، وهو يُقاد ويرى الحبل والخشبة أمامه، ما رأيكم بنفسيته؟ أليس يمقتها؟ أليس يزدريها؟ أما يتمنى أنه ما عرف الحياة؟ أما يشعر أنه أبأس إنسان على وجه الأرض؟ وأنه ليس هناك في الدنيا أشقى منه؟ نعم. لماذا؟ من وضعك في هذا المكان؟ عدم خوفك من الله، وعدم سيرك على منهج الله.
أحوال الكفار والمنافقين يوم القيامة
الأحوال الأخروية ثلاثة: 1- حالة الكفار والمنافقين.2- وحالة العصاة.3- وحالة المؤمنين جعلنا الله وإياكم منهم!وسوف نتحدث عن حالة الكفار والمنافقين يوم القيامة: عن ذلتهم، وهوانهم، وصغارهم، وخيبتهم وندامتهم.
 إحباط أعمالهم
كذلك أهل النار عندما يدخلون النار يبلس المجرمون، وبعد ذلك يتعلقون ببقايا آمال في أعمال كانوا يصنعوها في الدنيا ظنوا أنها تنفع؛ لأن أعمال الكفار يوم القيامة تنقسم إلى قسمين:أعمال بغي وكفر وفساد، فهذه باطلة وفاسدة، ولا يرجون ولا يتوقعون من ورائها خيراً، وهذه شبهها الله في القرآن بالظلمات، قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور:39]* أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] هذه الأعمال الباطلة ظلمات بعضها فوق بعض.وظلمات يظنون أنها تنفعهم يوم القيامة وهي:الصدقة، العتق، صلة الأرحام، الصدق في المواعيد، والمعاملة، والاتجار، لكن هذه نفعتهم في الدنيا؛ لأنهم لم يعملوها لوجه الله وإنما للدنيا، صدقوا في المعاملات لكي تنضبط أمورهم، أخلصوا في العمل لكي تشترى بضائعهم، ووصلوا أرحامهم لكي يبادلوهم بالمودة والمشاعر، وتصدقوا إلى جمعيات الحيوانات من أجل غريزة نفسية؛ فما نفعهم هذا العمل في الدنيا، يقول الله فيهم: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16]. حبط ما صنعوا في الدنيا والحبط: هو داء يصيب بعض المواشي، إذا أكلت بعض النباتات انتفخ بطنها، ثم حبطت ثم انفجرت يسمى (الحشر) ويقولون: الغنم (حَشَرَت) إذا أكلت طعاماً من ذرة لم تنضج، فهؤلاء يأتون ببطون يحسبون أن فيها شيئاً، لكن قال الله وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].ويقول عَزَّ وَجَلّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20] ويقول الله عَزَّ وَجَلّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً [الإسراء:18].. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء:19] فهؤلاء عملوا عملاً صالحاً ولكن ما أرادوا به وجه الله، فإذا جاءوا يوم القيامة ظنوا أنهم على شيء، قال الله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ [النور:39] أي: أعمالهم الصالحة كَسَرَابٍ [النور: 39] السراب الذي في الصحراء، إذا رأيته في الظهيرة ترى كأنه ماء، فتقدم عليه وتشد نفسك إليه فكلما اقتربت ابتعد عنك، قال الله: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور:39] فهؤلاء عملوا عملاً كسراب، ويوم لقوا الله ما وجدوا شيئاً.ثم مثَّل الله عملهم بالرياح الشديدة التي تهب على الزروع والثمار اليانعة فتحطمها، قال الله عَزَّ وَجَلّ: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ [آل عمران:117] يعني: الكفار، نفقاتهم، وصدقاتهم، وإغاثاتهم، وإعطاؤهم للجمعيات الخيرية، والبر وهم كفار؛ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ [آل عمران:117] ريح لا رياح، والريح أشد فِيهَا صِرٌّ [آل عمران:117] أي: فيها عواصف شديدة وصوت يصر ويقطع الأشجار فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:117] لديهم زروع وثمار من العمل لكن لديهم ريح فيه صر وهو الكفر، فأهلكت عملهم هذا والعياذ بالله.وقد شبه الله عملهم أيضاً بالرماد، وتصوروا رجلاً جعل الله أعماله كلها رماداً، والرماد نهاية النار، كما يقول المثل: (النار ما خلفت إلا رماداً) يضرب هذا المثل إذا وجد -مثلاً- رجل صالح وابنه فاسد فيقولون هذا المثل.فقد شبه الله أعمال الكفار الصالحة بالرماد، قال الله عَزَّ وَجَلّ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ [إبراهيم:18] تصور شخصاً معه رماد، والريح اشتدت فذهبت به، قال الله: لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18] ولذا يجعل الله أعمالهم هذه كلها هباءً: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23].في الحالة الأولى: لهم الذلة والصغار والنكال والعذاب.ثم في الحالة الثانية: لهم إحباط العمل، فيقولون: عندنا عمل، فيحبطه الله فلا يبقى.
تخاصم أهل النار
الحالة الثالثة: وهي التخاصم والتلاوم والمعاذير، وكل شخص يتكلم على أخيه وزميله، يسبه ويلعنه ويحمله المسئولية على هذا.مثلاً: قُبض على أربعة سكارى وأدخلوهم السجن، فكل شخص يلعن الآخر في سجن الدنيا.أما في يوم القيامة فهو يحدث عندما يعاين أهل النار النار، ويرون العذاب وما هم فيه وما يحصل لهم.
 خصام بين الكافر وأعضائه
هذه مخاصمة بين الكافر وبين الناس، ثم بينه وبين زملائه، بينه وبين المستكبرين، ثم بينه وبين شيطانه، ثم تحصل مخاصمة بين الإنسان وبين نفسه، بينه وبين أعضائه، فعينك التي تستخدمها في الحرام والله لتكونن خصماً لها يوم القيامة، وتكون خصمك يوم القيامة.فيقول الله: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت:19] يوزعون، أي: يجمعون، يجمع أولهم على آخرهم، مثلما تَجَمعُ الغنمَ إذا أدخلتها في الحضيرة، لا تُدخلها واحدة واحدة، وإنما تتجمع كلها، تخشى أن إحداها تهرب فتردها.. وهكذا، يحشرون ويوزعون حتى لا يفلت منهم أحد. حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت:20] ويبدأ الخصام: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [فصلت:21] يقولون: إن الله الذي أنطقنا كما أنطقكم أول مرة، أنطقنا نحن الجوارح بما عملنا. أنت كانت عينك لك، وجعلتها عدوة لك،وكانت أذنك لك، ولكن جعلت أذنك عدوة لك، كان بالإمكان أن تجعل هذه العين صديقة لك تنظر بها في الحلال، وتقرأ بها القرآن، وأذنك تسمع به القرآن ولسانك تتكلم به في الحق، فتكون هذه يوم القيامة شواهد لك، ولكن يوم أن سخرتها في الباطل أصبحت شهيدة عليك.ويكون هذا حين يعاينون العذاب الشديد الذي أعده الله لهم، فيلجئون بعد ذلك إلى التقليد، والإنكار، وتكذيب الملائكة، ويدعون أنهم كانوا صالحين، فما يبقى عليهم حجة إلا أن يُشْهَدَ الله عليهم أنفسهم.فيختم الله على أفواههم، وتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وبعد سماعهم لكلام جوارحهم، يقول أحدهم لأعضائه: بعداً لكنَّ وسحقاً، عنكن كنت أجادل.يا إخوان! والله إن هذا الحديث تشيب منه الرءوس إن كان في القلوب إيمان وحياة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يلقى العبد ربه فيقول له: ألم أكرمك ألم أسودك؟ ألم أزوجك ؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل؟ وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب. فيقول الله: أظننت أنك ملاقيَّ، قال: لا يا رب، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلق الله آخر -رجلاً ثانياً- فيقول له مثل ذلك، ثم يلق الله -رجلاً ثالثاً- فيقول له مثل ذلك فيكذب على الله- فيقول: رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت، وتصدقت، وصمت، ويثني بخير على نفسه ما استطاع فيقول الله: ألا نبعث شاهدنا عليك؟! فيفكر في نفسه، فيقول: من الذي يشهد عليَّ فيختم الله على فمه، ويقول لفخذه: أنطقي، فتنطق فخذه، وينطق فمه وعظمه وجلده بعمله الذي كان يعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسبب سخط الله عليه). أخرجه مسلم . وفي صحيح مسلم حديث آخر، وفيه حوار آخر يجري بين العبد وبين جوارحه، وهذا الحوار يثير العجب والاستغراب، وقد أضحك هذا الموقف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كنا عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضحك فقال: أتدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم، فيقول الله: بلى. فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14] ثم يختم على فيه فيقال لأكتافه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام -وبعد ما تأتي أعضاؤه بالشهادة يعطى فرصة للكلام- فيقول: لأعضائه بعداً لكُنَّ وسحقاً، عنكن كنت أناضل، عنكن كنت أجادل!).هذه هي الخصومات ثم يدخلون بعد ذلك النار وترتفع أصواتهم باللعن، ويقول الله في هذا قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].هذا -أيها الإخوة- هو حال الكفار يوم القيامة، فهل يريد أحد منا أن يكون في مثل هذه الحال ؟ نعوذ بالله من هذه الحال.اللهم إنا نعوذ بك من النار ومن حال أهل النار، ومن حر النار، ومن عذاب النار، ومن الخزي والبوار، ونسألك يا الله، يا أرحم الراحمين ! أن تجيرنا من النار، اللهم حرم أجسادنا على النار، ولحومنا على النار وأبشارنا على النار، وحرمنا يا مولانا على النار! وآباءنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحوال أهل النار للشيخ : سعيد بن مسفر

http://audio.islamweb.net