إسلام ويب

المرأة بين الإسلام والتغريبللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كرم الله المرأة وأعطاها حقوقاً تتمتع بها، وشرفها بأن جعل نفقتها ومؤنتها على الرجل، وصانها بالبقاء في بيتها، وبالحجاب وعدم الاختلاط بالرجال، ثم جاءت جاهلية الغرب فاتخذت من المرأة سلعة تباع، ومن عفافها تجارة ووسيلة للإفساد ونشر الرذيلة، وهذا مما يوجب على الداعية المسلم أن يوعي الأمة بخيرية الإسلام وصيانته للمرأة، وما عليه دعاة الغرب من الرذيلة والفواحش.

    1.   

    تكريم المرأة بين الجاهلية والإسلام

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،

    أما بعد: فإن موضوع المرأة أصبح من الموضوعات التي ينبغي أن يهتم بها الرجال والنساء في عصرنا هذا خصوصاً، لما أشاعه أعداء الإسلام فيه من الافتراءات وما روجوا فيه من الشبهات التي كان العالم في غنى عنها لولا هذه الترويجات المغرضة.

    وذلك أن المرأة لا تتميز على غيرها من خلق الله تعالى إلا تميزاً بسيطاً فسيولوجياً هو الذي جعلها امرأة، وهذا التميز لا يقتضي أن تفرد بكلام، أو أن تفرد بتفكير، أو أن يكون لها وضع مستقل، فهي من خلق الله تعالى، ومن الذين أرسل إليهم الرسل وامتحنوا بهذا الشرع، فإما أن يتبعوا وإما أن يضلوا، وكذلك إما أن يكونوا من أهل الجنة، وإما أن يكونوا من أهل النار.

    ولكنه نظراً لبعض الأوضاع التي سادت في أوروبا وفي بعض البلدان الغربية فهضم فيه هذا الجنس من الناس وظلم، فجعلت المرأة بضاعة تباع وتشترى ويقصد بها الرزق، وتستغل كثيراً من أنواع الاستغلال، كانت النهضة الأوروبية الحديثة تجعل من مقوماتها ومن دواعي انتشارها، ومن أبواقها الإعلامية قضية تحرير المرأة.

    ولا واقع لهذه القضية في بلاد المسلمين في الأصل إلا ما استوردت من أوروبا، ولم يستورد منها شيء إلا بعد نهضتها وبعد الثورة الفرنسية التي جاءت بإعلان حقوق الإنسان، ولذلك فإن اتخاذ المرأة بضاعة تباع وتشترى، واتخاذها ذريعة للإفساد في الناس واستغلالها بأنواع الاستغلال السيئ؛ كل هذه الأمور إنما توجد في العوالم المتخلفة.

    ولهذا اشتهر في جاهلية العرب، أنهم كانوا يئدون بناتهم لئلا يشركنهم في مآكلهم ومشاربهم، ويئد بضعهم بناته خوفاً من الفضيحة، وكانوا كذلك لا يورثون النساء، لا من تركة الأزواج ولا من تركة الآباء، ولا الإخوة، وكانوا كذلك يكلفون الزوجة كثيراً من التكاليف، فكانت بمثابة الخادمة عند زوجها، وكان يضربها متى شاء ويؤذيها بأنواع الإيذاء.

    وكانت كذلك إذا مات تعاني الأمرين، فتحبس في بيتها حتى تمضي سنة كاملة، لا تمس ماء ولا استحداداً ولا طيباً، ثم بعد ذلك يكون أكبر أولاده أولى بها من نفسها فإن شاء باعها لمن يدفع أكبر ثمن، وإن شاء خلف عليها واتخذها زوجة دون مهر.

    وهذا الظلم كله نفاه الله عز وجل، وبدله الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعاد للمرأة حقوقها كاملة، فحرم الرسول صلى الله عليه وسلم وأد البنات، وجاء ذلك في عدد من آيات القرآن، فقد قال الله تعالى: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] ، وكذلك جاء فيه قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ[الإسراء:31]

    وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وحرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات).

    وكذلك حرم الرسول صلى الله عليه وسلم ضرب الزوجة، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يضرب أحدكم زوجه ثم هو ويضاجعها)، وفي رواية: (لا يضرب أحدكم امرأته ثم هو يضاجعها).

    وكذلك حرم الرسول صلى الله عليه وسلم إيذائهن ومنعهن من التصرف المباح، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات).

    وكذلك حرم الله عز وجل عضلهن، وحبسهن عن الزواج، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ[النساء:19] .

    وكذلك فرض الله لهن من الميراث نصيبهن وحظهن، فجعل للزوجة الربع من تركة زوجها إذا لم يكن له فرع وارث، والثمن إذا كان له فرع وارث، وجعل لبنت الصلب وحدها النصف، وللأخت الشقيقة وحدها النصف، وللعدد من بنات الصلب الثلثين إذا انفردن، وللعدد من الأخوات الشقائق الثلثين كذلك، وكذلك جعل للأخت للأم السدس إذا انفردت ويشتركن في الثلث إذا اجتمعن، ويستوي في ذلك الذكور والإناث من الإخوة للأم.

    وكذلك جعل لبنت الابن عند انفرادها مثل ما لبنت الصلب، أي: النصف، وإن تعددن فلهن الثلثان، وإن كانت بنت الابن مع بنت الصلب فلها السدس تكملة الثلثين، وكذلك الأخت لأب، إذا انفردت ترث النصف بكامله، وعند التعدد يرثن الثلثين، وللأخت لأبٍ مع الأخت الشقيقة السدس تكملة الثلثين.

    1.   

    الجواب عن الاعتراض في توزيع الميراث بين الذكور والإناث

    وهنا يعترض بعض المعترضين حين جعل الله تعالى للزوج عند عدم وجود الفرع الوارث النصف وله مع الفرع الوارث الربع، وأنه جعل في ميراث العصبات للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا مختصٌ بهاتين القضيتين فقط من قضايا التركة.

    والجواب هنا: أن المال لا يُنظر إليه بهذه النظرة المادية التي تقتضي التهافت عليه، فلا ينظر إلى المال شرعاً على أنه قيمة من قيم الإنسان، ولا أنه عنصر من عناصر التفاضل، أو معيار من معايير التفاضل بين الناس، بل يُنظر إليه على أنه وسيلة من وسائل تحقيق التكاليف فقط، فمن كانت تكاليفه كبيرة ينبغي أن يزداد حظه من المال ليتصرف فيه، ومن كانت تكاليفه صغيرة، لم يحتج إلى هذا المال ولا ينبغي أن يدخره ويحتكره، لأن ذلك يعتبر تعطيلاً لهذا المال عن الحكمة الشرعية التي من أجلها خلق.

    ولهذا فإن المرأة لم تكلف بكثير من التكاليف المادية في الشرع، فليست عليها دية، فلا تدي خطأها هي ولا خطأ غيرها، والرجل عليه الدية عن نفسه، وعن المرأة، بل يدي عن أقاربه جميعاً ذكورهم وإناثهم، والمرأة لا تدفع شيئاً من الدية.

    والرجل في الزواج هو الملزم بالصداق والنفقة والسكنى والكسوة، ولا يلزم المرأة شيء من ذلك، والرجل هو المكلف ببذل المال على وجه الأصالة في إعلاء كلمة الله تعالى في الجهاد في سبيل الله، ولا يجب ذلك على المرأة، فلما أسقطت عنها هذه التكاليف المادية، جاء حظها من الميراث أيضاً أقل في مقابل التكاليف، ومن هنا يزول هذا الاعتراض بكليةٍ.

    الجواب عن الاعتراض على جعل القوامة للرجال

    وكذلك فإن من الاعتراضات التي يعترض بها في هذا الباب القوامة التي جعلها الله تعالى للرجال على النساء؛ فإن الله عز وجل قال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ[النساء:34] .

    وهذه القوامة تقتضي الإشراف والنفقة، والقيام بالحقوق والحضانة، والدفاع عنها وإرشادها لما فيه مصلحتها، وهي تشريف شرف الله به الرجال في مقابل تشريف آخر شرف به النساء، وذلك أن الله عز وجل هو الحكم العدل، فجعل في الدنيا أمرين: الماديات والمعنويات، فشرف الرجال بأهم ما فيها من المعنويات وشرف النساء بأهم ما فيها من الماديات، فالنساء شرفهن الله بالذهب والحرير وحرم ذلك على الرجال، والرجال شرفهم الله تعالى بالقوامة، وحرم ذلك على النساء في الأمور العامة مثل الإمارة وإمامة الصلاة، وقوامة البيت، وغير ذلك.

    هذه أمور معنوية شرف الله بها الرجال، وحظرها على النساء، وفي المقابل شرف النساء بأشرف الماديات من الذهب والحرير، وغير ذلك من الأحجار الكريمة التي يمنع استعمالها على الرجال، وهذا عدلٌ من الحكم العدل، فلماذا لا يعترض على تحريم الحرير والذهب على الرجال ويعترض على تحريم القوامة على النساء؟

    إن هذا العنصر الذي هو المرأة عنصرٌ فعال مؤثر، فلذلك يحتاج إلى توجيهه توجيهاً صحيحاً ليتمكن من القيام بدوره الواجب، ولا شك أن أصل خلقة النساء تقتضي منهن لطفاً وعاطفةً زائدة، ولهذا أوجب الله عليهن الحضانة والتربية، والقيام بأمور البيت، وهذه حقوق لا يمكن أن تنكر؛ فهي مما يتعارف على أنه يختص بالنساء في كل أمةٍ وفي كل حضارة، ولا يمكن أن تسند إلى الرجال أبداً.

    لكن المشكلة أن الذين يدعون إلى تحرير المرأة يلزمونها بهذه الحقوق، ويوجبون عليها حقوقاً أخرى، وهي الحقوق الواجبة على الرجل، فيكبلونها بقيدين:

    القيد الأول: الحقوق التي كانت واجبة على النساء وهي مناسبةٌ لهن وملائمة لهن.

    والقيد الثاني: الحقوق الواجبة على الرجال، والتي هي مناسبة لخلقة الرجال وقوتهم، وهذا زيادة في التكاليف دون مقابل، والحكم العدل اللطيف الخبير أعلم بالمصالح، وهو الذي يقول في كتابه: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا[الكهف:51] .

    1.   

    دور المرأة في الإسلام

    إن نظرةً واقعية لحال المرأة في الإسلام وحالها في بلاد الغرب، تكشف لنا كثيراً من الحقائق.

    وإذا قلت: في الإسلام، فلا أقصد واقع المسلمين اليوم، ولا ما يعيشه المسلمون في بلاد الإسلام مع الأسف؛ لأن هذا الواقع إنما هو تجلٍ واكتشاف من تجليات الحضارة الغربية الموجودة وراء البحر الأبيض، فالواقع الذي نعيشه هنا ما هو إلا صورةٌ منقولةٌ من بعض ما هنالك، فلذلك لا يمكن أن نحاكم المرأة في الإسلام على هذا الأساس، ولا أن ننظر إلى واقع المرأة اليوم في بلاد المسلمين فنرى أنه هو الواقع الشرعي الذي يجب أن يكون.

    بل الواقع خلاف ذلك، فالمرأة في بلاد الإسلام اليوم إلا من رحم الله قد أخذت بما في بلاد الغرب، وسعت تنهق وراء الغربيات، وحاولت أن تُدرك ما فاتها من فجورهن وسعيهن فيما لا يرضي الله عز وجل.

    المرأة لها السبق إلى الإسلام ونصرة الدين

    لكننا إذا نظرنا إلى الإسلام على حقيقته مبيناً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح، رأينا أن أول من صدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نفسه امرأة، وهي خديجة بنت خويلد ، ورأينا أنها أول من ضحى في سبيل نصرة هذا الدين، وأنها سعت جاهدةً لتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم ومؤازرته ومساعدته بالنفس والمال، وأن لها أخوات وبنات سرن على طريقتها، وقمن بهذا الواجب على الوجه الأكمل، واقتفين هذا الأثر.

    ولذلك لا نجد تضحية للإسلام ولا عملاً مشرفاً للمسلمين، إلا وجدنا إلى جنب الرجال نساءً قمن أيضاً بهذا الحق وسعين في نفس المسعى، بل في كثير من الأحيان نجد بعض الميادين قد برز فيها كثير من النساء واختصت بتضحيتهن وقيامهن بالحق على وجه أكبر مما هو مألوف معروف لدى الرجال، ولهذا فإن فضيلة السبق في الإسلام تُذكر للنساء هنا، فهن أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك فضيلة المؤازرة بالمال، فهن أول من ضحى بالمال في سبيل نصرة الدين، وكذلك فضيلة الشهادة بالحق التي هي أقوى مقوٍ للنفسية والشخصية التي نجدها عند خديجة عندما قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتكرم الضيف، وتعين على نوائب الحق).

    فنجد قوة تصور هذه المرأة للمهمة الجسيمة التي كلف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم من تغيير واقع الناس، وفهمها العميق لهذه المهمة، وأنها تقتضي قوة في الشخصية وقوة في التأثير، وأن على من حوله أن يؤازره وأن يبين له ما فيه من الصفات التي تقوي شخصيته على ذلك؛ وكل هذا يدلنا على الفهم العميق الذي وصلت إليه هذه المرأة وهي تواجه هذه المهمة الشاقة الصعبة.

    المرأة المسلمة تشارك في الجهاد

    كذلك إذا نظرنا إلى بيوت المسلمين في الصدر الأول وجدنا أن المسئولية فيها مشتركة، وأن أعظم مهمات الإسلام وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وقد كان النساء فيه يخرجن مع الرجال، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا خرج في غزوة أقرع بين نسائه فمن خرجت القرعة لها خرج بها في سفره.

    وكذلك كان كثير من النساء لا ترضى أن تتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كلفها ذلك من المشاق، فهاهي أم سليم بنت ملحان وكانت مسناً حاملاً في شهرها التاسع، حين أراد رسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى فتح مكة، وإلى غزوة حنين والطائف، لم ترض أن تجلس خلفه في المدينة، فقالت: إن الحر الذي يستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهواجر بوجهه، لجدير بنا أن نستقبله. فخرجت من بيتها مجاهدةً مع رسول صلى الله عليه وسلم حتى شاركت في فتح مكة وفي غزوة حنين، وفي حصار الطائف، وأنجبت ولدها والرسول صلى الله عليه وسلم محاصرٌ للطائف وهي معه.

    وكذلك نجد أختها أم حرام بنت ملحان وهي زوجة عبادة بن الصامت رضي الله عنهما، عندما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها فاستيقظ يبتسم فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما يضحكك؟ قال: (قوم من أمتي ملوك على الأسرة أو كالملوك على الأسرة يركبون ثبج هذا البحر، هم في الجنة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم)، فهؤلاء القوم الذين يخاطرون في سبيل الله، ويبذلون أنفسهم لإعلاء كلمة الله، ويركبون ثبج البحر، وهم في الجنة كما شهد لهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لن ترضى هذه المرأة المؤمنة إلا أن تكون في مقدمتهم، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال (أنت منهم

    وكان قد رآها ورؤيا الأنبياء وحي.

    وهكذا فإننا نجد في البيت الإسلامي في الصدر الأول تكاملاً وانسجاماً بين ما يقوم به الرجال وما يقوم به النساء من أعمال، ونجد فيه تضحيةً متبادلةً من الطرفين، وعوناً متبادلاً ومؤازرة على الحق، ونصراً له، وتعاوناً على البر والتقوى، وتراحماً ومودة أكدهما الله تعالى في كتابه في قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] .

    مشاورة المرأة في أمور الدنيا والدين

    وكذلك نجد في البيت الإسلامي تحقيق التعاون والرفق، والعطف بين الطرفين أيضاً، فقد كان الرجال في صدر الإسلام ذوي شفقةٍ عظيمةٍ على نسائهم، وكانوا يشركون النساء في الرأي وفي الأمور الجسام.

    فهاهو الرسول صلى الله عليه وسلم يشاور أمهات المؤمنين في كل أمرٍ عظيم من أمور الإسلام، وكان لرأيهن آثارٌ طيبة في مسيرة هذه الدعوة المباركة، فهذه أم سلمة رضي الله عنها تشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية برأي أنقذ الموقف ورفع الغضب عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حين أمر الناس أن يحلقوا رءوسهم وأن ينحروا هديهم ويتحللوا فلم يفعلوا، فأشارت عليه أم سلمة أن يبدأ بنفسه، وأن ينحر هديه وأن يحلق رأسه، فإذا فعل فسيفعله المسلمون فلما امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أشارت به أم سلمة، امتثل ذلك المسلمون جميعاً، فأنقذت هذا الموقف، وقامت بالوجه الصحيح الذي يقتضي صواب الرأي وتمام الحنكة والفطنة.

    إن البيت الإسلامي مؤسسة متكاملة فيه تعاون على البر والتقوى، وقيام بالمصالح العامة وقيام بالمصالح الخاصة، فلا يحتكر فيه أحد الطرفين شيئاً من طاقاته وجهوده عن الطرف الآخر، ولهذا نجد فيه الانسجام الكامل والتعاون في كل الأمور، وأعظمها حقوق الله عز وجل، فإن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ[التحريم:6] ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ امرأته لتصلي معه، فإن هي امتنعت نضح في وجهها من الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل لتصلي، فأيقظت زوجها ليصلي معها، فإن هو امتنع نضحت في وجهه من الماء).

    إن هذا من التعاون على البر والتقوى، ومن التعاون على حقوق الله عز وجل التي هي بداية أمر الدين وملاكه، ثم بعد ذلك التعاون على الحقوق بالتغافر والتسامح في كافة الحقوق، وأدائها على الوجه الصحيح، كما تربى على ذلك الجيل الأول الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبوه ورأوا هديه ودله وسلوكه.

    1.   

    بيعة النساء

    إن المرأة في الإسلام ممثلاً في تلك العصور الأولى وفي ذلك الصدر المبارك، لم تكن في حاجةٍ إلى تحرير ولم تكن بحاجة إلى البحث عن حقوق زائدةٍ عن الحقوق الشرعية التي وهبها الله تعالى وشرفها بها، ولذلك لم تكن شخصاً مستهجناً ولا مستذلاً ولم تكن شخصاً هامشياً في الأسرة، بل كان يوكل إليها كثير من المهمات وتقوم بكثير من الأدوار البارزة، وتؤدي كثيراً من الحقوق، وتساعد الزوج في كل الأمور، ويوكل إليها كثير من الواجبات التي لا يمكن أن يقوم بها من سواها، ولهذا فإن الله عز وجل حدد شروط بيعة النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبينها في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[الممتحنة:12] .

    فحدد عز وجل شروط بيعة النساء هنا وبينها، وكانت شاملةً في جميع ميادين الحياة وجوانبها، فذكر الله فيها الشرط الأول: وهو أن لا يشركن بالله شيئا، وهذا كافٍ التحرير من الأغلال الأخرى، فإن أعظم غلٍ يغل به الشخص وأعظم عبودية يسترق بها هي العبودية لغير الله والشرك بالله، فهو أعظم أنواع الرق والعبودية، فمن كان عبداً لهواه أو كان عبداً لمن سوى الله، فهو رقيق مستذل مستعبد، ولهذا فإن الله عز وجل حرر المرأة بهذا الشرط الأول من شروط البيعة، وهو قوله: يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا[الممتحنة:12] ، فيشمل هذا الشرك في الربوبية وهو عبادة الأصنام، وشرك الألوهية بأنواعها المختلفة، فيدخل في ذلك شرك الدعوة، ويدخل فيه شرك التشريع، ويدخل فيه شرك المحبة، وكل هذه من القيود التي يقيد بها الناس وتكفهم عن التصرف، ولكن الله عز وجل حرر المرأة منها في هذا الشرط الأول.

    ثم بعد ذلك ذكر شروطاً أخرى مكملةً، فقال تعالى: (وَلا يَسْرِقْنَ)، وهذا يشمل السرقة من حقوق الله والسرقة من حقوق الناس، وشر السرقة سرقة المرء من صلاته كما في الحديث، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أنواع السرقة من الدين، فسئل عن الالتفات، فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم، ولا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه وقال: يا ابن آدم، إلام تلتفت؟ أنا خير مما التفت إليه).

    وكذلك يشمل هذا السرقة من الحقوق مطلقاً سواء كانت حقوقاً ماديةً أو كانت حقوق معنوية، ويشمل كذلك السرقة من الأموال، فيشمل ذلك ترك أداء الزكاة فإنه سرقة من مال الله تعالى، وكذلك ترك النفقات الواجبة، وترك أداء الديون، فكل ذلك داخل في السرقات.

    ثم بعد هذا قال: (وَلا يَزْنِينَ)، وهذا يشمل أنواعاً كثيرة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، والقلب يزني وزناه الفكر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).

    فالزنا شدد الله تعالى فيه النكير، وحرمه بأسلوب يختلف عن تحريم ما سواه من الفواحش، فإن ما سواه من الفواحش جاء النهي عنه بطريق المباشرة، وأما الزنا فجاء النهي عنه بقول الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32] ، فلم يقل: لا تزنوا، وإنما قال: (لا تقربوا الزنا)، فالنهي عنه يشمل النهي عن مقدماته ووسائله وما يؤدي إليه من الاختلاط والنظر والمصافحة، والكلام في الريبة، وغير ذلك من أنواع الوسائل التي يتوسل بها ويتوصل بها إلى الزنا.

    ثم بعد هذا قال: ( ولا يقتلن أولادهن )، وهذا يشمل قتل ديانة الأولاد بإفساد أديانهم، وقتل أخلاق الأولاد بعدم تربيتهم، وقتل أبدانهم بعدم الاعتناء بصحتهم، وغير ذلك من أنواع القتل، فليس القتل مقصوراً على إزهاق الروح بل أعظم القتل قتل الدين، ثم بعده قتل الخلق، ثم بعد ذلك قتل الروح وإضعاف البدن.

    ثم قال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ[الممتحنة:12] ، وهذا يشمل الكذب مطلقاً، وشهادة الزور وادعاء الحقوق الباطلة، وكذلك يشمل ادعاء الأنساب غير الصحيحة كتبني الأولاد ونسبتهم إلى النفس من غير أن يكون لذلك حقيقة.

    وكذلك قال: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) ، وهذا الشرط شامل لجميع الأوامر، فإن الشروط السابقة كلها متعلقة بالنواهي، وأما الأوامر فأجملت في قوله: وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ[الممتحنة:12] ، فشرط عليهن أن لا يعصين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به، فإن ما يأمر به هو المعروف، فيشمل ذلك الواجبات والسنن والمندوبات، فكلها داخلة في المعروف الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأمر به.

    فهذه البيعة ذات طرفين ككل بيعة، فعلى النساء الوفاء بهذه الشروط، والمقابل الذي سيجنينه هو الجنة، وهو سلعة الله الغالية، فلذلك قال: فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[الممتحنة:12] .

    ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يأتي النساء ليبايعنه يقرأ عليهن هذه الآية فيلتزمن بها، فيقول لهن: (فيما استطعتن وأطقتن)، فكن يقلن: أنت والله أرحم بنا من أنفسنا، أي: حين يشترط لهن هذا الشرط؛ لأنه يعلم ضعف عواطفهن وضعف أبدانهن، فيشترط لهن فيما استطعن وأطقن.

    إن هذه البيعة تقتضي أن المرأة عنصر مهم في الإسلام، وأنه ليس عنصراً هامشياً، وأنه لا يمكن أن يدعى ببهتانٍ أنه لم يعط مكانه الصحيح، ولم يتبوأ مكانته المرموقة، بل هذه الآيات التي فيها شروط البيعة وتحقيقها، وهيئة أدائها، كفيلة بالنظر إلى هذا العنصر اللطيف بأنه من أهم شرائح المجتمع ومكوناته، فالغالب أنه أكثر من نصف المجتمع، وبه صلاح النصف الآخر، فهو الذي يربيه ويشرف عليه، وهو الذي يمكن أن يستغل أيضاً لإفساده كما سيتضح لنا في حياة المرأة في الغرب.

    1.   

    نماذج من تضحيات النساء في الإسلام

    وهنا أصل إلى بعض النماذج من النساء في الإسلام، فإن هذه النماذج يمكن أن نقرأ من خلالها ملامح عامة عن حقوق المرأة ودورها الذي يمكن أن تقوم به، وعطائها ونظرة الإسلام إليها ومكانتها فيه، وهذا كافٍ وحده مثبتٌ بأن هذا بالإمكان أن يقع، وأنه لا ضرر فيه ولا خطر، وأنه ليس فيه ما يؤدي إلى الاصطدام والانتقاص.

    تضحية أسماء بنت أبي بكر قبل الهجرة

    فمن هذه النماذج البارعة في الإسلام أسماء بنت أبي بكر الصديق:

    فهي امرأة يرضى نساء الإسلام بتمثيلها لهن، فإنها كانت في بداية هذه الدعوة فتاة صغيرة فامتلأ قلبها بحب هذا الدين والتصديق به والإيمان به، ورأت أنها يجب أن يكون لها دور، وأن يكون لها مباشرة لعمل تنصر به دين الله تعالى، وتقوم بجهدٍ في نصره ونشره، فنجدها عنصراً بارزاً يقوم بعمل خطير في أعظم مهمة من مهمات العهد المكي، وهي مهمة الهجرة، فأعظم مهمة للإسلام في العهد المكي هي مهمة الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها بداية إقامة الدولة الإسلامية.

    وهي وقت تكالب أعداء الله تعالى على هذه الدعوة وكيدهم لها، وهي وقت ضعفٍ كذلك؛ لأن المسلمين قد خرج أكثرهم من مكة وبقي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي من المستضعفين في القيود والأكبال والسجون، فكان الوقت وقتاً محتاجاً إلى التضحية والبذل في سبيل الله، فانتهزت أسماء هذه الفرصة وقامت بالحق الواجب.

    وهنا يأتي درس نفهمه من جهاد أسماء في هذه المرحلة، هذا الدرس ينبغي أن يكون بارزاً بين أعيننا، وهو أننا إذا تحدثنا عن أن المرأة لا يجب عليها كثير من التكاليف، وأنها ليست آلة للقيادة العامة، فليس معنى ذلك أنها إذا لم يقم بها الرجال تسقط عن النساء، بل إذا لم يقم الرجال بما يجب عليهم تعين ذلك على النساء، فإذا لم يقم الرجال بالقيادة التي تجب عليهم، فلا يحل للنساء أن يتركن ذلك، بل يجب عليهن أن يقمن بهذا؛ لأنه حق واجب على المسلمين، وهو فرض كفاية يأثمون بتركه، فإذا لم يقم به أحد تعين على من يطيقه ويستطيعه ممن شهد وحضر، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين.

    ومن هنا نعلم أن تراجع النساء واعتذارهن بأن الرجال لم يقوموا بالحق، أو بأن هذا من فروض الرجال وليس من فرائض النساء، تراجع في غير محله واعتذارٌ غير لائق، فإن الرجال إذا لم يقوموا بالحق وجب ذلك على النساء، ولهذا عرفت أسماء أن فرصتها المواتية أن تقوم بالحق في وقت الأزمة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت الظهيرة، وهو وقت لم يكن يأتيه فيه، فحرك حلقة الباب، فقام إليه أبو بكر فأعطاه أوامر سريعة هي خطة الهجرة، وهي على النحو التالي:

    أن أبا بكر يصحبه في هجرته، وأنهما سيذهبان إلى غار ثور فيمكثان فيه ثلاثة أيام بلياليهن، وأن عبد الله بن أبي بكر وكان شاباً هو المكلف بجمع الأخبار وتقصي المعلومات عن مكائد قريش ومؤامراتها، وأن أسماء هي المكلفة بالتمويل، فهي المكلفة بنقل النفقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار، وهي المكلفة بإعداد سفرتهما وما يحتاجان إليه من زاد، وتهيئة ذلك.

    وأن عامر بن فهيرة هو المكلف بالتستير والتغطية.

    فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر في الليل إلى غار ثور، فمكثا فيه هذه الليالي الثلاث بأيامها، وكانت أسماء تأتي في الليل وهي تحمل النفقة، وأرادت أن تهيئ لهما زادهما بمكة، فلم تجد وعاءً للفقر المدقع، فلم يمنعها ذلك من التضيحة بما تستطيع، فأخذت نطاقها، وهو الإزار التي تأتزر به، فقسمته نصفين، نصف اتزرت به، ونصف آثرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فجعلته وعاءً لزادهما في هجرتهما، ومن أجل ذلك لقبت بـذات النطاقين .. بهذا اللقب الشريف الذي يشهد بتضحيتها الجسيمة، وبذلها في وقت الأزمة والحاجة.

    وكذلك قام عبد الله بالوجه الأكمل لمهمته، فكان يجمع المعلومات ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فينقل إليهما ما جد من أخبار قريش ومؤامراتهم.

    وقام عامر بن فهيرة بالمهمة أيضاً على أبلغ الوجوه، فكان يريح الغنم على أثر عبد الله فيطمسه، ويغدو بها على أثر أسماء فيطمس أثرها.

    فهذه الفتاة المسلمة كانت حينئذ في بيت أبيها أبي بكر الصديق، وهي متزوجة بـالزبير بن العوام، لكن الزبير كان فتى فقيراً لا يملك إلا سيفاً وفرساً، وكان قد هاجر وتركها في بداية الحمل بمكة، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة، وكان هاجر إلى الحبشة ثم رجع منها ثم هاجر إلى المدينة.

    فلما خرج مهاجراً ترك أسماء حاملاً بابنها عبد الله، فهاجرت في مقدمة النساء المهاجرات بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وصلت إلى المدينة كان اليهود قد سحروا المسلمين، فتأثرت أسماء بهذا السحر فتأخر حملها فترة، ثم أنجبت عبد الله وأتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنكه بريقه ودعا له، وكان أول مولود يولد للمهاجرين.

    وكانت أسماء قامت بدور بارزٍ في بيت أبيها بمكة حين ترك أبو بكر أباه شيخاً كبيراً ضريراً، أي: أعمى، وخرج أبو بكر مهاجراً بكل ماله في سبيل الله، فقال أبو قحافة لـأسماء : ماذا ترك لنا أبو بكر ؟

    فأخذت ظرفاً ملأته من الحجارة وحركته وقالت: ترك لنا هذا المال الكثير، فأراد الشيخ أن يحمل الظرف فإذا هو ثقيل: فقال: هذا مال كثير، فمن تركه لا عليه أن يسافر ويخاطر!

    والواقع أن أسماء هنا لم تقتصر على التضحية بنفسها، وبما بذلته في سبيل الله عز وجل ونصرة دينه، ولكنها زيادة على ذلك استطاعت أن توظف وسائل أخرى للقيام بهذا الحق، فهاهي تستغل عقلها وشخصيتها في طمأنينة هذا الشيخ الكبير الأعمى حتى لا يجد في نفسه موجدة على ابنه المهاجر في سبيل الله.

    وبعد هجرتها كانت شخصاً فاعلاً في دعوة النساء في المدينة وتعليمهن، وكان نساء قريشٍ يعرفن الكتابة، وكان نساء الأنصار لا يعرفن الكتابة، فكان نساء المهاجرين يعلمن نساء الأنصار ما يتعلمن به القرآن من الكتابة، وكانت أسماء قد حفظت بعض القرآن قبل هجرتها فجاءت معلمة إلى المدينة، ومع ذلك لم تنشغل بالدعوة والتعليم عن واجبات البيت، فكانت تذهب إلى أرضٍ وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام بالعقيق، وكان الزبير يزرع فيها، فتأخذ منها ما تعلف به فرس الزبير، وتحمله على رأسها من مسافة طويلة، وقد مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تحمل علف الفرس على رأسها، فقال (لولا غيرة الزبير لحملناك).

    وكانت تخدم أم الزبير صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها بأنواع الخدمة، وهنا وجد الزبير أن وراءه شخصاً يوثق به، ويمكن أن توكل إليه المهمات، ويمكن أن يخاطر الشخص إذا تركه وراءه.

    فالشخص الذي لا يكل أموره إلى أحد، ولا يعلم أن وراءه من يقوم بمهماته، لا يتشجع على التضحية والبذل، لكن الشخص الذي يعلم أن وراءه من يقوم بكل مهماته، وأن وراءه شخصاً سيقوم بالحقوق كلها، ويؤديها على الوجه الأكمل، لا غرابة أن يخاطر وأن يبذل الكثير، وأن يضحي تضحيات جساماً، ولهذا فإنها شاركت الزبير بن العوام في أجره في غزواته كلها.

    وقد شهد الزبير المشاهد كلها مع رسول الله وكان حواليه، ولم تخرج غازيةً في سبيل الله لا طائفة ولا شاكية بحضرة الزبير إلا خرج فيها، وكان ينزل بألفٍ، ولذلك سيره عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع المقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت إلى عمرو بن العاص حين استنجده وكتب إليه أن ينجده بثلاثة آلاف مقاتل، فقال: (أرسلت إليك ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل واحد منهم بألف، فإذا لقيت عدوك فاجعلهم بين المسلمين وبين عدوهم، فإنهم لن يرجعوا حتى يقتلوا أو يحكم الله بينهم وبين عدوهم)، فهذه التضحية التي كان الزبير يقوم بها، وخلدها حسان بن ثابت، رضي الله عنه في قوله:

    وكم كربة ذب الزبير بسيفه عن المصطفى والله يعطي ويجزل

    فما مله فيهم ولا كان قبله وليس يكون الدهر مادام يذبل

    كلها تشاركه فيها أسماء بنت أبي بكر ، فهي التي خلفته في أهله وقامت بحقوقه، ووفرت له الجو المناسب ليضحي في سبيل الله، وليقوم بحقه.

    تضحية أسماء بنت أبي بكر بعد الهجرة

    فمن هذه النماذج البارعة في الإسلام أسماء بنت أبي بكر الصديق:

    فهي امرأة يرضى نساء الإسلام بتمثيلها لهن، فإنها كانت في بداية هذه الدعوة فتاة صغيرة فامتلأ قلبها بحب هذا الدين والتصديق به والإيمان به، ورأت أنها يجب أن يكون لها دور، وأن يكون لها مباشرة لعمل تنصر به دين الله تعالى، وتقوم بجهدٍ في نصره ونشره، فنجدها عنصراً بارزاً يقوم بعمل خطير في أعظم مهمة من مهمات العهد المكي، وهي مهمة الهجرة، فأعظم مهمة للإسلام في العهد المكي هي مهمة الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها بداية إقامة الدولة الإسلامية.

    وهي وقت تكالب أعداء الله تعالى على هذه الدعوة وكيدهم لها، وهي وقت ضعفٍ كذلك؛ لأن المسلمين قد خرج أكثرهم من مكة وبقي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي من المستضعفين في القيود والأكبال والسجون، فكان الوقت وقتاً محتاجاً إلى التضحية والبذل في سبيل الله، فانتهزت أسماء هذه الفرصة وقامت بالحق الواجب.

    وهنا يأتي درس نفهمه من جهاد أسماء في هذه المرحلة، هذا الدرس ينبغي أن يكون بارزاً بين أعيننا، وهو أننا إذا تحدثنا عن أن المرأة لا يجب عليها كثير من التكاليف، وأنها ليست آلة للقيادة العامة، فليس معنى ذلك أنها إذا لم يقم بها الرجال تسقط عن النساء، بل إذا لم يقم الرجال بما يجب عليهم تعين ذلك على النساء، فإذا لم يقم الرجال بالقيادة التي تجب عليهم، فلا يحل للنساء أن يتركن ذلك، بل يجب عليهن أن يقمن بهذا؛ لأنه حق واجب على المسلمين، وهو فرض كفاية يأثمون بتركه، فإذا لم يقم به أحد تعين على من يطيقه ويستطيعه ممن شهد وحضر، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين.

    ومن هنا نعلم أن تراجع النساء واعتذارهن بأن الرجال لم يقوموا بالحق، أو بأن هذا من فروض الرجال وليس من فرائض النساء، تراجع في غير محله واعتذارٌ غير لائق، فإن الرجال إذا لم يقوموا بالحق وجب ذلك على النساء، ولهذا عرفت أسماء أن فرصتها المواتية أن تقوم بالحق في وقت الأزمة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت الظهيرة، وهو وقت لم يكن يأتيه فيه، فحرك حلقة الباب، فقام إليه أبو بكر فأعطاه أوامر سريعة هي خطة الهجرة، وهي على النحو التالي:

    أن أبا بكر يصحبه في هجرته، وأنهما سيذهبان إلى غار ثور فيمكثان فيه ثلاثة أيام بلياليهن، وأن عبد الله بن أبي بكر وكان شاباً هو المكلف بجمع الأخبار وتقصي المعلومات عن مكائد قريش ومؤامراتها، وأن أسماء هي المكلفة بالتمويل، فهي المكلفة بنقل النفقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار، وهي المكلفة بإعداد سفرتهما وما يحتاجان إليه من زاد، وتهيئة ذلك.

    وأن عامر بن فهيرة هو المكلف بالتستير والتغطية.

    فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر في الليل إلى غار ثور، فمكثا فيه هذه الليالي الثلاث بأيامها، وكانت أسماء تأتي في الليل وهي تحمل النفقة، وأرادت أن تهيئ لهما زادهما بمكة، فلم تجد وعاءً للفقر المدقع، فلم يمنعها ذلك من التضيحة بما تستطيع، فأخذت نطاقها، وهو الإزار التي تأتزر به، فقسمته نصفين، نصف اتزرت به، ونصف آثرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فجعلته وعاءً لزادهما في هجرتهما، ومن أجل ذلك لقبت بـذات النطاقين .. بهذا اللقب الشريف الذي يشهد بتضحيتها الجسيمة، وبذلها في وقت الأزمة والحاجة.

    وكذلك قام عبد الله بالوجه الأكمل لمهمته، فكان يجمع المعلومات ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فينقل إليهما ما جد من أخبار قريش ومؤامراتهم.

    وقام عامر بن فهيرة بالمهمة أيضاً على أبلغ الوجوه، فكان يريح الغنم على أثر عبد الله فيطمسه، ويغدو بها على أثر أسماء فيطمس أثرها.

    فهذه الفتاة المسلمة كانت حينئذ في بيت أبيها أبي بكر الصديق، وهي متزوجة بـالزبير بن العوام، لكن الزبير كان فتى فقيراً لا يملك إلا سيفاً وفرساً، وكان قد هاجر وتركها في بداية الحمل بمكة، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة، وكان هاجر إلى الحبشة ثم رجع منها ثم هاجر إلى المدينة.

    فلما خرج مهاجراً ترك أسماء حاملاً بابنها عبد الله، فهاجرت في مقدمة النساء المهاجرات بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وصلت إلى المدينة كان اليهود قد سحروا المسلمين، فتأثرت أسماء بهذا السحر فتأخر حملها فترة، ثم أنجبت عبد الله وأتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنكه بريقه ودعا له، وكان أول مولود يولد للمهاجرين.

    وكانت أسماء قامت بدور بارزٍ في بيت أبيها بمكة حين ترك أبو بكر أباه شيخاً كبيراً ضريراً، أي: أعمى، وخرج أبو بكر مهاجراً بكل ماله في سبيل الله، فقال أبو قحافة لـأسماء : ماذا ترك لنا أبو بكر ؟

    فأخذت ظرفاً ملأته من الحجارة وحركته وقالت: ترك لنا هذا المال الكثير، فأراد الشيخ أن يحمل الظرف فإذا هو ثقيل: فقال: هذا مال كثير، فمن تركه لا عليه أن يسافر ويخاطر!

    والواقع أن أسماء هنا لم تقتصر على التضحية بنفسها، وبما بذلته في سبيل الله عز وجل ونصرة دينه، ولكنها زيادة على ذلك استطاعت أن توظف وسائل أخرى للقيام بهذا الحق، فهاهي تستغل عقلها وشخصيتها في طمأنينة هذا الشيخ الكبير الأعمى حتى لا يجد في نفسه موجدة على ابنه المهاجر في سبيل الله.

    وبعد هجرتها كانت شخصاً فاعلاً في دعوة النساء في المدينة وتعليمهن، وكان نساء قريشٍ يعرفن الكتابة، وكان نساء الأنصار لا يعرفن الكتابة، فكان نساء المهاجرين يعلمن نساء الأنصار ما يتعلمن به القرآن من الكتابة، وكانت أسماء قد حفظت بعض القرآن قبل هجرتها فجاءت معلمة إلى المدينة، ومع ذلك لم تنشغل بالدعوة والتعليم عن واجبات البيت، فكانت تذهب إلى أرضٍ وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام بالعقيق، وكان الزبير يزرع فيها، فتأخذ منها ما تعلف به فرس الزبير، وتحمله على رأسها من مسافة طويلة، وقد مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تحمل علف الفرس على رأسها، فقال (لولا غيرة الزبير لحملناك).

    وكانت تخدم أم الزبير صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها بأنواع الخدمة، وهنا وجد الزبير أن وراءه شخصاً يوثق به، ويمكن أن توكل إليه المهمات، ويمكن أن يخاطر الشخص إذا تركه وراءه.

    فالشخص الذي لا يكل أموره إلى أحد، ولا يعلم أن وراءه من يقوم بمهماته، لا يتشجع على التضحية والبذل، لكن الشخص الذي يعلم أن وراءه من يقوم بكل مهماته، وأن وراءه شخصاً سيقوم بالحقوق كلها، ويؤديها على الوجه الأكمل، لا غرابة أن يخاطر وأن يبذل الكثير، وأن يضحي تضحيات جساماً، ولهذا فإنها شاركت الزبير بن العوام في أجره في غزواته كلها.

    وقد شهد الزبير المشاهد كلها مع رسول الله وكان حواليه، ولم تخرج غازيةً في سبيل الله لا طائفة ولا شاكية بحضرة الزبير إلا خرج فيها، وكان ينزل بألفٍ، ولذلك سيره عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع المقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت إلى عمرو بن العاص حين استنجده وكتب إليه أن ينجده بثلاثة آلاف مقاتل، فقال: (أرسلت إليك ثلاثة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل واحد منهم بألف، فإذا لقيت عدوك فاجعلهم بين المسلمين وبين عدوهم، فإنهم لن يرجعوا حتى يقتلوا أو يحكم الله بينهم وبين عدوهم)، فهذه التضحية التي كان الزبير يقوم بها، وخلدها حسان بن ثابت، رضي الله عنه في قوله:

    وكم كربة ذب الزبير بسيفه عن المصطفى والله يعطي ويجزل

    فما مله فيهم ولا كان قبله وليس يكون الدهر مادام يذبل

    كلها تشاركه فيها أسماء بنت أبي بكر ، فهي التي خلفته في أهله وقامت بحقوقه، ووفرت له الجو المناسب ليضحي في سبيل الله، وليقوم بحقه.

    أسماء تساند ابنها عبد الله بن الزبير

    لم تقتصر أسماء فقط على بيت والدها وبيت زوجها، بل حين بلغت من الكبر عتيا وبلغت مائة سنة، كان ابنها عبد الله يرى أن واجبه أن يقوم لله بالحق حين رأى خلافة المسلمين تسقط، ويرى الدولة مهددة، فيدعو بأن ينتصب خليفة للمسلمين ويدعو الناس إلى ذلك؛ لأنه يرى أن الخلافة لابد منها وأنها أساس الإسلام ومحوره، وأنه إذا لم يقم للإسلام خلافة، فستسقط دولته، كما حصل في عصورنا هذه والله المستعان!

    فقام عبد الله بهذا الحق، فوجد من أمه خير مؤازرٍ على ذلك، فهذه العجوز الكبيرة التي قد بلغت المائة أو جاوزتها تقوم بالحق في هذا الوقت، وتؤازر ولدها في القيام بخلافة المسلمين، وتؤيده على ذلك، وحين دخل عليها ليودعها حين انهزم عنه أصحابه وبقي وحده يجاهد عن حرم الله وعن بيته، وكانت الخيل تدخل عليه من باب بني جمحة فيعترضها وحده حتى يردها، وتدخل عليه من باب بني عبد الدار فيعترضها وحده حتى يردها، فلما كثر عليه ذلك، أغلق أبواب المسجد الحرام، وذهب إلى أمه ليودعها، فلما دخل عليها قالت: (يا بني، إن كنت على الحق فامضِ عليه، فقال لها: إني لا أخاف إلا أن يُمثل بجسدي بعد موتي، فقالت: يا بني، إن الشاة لا يؤلمها السلخ بعد الذبح!).

    فشجعته بهذا، فاستمر عبد الله قائماً بالحق حتى لقي الله تعالى ومات شهيداً واحتسبته أسماء ووقفت عليه وهو مصلوب، فكانت تقول: أما آن لهذا الراكب أن ينزل ؟

    ولذلك فإنها قامت بالتضحية في ثلاثة أشياء، قامت بالتضحية في بيت أبيها وأسرتها الأولى التي هي أسرة النسب، ثم قامت بالتضحية في بيت زوجها وأسرتها الثانية التي هي أسرة السبب، ثم قامت بالتضحية في الجيل الثالث وهو جيل أولادها، ولهذا علمت بنات أولادها، فهاهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير تروي جميع حديث أسماء بنت أبي بكر ويروي عنها زوجها هشام بن عروة بن الزبير، ولذلك تجدون في الموطأ كثيراً من الأحاديث التي يرويها مالك عن هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تضحيات صفية بنت عبد المطلب

    وكذلك من هذه النماذج الصالحة صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي مات عنها زوجها وترك لها الزبير طفلاً صغيراً ولم يترك لها أي مال، فكان أخوها أبو طالب ينفق عليها وعلى ولدها، وكانت تشتد مع ولدها في تربيته، وتضربه على خلقه، لتعلمه الشجاعة والحنكة والحكمة، ولهذا نقدها أعمامه وزعموا أنها تبغضه، فقالت فيهم:

    من خالني أبغضه فقد كذب وإنما أضربه لكي يلب

    ويهزم الجيش ويأتي بالسلب

    ولذلك فإنها قد أتاها رجال في الجاهلية يسألون عن الزبير حين أسلم يريدون الإيقاع به، فجاءها رجل من قريش، فقال: أحق أن الزبير قد صبأ؟ فقالت: كلا والله! ولكنه أسلم وصدق، فقال: سترين ما أصنع به، فقالت: هو في المكان الفلاني فاذهب إليه، فذهب إلى الزبير فوجده منشغلاً بأمر فهجم عليه، فأخذه الزبير وأسره وكتفه بسية قوسه، وجاء يحمله على عاتقه فوضعه بين يدي صفية ، فوقفت عليه وضربته بعصا وقالت:

    كيف وجدت زبرا؟ أعسلاً وتمراً؟

    أم أسد هزبرا؟

    ثم إنها قد شجعت المسلمات على نصرة الدين وقامت بكثير من التضحية في سبيل ذلك، سواء كان هذا في العصر المكي وعصر الاستضعاف، حيث كانت صفية وأخواتها بنات عبد المطلب اللاتي لهن مكانة اجتماعية كبيرة بمكة؛ يدافعن عن المستضعفين، ويقدمن النفقات إلى المأسورين من المسلمين، حتى إن أبا جهل نقدهن بذلك، وقال: ما زلتم يا بني هاشم يتنبأ رجالكم حتى تنبأ نساؤكم؟

    وذلك حين رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤياها في قصة معركة بدر، رأت أن شهاباً نزل على جبل أبي قبيس فتفرق فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا دخلته جمرة منه، فأول ذلك بمعركة للإسلام على قريش ينهزم فيها المشركون، وينصر فيها الدين، فكانت معركة بدر.

    كذلك فإن صفية بعد أن هاجرت إلى المدينة، كان لها دور بارز في تعليم النساء، ومؤازرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأييده على القيام بالحق، حتى إنها كانت تجاهد بنفسها، وكانت ذات شجاعة وبطولة، فحين اشتدت الأزمة على المسلمين بالمدينة، وبلغوا مبلغاً لم يبلغوه في أي أزمة في يوم الأحزاب، فهي أعظم أزمة في التاريخ المدني، كما أن أعظم أزمة في التاريخ المكي هي قضية الهجرة.

    فأعظم أزمة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة هي قضية الأحزاب التي وصفها الله تعالى في كتابه بقوله: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا[الأحزاب:10-11] .

    هذه الأزمة العظيمة انتهزتها صفية بنت عبد المطلب لتبين نموذجاً صالحاً من النماذج النسوية التي ينبغي أن يقتدي بها النساء حين لا يقوم الرجال، أو حين ينشغل الرجال عن أداء الواجبات، أو حين لا تتأتى فرصة للرجال فيقومون بما وجب عليهم، فإن النساء حينئذ سيقمن به على الوجه الصحيح كما فعلت صفية بنت عبد المطلب ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل النساء في حصن حسان وكان حصناً بالمدينة، فرأى اليهود ذلك، فأرادوا الاعتداء على النساء حين شغل المسلمون بالمعركة، فجاء أحدهم يستطلع القصر، يريد أن يكتشف هل للقصر حامية تحيمه من الرجال، أو ليس كذلك حتى يصولوا عليه ويأخذوا من فيه، فلما رأت صفية هذا الرجل، عرفت أنه ما جاء إلا لشرٍ فنزلت إليه بعمودٍ فضربته حتى قسمت رأسه، ثم أمرت حسان بن ثابت أن ينزل إليه حتى يسلبه ويأخذ سيفه وسلاحه فقال: هلا سلبتيه؟! فقالت: إنه قد استقبلني بعورته فعففت عنه.

    فقامت بالحق، وأدت هذه المهمة الجهادية العظيمة، فلما رأى ذلك اليهود قالوا: قد علمنا أن محمداً لم يكن ليترك نساءه دون حامية، وظنوا أن صفية رجل وأنها من الرجال الذين يحمون النساء في ذلك الأطم، أي: الحصن.

    علم عائشة بنت أبي بكر ودورها في الإسلام

    ومن هذه النماذج الصالحة عائشة بنت أبي بكر الصديق، الصديقة بنت الصديق التي جاء جبريل يحملها في سرقة من الجنة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي صغيرة، فقال هذه زوجك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن يكن ذلك من عند الله يمضه! وذلك في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت زوجه في الدنيا والآخرة، زوجه في الدنيا وزوجه في الجنة، كما قال عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

    خرجت مهاجرةً مع أمها وهي بنت صغيرة في السابعة من عمرها، وقد عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في السادسة من عمرها بمكة، فجاءت إلى المدينة ومرضت مرضاً شديداً، ولكنها كانت من صباها نابهةً بالغة الذكاء، فتخصصت في العلم وحفظه على الناس، حتى أنها كانت تسمع الخطبة الطويلة فتحفظها بالمرة الواحدة، وكانت تسمع القصيدة الطويلة فتحفظها من مرة واحدة، وقد حفظت من شعر لبيد بن ربيعة عشرين ألفاً، وحفظت اثني عشر ألفاً من شعر شاعرٍ آخر.

    وكانت تسمع كلام أبي بكر وهي صغيرة فتحفظه كما هو، ولهذا اتجهت إلى الاتجاه العلمي والدعوي لتقوم بالحق الواجب لله تعالى، ولتصون هذا الدين عن الضياع، فحفظت على المسلمين ما يختص بأمور بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم، وزادت على ذلك بشخصيتها الفذة، فكانت ناقدةً ترد على الصحابة كثيراً من الفتاوي التي تخالف ما لديها من محفوظات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا جمع البدر الزركشي ما خالفت فيه عائشة الصحابة رضوان الله عليهم في كتابٍ سماه: الإجابة في ردود عائشة على الصحابة.

    وكذلك فإنها رضي الله عنها، كانت لا تسمع شيئاً لم تفهمه إلا سألت عنه وراجعت فيه حتى تفهمه، كما ثبت ذلك عنها في صحيح البخاري، ولهذا ناقشت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمعته يقول: (إن من نوقش الحساب فقد عذب)، وسمعت قول الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا[الانشقاق:8-9] .

    فراجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأجابها بقوله: إنه العرض، أي: فالحساب اليسير هو مجرد العرض على الله عز وجل.

    وكذلك فإنها فهمت من أمر الله عز وجل لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، أنه يجب عليها أن تؤدي ما حفظته وبلغها من وحي الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فبذلت الجهد في ذلك، وكانت ثاني شخص في الإسلام في حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكانت تحدث الناس من وراء حجاب وتعلمهم في مكان يجتمع عليه الرجال فتفتيهم، ويستفتونها في كل الأمور، وكانت إذا أرادت أن يدخل إليها أحد منهم، أمرت إحدى بنات إخوتها أو بنات أختيها أن ترضعه حتى يدخل عليها، وهذا رأي لها واجتهاد منها رضي الله عنها.

    مواجهة عائشة لحادثة الإفك

    وكذلك فإن أعظم مشكلة في حياتها هي مشكلة الإفك التي حصلت في العام السادس من الهجرة، عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازياً إلى بني المصطلق، فأقرع بين نسائه، فخرجت القرعة لـعائشة، وكان ذلك العام عام قحط.

    وكانت عائشة قد استعارت من أختها أسماء عقداً من جزع أظفار فكان في عنقها، فبينما هي خارجة لبعض حاجتها ذكرت العقد فلم تجده، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه فمكثوا كذلك حتى نفذ ماؤهم، فجاء الناس إلى أبي بكر فقالوا: أما ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء.

    فأتاها فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً قد اضطجع وأسند كتفيه إلى بطنها، فجعل أبو بكر يضربها بخاصرتها، ويقول: أقمت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء؟ تقول: فأتألم ما يمنعني من الحركة إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه جبريل بآية التيمم، فقال أسيد بن حضير : ما هي بأول بركاتكم علينا يا آل أبي بكر، فبعثوا البعير الذي كانت عليه فوجدوا العقد تحته، ثم انطلقوا، فبينما هم معرسون في مكان إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل من الليل، فكانت عائشة قد خرجت لحاجتها، فجاء رجلان فحملا الهودج الذي كانت فيه، ولم يشعرا أنها ليست فيه.

    فجاءت فوجدتهم قد ارتحلوا ولم تجد أحداً في مكانهم فقالت: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذكرني، فأقامت في مكانها وصلت الفجر وجلست فيه تذكر الله، فلما كان وقت الضحى مر بها رجل من الصالحين من المسلمين، وهو صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه، وكان رجلاً مخبتاً يبقى في آثار الجيوش ليأتي بما يتركوه ورائهم، وليحفظ عليهم أمتعتهم، ويحفظ عليهم ظهورهم، فرآها فعرفها، فاسترجع واستعبر -أي: بكى- وولاها ظهره، وأناخ لها راحلته فركبت عليها من الخلف، وقاد بها حتى لحق بالجيش.

    وكان المنافقون قد خرجوا في تلك الغزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا الإفساد، فأرادوا أولاً إيقاع حرب بين المهاجرين والأنصار حين قالوا: لقد غلبنا هؤلاء الجلابيب على مدينتنا، فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فرد الله عليهم بسورة المنافقين في ذلك.

    وأرادوا كذلك إيقاع الفتنة بين المسلمين، فرموا عائشة بما برأها الله منه، فكان ذلك خيراً للمسلمين، رفع الله به منزلة عائشة ومنزلة أبيها أبي بكر ، بل ورفع به منزلة رسوله صلى الله عليه وسلم وزاد أجره، ولذلك قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ[النور:11] .

    وقد رفع الله منزلة أبي بكر حين وصفه بقوله: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى [النور:22] ، وكذلك رفع منزلة عائشة في قوله: الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ[النور:26] .

    هذه أعلى شهادة يمكن أن تحصل عليها امرأة، حين جعلها الله كفؤاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو خيرته من خلقه، وأفضل خلقه، قال الله تعالى الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[النور:26] .

    قالت عائشة : لقد نلت أحد الوعدين وأنا راجيةٌ للثاني.

    فنالت أحد الوعدين وهو العاجل، أي: الرزق الذي وعدها الله به في هذه الحياة الدنيا، وهي راجيةٌ للوعد الآخر؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، وهو المغفرة الأخروية، الشاملة لما تقدم من ذنبها وما تأخر.

    موقف عائشة من مقتل عثمان

    ثم إن عائشة رضي الله عنها لم تكتفِ بخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤازرته في نصرة دينه، وحفظ هذا الدين على المسلمين وتبليغه، بل حين رأت أمراً عظيماً، حصل في دولة الإسلام باغتيال الخليفة الثالث وحصاره ظلماً وعدواناً في الشهر الحرام في البلد الحرام؛ رأت أن من واجبها أن تتصرف.

    وأداها اجتهادها إلى الخروج للمطالبة بدم عثمان، وهي تعلم أن هذا ليس من شأن النساء، ولكنه إذا لم يقم به من يكفي من الرجال تعين على النساء، فاجتهدت هذا الاجتهاد، وإن كانت قد أخطأت في بعض جوانبه، فخطؤها مغفور؛ لأنه ليس عن رقة دين ولا عن جهلٍ، وإنما هو عن علم وطلب للحق، وهو اجتهاد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر).

    فـعائشة رضي الله عنها حين رأت أن الحق هنا وهو المطالبة بدم عثمان، وقتل قتلته، لم يقم به من يكفي من الرجال، رأت أنه مما يتعين عليها أن تقوم فتطالب بدم عثمان ، وتخرج في ذلك وتقاتل من أجله.

    وهكذا أيضاً كانت لها مشاركات أخرى في كثير من الأمور فيما بعد هذا، فهي المضحية الباذلة في سبيل الله، كان يأتيها عطاؤها من بيت المال، وهو عطاء سنة كاملة من بيت المال، وهي صائمة في النفل، فتنفقه جميعاً في يومها ولا تدخر منه درهماً واحداً للإفطار.

    وكانت رضي الله عنها تجتهد في تعليم الناس القرآن، وكان لها بعض الموالي الذين إذا حفظوا القرآن أعتقتهم، وكان لها مولى يحفظ القرآن ويكتب المصاحف، وكانت عائشة إذا كانت بمكة تنزل بين جبلي ثبير وحراء، فيجتمع عليها رجال قريش، فإذا كان من الليل أمرت عبد الرحمن بن أبي بكر أن يقوم بهم الليل ليصلي بهم جماعة، فإذا تخلف عبد الرحمن إلى الحرم أمرت مولاها ذكوان فيصلي بالناس، وكان ينشر المصحف أمامه فيقرأ فيه وهو يصلي بالناس.

    نماذج من عصور التابعين وأتباعهم

    هذه بعض النماذج في الصدر الأول من المضحيات في سبيل الله، ومن اللواتي نلن حقوقهن كاملةً في ظلال الإسلام، وحفظن حقوقهن ولم يفرقن ولم يفرطن، وعرفن أنهن على حق فلزمنه، وقد اقتفى آثارهن في كل العصور نسوة صالحات مؤمنات، لا خفاء في ذلك ولا إشكال.

    فلا نزال نذكر كثيراً من النساء اللواتي كان لهن دور بارز في خدمة الدين، ففي عصر التابعين لا نزال نذكر بعض النساء اللواتي حفظن علم الصحابة كـفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام وصفية بنت أبي عبيدٍ ،وغيرهن من النساء اللواتي كان لهن أثر بارز في خدمة هذا الدين وحفظ هذا العلم.

    ثم في عصر أتباع التابعين، نجد أن نسوة كان لهن أيضاً من الأثر والتضحية والبذل في سبيل الله الشيء الكثير ، فهذه زبيدة بنت جعفر بن المنصور زوجة هارون الرشيد، وهي من أتباع التابعين، حين حجت فرأت أن الحجاج ينقلون المياه على الحمر والإبل من مكة إلى عرفات، وأن كثيراً منهم يعطش، ويلقى عناءً في الحج، رأت أن من واجبها أن تقيم سقاية للحجيج تبقى بعدها، فجلست في مكة ولم تخرج منها حتى أقامت هذا المشروع الضخم، الذي أنفق عليه الملايين من الدنانير، وهذا المشروع ما زال قائماً إلى اليوم مشاهداً، وقد ظل الحجاج أكثر من أحد عشر قرناً وهم يشربون من سقاية زبيدة.

    1.   

    أهمية المرأة الصالحة في إقامة الدين والدنيا

    وكذلك غيرها من النساء اللواتي كن لهن تضحية بارزة في نصرة دين الله تعالى، والقيام بالحق، ولا يزال هذا مستمراً حتى في عصرنا هذا، فإننا نجد بنات هذه الصحوة المباركة في كل قطرٍ من أقطار المسلمين وهن يبدين النموذج الأمثل للنساء المؤمنات الملتزمات بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللواتي، فلا يطالبن بما ليس لهن من الحقوق، ولا يهتضمن الحق الذي أعطاهن الله، ولا يحاولن الترفع على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينزعن يداً من طاعة.

    ولذلك كن محل ثقة لدى الجميع، فكان أزواجهن في رضاً عنهن، وفي طمأنينة وارتياحٍ؛ لأن الزوج إذا علم أن وراءه من النساء من ستقوم بكل واجباته وحقوقه، وأنها تقوم بذلك في محضره وفي غيبته، وأنها تقوم بحقوق البيت كما لو كان هو حاضراً فيه، وترعى دينه ومروءته وتقوم بكل حق عليها، فإنه سيضحي تضحية جسيمة؛ لأن العرب يقولون: الولد مجبنةٌ مبخلة، وأصل ذلك أن من كثرت عليه الحقوق والالتزامات، إذا لم يجد من يعاضده عليها، فستقل تضحيته وبذله، وأما إذا وجد من يعاضده ويساعده، فسيبذل الكثير في سبيل الله.

    وقد شاهدنا كثيراً من النساء المسلمات الملتزمات في زماننا هذا أبدين من الالتزام بأمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ما يجعلهن يذكرن مع هذه النماذج السابقة، فهن على الأثر يهتدين بهدي هؤلاء النساء السابقات، فلذلك نجدهن يضحين في سبيل الله، ويعاديهن على ذلك الأساس أقاربهن، بل آباؤهن وأمهاتهن في كثير من الأحيان، ويجدن مضايقات كثيرةً من قبل الأزواج غير الملتزمين، ويجدن مضايقات كذلك من قبل المجتمع بأسره، ومن قبل وسائل الإعلام الماجنة المغرضة، ومع ذلك يسعين قدماً ويصبرن ويحتسبن في كل هذه الأمور، ويتمثلن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أخي موسى! قد أوذي أكثر من هذا فصبر).

    نجدهن يحافظن على حضور الدروس، والالتزام بما تعلمن من الهدي النبوي، ويحاولن أن يقمن بالحقوق على أكمل الوجوه، وأن يكن كما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم صوالح نساء قريش، أحناه على ولدٍ في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده، وأرضاه بالقليل، فهذه الصفات البارزة نجدها فقط في النساء الإسلاميات، وأما من سواهن فإن جميع الناس يعلمون أنهن لا يسلكن هذا المسلك فلا يرضين بالقليل، ولا يرعين على الزوج في ذات يده، وإن حصل منهن لطف بالولد في صغره، فليس ذلك راجعاً إلى محبة نصرة الدين، والقيام بالواجبات الشرعية، وإنما هو محبة للولد الذي هو فتنة، ولهذا يقول أحد علمائنا وهو محمد سالم بن عدود حفظه الله تعالى في وصف نساء هذه الصحوة المباركة:

    ما غاب من خلف في الدار من ترعاه في مقامه والمسير

    كأنها إياه في كل ما تفعل في غيبته تستشير

    تأتي الذي يرضى وتأبى الذي يأبى عليها دينها والضمير

    تقوم بالدين والمروءة على الوجه الصحيح، وفي ذلك تكون مثالاً صالحاً للنساء، وتؤدي الحقوق على الوجه الصحيح، لذلك نجد أن كثيراً من الناس اليوم لا يشعر بحلاوة القوامة إلا إذا كان في بيته ملتزمة، ولا يشعر بأنه سيد البيت إلا إذا كان في البيت ملتزمة، ونجد أنه إذا كان في البيت ملتزمة فإن الرجل سيعلم أن ماله لن ينفق إلا في سبيل الله، وأنه لن يفقد منه درهماً، فسيجده جميعاً في ميزان حسناته يوم القيامة، وسيعلم أن زوجته ستتولى كثيراً من الأمور التي هو عاجزٌ عنها أو محجوبة عنه، أو لا يستطيع الاطلاع عليها، فتقوم هي بها؛ لأنه رضي عن دينها وأمانتها، ورأى أنها تستطيع من التضحية والبذل ما لا يستطيعه هو، فيخجل من نفسه حين يرى من تضحية النساء ما لا يجده عند نفسه.

    وبذلك كان كثير من النساء المسلمات سبباً في هداية أزواجهن، وقد شاهدنا الكثير من هذا، ولا يزال يشاهد في مختلف بلاد الله.

    1.   

    مكانة المرأة ودورها بنظر الغرب

    المرأة وسيلة لإفساد المجتمعات

    إننا إذا ذهبنا إلى الطرف المقابل فرجعنا إلى المرأة في الغرب، أو في تصور الغرب، نجد أن الغرب ينظر إلى المرأة على أنها بضاعة رخيصة تباع وتشترى، فقيمتها المثلى هي أن تكون عارضة أزياء يتلذذ الناس بها في الشوارع، وتعرض على الشاشات وفي المجلات الخليعة، ولا تعدو هذا، فليس لها أية كرامة وليس لها أي حق من حقوق الإنسانية، ولا يعول عليها في القيام بمصالح البيوت ولا في تربية الناس، ولا في القيام بالأعمال المفيدة، ولا يمكن أن تخدم شعباً ولا أن تغير فيه، بل لا تزيده إلا تردياً وسعياً وراء الرذيلة، وبذلك كان النساء حسب تصور الغرب وحسب خططه حبائل للإفساد، وشراكاً للشيطان يقتنص بها من قدر عليهم، وكانت المرأة بهذا خارجة عن دورها البناء، عاملة في الهدم فقط.

    تكون مروجةً لاتباع الشهوات والملذات، ولإتلاف المال وإفساده في الموضات، ولتعطيل الحكم الربانية وتغيير الأحكام الشرعية، وبهذا تتخذ نفسها جنداً من جنود الشيطان، وعدواً لله عز وجل، وساعياً للإفساد والهدم، وحينئذ يكون أثرها سيئاً على أسرتها الأولى أسرة النسب، ثم على أسرتها الثانية أسرب السبب، ثم على الجيران، وهكذا.

    انتشار السفور في بلاد المسلمين

    ويتفاوت ضررها بتفاوت نشاطها في الفساد، فلا نزال نذكر أن أول ما جاء الفساد النسوي إلى بلاد الإسلام بدأ بتركيا، حين قام بعض النساء اللعينات بمسيرة المطالبة بالحقوق، ونزعن الحجاب عن رءوسهن، ورمينه ودسنه بأرجلهن، ثم انتقلت العدوى إلى مصر، فقامت اللعينة المسماة بـنوال السعداوي، وهي أول امرأة خلعت الحجاب في مصر، فنزعت غطاء رأسها أمام الأزهر وداسته بأرجلها، وكانت بذلك داعيةً إلى شرٍ، فعليها وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.

    ووجد هؤلاء النسوة من المفتونين ومن المتبعين للأهواء والشهوات الذين يريدون الحصول على الملذات دون مقابل، من يروج لهن ويسعى لإشاعة فكرتهن، ليتوصل بذلك إلى أهدافه السيئة، فالمستفيد الوحيد هم جند الشيطان الغواة، الذين لا يريدون تحمل مسئوليات إقامة بيوت، وإنما يريدون أن يشبعوا غرائزهم وملذاتهم دون مقابل، وهؤلاء هم البخلاء الجبناء الدخلاء في المجتمع الإسلامي ، فلا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لأقاموا أسراً صالحة، ولالتزموا بما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولنجا منهم الناس، فهؤلاء كانوا مروجين لهذه الفكرة الشيطانية والساعين للاستفادة منها بأكبر قدر ممكن، حتى إنهم ألفوا الكتب، وبحثوا عن بعض المفتونين من العلماء، فأرفدوهم ببعض الأدلة التي لم يفهموها حق فهمها، والنصوص التي حرفوها عن مواضعها، والحكايات المزورة التي لا أساس لها ، فجمعوا ذلك كله وجعلوه كتباً يتلقفها الناس بأفواههم، دون أن يتدبروها بقلوبهم.

    وكان من المروجين لذلك قاسم أمين المعروف لديكم، وكذلك اقتفى أثره كثير من المخانيث والمفسدين من أمثال طه حسين وغيره، ثم انتقلت هذه العدوى بعد مصر إلى غيرها من بلاد الإسلام، وما زالت تسير كالسيل الجارف الذي يسمع هديره قبل أن يصل، ونحن نراها الآن على أعتاب هذا البلد وعلى حدوده، والسيل الجارف إذا جاء فلم يجد سداً منيعاً أمامه فسيقتلع البناء، ويزيل الشجر، ويحمل معه كل ما استطاع، ونحن نرى هذا السيل ونسمع هديره، وهو على حدودنا وأعتابنا، فإما أن نقف في وجهه فنقوم بالحق لله تعالى، وهذا لا بد فيه من تكاتف الجهود وتعاضدها، ولابد من مشاركة النساء في ذلك وإبدائهن للأمثلة الصحيحة، ونبذهن لهذه المؤامرات التي يروج لها أعداء الدين، وأعداء المروءة، وأعداء الفطرة، وأعداء العقل، وأعداء العلم التي لم تأت إلا بشر.

    أضرار السفور والتبرج

    وقد رأى كل أفراد بني آدم في مختلف البلدان كثيراً من أضرارها، فنحن نشاهد اليوم من الأمراض التي انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها أمراضاً لم تكن مألوفةً لدى الأسلاف الذين مضوا، من أمثال مرض سيدا ( الإيدز ) ومرض الزهري.. وغير ذلك من الأمراض المنتشرة التي سببها الشذوذ والانحراف الجنسي.

    وكذلك نرى تفكك الأسر وانتشار أولاد الزنا الذين يمكن أن يستغلوا في كل فساد، فأنتم تعلمون أن المستعمر عندما جاء إلى الجزائر وأراد أن يرسي قواعده فيها، لم يجد من أبناء الجزائر من يستطيع التعامل معه ويكون من جنوده الذين يمكنون له، فكان أحد الفرنسيين خبيثاً جداً، حين وضع لهم خطة قال: أفشوا فيهم الزنا، فأولاد الزنا هم الذين سيخدمونكم؛ لأنهم ينقمون على المجتمع، ويجدون أن المجتمع يحتقرهم، ويجدون أنكم أنتم الذين ترفعون شأنهم، وسيخدمونكم ويبذلون أنفسهم في سبيلكم، فتحققت هذه الفكرة حينما انتشر الزنا في الجزائر وانتشرت فيها الخمور، فنشأ جيل كامل من أولاد الزنا رباهم المستعمرون وجندوهم وضربوا بهم المسلمين، فوطدوا بهم الحكم الفرنسي في الجزائر.

    وهكذا نجد اليوم القذافي يسعى لإشاعة الزنا في ليبيا ويدعو إليه ويتبنى أولاد الزنا، ويقول: ليسوا أولاد الزنا وإنما هم أولاد العقيد القذافي فينسبهم إلى نفسه؛ لأنه يعلم أنهم يجدون نقمة على المجتمع كما ينقم المجتمع عليه هو، فيريد أن يوجد منهم جنداً يدافع عنه ويثبته على عرشه، ويبذل نفسه في سبيل التمكين للقذافي ، وهكذا في كل البلدان.

    استغلال النساء في نشر الزنا والخمور والفساد

    إن انتشار هذه الفواحش وهذه الرذائل، ومنها أم الخبائث الخمر، كله مما يستغل له النساء في كثير من البلدان، فالنساء هن اللواتي يقدن الشبكات التي تروج للمخدرات والخمور، والغالب أن مروجو المخدرات معتمدون على شبكات من النساء في كل البلدان، وكذلك شبكات التجسس الكفري في بلاد المسلمين لا تعتمد إلا على شبكات من النساء، وكل مظاهر الفساد ينظر فيها إلى هذا الجنس اللطيف الذي يخدع بالعبارات ويخدع بالموضات وبالثناء، كما قال أحمد شوقي :

    خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء

    فيخدعون النساء بهذا الثناء، لاستغلالهن في هدم هذا الدين، واستغلالهن في الإفساد وإشاعة الفاحشة بين الناس.

    إن انتشار الفواحش وشيوعها بين الناس في كثير من أنحاء العالم اليوم من ورائه شبكات من النساء اللواتي جعلن أنفسهن من حبائل الشيطان ومن جنوده، فسعين للإفساد ما استطعن إلى ذلك سبيلاً.

    وأنتم تعلمون أن بلاد الإسلام وبالأخص بلاد المشرق الإسلامي، يوجد فيها اليوم شبكات كبيرة تسمى شبكات قسم الإيدز، وهي الشبكات التي توزع السيدا وتسعى لإشاعة هذا الميكروب بين الشباب المسلمين، وكل بلد له نجم معين لهذه الشبكة، وتجدون أن الفنادق في مختلف أنحاء العالم لا يكاد الشخص يدخل منها غرفةً إلا وجد فيها شبكة الإيدز لدولة من الدول الإسلامية، ومعنى ذلك أن امرأة من المصابات بالإيدز والمكلفات بتلويث كثير من الشباب بهذا الميكروب الضار، كانت قد استغلت تلك الغرفة في هذه الفاحشة وفي إشاعة هذا الميكروب، فتضع ذلك النجم رمزاً لأنها قد استغلت هذه الغرفة لذلك الميكروب الضار، وفي كثير من الأحيان يكتب تحتها رمز البلد غالباً.

    ولا شك أن إشاعة هذه الفواحش وانتشارها بين الناس هو بداية الدمار؛ لأن الأخلاق إذا هدمت فسيهدم الدين على الأثر، ثم بعد ذلك تهدم الدنيا، وقد أخرج أحمد في المسند وابن ماجه في السنن من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ما أظهر قوم الفاحشة فأعلنوا بها، إلا ظهر فيهم الطاعون وانتشرت فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم، ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وجور السلطان، ونقص المئونة، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)، وهذه هي بداية دمار الدين والدنيا.

    المخطط الماسوني لنشر النساء في مكاتب الأعمال وإفساد الشباب بالخمور والمخدرات

    ولا شك أن من المخططات المفسدة التي يروج لها المخطط الماسوني في العالم، أنه يسعى لأن لا يبقى مكتب في العالم، إلا وفيه سكرتيرة أنثى، فأصبح من التقاليد السائدة في بلاد الكفر وبلاد الإسلام أن السكرتيرة لا تكون إلا أنثى، والمقصود بذلك أن السكرتيرة لا بد أن تخلو بصاحب المكتب ويخلو بها فتحصل الريبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، ويريدون بذلك أن النساء اللواتي لديهن ضعف عاطفي ويسهل التأثير عليهن، إذا كن مطلعات على أسرار المكاتب، يمكن أن تأخذ منهن هذه الأسرار، مقابل أسعار زهيدة.

    ولذلك تجدون أن المكاتب هنا في بلادنا وفي غيرها من البلدان أكثر من يعمل في العمل السكرتاري من النساء، وهذا مخطط ماسوني معروف، قد انتشر من قبل وقدمت عنه التقارير، وقد طبق في كثير من البلدان.

    ثم إن أصحاب الخمور الذين يروجون لها يستغلون النساء دائماً لجمع الشباب، فكثير من الشباب لا يستهويهم الخمر لما قال عبد الملك بن مروان :أولها مرار وآخرها خمار، أي: تغطية للعقل، ولكن كثيراً من الشباب تستهويهم النساء المفسدات، فيسعون إلى إلحاق أجيال من الشباب بهؤلاء المفسدين ومروجي الخمور فيفسدون بذلك أجيالاً واسعةً من الناس، ويضلون جيلاً كبيراً من الناس، وإن بلدنا هذا كغيره من البلدان معرض في عصرنا هذا -وبالأخص في هذه الأيام- لموجة من هذا الإفساد، وبالأخص في أم الخبائث الخمر، وفي المخدرات.

    فمثلاً هذا النوع من الخمور يباع الآن في البقالات بأسعار زهيدة رخيصة، ولم تكتب عليه الجهة التي صنعته، ومع ذلك يكتب عليه اسم الخمر بالفرنسية، وهو يباع بأسعار زهيدة رخيصة ويوزع في كثير من الأماكن، ويوجد في البقالات، ولا يشعر كثير من أصحاب البقالات أنه خمر، وأن ذلك مكتوب عليه، فيبيع لهم، ويستدل كثير منهم أنه من شرب هذه القنينة الصغيرة قد لا يسكر، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أسكر منه الفرق فملء اليدين منه حرام).

    فما كان مسكراً بكثيره فيحرم تعاطي قليلة، إن انتشار هذا النوع وذيوعه بين الناس مقتضٍ لإفساد ديانة الناس وأخلاقهم، ومن شرب هذا الشيء القليل الخفيف في نسبة الكحول التي فيه ونسبة الإسكار فيه، فسيتدرج به إلى ما هو أقوى منه، وهكذا فإن من خالط الخمر دمه ومازجه، وأصبح مدمناً عليه من تلقاء هذه القنينات الصغيرة الزهيدة الثمن، سيجد نفسه مضطراً لأن يوغل في شرب ما هو أكبر منها وأقوى، وبالتالي يكون قد مُلك فيسدد الثمن الذي كان صغيراً الآن، فهذه ثمنها الآن يمكن أن يكون مائة أوقية مثلاً في البقالات، لكن الثمن سيؤخذ من الأجناس الأخرى التي هي أغلى منها وأكثر تركيزاً.

    فالشخص في البداية يستجذب بهذه، حتى إذا أصبح مدمناً للخمر اضطر إلى أخذ تلك الأنواع الأخرى الغالية، وهذه خطة عالمية، وقد اشتهرت في كثير من البلدان، وتأتي بالتدريج، فإذا لم ينتبه الناس دأبوا عليها وأصبحت أمراً بسيطاً بمثابة أول السلم الطويل الذي يصل إلى السقف، بدايته درجة واحدة يضع الشخص عليها رجله، ورجله الأخرى في الأرض، وهكذا.

    انتشار الفواحش نذير بالخطر

    إن انتشار هذه الفواحش وهذه الرذائل في مجتمعنا، هذا نذيرٌ بالخطر ينبغي أن يقف في وجهه كل غيور، وأن يتكاتف في الوقوف ضده الرجال والنساء على حد سواء، وأن يبذلوا ما يستطيعون بذله في كفاحه، وإظهاره وإشهاره، حتى لا ينخدع به ضعفاء العقول من الناس، وإن الشرر هو الذي يأتي منه معظم النار، فمعظم النار من مستصغر الشرر، تأتي الأمور في البداية صغيرة جداً ثم تكبر وتنتفخ، ولهذا قال شوقي في الزنا:

    نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء

    يأتي بالتدريج، حتى يصل المفسدون إلى غاياتهم، ولو أنهم صارحوا الناس بذلك في البداية لما نجحوا، لكنهم يتدرجون بالناس، ويأخذونهم بالخفية وإن هؤلاء المفسدين الذين يضحون هذه التضحيات الجسام، ينبغي أن يقابلهم أهل الحق بتضحيات أجسم من تضحياتهم، فلماذا يكون أهل الفساد بهذا الحد من الحرص على نشر الرذيلة والفساد والإباحية، ويكون أهل الحق مستضعفين لا يقومون لله بالحق.

    إننا إذا لم نقم بهذا فستلعننا الأجيال اللاحقة، حينما تجد أننا قد أدركنا بقية من الدين في هذا البلد، فلم نحافظ عليها حتى نوصلها لمن يأتي وراءنا من الأجيال، وضيعناها حتى ذابت بين أيدينا، وقام عليها الناس بالفئوس والسكاكين حتى نحروها وقطعوها إرباً إرباً ونحن ننظر!

    إن استغلال النساء في هذا النوع من الكيد، هو مدى ما يصبو إليه المنخدعات من النساء بواقع النساء في الغرب، فيسمعن الشهرة، والبهرجة الإعلامية، والمجلات النسوية التي تبدي الصور، وتروج لأنواع وسائل التجميل وأدواته، وتروج لأنواع الملابس الشفافة، والأزياء الكشافة، وغير ذلك من وسائل الإفساد والمغريات الباطلة، فينخدع بها ضعفاء العقول، ونجد كثيراً من النساء إذا رأت هذه المظاهر وهذا البهرج وهذا الباطل انخدعت به، فظنته شيئاً ينبغي أن يحرص عليه، وظنت أن هذه الشهرة شهرة محمودة، لكن الواقع أنها بمثابة شهرة نوع من أنواع الغذاء، فمثلاً الأرز مشتهر بين الناس، وبالأخص في شرق آسيا، فإنه المطعم الوحيد لديهم، فهل هذا مما يمتدح به الأرز، ويثنى عليه به؟

    لا. بل هو مأكول مذموم، كما يقول الناس عن لحم الرقبة، فكذلك النساء اللواتي يستغلهن المفسدون في إشاعة هذه الرذائل مأكولات مذمومات، واللواتي زال بهاؤهن وتقدمت بهن السن، أصبحن لا ينظر إليهن ناظر ولا يقفوهن أحد، وأصبحن يندمن على ما مضى، ولذلك نجد أن اللواتي انخدعن بمظاهر أقل من هذه كمظاهر التوظيف والدراسة، وأصبحن دكتورات وأصبحن موظفات، وبعضهن أصبحت وزيرة، فهذه المظاهر كلها عناءٌ مبينٌ، وإذا رجعت المرأة إلى بيتها رأت أنها ستبيع كل هذه البهارج بلحظة واحدة من سعادة البيت، ومن سعادة الإنجاب، ومن سعادة التحدث إلى الأولاد، وتربيتهم، وسعادة القيام بالحق.

    ولقد قرأت لكثير من النساء اللواتي ينشرن كثيراً من الكتابات في الصحف العالمية، يشتكين فيها من أنهن خدعن بالدراسة والتوظيف، فسعين حتى يحصلن على الدكتوراه وغيرها من الشهادات العليا، ثم يتوظفن في الوظائف، فلا ينتهين من ذلك حتى يتجاوزن مرحلة الإنجاب، ولا يكون لهن تأثير في بناء البيت، فتصبح إحداهن تشعر أنها عجوز مرمية، وأنها لا يزورها زائر ولا يذكرها ذاكر، وأنها مهمشة داخل المجتمع وهي التي همشت نفسها، فهي التي اشتغلت بما لا يعنيها وانصرفت عما فيه مرضاة الله، فلذلك أصبحت في محلٍ غير مشرف، وأصبحت تنقد نفسها.

    وكثير مما نراه من الانتحار في كثير من البلدان في صفوف النساء، سببه شكايتهن من هذا الوضع المزري، الذي يجدنه في أنفسهن وفي بيوتهن، وأضطر الآن لقطع هذا الحديث لاستقبال بعض الأسئلة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لأحسن الأعمال والأخلاق، وأن يصرف عنا سيئها، لا يهدي لأحسنها ولا يصرف سيئها إلا هو.

    1.   

    الأسئلة

    تعليم الرجال للنساء

    السؤال: ما حكم تعليم الرجال للنساء في مكان واحد، مع ذكر الدليل الشرعي وشروط ذلك جزاكم الله خيراً!.

    الجواب: إن الله عز وجل أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم معلماً للناس، فعلم الرجال والنساء معاً ولم تختص دعوته بالرجال دون النساء، بل كان يعلم الرجال والنساء، وأول من استجاب له النساء، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن النساء قلن له: (يا رسول الله! إن إخواننا من الرجال غلبونا عليك فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوم الخميس فاجتمعن عليه فعلمهن وذكرهن، وكان مما قال: ما من امرأة يموت لها ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا كانوا لها ستراً من النار، فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين).

    وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري في الصحيحين أنه (خطب يوم العيد فظن أنه لم يسمع النساء، فتوكأ على بلال فوقف على النساء فوعظهن، وذكرهن، وكان مما قال: يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار).

    وكذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم النساء في المسجد في الحلقات التي يسمعها الرجال والنساء، ويروين ذلك الحديث، فهذه أم عطية رضي الله عنها، تروي لنا كثيراً من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر التي تشمل الرجال والنساء، وكذلك كان على المنبر يأمر الرجال أن لا ينصرفوا حتى ينصرف النساء، لأن النساء يصلين في الصفوف الخلفية، ويأمر النساء أن لا يرفعن أبصارهن من السجود حتى يجلس الرجال؛ لئلا ينكشف عليهن شيء من عورات الرجال.

    ونهى عن منع النساء من الذهاب إلى المسجد، ومن المعروف أن المسجد لم يبن للصلاة فقط، وإنما بني للتعليم ونشر العلم والتبليغ عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أخرج مالك في الموطأ: (ما من امرئ يخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا علم يعلمه أو يتعلمه، إلا كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانماً)، فهذه الأحاديث الصحيحة تقتضي جواز، بل وجوب تعليم الرجال للنساء، وأنه يحرم خلوة رجل واحد بامرأة واحدة، ليس معهما ثالث، لكن لا يحرم خلوة رجل واحد بامرأتين، أو بأكثر من ذلك، وبالأخص في غير ريبة إذا كان سيعلمهن.

    وإذا لم يجد النساء من يعلمهن فروض الأعيان وجب ذلك على من يستطيعه من الرجال، وإن تركه أثم، ولا يجوز له أن يسمع في ذلك لومة لائم، ولا أن يطيع فيه أحداً لأنه معصية لله تعالى، ويجب على النساء كذلك أن يتعلمن فرض عينهن من العقيدة، والعبادة والمعاملة، وما يمكن أن يتعلمن من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يسعين لتعلم ذلك مهما استطعن، وأن لا تأخذهن في ذلك لومة لائم، مهما كلفهن ذلك ، وعليهن أن يصبرن على ما يجدنه في سبيل ذلك من المضايقة.

    نصيحة لمن يتأخرون عن الزواج لعوائق مادية أو اجتماعية

    السؤال: بم تنصحون الشباب الذين يرغبون في الزواج، ويخافون على أنفسهم من الفتنة، وعندهم عوائق منها قلة المئونة، ولا عمل ولا دخل، ووجود الوالدين وخصوصا ًإذا كانا عاجزين، والعائق الآخر هو حب طلب العلم الشرعي، والكلفة المادية، وكذلك العادات؛ مثل أن أصغر الأسرة لا يمكنه الزواج، فهل هناك من حلول؟

    الجواب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم).

    فلذلك يجب على من خاف العنت على نفسه أن يسعى لأن يتزوج، والزواج لا يمنع منه الفقر، بل هو وسيلة من وسائل الغنى، فإن الله تعالى يقول: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[النور:32-33] .

    والنكاح يتجلى فيه مظهر من المظاهر السابقة في الفرق بين نظرة الغرب إلى النساء، ونظرة الإسلام إليهن، فالنظرة الغربية مادية تنظر إلى المرأة على أنها سلعة تباع بأبلغ الأثمان وأكثرها، ولذلك يبقى كثير من النساء في بيوت أهلهن دون زواج؛ لأن الوالد يعتبرها بضاعة لديه، ويريد أن يبيعها بثمن كبير، فيضن بها حتى يأخذ مقابلها مالاً، وهذا كله مخالف لشرع الله عز وجل، فإن الصداق ملك المرأة ولا ينبغي أن يبالغ فيه، فإن أكثر النساء بركة أقلهن مهراً، ونساء الرسول صلى الله عليه وسلم اللواتي تزوجهن كن أقل النساء مهراً، وكذلك بناته صلى الله عليه وسلم، وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مؤمنة لرجل مؤمن على سور من القرآن يعلمهن إياها، ولهذا فإنه لا ينبغي أن يكون من العوائق نقص المال.

    كذلك عدم وجود العمل لا ينبغي أن يكون عائقاً عن الزواج، فينبغي إذا حصلت أسرة إسلامية بين شاب وشابة، أو بين رجل وامرأة مسلمين فقيرين أن يسعيا بجهدهما المشترك، حتى يحصل على نفقةٍ وحتى يحصلا على بداية أمر، والرزق لا يكون عن الكسب، وإنما هو هبة من الله تعالى، ولكن الأسباب واجبة، فينبغي أن نعرف هنا أن التوكل على الأسباب شرك وأن تركها معصية، وعلينا أن نجمل في الطلب، وأن لا نبالغ فيه أكثر من المطلوب شرعاً.

    وكذلك ما يتعلق بالعادات كالصغر وغيره، وككون الفرد من أسرةٍ فيها أولاد أكبر منه لم يتزوجوا أو بنات أكبر منها لم يتزوجن، كل هذه الأمور من العادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها فائدة، بل هي داعية إلى انتشار الرذيلة، وانتشار عدم العفة بين الشباب والشابات، فلذلك ينبغي أن تترك وتتجاوز.

    وكذلك ينبغي أن يخفف من الغلواء التي نجدها لدى نسائنا بما يتعلق بحب كثرة المهور، وحب الإسراف بالعادات، ومن ذلك منع تعدد الزوجات، فإن كثيراً من النساء تظن أن تعدد الزوجات هضم لهن، وأنه يوصل عليهن ضرراً، والواقع أن تعدد الزوجات وإن كان ليس جائزاً لبعض الناس، وليس مطلوباً أيضاً لكثير منهم، إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون مفيداً في حق من كان غنياً يمكن أن يعف عدداً كبيراً من النساء، أو ينفق عليهن، فإذا تزوج امرأتين وكان لكل واحدة منهما عدد من القرائب الفقيرات فأنفق على الجميع، أو كانت لكل واحدةٍ منهما أم وأخوات وخالات وعمات كان ينفق على الجميع، أو تزوج أربع نسوة، وكان لكل واحدةٍ منهن أخوات وأمهات، فأنفق على الجميع؛ فإن هذا بمجرد النظرة الاقتصادية أيضاً مفيدٌ مثمر، وأيضاً فيه حصانة للفروج، وتعاون على البر والتقوى وليس فيه أي ضرر على المرأة، فلا يمكن أن تتضرر الزوجة به بأي نوع من أنواع الضرر، بل إنها قد تستفيد منه، فتجد من يساعدها ويؤازرها على مؤن البيت وحقوق الزوج.

    بل تجد أنها قد زادت من راحة زوجها، وساعدته على الارتياح في البيت، ولهذا نجد أن بعض النساء قد تجاوزن هذه العقدة في كثير من البلدان، وحتى في بعض المناطق من بلادنا هذه، فأذكر أن امرأةً من النساء المسلمات قالت لزوجها ذات يوم من الأيام: إنني ذكرت فوجدت أنه ليس من المناسب أن أختار راحتي على راحتك، فأنا مكثت سنوات وأنا أقدم راحة نفسي على راحتك أنت، والآن تراجعت عن ذلك فافعل ما بدا لك، وهو عن طمأنينة بال مني ورضاً، ولن تجد له أثراً في نفسي إن شاء الله! فأعجبه هذا الموقف وشجعها عليه، وكان موقفاً جريئاً شجاعاً، له أثر طيب في نفسيات الأزواج.

    وكذلك فإن بعض العادات السيئة التي تنتشر فتكون حائلاً دون الزواج، مثل اشتراط بعض الناس أن لا يزوج مولياته إلا لأقاربه، أو لسنٍ معينة أو لمستوى من الغنى معين، كل هذه العادات سيئة ومخالفة للشرع، فالمعيار الشرعي هو الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

    إن من أتاه مسلم يحفظ كتاب الله تعالى، ويحفظ بعض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلتزم بأوامر الله تعالى ويعلم أنه إن شاء الله تعالى كامل الدين والمروءة،فخطب إليه موليته التي يريد أن يقوم لها بالحقوق الشرعية، وليس فيه أي هجنة عليها في دين ولا مروءة، فرده، فقد سعى إلى إحداث فتنة عظيمةٍ بين المسلمين، وهذه الفتنة قد تكون بلاءً يصيبه في أهله، وقد شاهدنا هذا في بعض البلدان الإسلامية، فإن بعض الرجال عضلوا بناتهم عن الزواج ببعض من خطب إليهم من أهل الدين والمروءة، فابتلاهم الله تعالى -نعوذ بالله من المصائب- في بيوتهم، فزنى بناتهم وأنجبن من الزنا نعوذ بالله!

    أجارني الله وإياكم! وكل هذا من وراءه هذه العادات السيئة التي يحافظ عليها بعض المجتمعات وينبغي أن تزول فيها.

    حكم عمل المرأة المسلمة خارج البيت

    السؤال: هل عمل المرأة المسلمة المتحجبة يتنافى مع الآية الكريمة وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ[الأحزاب:33] ،

    نريد شرحاً مفصلاً للآية .

    الجواب: إن عمل المرأة الأصلي هو تربية أولادها والدعوة إلى دينها، وإقامة أسرةٍ كريمةٍ صالحة، ومساعدة زوجها في القيام بالحقوق الشرعية، ومساعدة والديها كذلك على القيام بالحقوق الشرعية، وتعلم العلم النافع وتعليمه، وإرشاد الناس ودعوتهم إلى الخير، والمشاركة في تكثير سواد المسلمين، وزيادة عددهم، وكل هذه الأمور يمكن أن تتحقق من خلال البيت.

    أما التوظف في الوظائف، فإنما ينظر إليه على أنه وسيلة بحسب ما تحققه من المقاصد، فإن كان لا يمكن للمرأة أن تشارك في بناء البيت المسلم، أو لا يمكن أن تشارك في الدعوة، أو لا يمكن أن تشارك في التعليم إلا من خلالها، كأن تكون معلمة للبنات مثلاً أو أن تكون حاضنة لهن، أو أن تكون موظفة في وظيفة شريفة ليس فيها اختلاط بالأجانب ولا هجنة، فهذا أمرٌ لا مانع منه شرعاً بشرط التحجب وعدم الاختلاط، وعدم الخلوة، وأن لا يكون في ذلك هجنة في المروءة، وأن لا يكون فيه تفريط في الواجب الأول المتعلق بالبيت، أما إن اختل شرط من هذه الشروط فيكون العمل حينئذ محرماً.

    وينبغي أن ننتبه هنا إلى أن بعض الأعمال التي هي أول ما يخطر في بال المرأة إذا أرادت الوظيفة، أن تبحث على أن تكون سكرتيرة مثلاً أو محاسبةً أو أي عمل من هذه الأعمال، وهذه مؤامرة كما ذكرنا، وهي خسيسة وتؤدي إلى خلوة الرجال الأجانب بالأجنبيات وتؤدي إلى الريبة وانتشار الفاحشة وهدم البيوت القائمة، ولذلك ينبغي أن نحذر منها، وأن نخافها كل الخوف، ولا شك أن الملتزمات إذا عملن في المجالات الحيوية، أبدين نماذج صالحة، ولا ينبغي أن تترك الوظائف الصالحة للفاسدات يفسدنها ويستغللنها في الباطل والإفساد.

    لكن على الصالحات أن يزاحمن الفاسدات في هذه الوظائف على الوجه الشرعي، وبالشروط الشرعية التي بيناها.

    أما قول الله تعالى في خطاب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[الأحزاب:33] .

    فهذه الآية خطاب من الله لأزواج رسوله صلى الله عليه وسلم وليست خطاباً لكل المؤمنات، بل فيها من الأحكام ما يختص بنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى[الأحزاب:32-33] .

    والأسلوب واحد، فهذا خطاب متسلسل لأمهات المؤمنين عليهن السلام، وفيه بيان لأنهن لسن مثل غيرهن من النساء، فأجرهن مضاعف ووزرهن مضاعف أجارهن الله من الوزر، وقد فعل ذلك.

    فلذلك ليس الخطاب هنا لكل النساء، بل على غيرهن من النساء أن يسعين لما يسددن به الرمق، ولما يسددن به حاجتهن، ويستغنين به عن مسألة الناس، ويؤدي بهن إلى العفاف، لكن يكون ذلك بالضوابط والشروط الشرعية التي بيناها، ولا يكون فيه اختلاط ولا خلوة، إلا إذا اضطرت المرأة إلى ذلك.

    حكم تعلم المرأة في المدرسة

    السؤال: ما حكم تعليم المرأة في المدرسة هل هو جائز أم لا ؟

    الجواب: المقصود تعلم المرأة في المدرسة، والجواب أن المدارس الموجودة اليوم في بلادنا هذه وفي أكثر البلدان سواها مدارس فاسدة، بنيت في أصلها على الفساد، ففيها الاختلاط، وفيها البرامج التي لم تراع فيها مصالح الدارسين، ولا مصالح البلد، بل ما رأيكم في مصلحة شبابنا وشاباتنا اليوم هنا في دراسة مقررات الفلسفة التي تدرس في الثانوية، هل تفيد في دين أو مروءة أو علم أو دنيا أو آخرة؟ لا فائدة فيها وإنما هي أخذ وقتٍ وجهدٍ كبير، وعناء مبين، وتعطيل طاقةٍ كبيرة كان يمكن أن تستغل فيما هو نافع، وكذلك الآداب الفرنسية، والتاريخ الفرنسي، وكثير من العلوم التي لا فائدة فيها.

    حتى العلوم المفيدة، إنما يستفيد منها نخبة من الناس قلة، كعلوم الفيزياء، والرياضيات، والعلوم، هذه علوم مفيدة، لا تستغني عنها الأمة، لكن هل ينبغي أن يتعلمها كل أفراد الأمة ؟ لا. لا فائدة من هذا.

    وهل كل من تعلمها سيفيد بها؟ كثير منكم الذين درسوا في المدارس كثيراً من القوانين الفيزيائية والكيمائية، فهل فيكم من أنتج لنا شيئا من المنتجات الجديدة ؟

    لا يوجد هذا! إذاً هذه المواد بنيت على باطل، ولذلك فإن هذه المدارس الموجودة من أصل نشأتها بنيت على فساد وباطل، ويجب محاولة إصلاحها، ومحاولة ترشيدها، وإزالة ما فيها من الفساد بما يستطيع الناس من ذلك، ولن يكون هذا في عشية واحدة، ولا في ضحاها، بل لا بد فيه من زمن، لأن هذا الفساد ما جاء إلا بالتدريج بمدة طويلة، فلذلك لا يزول أيضاً إلا بالتدريج بمدة طويلة.

    لكن يجب على النساء وعلى الرجال المشاركة في إيجاد البدائل الصحيحة، فمن تمكن من إقامة مدرسة حرة، وكان بإمكانه أن يجعل التعليم فيها منفصلاً بحيث إن الرجال يدرسون وحدهم والنساء يدرسن وحدهن، وتكون المواد فيها ملائمة للمستوى المطلوب المفيد النافع، أو أقام معهداً وكانت الدراسة فيه بحسب ما هو ملائم نافع، وكانت منفصلة للرجال وحدهم، والنساء وحدهن، كان هذا من البدائل الصحيحة النافعة، ولذلك يجب على الدولة أن تغير واقع المدارس، ويجب عليها شرعاً أن تمنع الاختلاط بين الرجال والنساء في المدارس، وأن تغير البرامج المدروسة، ويجب على القائمين على ذلك سواء كانوا في المعهد التربوي الوطني أو في وزارة التعليم أو في المفتشية العامة، أن يغيروا واقع هذه المدارس، وأن يصلحوه وأن يبادروا إلى ذلك، وألا يأخروه، فلا يحل لشخص أن يؤخر توبة ولا يقول: حتى يؤتيني الله مالاً، فإنه من علامات الشقاء والخذلان وطمس البصيرة.

    حكم لبس الجوارب للمرأة

    السؤال: ما حكم لبس الجوارب بالنسبة للمرأة؟ هل هو واجب عليها أم لا ؟

    الجواب: أن القدم مختلف فيها، هل هي عورة أم لا؟ على أربعة أقوال في الفقه الإسلامي:

    القول الأول: أن الرجل ليست عورة مطلقاً وهذا مذهب المزني من الشافعية.

    والقول الثاني: أنها عورة مطلقاً ظاهرها وباطنها، سواء كان فيها خضاب أو لم يكن فيها، وهذا هو ظاهر مذهب مالك رحمه الله تعالى، وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى ورواية عن أحمد.

    القول الثالث: أن الرجل يفصل فيها، فظاهرها عورة وباطنها غير عورة، وهذا مذهب الحنفية.

    القول الرابع: أن الرجل يفصل فيها: فإن كان فيها خضاب كانت عورةً لا لذاتها بل لأجل الخضاب، وإن لم يكن فيها خضاب لم تكن عورة، وذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، واختاره ابن القيم وغيره من الفقهاء.

    والذي يبدو أن اتخاذ الجوارب أصبح شعاراً للمتعففات من النساء، فهو عادة حسنة، ومن فضائل الأعمال، ومن محاسن الأخلاق، فاتخاذها مما يشجع عليه ولكنه لا يجب.

    وضوء المرأة مع وجود الخاتم الضيق ونحوه

    السؤال: كيف تتوضأ المرأة مع وجود ما يسمونه (العكيمة) في مؤخرة الرأس، والقرطين في الأذنين والخاتم الضيق؟

    الجواب: الوضوء لا يشترط له إزالة ما تمسك المرأة به رأسها من المماسك إلا إذا كان ذلك كثيرا ًيغطي على أكثر الرأس، فإن كان ذلك كثيراً يغطي على أكثر الرأس وجب عليها أن تنزع بعضه حتى تمسح على رأسها دونه، وإن كانت الممسكة التي تمسك بها شعرها مرتفعة عنه يمكن أن تدخل يدها تحتها فلا يجب عليها نزعها لمسح الرأس، ولكن يجب نزع كل ذلك في الغسل، وأما القرطان في الأذنين فلا ينزعان لأجل الوضوء، وإنما ينزعان لأجل الغسل فقط، لإدخال الماء في ثقبي الأذنين على القول بوجوب ذلك، وقد اختلف فيه العلماء.

    وأما الخاتم الضيق فإنه لا تلزم إزالته، ولا إجالته، فيجوز للمرأة أن تتوضأ وبيدها الخاتم، ولا يجب عليها إجالته ولا إزالته، بل يبقى على مكانه، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، وقد ذهب بعضهم إلى أنه يجب إجالته فقط، ومحل هذا الخاتم المشروع، فلذلك لو كان الرجل متختماً بذهب وجب عليه إزالته مطلقاً للوضوء ولغيره، وإذا كان متختماً بفضة وكانت للتسنن وكان درهمين فدونه فإنه لا يجب عليه إزالة الخاتم على الراجح.

    والإجالة هي أن يحركه، والإزالة هي نزعه.

    حكم رطوبة الفرج في نقض الوضوء

    السؤال: رطوبة الفرج أثناء المداعبة هل تنقض الوضوء أم لا ؟

    الجواب: أنها لا تنقض الوضوء، وأن المرأة إذا التذت أثناء المداعبة فإن الراجح أن ذلك لا ينقض وضوءها مطلقاً إلا إذا حست بالإنزال، فإن أحست به وجب عليها الغسل، ولا يجزئها الوضوء حينئذ، وأما إذا لم تحس بالإنزال فمجرد رطوبة الفرج، إنما هي مثل ما هو في داخل البدن من الرطوبات كلها، وحكمها حكم ما كان داخل البدن من الرطوبات على الراجح.

    وإن سال منها شيء عن محله ووصل إلى الثوب أو غيره، فإن الراجح أن حكمه حكم البول ينقض الوضوء ولا يجب منه الغسل، وهو نجس يطهر، ولا يعفى منه إلا عما كان داخل المحل، وما جاوز المحل منه لا يعفى عنه.

    حكم مصافحة النساء

    السؤال: هل المصافحة بين الرجال والسناء فريضة أم سنة أم حرام؟ وما الدليل على ذلك؟

    الجواب: بالنسبة للمصافحة بين الأجانب محرمة شرعاً باتفاق أهل العلم ولم يخالف فيها أحد، ودليل تحريمها قول الله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ[النور:31] ، فإنه حرم الأدنى والأعلى، وتحريم الأدنى والأعلى تحريم لما بينهما لأنه إذا حرم الطرفين دخل ما بينهما من الوسائط، وقد حرم الله الطرفين جميعاً؛ حرم الطرف الأدنى وهو مجرد النظر، وحرم الطرف الأعلى وهو الزنا، فقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ[النور:31] ،

    فلما حُرم الطرفان دل ذلك على تحريم ما بينهما من الوسائط، وكذلك ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لا أصافح النساء، وإنما مقالي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة).

    وكذلك ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (والذي نفسي بيده ما مس رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له)، وكذلك فهو محل إجماع بين أهل العلم لم يخالف فيه أحد منهم من جميع المذاهب المعتبرة.

    وأما المصافحة بين الأزواج فهي من الأمور الجائزة التي ليس فيها طلب شرعي، وليس فيها محذور شرعي، فإن صافح الزوج زوجته فلا حرج وإن لم يصافحها فلا حرج، فهذا من الأمور الجائزة.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042685090

    عدد مرات الحفظ

    731577136