إسلام ويب

علو الهمة [17]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صاحب الهمة العالية رجل فريد في مجتمعه، فهو العنصر الفعال والمنتج؛ لذا ينبغي على كل مسلم أن يكون صاحب همة عالية، وأن يحاول أن يرتقي بهمته نحو الأفضل والأحسن، وللارتقاء بالهمم أسباب لابد من معرفتها، والسعي الجاد في العمل بها.

    1.   

    أسباب الارتقاء بالهمة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فقد تكلمنا قبل حول حال الأمة عند سقوط الهمة، وناقشنا أسباب انحطاط الهمم، ونتكلم في هذا الدرس بإذن الله تعالى على أسباب الارتقاء بالهمة، فما هي أسباب الارتقاء بالهمة؟ كل هدف له وسائل توصل إليه وعوامل مساعدة تعين عليه، كما قال الشاعر:

    إذا ما أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منه ما يعجبك

    فليس على المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك.

    يعني: أن أبواب المكارم مفتوحة، وكل من أراد أن يتسلق إلى هذه القمم فإنه يستطيع، لكن عليه أن يسلك الطرق الصحيحة.

    العلم والبصيرة سبب من أسباب علو الهمة

    أول أسباب الارتقاء بالهمة: العلم والبصيرة، فالعلم يصعد بالهمة، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد، والعلم هو الذي يساعد على تصفية النية، حتى أثر عن بعض العلماء أنه قال: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على طلب الدين.

    يعني: أنه شرع في البداية في طلب العلم لأجل الرياء أو لطلب الدنيا، ثم لم يلبث العلم أن أخذ بناصيته إلى الإخلاص، وعلاج أمر الرياء في قلبه.

    وذكر القصاص: أن رجلاً خطب امرأة ذات منصب وجمال، فرفضت أن تتزوجه؛ لفقره وقلة حسبه، يعني: أخذت عليه أنه فقير وأنه قليل الحسب، ففكر بأي الأمرين ينالها، أبالمال أم بالحسب؟ فأختار الحسب، وطلب العلم للحسب، حتى أصبح ذا مكانة، ولما اشتهر بطلب العلم، وأصبح له مكانة كبيرة بعثت إليه تلك المرأة نفسها تعرض عليه أن يتزوجها، فقال: لا أؤثر على العلم شيئاً؛ لأنه كان قد ذاق حلاوة العلم، ولذا قال: لا أؤثر ولا أفضل أبداً شيئاً على العلم، وأبى أن يتزوجها، فهذا العلم ارتفع بهمته عن أن يحصر همه في نيل مثل هذا المطلب الدنيء.

    وهذا يذكرني بشاب إنجليزي كان يدعى نيجل بريطاني الأصل له قصة طريفة: رحل من بريطانيا إلى مصر على الدراجة، حيث رحل أولاً بدراجة من بريطانيا إلى اليونان، ثم ركب مركباً إلى لبنان، وكان في الطريق يشتغل قليلاً ليجمع بعضاً من المال، ثم يتم رحلته، حتى مر على فلسطين، ثم مر على سيناء حتى وصل إلى مصر، ثم تجول في داخل مصر إلى أن وصل إلى الإسكندرية فقابله شاب يقود التاكسي، فتعرف عليه ودعاه إلى بيته، المهم أنه صار بينهما نوع من الصداقة، ثم رأى بنت الجيران في حي منزل صديقه، فأراد هذه الشاب الإنجليزي أن يتزوجها، فقال أهلها: لا بد أن تكون مسلماً؛ لأنها مسلمة لا تتزوج من غير مسلم، فقال: كيف أسلم؟ فقالوا: تذهب إلى بعض الناس، فقابل بعض الناس، حتى يأخذ تصريحاً بأنه مسلم كورقة ويحقق مأربه، فبعض الإخوة أعطاه كتباً وكلمه شيئاً من هذا، فغاب تقريباً مدة شهر، ثم عاد بعد ذلك يبحث بجدية وبدأب شديد عمن يعلمه قراءة الفاتحة؛ لأنه لما قرأ معاني القرآن الكريم، وتعلم شيئاً عن الإسلام، أقبل بكليته نحو الإسلام، فدخل في الإسلام ولله الحمد، ولما ذكروه بموضوع هذه الفتاة قال: أنا كنت أطلب الإسلام من أجل المرأة، أما الآن فلا أتحول عن الإسلام إلى مقصد آخر، ولم يفكر بعد في أن ينال الزواج من هذه المرأة، وهذا الأخ أتقن اللغة العربية جيداً درس في الأزهر في القاهرة، وحفظ القرآن الكريم كله، ولله الحمد.

    الشاهد: أن العلم بالوحيين بالقرآن والسنة والمعاني العظيمة يرتفع بهمة الإنسان.

    وأيضاً من فضائل العلم أنه يورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال، فإذا عرف مراتب الأعمال يقدم الأهم على المهم، ويتقي فضول المباحات التي تشغله عن عبادة الله سبحانه وتعالى، سواء كان فضول الأكل، أو فضول النوم، أو فضول الكلام.

    ثم العلم يدفعه إلى أن يراعي التوازن والوسطية بين الحقوق والوجبات؛ امتثالاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأعط كل ذي حق حقه) .

    وأيضاً العلم هو الذي يبصره بحيل إبليس وتلبيسه عليه؛ لأن إبليس قد يأتيه ويحاول أن يحول بينه وبين فعل ما هو أكثر ثواباً مما يفعله، ويشغله بالمفضول عن الفاضل، قال أبو سليمان : يجيئك -أي: إبليس- وأنت في شيء من الخير، فيشير إلى شيء من الخير دونه، ليربح عليك شعيرة.

    إرادة الآخرة سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    من أسباب الارتقاء بالهمة: إرادة الآخرة، وجعل الهموم هماً واحداً، ومعنى إرادة الآخرة: تمحيص الإرادة والنية والقصد إلى طلب الآخرة بلا منازع، قال الله تعالى: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19]، ولا تجدون في القرآن الكريم آية فيها الكلام على أن من يسعى للدنيا بنفس المثابة، وإنما وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19]، وقال صلى الله عليه وسلم: (من كانت همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همه الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له) فالرزق لا يأتي به حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، بل الرزق مضمون، أما الجنة فليست مضمونة إلا بالعمل الصالح.

    ذكر الموت سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    من أسباب الارتقاء بالهمة: كثرة ذكر الموت؛ لأن كثرة ذكر الموت يدفع إلى العمل للآخرة والتجافي عن دار الغرور، ومحاسبة النفس، وتجديد التوبة، وإيقاظ العزم على الاستقامة، فكل هذه المقاصد الشريفة إنما تحصل بكثرة ذكر الموت، فعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بجماعة فقال: علامَ اجتمع عليه هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه، قال: ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلَّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني! لمثل هذا اليوم فأعدوا.

    وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث، أضحكني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه، ولا يدري أأرضى الله أم أسخطه، وأبكاني: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله يوم تبدو السريرة علانية ثم لا يدري إلى الجنة أو إلى النار).

    وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات، قال: النظر إلى الأموات.

    وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأوزاعي : أما بعد: فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير.

    وعن عطاء قال: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون.

    فانظر إلى فعل هذا الإمام العلم المجدد، كيف كان يجمع الفقهاء، وما الموضوع الذي كانوا يجتمعون عليه؟ هل هو مناقشة انتخابات مجلس الشعب، أو مباريات الكرة، أو كذا وكذا؟! كلا، بل كانوا يجتمعون من أجل ذكر الموت والقيامة والآخرة ويبكون، ولا شك أن هذا النوع من الاجتماعات الآن نادر جداً، فأغلب الاجتماعات إما أن يخوض الإنسان فيها فيما لا جدوى من ورائه، وقد يحصل بين طلبة العلم مجالس يجري فيها مباحثات حول قضايا علمية ومناقشات مثلاً، لكن قل أن نسمع أن مجموعة من الإخوة تواعدوا على أن يلتقوا ويذكر بعضهم بعضاً بالموت وبالآخرة وبالقيامة.

    وقال الدقاق : من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوجل بثلاثة: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة.

    كما أن مشاهدة المحتضرين وملاحظة سكرات الموت، ونزعاته، وتأمل صورة الميت بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمسح الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب.

    ذكر عن الحسن البصري

    أنه دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: يا أهلاه! عليكم بطعامكم وشرابكم، فو الله! لقد رأيت مصرعاً لا أزل أعمل له حتى ألقاه.

    وقال اللبيدي : وجدت بعد موت أبي إسحاق الجبنياني رحمه الله رقعة تحت حصيرة مكتوبة بخطه، يعني: أنه كان يذكر نفسه بما كتب على هذه الرقعة، وهذا شيء معهود عن السلف، حيث كان الواحد منهم يكتب موعظة مختصرة تؤثر في قلبه جداً، فيضعها في جيبه أو في كمه، فإذا خشي الغفلة أو شيئاً من هذا نظر فيها، ثم أعادها، وكان بعضهم يختم مثل هذه العبارات على الخاتم؛ كي تذكره باستمرار بما ينبغي ألا ينساه، فهذا الإمام أبو إسحاق الجبنياني وجدوا بعد موته رقعة مكتوباً فيها: رجل وقف له هاتف، فقال له: أحسن عملك، فقد دنا أجلك، فقال لي ولده عبد الرحمن : إنه كان إذا قصر في العمل، أخرج الرقعة فنظر فيها ورجع إلى جده.

    ما زال يلهج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمال

    فأصابه مستيقظاً متشمراً ذا أهبة لم تلهه الآمال

    فبلا شك أن الإنسان الذي يتذكر الموت ويكثر ذكر الموت يتأهب للقاء الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا سيثير فيه الاستيقاظ والانتباه باستمرار؛ لأن موعد خروج روحه لا يأتي نذير بين يديه وإنما يأتي فجأة، ويأتي بغتة دون نذير سابق، فروحك في يد غيرك، لا تدري متى يقبضها.

    الدعاء سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    ومن أسباب الصعود بالهمة: الدعاء؛ لأنه سنة الأنبياء؛ ولأنه جالب كل خير، ودافع كل شر، قال صلى الله عليه وسلم: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء) فالدعاء سهل جداً، والدعاء لا يكلف شيئاً سوى أن تجمع قبلك وتحرك لسانك بكليمات، تطلب فيها ما شئت، ابتداءً من شسع النعل إلى الفردوس الأعلى من الجنات، والخلود فيها، تدعو بآلة هي اللسان بشرط أن تواطئ القلب وتكون مخلصاً في ذلك الدعاء، فالذي يعلم مثل هذه الفضيلة للدعاء يعلم أنه عن طريق الدعاء يمكن أن يحصل كل مقاصد الدنيا والآخرة، فكيف به إذا عجز عن ذلك؟! فإذا عجز عن مجرد تحريك لسانه مع مواطأة القلب بطلب ما يريده من الله سبحانه وتعالى، فهذا بلا شك هو أعجز الناس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (أعجز الناس من عجز عن الدعاء)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) سبحانه وتعالى، يعني: عليه أن يطمع في رحمة الله ويطلب ما شاء من المطالب، ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما دل على ذكائه دعا له؛ لأنه كان إذا دخل الخلاء وخرج يجد ابن عباس قد أحضر الماء ووضعه قريباً منه، فحينئذٍ قال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) فأثمرت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لـابن عباس فصار ترجمان القرآن والحبر البحر العلم، وحاز هذه المرتبة بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم عقب الصلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) فبهذا الدعاء يستعين العبد على إنجاز هذه المطالب العالية.

    إذا لم يكن من الله عون للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده.

    فبدون توفيق الله سبحانه وتعالى للإنسان أول ما يجني عليه هو اجتهاده وعقله الذي حرم من التوفيق وابتلي بالخذلان.

    الاجتهاد في حصر الذهن وتركيز الفكر في معالي الأمور

    من أسباب الارتقاء بالهمة: الاجتهاد في حصر الذهن وتركيز الفكر في معالي الأمور، فالإنسان عليه أن يركز، وهذا السبب هو صدى للسبب الآنف الذكر وهو توحيد الإرادة، يعني: إرادة هم الآخرة بلا منافس؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى. فمن أسباب الارتقاء بالهمة خاصة في المقاصد العلمية: نظرية حصر الذهن والتركيز تماماً فيما تريد أن تنجزه من الأمور، فالإنسان إذا لم يبادر بأن يشغل نفسه بالحق فإنها تشغله بالباطل، كما قال الحسن : نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. فلا بد أن تكون النفس مشغولة، وإن لم تبادر أنت بشغلها بالحق فإنها تتفرق بك في أودية الدنيا. سئل كثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، مع أنه أمَّ الناس في حمص حوالى ستين سنة كاملة في الصلوات الخمس، ولم يسه في صلاته قط، فسئل عن سبب هذا فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله. وهذه هي ثمرة من ثمرات حصر الذهن في مطلب واحد، وإرادة واحدة وهي إرادة الآخرة وإرادة الله سبحانه وتعالى، فالتركيز بلا شك يثمر هذه النتائج العظيمة. وقد رأينا مظاهر عجيبة للسلف الصالح رحمهم الله تعالى في موضوع التركيز في طلب الآخرة، فلم يشتتوا همتهم في الدنيا، فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العربية ومنشئ علم العروض، كان إماماً مفرط الذكاء، والإمام الخليل بن أحمد بقدر ما هو صاحب الشهرة المعروفة في اللغة العربية والعروض، وقد يتصور أن هذه العلوم يكون عند أصحابها جفاء مثلاً، لكنه كان من العباد ومن الزاهدين ومن الخيرين، وقد دعا الله سبحانه وتعالى أن يرزقه علماً لم يسبق إليه، ففتح الله عليه باب العروض، وهو علم أوزان الشعر والقوافي، وقيل: كان يعرف علم الإيقاع والنغم، ففتح له ذلك علم العروض، وقيل: مر بالصفارين -جمع صفار، وهو الذي يقطع النحاس الجيد- فأخذ علم العروض من وقع مطرقة على طست، يعني: كان رجلاً يضرب بالمطرقة على طست من النحاس بطريقة منتظمة، فرأى أن نفس هذه الإيقاعات المنتظمة موجودة في أبيات الشعر عند العرب، وبالتالي استطاع أن يستخرج العروض عن طريق الالتفات لهذا الإيقاع المنتظم الذي سمعه، وقد كان متقشفاً متعبداً قال النضر بن شميل : أقام الخليل في خص له بالبصرة، يعني: في بيت من خشب أو بيت من شجر أو من قصب، قال: أقام الخليل في خص له بالبصرة ولا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال، وكان كثيراً ما ينشد: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال فهو معدود من زهاد العالم القلائل، فرحمه الله تعالى، وكان يقول: إني أغلق علي بابي فما يجاوزه همي، فكان الخليل بن أحمد يخرج من منزله واهتمامه بشيء محدد، هو طلب الآخرة، فكان ينشغل جداً وتجد شدة تركيز ذهنه في مقصد واحد وهو طلب الآخرة، فكان يخرج من المنزل ولا يشعر بنفسه إلا وهو في الصحراء، ولم يرد الصحراء وإنما شغله الفكر الذي هو فيه والاستغراق، حتى خرج إلى ما لا يقصده من الأماكن؛ لشدة استغراقه في أمر محدد، فيذهل عما عداه. وكان يدخل الداخل إلى أبي تمام الشاعر وهو يعمل الشعر، فلا يشعر به. وقد حكى ابن العلامة القرآني العلامة الجليل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى أنه كانت تحصل مواقف محرجة لوالده العلامة الشنقيطي رحمه الله حيث إنه كان إذا شرع في مدارسة العلم فإنه يذهل تماماًًً عن كل ما حوله، حتى كان يدخل عليه الضيوف من الكبراء أو الأمراء فلا يلتفت إليهم؛ لشدة انشغاله وحصر ذهنه تماماً فيما هو مقبل عليه من طلب العلم، ويضطر ابنه أو أحد الحاضرين أن ينبهه إلى وجود هذا القادم كيلا يظن أنه أهمل الترحيب بهذا القادم، وما هذا إلا ثمرة من ثمرات حصر الذهن، والتركيز الشديد في هدف ومطلب واحد. وحصر الذهن مما يكتسب بالمران، يعني: أنه يحتاج إلى نوع من التمرين حتى ينتقل الإنسان من الشرود وتشتت الذهن إلى حصر الذهن حصراً بيناً محكماً، فلا بد من جهد ملح، والتدريب عليه يكون بأن تحدد موضوعاً محدداً فتدرسه أو تفكر فيه، وترد عقلك إليه مرة بعد مرة بعد مرة، وتتعمد أن تعود بعقلك وذهنك وتحصره في هذا الموضوع حتى ولو خمسين أو مائة مرة من أجل هذا الموضوع الذي التزمت معالجته، فهذه الخواطر التي تتنازعك لا تلبث أن تخلي مكانها للموضوع، يعني: أن الخواطر الأخرى تشرد بذهنك بعيداً؛ لكن حين تتدرب على ذلك باستمرار فإنها تذهب بعيداً وتتلاشى، وتضطر أن تنسحب هي لتترك الموضوع الذي يلح عليك له اليد العليا والسيادة والسيطرة على ذهنك، ليس فقط في اليقظة، بل من الناس من إذا انشغل بحفظ القرآن الكريم في يقظته فإنه إذا نام يشتغل أيضاً بمراجعته في الليل وكأنه ما زال في اليقظة من شدة حصر الذهن في هذا الأمر.

    أمثلة لأصحاب الهمم العالية

    وكانت لـابن سحنون سرية فطلب منها ذات يوم أن تعد له طعاماً، وشغل بالتأليف والرد على المخالفين، وأحضرت الطعام، وبعد طول انتظار أخذت تطعمه؛ لأنها انتظرت مدة كبيرة والطعام أعدته وهو لا يريد أن يأكل؛ لأنه انشغل بالعلم الذي يدرسه، فأخذت تلقمه حتى أتى على الطعام دون أن يشعر، يعني: أنه كان يشتغل بالعلم ويأكل لأنها تضع اللقمة في فمه، وتمادى في عمله حتى الفجر، ثم سألها أن تحضر الطعام، فأخبرته بأنه أتى عليه دون أن يشعر. وذكر السبكي في طبقات الشافعية عن أبيه الإمام تقي الدين أنه كان من الاشتغال بطلب العلم على جانب عظيم، بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، وكان يخرج من البيت لصلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجاً فيأكله، ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب، فيأكل شيئاً حلواً لطيفاً، ثم يشتغل بالليل وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: هذا الشاب ما يطلب قط درهماً ولا شيئاً، ما أحفظ له مرة طلب فيها مالاً أو طعاماً أو شيئاً من هذا، فقال أبو الإمام تقي الدين السبكي لأمه: هذا الشاب لا يطلب قط درهماً ولا شيئاً، فلعله يريد شيئاً، يعني: أن يأكله، فضعي في منديله درهماً أو درهمين، لعله إذا مر في الطريق اشتهى شيئاً فوجد في جيبه ما يشتري به هذا الشيء، فوضعت نصف درهم، قالت الجدة: فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه والنصف فيه، إلى أن رمى به وقال: إيش أعمل بهذا؟! خذوه عني، فبقي نصف الدرهم في منديله أسبوعين كاملين؛ لأنه لا يلتفت إليه ولا أنفقه، ثم بعد ذلك قال هذه الكلمة: إيش أعمل بهذا؟ خذوه عني وألقاه. وكان الإمام ابن مالك النحوي صاحب الألفية وغيرها كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظه حتى يراجعه في محله، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ. حكي أن الإمام ابن مالك توجه يوماً مع أصحابه للفرجة بدمشق، ودمشق فيها البساتين والغوطة، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوا تنقلوا هم وتفرقوا في المكان، فغفلوا عنه فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكباً على أوراقه، وفي هذا يصدق قول الشاعر: قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب والشيخ أحمد بن علي نجم الدين بن الرفعة كان كثير الصدقة، مكباً على الاشتغال حتى عرض له وجع المفاصل، بحيث كان الثوب إذا لمس جسمه آلمه، ومع ذلك كان لا يرى إلا ومعه كتاب ينظر إليه، وربما انكب على وجهه وهو يطالع، يعني: أنه يأتيه النوم فينام على الورق، فيكون وجهه على الورق من شدة النوم، قال: وهذا الشيخ هو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد مناظرة جرت بينهما: رأيت شيخاً تتقاطر فروع الشافعية من لحيته، يعني: كأن كل جسمه مشبع بفقه تفاصيل فروع الشافعية، فكأنها تسقط من غزارتها، كالشخص الذي يبلل لحيته بالماء فإن الماء يتساقط منها، فيقول الإمام ابن تيمية فيه: رأيت شيخاً تتقاطر فروع الشافعية من لحيته. وقال الأسنوي عنه: ما أخرجت مصر بعد ابن الحداد أفقه منه. ومما يروى أن أميراً في الشام أدر على الحسن بن الهيثم مالاً كثيراً، والحسن بن الهيثم هو صاحب علم البصريات المعروف، فهذا الأمير أعطاه مالاً كثيراً فقال له: يكفيني قوت يومي، وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومي، إن أمسكته كنت خازنك، وإن أنفقته كنت قهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟

    الاهتمام بالصحة سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    وبعض طلبة العلم الذين يتأثرون بالمنهج الصوفي -وما أخطر المنهج الصوفي على الهمة العالية!- يتمثلون قول بعض شعراء الصوفية، وساعات يعظمون كلام الصوفية بصورة مرضية، دون أن يتفطنوا إلى الأخطاء في مثل هذه العبارات، مثل قول شاعرهم:

    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران

    أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

    فتجد تراه يهمل في صحته، ويهمل في تهويته، إلى أن يصبح الشاب في ريعان شبابه مثل الشيخ العجوز الذي احدودب منه الظهر وصار هرماً.

    فمن أسباب علو الهمة: الاهتمام بالصحة، سواء كانت الصحة البدنية أو الصحة النفسية، فالإنسان يهتم بصحته وبعافيته ويتوقى كل ما من شأنه أن يؤثر في صحته، وقد تكلمنا قبل عن أسباب انحطاط الهمة وذكرنا أن منها العجز والكسل، وقلنا: إن الإنسان قد يعذر في العجز لكنه لا يعذر في الكسل؛ لأن العاجز عن شيء طاقته محدودة، فهو يحاول لكنه لا يستطيع فيعجز، أما الكسول فهو يقدر لكنه لا يقوى على المقاومة، فالإنسان إذا أهمل صحته أو تمادى في الأسباب التي تهدر هذه النعمة العظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى فهو مخطئ؛ لأن رأس مال الإنسان في الدنيا هو الصحة، فإذا أهمل صحته أو تعاطى الأسباب التي تحطم هذه الصحة سواء كان التدخين والإدمان أو غير ذلك من الأمور التي تهدر صحة الإنسان وعافيته فبلا شك أن هذه قد تئول إلى كثير من الأمراض، والأمراض تؤدي إلى العجز، وتؤدي أيضاً إلى الكسل، فمن ثم تهبط همته، فننحي مفاهيم الصوفية هذه جانباً.

    فالمسلمون كانوا يجاهدون بالبدن والروح معاً.

    فالمرء هو بالنفس وبالجسم إنسان؛ ونحن لسنا أطيافاً، ولسنا عبيراً، ولسنا شيئاً معنوياً، بل نحن أبدان وأرواح في نفس الوقت، فالإنسان يهتم بصحته، ويهتم بتغذيته ولا يفرط في صحته ما دام ذلك في استطاعته؛ لأن هذا من أسباب أنه إذا أراد شيئاً يستطيع أن ينفذه، أما إذا ضعف وأهدر صحته فإنه حتى في الصيام لن يستطيع الصيام، وحتى الصلاة لن يستطيع الصلاة، فيضعف عن الصلاة.

    فإذاً لا بد للإنسان أن يحافظ على قاعدة التوازن بين واجبات الجسم وواجبات الروح معاً، خاصة في زمان الشباب، أو بالضبط في زمن المراهقة الذي هو فترة نمو الجسم، فالإنسان إذا اهتم بصحته في هذه الفترة فإن الجسم يتفاعل مع هذه الرغبة ويعطيه أيضاً، فمن الخطأ إهمال الرياضات البدنية النافعة بالشروط الشرعية، وإهمال التغذية والإعراض عن ذلك بحجة أن الصوفية قالوا:

    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته...

    ونحن نقول أيضاً: يا مهمل الجسم كم تشقى بإهماله، فتبيت على الفراش وتصيبك الأمراض، وتعجز عن أداء وظائفك، سواء كانت الدينية أو الدنيوية.

    التحول عن البيئة المثبطة سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    ومن أسباب الارتقاء بالهمة: التحول عن البيئة المثبطة، فلا شك أن البيئة المحيطة بالإنسان لها أثر جسيم لا يخفى، فإذا كان الإنسان يعيش في بيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون، فإن الشخص لا يستطيع أن يرقى بهمته إلا إذا هجر هذه البيئة وتحول عنها وأبدلها ببيئة عالية الهمة، لذا لا بد أن يهجرها؛ لكي يتحرر من سلطان تأثيرها، وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية.

    يقول الشاعر:

    تقول ابنة السعدي وهي تلومني أما لك عن دار الهوان رحيل

    فإن عناء المستنيم إلى الأذى بحيث يذل الأكرمون طويل

    وعندك محبوك السراة مطهم وفي الكف مطرور الشذاة صقيل.

    يعني: أنها تلومه على أن يبقى في دار الهوان والمذلة، وتحثه أن يتحول ما دام يقدر على ذلك، وتخبره أنه يعيش عناءً طويلاً ما دام يعيش الشذاة في هذه البيئة المثبطة.

    وقوله: (وعندك محبوك السراة مطهم) المحبوك هو الفرس القوي الشديد، وسراة الفرس هي: أعلى ظهره، ومطهم هو: التام المتناهي في الحسن.

    وقوله: (وفي الكف مطرور الشذاة صقيل) المطرور: ذو المنظر والرواء والهيئة الحسنة، والشذاة: هي حد طرف السيف، والصقيل: المشحوذ يعني: ما دام عندك فرسك ومعك سيفك، فلماذا تبقى في دار الهوان؟ ارحل إلى حيث تعز.

    وأفضل من هذا أن نستدل بالأدلة الشرعية التي جعلت التحول عن مثل هذه البيئة التي تفسد الدين وتفسد الهمة فرضاً على المسلم، أليس قد فرض الله سبحانه وتعالى على المسلم أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام؟ أليس قد قال العلماء: إن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنة، ومن دار المعصية إلى دار الطاعة باقية؟

    إذاً: هي سنة ماضية، وهذا المبدأ الذي نناقشه هو حتمية التحول من البيئة المثبطة، فالإنسان بلا شك إذا وجد في مثل هذه البيئات فإن ذلك ينال من همته منالاً، وآية ذلك ما نراه في أغلب الذين يعيشون في بلاد الكفار ويرتضونها بديلاً عن بلاد المسلمين، حيث نجد منهم الرضا بالدنيا، وأن أحدهم لا يستطيع بعد ذلك أن يتحمل أن يأتي ويعيش مع المسلمين، وهذا إذا لم ينظر إلى المسلمين في بلاده بنظرة التعالي والاحتقار والازدراء، فالإنسان بلا شك يتأثر شاء أما أبى بمثل هذه البيئات المنحرفة.

    وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة وتنشيط الهمة هو الشخص الذي هو حديث عهد بالتوبة، فالإنسان إذا كان في بداية توبته فهو أحوج الناس إلى هذا التحول عن البيئة المثبطة؛ لأنه إذا تحول عن بيئة المعصية والفسق إلى بيئة الطاعة والاستقامة فإن هذا من شأنه أن ينسيه ما يجذبه إلى صحبة السوء وأماكن السوء، وأما إذا بقي وفيه الضعف البشري، وعنده الذكريات، ويبقى في الأماكن التي أتى فيها المعاصي، وفيها صحبة السوء والأصدقاء الذين يراهم ويرونه، فإنه يصعب عليه أن يستقيم؛ لأن هذه تكون عوامل مثبطة تجعله باستمرار ينجذب إلى هذا الفسق، فالأمر كما يقولون: الإنسان إذا أبعد شيئاً عن عينيه فإنه يذهب أيضاً عن قلبه، فالتحول عن البيئة المثبطة والبيئة الفاسقة مما يعين الإنسان على أن ينسى معاصيه وينسى صحبة السوء وأماكن السوء، فيجتمع قلبه ويلتئم شمله، وتتوحد همته وتتوجه بصدق وعزم إلى أسلوب من الحياة جديد، وهذا هو عين ما أشار به العالم الواعي على قاتل المائة -كما في الحديث- حيث قال له: (ومن يحول بينك وبين التوبة، ثم قال له فوراً: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)، ولما جاءه الموت، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب كان قربه إلى القرية الصالحة بالنسبة إلى بلد السوء سبباً في قبض ملائكة الرحمة إياه، ففي بعض الروايات: (فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها) وفي رواية: (فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له) وفي بعض الروايات: (فنأى بصدره نحوها) يعني: أنه حتى وهو عند لحظة الاحتضار نأى بصدره وزحف بصدره كي يكون أقرب خطوة أو شبراً إلى البلدة الصالحة، فما بالك بمن بينه وبين بلاد المسلمين هذه المسافات الشاسعة التي تبلغ آلاف الأميال وهو يرضى باختياره أن يبقى في منطقة الكفار ليتمتع معهم بدنياهم، حتى ولو كان على حساب دينه؟! وكيف يكون حاله إذا قبض في مثل تلك البلاد المشئومة؟!

    ونفس هذا المعنى الذي هو تغيير البيئة لعله هو العلة في تشريع نفي الزاني غير المحصن، وتغريبه سنة بعيداً عن وطنه، فالبكر الزاني عليه جلد مائة ونفي سنة أو تغريب سنة لتجتمع عليه نوعان من العقوبة: عقوبة بدنية بالجلد، وعقوبة قلبية بالنفي والاغتراب، فهذه عقوبة قلبية ونفسية، بجانب أن هناك مصلحة أخرى من أن هذا الذي ارتكب هذه الفاحشة إذا نفي بعيداً عن هذه البلد التي ارتكب فيها هذه المعصية هذا فيه مصالح جمة له؛ لأنه بهذا يبعد عن مسرح الجريمة التي مارسها وبالتالي يعينه على نسيان ذكراها، وفي نفس الوقت الإنسان إذا جلد وأقيم عليه الحد على الملأ لقوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، إذا وجد في مثل هذا المجتمع واشتهر بأنه فعل فعلاً من هذه الأفعال الشنيعة، لا شك أن الناس سينظرون إليه بازدراء وباحتقار وبامتهان؛ لأن هذا قد ظهر منه هذا الفسق، وبالتالي يتعرض لمضايقات، أما إذا جدد البيئة وانتقل إلى مكان آخر حيث لا يعرف أو حيث لا يؤذى، وحيث لا يذكره أحد بهذه المعاصي، فإنه يستطيع أن يفتح صفحة جديدة، وأن يجدد العهد، وأن يستأنف التوبة الصادقة والحياة الكريمة دون أن يمتهن، ودون أن ينظر الناس إليه بامتهان واحتقار.

    والحقيقة أن هذه الحكمة التربوية التي نناقشها الآن وهي موضوع التحول عن البيئة المثبطة إلى بيئة معينة هي مسألة نسبية، يعني: ليس شرطاً أن كل إنسان يتحول من بلد إلى بلد، بل ممكن أنه يتحول من قرية إلى قرية، وممكن أن يتحول من حي إلى حي، فإذا لم يمكن هذا ولا ذاك، فإنه يستطيع أن يتحول من صحبة إلى صحبة، أي: يغير الصحبة، فإن عجز عن هذه كله فيتحول بقلبه، وذلك أضعف الإيمان، فهذه الحكمة التربوية لعلها مستقاة من تلك الأدلة الشرعية كما ذكرنا، ونحن نجد تطبيق عملياً لها بصورة ناجحة إلى حد كبير جداً في جماعة التبليغ والدعوة، فإن جماعة التبليغ والدعوة ترتأي أحد ركائز أسلوبها التعليمي والتربوي هو ضرورة نزع المدعو من بيئته وغمسه لفترة كافية في بيئة أخرى، وهذا طبعاً يلاحظ، بغض النظر عن أحوال جماعة التبليغ، فإننا لسنا في مجال الكلام وتفصيل المؤاخذات على جماعة التبليغ، فقد سبق أن تكلمنا عليها بالتفصيل منذ زمن بعيد، لكن نحن الآن نتكلم على أن هذا واقع عملي نلمسه ونراه، ونحس بأثره، ونرى كيف يتغير سلوك الذي يأوي إليهم، بحيث تجده بعدما كان سكيراً عربيداً قاطع طريق عاقاً لوالديه لصاً تجده بمجرد أن يمتزج مع هذه الجماعة يتحول من الباب الآخر رجلاً عابداً خاشعاً قانتاً صالحاً، وصحيح أنهم لا يعلمونه الكثير، لكن الشاهد أننا ننظر إلى هذه الإيجابية النسبية، فأسلوبهم الأساسي في هذا هو هذا القضية التي نتكلم فيها، يعني: أن ينزع هذا الشخص من البيئة التي هو فيها، ويغمس في بيئة أخرى، فيسهل تطبيع هذا التائب بغرس قيم ومفاهيم جديدة مع التكرار باستمرار، ومع تطهيره من القيم المراد نزعها من قلبه، وبصورة سلسة وتلقائية، وفعالة، وتفسر جماعة التبليغ ذلك بمثال وطبعاً هم يتقنون جداً ضرب الأمثال، بل أحياناً تطغى على الاستدلالات الشرعية، فيقولون: إذا سقطت الجوهرة في النجاسة، فلو أردنا أن ننظف الجوهرة وهي باقية في وسط النجاسة، وبقينا نصب عليها الماء، ونصب الماء ونصب الماء فإنها لن تطهر، لكنها تطهر إذا نزعتها من وسط النجاسة بعيداً عنها ثم غسلتها، فحينئذٍ تطهر، فيقولون: إذا سقطت الجوهرة في مكان نجس فيحتاج ذلك إلى كثير من الماء حتى تنظف إذا صببناه عليها وهي في مكانها، ولكن إذا أخرجناها من مكانها سهل تنظيفها بالقليل من الماء.

    صحبة أولي الهمم العالية سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    وننتقل إلى سبب مرتبط بهذا السبب من أسباب الارتقاء بالهمة، وهو: صحبة أولي الهمم العالية ومطالعة أخبارهم، فهذا سبب آخر مرتبط بالسبب الماضي، وإن كان السبب الماضي عاماً، فمن انتقل إلى بيئته أخرى فعلية بعد ذلك في هذه البيئة الجديدة أن يبحث عن أناس أولي همة عالية ويصحبهم؛ كي يتأثر بهم، فالطيور على أشكالها تقع، فالغراب يطير مع الغربان، والحمام مع الحمام، والنسور مع النسور، وكل شكل من أشكال الطيور مع شكله، وكذلك الأسماك وكذلك غيرها من الكائنات، وكذلك بنو آدم، فالطيور على أشكالها تقع، وكل قرين بالمقارن يقتدي.

    والعبد يستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم، فإذا عشت مع الصالحين فإنك تستفيد باللحظ وبالنظر أكثر ما تستفيد بالكلام؛ لأن رويتهم تذكر بالله عز وجل، فعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر فمجرد رؤيتهم تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] قال: هم الذين يُذكر الله لرؤيتهم هذه هي علامة أولياء الله، فإنهم مباركون حيثما كانوا، وإذا رآهم الناس تذكروا الله سبحانه وتعالى، والإنسان فعلاً يشعر بهذا، فأحياناً يمضي مثلاً في الطريق، ويكون غافلاً عن ذكر الله، فإذا رأى رجلاً تتحرك شفتاه بذكر الله، سرعان ما ينتبه الإنسان إليه ويقتدي به في هذا، ومثلاً: تركب أحياناً في مواصلات فتجد رجلاً منزوياً في جانب ويمسك المصحف الشريف ويقرأ من القرآن، المصلحون في كل مكان يذكرون الناس بلحظهم قبل أن يذكروهم بلفظهم.

    وروي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: كان الربيع بن خثيم إذا دخل على ابن مسعود لم يكن له إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه، فقال له ابن مسعود : (يا أبا يزيد ! لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين)، فانظر إلى رجل ينبهر به عبد الله بن مسعود ويقول له: لو رأك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين، ولذلك كان ابن مسعود يعامله معامله خاصة، فكان إذا دخل الربيع بن خثيم على عبد الله بن مسعود تنقطع المقابلات ولا يمكن أن يقابل أحداً أبداً إلى أن يفرغ من حاجته مع ابن خثيم ثم بعد ذلك يقابل الآخرين.

    وقالت العرب: لولا الوئام لهلك الأنام، والوئام هنا بالذات في هذه العبارة معناه: التشبه بالكرام.

    قال الماوردي في معنى هذه الكلمة: لولا الناس يرى بعضهم بعضاً فيقتدى بهم في الخير وينتهى بهم عن الشر لهلكوا؛ لأن الانغماس في البيئة الصالحة والبيئة الطيبة يوجد الوئام الذي هو ثمرة هذا الاختلاط، فالناس حينما يحتك بعضهم ببعض يتعلمون من بعض، فيُرى الصالحون ويقتدى بهم، وأيضاً يجتنب الشر عن طريق هذا الوئام، فلولا الوئام لهلك الأنام.

    وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم: إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه. تحر ألا تجلس إلا إلى من ينفعك في دينك.

    أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلا

    فأصحب الأخيار تعلو وتنل ذكر جميلا

    وعن جعفر قال: كنت إذا وجدت بالقلب قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى، يعني: من شدة حزنه وخوفه من الآخرة.

    وقال ابن المبارك : إذا نظرت إلى فضيل جدد لي الحزن، ومقت نفسي. هذا والذي يقول هذا هو عبد الله بن المبارك رحمه الله الإمام الجليل المبارك الذي هو من سادات المسلمين رحمه الله تعالى، ومع ذلك يقول في الفضيل بن عياض : إذا نظرت إلى فضيل جدد لي الحزن، ومقت نفسي. فيمقت نفسه ويكره نفسه، لتقصيرها في طاعة الله عن التشبه بهذا العبد الصالح.

    وكان الإمام أحمد إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله. فكان من خصائص منهج الإمام أحمد في علاقته بالناس أنه إذا سمع عن رجل يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو مجتهد في العبادة أو مجتهد في العلم أو الزهد أو الصلاح أو غير ذلك من هذه الأمور العالية يسأل عنه ويبحث عنه، ويحرص على أن تجري بينه وبينه معرفة وأخوة، ويتابع أحواله باستمرار، وطبعاًً الإمام أحمد كان يطبق قاعدة مهمة جداً وهي قاعدة: التجريب قبل التقريب، يعني: قبل أن تقرب واحداً منك ينبغي أن تجربه أولاً وتجرب أخلاقه وتبحث عن صفاته وطباعه؛ لأن الصورة التي تريدها لنفسك هي الصورة التي عليها من تخالله وتتخذه صديقاً قريباً، فكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يطبق قاعدة التجريب قبل التقريب، فكان يدقق في اختيار من يقربه منه ويدنيه، وعرف عنه ذلك، حتى قال الشاعر في مدح الإمام أحمد رحمه الله:

    ويحسن في ذات الإله إذا رأى مضيماً لأهل الحق لا يسأم البلا

    فإخوانه الأدنون كل موفق بصير بأمر الله يسمو إلى العلا

    هؤلاء هم إخوانه في الله، فكان الإمام أحمد يحرص على ألا يصادق ولا يؤاخي إلا من تحقق فيه هذا المعنى.

    وحكى ابن القيم رحمه الله تعالى بعض ما استفادة من ملاحظة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نظرة النعيم على وجهه. وابن القيم يتكلم وكأنه يتكلم عن أبناء أو أطفال يفزعون إلى أبيهم في شدة الفزع كي يلوذوا به ويطمئنوا، فـابن القيم هو شعاع من نور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يتحدث بلسان إخوانه من تلامذة شيخ الإسلام فيقول: وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة.

    وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات فتأمل ما قاله محمد بن علي السلمي رحمه الله -تأملوا وابكوا على أحوالكم- حيث يقول: قمت ليلة سحراً لآخذ النوبة على ابن الأخرم . يعني: من أجل أن يذهب يحجز مكاناً في المسجد الذي فيه حلقة ابن الأخرم ، وكأنه يقول: أنا سأكون أول واحد يحضر، وبالتالي أكون في المقدمة، وأبادر للأخذ على الشيخ فاستيقظ في السحر، وخرج من بيته وذهب ليحجز مكاناً في الحلقة، قال: فوجدت أنه قد سبقني ثلاثون قارئاً، أي: ثلاثون من إخوانه، وهذا معناه: أنهم استيقظوا قبل أو أتوا قبل ذلك بفترة، قال: فوجدت أنه قد سبقني ثلاثون قارئاً، ولم تدركني النوبة إلى العصر.

    وقال علي بن الحسين بن شقيق : قمت لأخرج مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد، فذاكرني عند الباب بحديث أو ذاكرته فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح. أي: لم يشعروا بالوقت، فظلوا يتذاكرون طول الليل وهم قيام، وفي ليلة باردة إلى أن جاء المؤذن يؤذن لصلاة الصبح.

    وهذا الشاعر محمد إقبال يدعو الله أن يمن عليه بصاحب عالي الهمة فيقول:

    هب نجياً يا ولي النعمة محرماً يدرك ما في فطرتي

    هب نجياًً لقناً ذا جنة ليس في الدنيا له من صلة

    وقال أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: (ما أعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح، فإذا رأى أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به).

    وقال الحسن البصري

    : إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة.

    ويقول الدكتور خلدون الأحدب حفظه الله: وإذا ما نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم، وكان من نتاجهم وأثرهم ما يعجب أو يدهش نجدهم لا يصاحبون إلا المجدين العاملين، والنابغين الأذكياء الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم؛ لأن الزمن هو الحياة. ونحن المسلمين نقول: الذهب هو الحياة، ولا نقول: الوقت من ذهب؛ لأن هذه الكلمة هي كلمة الغربيين؛ لأن الذهب عندهم هو أعظم حاجة يضرب بها المثل في النفاسة، فالوقت عندهم من ذهب، أما المسلمون فيقولون: الذهب هو الحياة نفسها التي هي أغلى بكثير من الذهب.

    يقول: وصحبة هؤلاء الأمجاد المجدين المتيقظين للدقائق والثواني كان له عظيم الأثر في همة مثل الإمام: ابن جرير الطبري وابن عقيل الحنبلي وابن عساكر الدمشقي وابن تيمية وابن القيم وابن النفيس والمزي والذهبي وابن حجر وأضرابهم في غزارة إنتاجهم وجدته.

    يقول الإمام ابن عقيل الحنبلي صاحب كتاب الفنون: وعصمني الله من عنفوان الشبيبة بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله فما خالطت لعاباً قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم. يعني: أن أحد أسباب توفيقه هو أنه قصر صحبته على كبيري الهمة.

    فالحريص الموفق الذي يروم المعالي لا تراه إلا مع أهل العلم العاملين، وأولي الفضل والمجاهدة والحكمة والبصيرة، ليرشح عليه ما هم فيه أو بعضه، فيكون مثلهم أو قريباً منهم، إن صحبة هؤلاء تعلم منافسة الزمان، وصحبة البطالين تعلم تضييع الزمان. وطبعاً صحبة البطالين الآن ليس فقط عن طريق اتخاذ أصدقاء بطالين يعني بمعنى لعابين لاهين غافلين، إنما هناك نوع آخر من صحبة البطالين، فإن الإنسان إذا صاحب كائناً حياً بطالاً أو فاسقاً فهناك نوع من التفاعل فممكن أن تؤثر فيه أو هو يؤثر فيك، لكن هناك صاحب سوء بل هو أسوأ أصحاب السوء؛ لأنه يؤثر فيك فقط، وأنت لا تفعل سوى أنك تستسلم له، وتفتح دماغك ويصب ما شاء من الأفكار والمفاهيم، وهو جهاز التلفاز، والعائلة كلها لهاء التلفزيون وتوابعه، ولا شك أن هذا من أقبح وأخس وأشنع صور صحبة البطالين المفسدين؛ والنظر في الصور بلا شك ينطبع على القلب، فحينما تنظر إلى الممثلات والفنانات والفنانين والمطربات والمطربين والراقصات والراقصين والعلمانيين والملحدين وغير هؤلاء من أشكال وأنواع الفسقة والفجرة والكفرة لا شك أن هذا سينطبع على قلبك شئت أم أبيت، وصحيح أن التأثير يكون تراكمياً لكن شئت أم أبيت فإنك تنطبع في قلبك آثار شؤم هؤلاء الفسقة والفجرة الذين نحن نجعلهم أساتذة لأولادنا، يدخلون البيوت فيعلمون البنات فنون الهوى والعشق والغرام ويعلمون الشباب الفساد، والمجون، ويشغلون الأمة كلها بالتوافه من الأمور، وصار كثير من الفنانين هم الأبطال وهم العلماء وهم الذين يبنون المستقبل وهم كذا وكذا وكذا، ولا شك أن هذه السموم كلها هي من أقبح أنواع الصحبة، فمثل هذه الصحبة تجلب غضب الله سبحانه وتعالى، وتفتح أبواب المعاصي.

    يقول الدكتور الأحدب : قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (اعتبروا الرجل بمن يصاحب، فإنما يصاحب الرجل من هو مثله)، فنعوذ بالله من صحبة البطالين.

    وذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن من آدب المتأدب أن يحترز عن مجالسة صاحب السوء، ليقصي ولاية شياطين الجن والإنس من صحن قلبه، فيصفى عن لوثة الشيطنة.

    وعلى أي الأحوال من أقوى البواعث على ارتفاع الهمة أن تطلب صحبة عبد من عباد الله مجتهد في العبادة والعلم، فتلاحظ أقواله وتقتدي به، وكان بعضهم يقول: كنت إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمد بن واسع واجتهاده، فعملت على ذلك أسبوعاً. يعني: أن نظرة واحدة من محمد بن واسع تعطيه طاقة وشحنة تكفيه لمدة أسبوع يعيش عليها بهمة، فإذا نفدت هذه الطاقة جدد النظر إليه، لكن هذا العلاج قد تعذر في هذا الزمان، فقد فُقد في هذا الزمان من يجتهد في العبادة اجتهاد الأولين، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى وقليل ما هم، فينبغي في هذه الحالة أن يعدل من المشاهدة إلى السماع، فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ومطالعة أخبارهم، ومن هنا تكمن أهمية مطالعة كتب التراجم، مثل: سير أعلام النبلاء، وحلية الأولياء وغير ذلك من كتب التراجم.

    فالإنسان حينما يطالع سير هؤلاء الصالحين يتأمل كيف انقضى تعبهم وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع إن شاء الله.

    كما قال الشاعر:

    ماتوا وغُيب في التراب شخوصهم والنشر مسك والعظام رميم

    وينصح الإمام ابن الجوزي طالب العلم قائلاً: فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات، فليكثر من المطالعة، فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره، ويحرك عزيمته للجد، وما يخلو كتاب من فائدة، ثم يقول: وأعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي المقتدي ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد، فالله الله! وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال:

    فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي.

    يعني: فاتني أن أعيش مع السلف وأراهم بعيني، فعندي عوض عن ذلك متاح وهو أن أرى الديار بسمعي، يعني: من خلال الكتب ومطالعتها.

    ثم بين ابن الجوزي رحمه الله تعالى ثمرة مطالعة كتب الأقدمين فقال: فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعبادتهم، وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لا يطالع.

    نصيحة المخلصين سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    ومن أسباب الارتقاء والارتفاع بالهمة أيضاً: نصيحة المخلصين النصيحة المخلصة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة. قالوا لمن؟ قال لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم وهذا الناصح قد يكون أباً شفيقاً أو أماً رحيمة، أو زوجة تحضه على الخير، وقد يكون هذا الناصح رجلاً من عوام المسلمين، وقد يكون من علماء المسلمين كما سنفصل إن شاء الله تعالى.

    فقد يكون هذا الناصح الأمين الذي ينصحك ويوجهك وينفعك في الارتقاء بهمتك أباً شفيقاً، كما قال سفيان بن عيينة : قال لي أبي وقد بلغت خمس عشرة سنة: إنه قد انقضت عنك شرائع الصبا- أي: انتهى موضوع الطفولة والصبا- فاتبع الخير تكن من أهله. فجعلت وصية أبي قبلة أميل إليها، ولا أميل عنها.

    وقد يكون الناصح أماً رحيمة، فهذه أسماء ذات النطاقين رضي الله تعالى عنها توصي ابنها عبد الله بن الزبير لما استنصحها فقالت له: (الله الله! يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو عليه فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: إني كنت على حق، فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار، ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير ! والله! لضربة بالسيف في عز أحب إلي من ضربة بالسوط في ظلم، فقال: يا أماه! أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت: يا بني! إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله)، وطبعاً هو لم يقصد في الحقيقة أنه فعلاً كان يخاف، فهو أكبر من ذلك، لكنه كان يريد أن يطمئن على ما عندها، فهذه بلا شك نصيحة أم، فأنظر كيف تحثه حثاً على علو الهمة حتى لو كان في ذلك نحبه.

    وقد يكون الناصح الأمين زوجة تحضه على الخير، والزوجة بلا شك تكون من أكثر عناصر التثبيط أو التشجيع، ومن ثم حرضنا الشرع الشريف على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها تكون عوناً للإنسان على دينه، فتحضه على الخير وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى، فالزوجة الصالحة تحضه على الخير وترقي همته، مثل امرأة حبيب أبي محمد انتبهت ليلة وهو نائم، فأنبهته في السحر وقالت: قم يا رجل! فقد ذهب الليل وجاء النهار، وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.

    أو كالزوجة الصالحة العاقلة الذكية الدينة موضي بنت أبي وهطان زوجة الأمير محمد بن سعود رحمه الله، والتي كان لنصيحتها أكبر الأثر في نصرة أعظم حركة تجديدية شهدتها الأمة منذ أوائل القرن الثاني عشر الهجري إلى يومنا هذا، فإنها هي التي حثت زوجها على مناصرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وشد أزره، وإشهار سيفه من غمده نصرة لدعوة التوحيد، فهذه المرأة هي التي كانت عنصراً أساسياً خلف تأييد ومناصرة دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فهي التي أثرت على زوجها وحرضته كي يناصر شيخ الإسلام رحمه الله.

    وقد يكون الناصح الأمين الذي يرتفع بهمتك رجلاً من عوام المسلمين.

    قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو يصف محنته: صرنا إلى الرحبة -بلدة معينة- ورحلنا منها في جوف الليل فعرض لنا رجل، فقال الرجل: أيكم أحمد بن حنبل ؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رسلك، ثم قال: يا هذا-يخاطب الإمام أحمد - ما عليك أن تقتل ههنا وتدخل الجنة؟ ثم قال: استودعك الله، ومضى، فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب من ربيعة يعمل الصوف في البادية يقال له: جابر بن عامر يذكر بخير.

    وقال الإمام أحمد رحمه الله: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر-الفتنة- أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق -وهي بلدة بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات- قال: يا أحمد ! إن يقتلك الحق مت شهيداً، وإن عشت عشت حميداً، فقوي قلبي. فانظر كيف أثرت نصيحة رجل من عوام المسلمين، والإمام أحمد يقول: رجل إعرابي، يعني: ليس بعالم ولا مشهور ولا يشار إليه بالبنان، لكن أثرت كلمته في قلب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وحكى الحافظ ابن كثير رحمه الله: أن أعرابياً نصح الإمام أحمد في المحنة، فقال: يا هذا! إنك وافد الناس، فلا تكن شؤماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم إلى يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل.

    قال الإمام أحمد : وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه.

    وما أحسن ما كتب رجل أسره الصليبيون في بيت المقدس من أبيات، سبق أن تكلمنا عليها في موضوع أهمية التشجيع في الارتفاع بالهمة، فهذا السبب -وهو النصيحة- هو من التشجيع، ويدخل من نفس الباب، يعني: أن التشجيع يكون له أثر عظيم جداً في الارتفاع والارتقاء بالهمة، وذكرنا من قبل أن يكفي أن التشجيع جعله الله سبحانه وتعالى فرضاً على المسلمين في بعض الأحوال، والعلماء حينما يتكلمون عن فروض الكفايات يقولون إن الأمة لو لم تقم بفرض الكفاية يأثم الجميع: القادرون وغير القادرين، يأثم القادرون؛ لأنهم لم يفعلوا، ويأثم غير القادرين؛ لأنهم لم يحرضوا ولم يشجعوا ولم يستحثوا القادرين، فحتى غير القادر يجب أن يحث القادر، ولذلك الإنسان لا يحتقر أبداً أي نصيحة أو أي كلمة تشجع إخوانه القائمين بأمر الدعوة أو بأمر الله سبحانه وتعالى.

    هذا رجل أسير من أسرى المسلمين، أسره الصليبيون في بيت المقدس، فكتب هذه الأبيات على لسان المسجد الأقصى يخاطب صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، ولم يقل له: أريد أن أتحرر من الأسر، أو أريد أن أعود إلى أولادي ومالي وكذا، وإنما انظر ما كتبه على لسان المسجد الأقصى وهو يخاطب صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى حيث قال له:

    يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس

    جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس

    كل المساجد طهرت وأنا على شرفي منجس

    فكان لها أعظم الأثر في قلب صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، والظلامة هي ما يكتبه المظلوم، يعني: فكأن المسجد الأقصى يخاطب صلاح الدين بهذه الأبيات.

    أما نصائح العلماء فلا تسل عن حسنها وعميق أثرها في انبعاث الهمة:

    سيق الإمام أحمد إلى المأمون مقيداً بالأغلال، وقد توعده وعيداً شديداً قبل أن يصل إليه، حتى إن الخادم قال للإمام أحمد رحمه الله تعالى: يعز علي يا أبا عبد الله ! أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، فانبرى أبو جعفر الأنباري يشد أزر الإمام فقال رحمه الله: ولما حمل أحمد إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر ! تعنيت. يعني: أتعبت نفسك، فقال: يا هذا! أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، لا بد من الموت فاتق الله ولا تجب، فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر ! أعد، فأعدت عليه وهو يقول: ما شاء الله.

    وقال الإمام أحمد رحمه الله واصفاً حال رفيقه في المحنة محمد بن نوح : ما رأيت أحداً على حداثة سنة وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح ، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله ! الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك، لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، فمات وصليت عليه ودفنته.

    بل إن من لم يتصل مباشرة بالإمام أحمد في محنته كان معه بوجدانه، يتحسر لعدم مشاركته إياه العذاب والآلام.

    قيل لـبشر بن الحارث الحافي يوم عذب الإمام أحمد : قد ضرب أحمد بن حنبل إلى الساعة سبعة عشر سوطاً، فمد بشر رجله وجعل ينظر إلى ساقه ويقول: ما أقبح هذا الساق! ألا يكون القيد فيه نصرة لهذا الرجل؟!

    من نصائح العلماء المؤثرة جداً، والتي ممكن أن تغير سير حياة كاملة لإنسان ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: إن الحافظ القاسم بن محمد البرزالي رحمه الله هو الذي حبب إلي طلب الحديث، فإنه رأى خطي، فقال: خطك يشبه خط المحدثين، فأثر قوله فيَّ وسمعت منه وتخرجت به في أشياء.

    فالإمام الذهبي الذي هو الإمام الذهبي ولا نستطيع أن نقول أكثر من هذا، كان سر عظمته في علم الحديث وتوغله في هذا العلم هو هذه الكلمة العابرة التي قالها له الحافظ البرزالي حينما نظر إلى خطه فقال له: خطك يشبه خط المحدثين، يقول الذهبي : فأثر قوله فيَّ، وسمعت منه وتخرجت به في أشياء.

    المداومة والمثابرة في كل الظروف سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    إن أسباب الارتقاء بالهمة ليست محصورة، لكن نقف عند هذا السبب الأخير، وهو: المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، وقال أيضاً: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78]، وقال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، فكبير الهمة لا يستسلم للأمر الواقع، بل يبادر ويبادر في أقصى الظروف؛ لأنه يرى أن شرع الله هو الأمر الواقع، أما الباطل الذي صار أمراً واقعاً في زعم الناس فما أسهل أن يتحول ويتنحى جانباً ليترك السبيل للأمر الواقع الحق الذي هو شرع الله سبحانه وتعالى، فعالي الهمة لا يعترف بشيء اسمه الأمر الواقع، ولو أن علماء السلف قالوا: الأمر الواقع لما حصل تجديد للدين، ولا تشغيل لشبابه وبعث للأمة أبداً، فالأمر الواقع إنما يميل إليه سفلة الناس الذين انحطت هممهم وسفلت نفوسهم، فعالي الهمة لا يلتفت إلى الأمر الواقع، بل يبادر ويبادئ في أقصى الظروف حماية لهمته أن تهمد، ووقاية لها من أن تضمر، واستثماراً لأول فرصة متاحة. ليس في كل حال وأوان تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت فبادر إليها حذراً من تعذر الإمكان سبق أن ذكرنا من قبل مثالاً لعالي الهمة: أن عالي الهمة مثل الذي يحمل شعلة من النار، فحتى لو دفع بها إلى أسفل فإنها تأبى إلا صعوداً وارتفاعاً، فعالي الهمة حتى لو قيد أو كبل فهذا لا يؤثر في همته، بل إنه تحت أقسى الظروف يثابر ويداوم. قال الشاعر: ومن أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها وقال آخر: إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الأسوة، فإنه لما خرج مهاجراً إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لقي في طريق الهجرة بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، فلم تشغله مطاردة قريش عن واجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا يوسف الصديق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يبادر إلى استثمار الفرصة فيغتنم سؤال السجينين عن رؤياهما ليبث إليهما دعوة التوحيد من وراء الأسوار، كما قال عز وجل حاكياً عنه: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] إلى آخر الآيات. وقد أملى شمس الأئمة الإمام السرخسي رحمه الله تعالى الإمام الحنفي الشهير كتابه المبسوط الذي يقع في نحو خمسة عشر مجلداً وهو في السجن في (أوزجم)، وكان محبوساً في الجب بسبب كلمة ناصح بها الخاقان فحبسه في الجب، وهذه طريقة غريبة في الحبس، فكان محبوساً في قاع الجب، وكان يأتيه تلامذته يجلسون على قصف البئر -السور الذي يكون أعلى البئر- وهو يملي عليهم من ذاكرته من قاع ذلك البئر. يعني: كان يملي من خاطره من غير مطالعة كتاب وهو في الجب وأصحابه في أعلى الجب، وقال عند فراغه من شرح العبادات -ومن يراجع كتاب المبسوط سيجد هذه العبارات مكتوبة في آخر جزء العبادات-: هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات، إملاء المحبوس عن الجمع والجماعات، وقال في آخر شرح الإقرار: انتهى شرح الإقرار المشتمل من المعاني على ما هو من الأسرار، إملاء المحبوس في محبس الأشرار. وله كتاب في أصول الفقه، وشرح السير الكبير أملاه وهو في الجب، ولما وصل إلى باب الشروط حصل له الفرج فأطلق، فخرج في آخر عمره إلى (فرغانة)، فأنزله الأمير حسن بمنزله فوصل إليه الطلبة فأكمل الإملاء. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لما تآمر عليه أعداؤه حتى حالوا بينه وبين الأوراق والكتابة حتى لا تخرج فتاواه وعلمه من خارج السجن كما حصل، وشوا به إلى السلطان حتى منعه من الأوراق والأقلام، وأخرج كل ما عنده من الكتب والأقلام والأوراق، فظل يكتب فتاواه ورسائله بالفحم على جدار السجن، فرحمه الله تعالى.

    الاجتهاد في حصر الذهن وتركيز الفكر سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    من أسباب الارتقاء بالهمة: الاجتهاد في حصر الذهن وتركيز الفكر في معالي الأمور، فالإنسان عليه أن يركز، وهذا السبب هو صدى للسبب الآنف الذكر وهو توحيد الإرادة، يعني: إرادة هم الآخرة بلا منافس؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.

    فمن أسباب الارتقاء بالهمة خاصة في المقاصد العلمية: نظرية حصر الذهن والتركيز تماماً فيما تريد أن تنجزه من الأمور، فالإنسان إذا لم يبادر بأن يشغل نفسه بالحق فإنها تشغله هي بالباطل، كما قال الحسن : نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

    فلا بد أن تكون النفس مشغولة، إن لم تبادر أنت بشغلها بالحق فإنها تتفرق بك في أودية الدنيا.

    سئل كثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، مع أنه آم الناس في حمص حوالي ستين سنة كاملة في الصلوات الخمس، ولم يسه في صلاته قط، فسئل عن سبب هذا فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله.

    وهذه هي ثمرة من ثمرات حصر الذهن في مطلب واحد، وإرادة واحدة وهي إرادة الآخرة وإرادة الله سبحانه وتعالى، فالتركيز بلا شك يثمر هذه النتائج العظيمة، وقد رأينا مظاهر عجيبة للسلف الصالح رحمهم الله تعالى في موضوع التركيز في طلب الآخرة، فلم يشتتوا همتهم في الدنيا، فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العربية ومنشئ علم العروض، كان إماماً مفرط الذكاء، والإمام الخليل بن أحمد بقدر ما هو صاحب الشهرة المعروفة في اللغة العربية وفي العروض، وهذه العلوم، قد يتصور أن هذه العلوم يكون أصحابها عندهم جفاء مثلاً أو كذا، لكنه كان مشهوراً بأنه كان من العباد ومن الزاهدين ومن الخيرين، وقد دعا الله سبحانه وتعالى أن يرزقه علماً لم يسبق إليه، ففتح الله عليه باب العروض، وهو: علم أوزان الشعر والقوافي، وقيل: كان يعرف علم الإيقاع والنغم، ففتح له ذلك علم العروض، وقيل: مر بالصفارين -جمع صفار، وهو الذي يقطع النحاس الجيد- فأخذ علم العروض من وقع مطرقة على طست، يعني: كان رجل يضرب بالمطرقة على طست من النحاس بطريقة منتظمة، فرأى أن نفس هذه الإيقاعات المنتظمة هي مثل الموجودة في أبيات الشعر عند العرب، وبالتالي أستطاع أن يستخرج العروض عن طريق الالتفات لهذا الإيقاع المنتظم الذي سمعه، وقد كان متقشفاً متعبداً قال النضر بن شميل : أقام الخليل في خص له بالبصرة، يعني: في بيت من خشب أو بيت من شجر أو من قصب، قال: أقام الخليل في خص له بالبصرة ولا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال، وكان كثيراً ما ينشد:

    وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخراً يكون كصالح الأعمال.

    هو معدود من زهاد العالم القلائل، فرحمه الله تعالى، وكان يقول: إني أغلق علي بابي فما يجاوزه همي، فكان الخليل بن أحمد يخرج من منزله واهتمامه بشيء محدد، هو الآخرة وطلب الآخرة، فكان ينشغل جداً وتجد شدة تركيز ذهنه في مقصد واحد وهو طلب الآخرة، فكان يخرج من المنزل ولا يشعر بنفسه إلا وهو في الصحراء، ولم يرد الصحراء، وإنما شغله الفكر الذي هو فيه والاستغراق، حتى خرج إلى ما لا يقصده من الأماكن؛ لشدة استغراقه في أمر محدد، فيذهل عما عداه.

    وكان يدخل الداخل إلى أبي تمام الشاعر وهو يعمل الشعر، فلا يشعر به.

    وقد حكى ابن العلامة القرآني العلامة الجليل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى أنه كانت تحصل مواقف محرجة لوالدة العلامة الشنقيطي رحمه الله حيث إنه كان إذا شرع في مدارسة العلم فإنه يذهل تماماًًً عن كل ما حوله، وينسى كل ما حوله، حتى كان يدخل عليه الضيوف من الكبراء أو الأمراء فلا يلتفت إليهم؛ لشدة انشغاله وحصر ذهنه تماماً فيما هو مقبل عليه من طلب العلم، ويضطر ابنه أو أحد الحاضرين أن ينبهه إلى وجود هذا القادم كيلا يظن أنه أهمل الترحيب بهذا القادم، وما هو إلا ثمرة من ثمرات حصر الذهن، والتركيز الشديد في هدف واحد وفي مطلب واحد.

    وطبعاً موضوع حصر الذهن مما يكتسب بالمران، يعني: أنه يحتاج إلى نوع من التمرين حتى ينتقل الإنسان من الشرود وتشتت الذهن إلى حصر الذهن حصراً بيناً محكماً، فلا بد من جهد ملح، والتدريب عليه أنك تحدد موضوعاً محدداً فتدرسه أو تفكر فيه، وترد عقلك إليه مرة بعد مرة بعد مرة وتتعمد أن تعيد بعقلك وذهنك وتحصره في هذا الموضوع حتى ولو إلى خمسين أو مائة مرة من أجل هذا الموضوع الذي التزمت معالجته، فهذه الخواطر التي تتنازعك لا تلبث أن تخلي مكانها للموضوع، يعني: أن الخواطر الأخرى تشرد بذهنك بعيداً؛ لكن حين تتدرب على ذلك باستمرار فإنها تذهب بعيداً وتتلاشى، وتضطر أن تنسحب هي لتترك الموضوع الذي يلح عليك له اليد العليا وله السيادة والسيطرة على ذهنك، ليس فقط في اليقظة، بل من الناس من إذا انشغل بحفظ القرآن الكريم في يقظته فإنه إذا نام يشتغل أيضاً بمراجعته في الليل وكأنه ما زال في اليقظة، من شدة حصر الذهن في هذا الأمر.

    وكانت لـابن سحنون سرية فطلب منها ذات يوم أن تعد له طعاماً، وشغل بالتأليف والرد على المخالفين، وأحضرت الطعام، وبعد طول انتظار أخذت تطعمه؛ لأنها انتظرت مدة كبيرة والطعام أعدته وهو لا يريد أن يأكل؛ لأنه انشغل بالعلم الذي يدرسه، فأخذت تلقمه حتى أتى على الطعام دون أن يشعر، يعني: أنه كان يشتغل بالعلم ويأكل لأنها تضع اللقمة في فمه، وتمادى في عمله حتى الفجر، ثم سألها أن تحضر الطعام، فأخبرته بأنه أتى عليه دون أن يشعر.

    وذكر السبكي في طبقات الشافعية عن أبيه الإمام تقي الدين أنه كان من الاشتغال على جانب عظيم في طلب العلم والاشتغال في العلم، بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، وكان يخرج من البيت لصلاة الصبح فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فروجاً فيأكله، ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب، فيأكل شيئاً حلواً لطيفاً، ثم يشتغل بالليل وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: هذا الشاب ما يطلب قط درهماً ولا شيئاً، ما أحفظ له مرة طلب فيها مالاً أو شيئاً أو طعاماً أو شيئاً من هذا، فقال أبو الإمام تقي الدين السبكي لأمه: هذا الشاب لا يطلب قط درهماً ولا شيئاً، فلعله يريد شيئاً، يعني: أن يأكله، فضعي في منديله درهماً أو درهمين، لعله إذا مر في الطريق اشتهى شيئاً فوجد في جيبه ما يشتري به هذا الشيء، فوضعت نصف درهم، قالت الجدة: فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه والنصف فيه، إلى أن رمى به وقال: إيش أعمل بهذا خذوه عني، فبقي نصف الدرهم في منديله أسبوعين كاملين؛ لأنه لا ما يلتفت إليه ولا أنفقه، ثم بعد ذلك قال هذه الكلمة: إيش أعمل بهذا؟ خذوه عني وألقاه.

    وكان الإمام ابن مالك النحوي صاحب الألفية وغيرها كثير المطالعة، سريع المراجعة، لا يكتب شيئاً من محفوظة حتى يراجعه في محله، ولا يرى إلا وهو يصلي أو يتلو أو يصنف أو يقرأ.

    حكي أن الإمام ابن مالك توجه يوماً مع أصحابه للفرجة بدمشق، ودمشق فيها البساتين والغوطة وكذا، فلما بلغوا الموضع الذي أرادوا تنقلوا هم وتفرقوا في المكان، فغلفوا عنه فطلبوه فلم يجدوه، ثم فحصوا عنه فوجدوه منكباً على أوراقه، وفي هذا يصدق قول الشاعر:

    قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب

    والشيخ أحمد بن علي نجم الدين بن رفعت كان كثير الصدقة مكباً على الاشتغال حتى عرض له وجع المفاصل، بحيث كان الثوب إذا لمس جسمه آلمه، ومع ذلك كان لا يرى إلا ومعه كتاب ينظر إليه، وربما انكب على وجهه وهو يطالع، يعني: أنه يأتيه النوم فينام على الورق، فيكون وجهه على الورق من شدة النوم، قال: وهذا الشيخ هو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد مناظرة جرت بينهما رأيت شيخاً تتقاطر فروع الشافعية من لحيته، يعني: كأن كل جسمه مشبع بفقه تفاصيل فروع الشافعية، فكأنها تسقط منه من غزارتها، كالشخص الذي يبلل لحيته بالماء فإن الماء يسقط، فيقول الإمام ابن تيمية فيه: رأيت شيخاً تتقاطر فروع الشافعية من لحيته.

    وقال الأسنوي عنه: ما أخرجت مصر بعد ابن الحداد أفقه منه.

    ومما يروى أن أميراً في الشام أدر على الحسن بن الهيثم مالاً كثير، والحسن بن الهيثم هو صاحب علم البصريات المعروف، فهذا الأمير أعطاه مالاً كثيراً فقال له: يكفيني قوت يومي، وتكفيني جارية وخادم، فما زاد على قوت يومه، إن أمسكته كنت خازنك، وإن أنفقته كنت قهرمانك ووكيلك، وإذا اشتغلت بهذين الأمرين فمن الذي يشتغل بأمري وعلمي؟

    المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف سبب من أسباب الارتقاء بالهمة

    وأسباب الارتقاء بالهمة ليست محصورة، لكن نقف عند هذا السبب الأخير، وهو: المبادرة والمداومة والمثابرة في كل الظروف، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، وقال أيضاً: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78]، وقال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]، فكبير الهمة لا يستسلم للأمر الواقع، بل يبادر ويبادر في أقصى الظروف؛ لأنه يرى أن شرع الله هو الأمر الواقع، أما الباطل الذي صار أمراً واقعاً في زعم الناس فما أسهل أن يتحول ويتنحى جانباً ليترك السبيل للأمر الواقع الحق الذي هو شرع الله سبحانه وتعالى، فعالي الهمة لا يعترف بشيء اسمه الأمر الواقع، وإلا لو كان علماء السلف قالوا: الأمر الواقع لما حصل تجديد للدين، ولا تشغيل لشبابه وبعث للأمة أبداً، فالأمر الواقع إنما يميل إليه سفلة الناس الذين انحطت هممهم وسفلت نفوسهم.

    فعالي الهمة لا يلتفت إلى الأمر الواقع، بل يبادر ويبادئ في أقصى الظروف حماية لهمته أن تهمد، ووقاية لها من أن تضمر، واستثماراً لأول فرصة متاحة:

    ليس في كل حال وأوان تتهيأ صنائع الإحسان

    فإذا أمكنت فبادر إليها حذراً من تعذر الإمكان

    وسبق أن ذكرنا من قبل مثالاً لعالي الهمة: أن عالي الهمة مثل الذي يحمل شعلة من النار، فحتى لو دفع بها إلى أسفل فإنها تأبى إلا صعوداً وارتفاعاً، فعالي الهمة حتى لو قيد أو كبل فهذا لا يؤثر في همته، بل إنه تحت أقسى الظروف يثابر ويداوم.

    قال الشاعر:

    ومن أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها

    وقال آخر:

    إذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل خافقة سكون

    ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الأسوة، فإنه لما خرج مهاجراً إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لقي في طريق الهجرة بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، فلم تشغله مطاردة قريش عن واجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    وهذا يوسف الصديق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يبادر إلى استثمار الفرصة فيغتنم سؤال السجينين عن رؤياهما ليبث إليهما دعوة التوحيد من وراء الأسوار، كما قال عز وجل حاكياً عنه: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] إلى آخر الآيات.

    وقد أملى شمس الأئمة الإمام السرخسي رحمه الله تعالى الإمام الحنفي الشهير كتابه المبسوط الذي يقع في نحو خمسة عشر مجلداً وهو في السجن في أوزجم، وكان محبوساً في الجب بسبب كلمة ناصح بها الخاقان فحبسه في الجب، وهذه طريقة غريبة في الحبس، فكان مجوساً في قاع الجب، وكان يأتيه تلامذته يجلسون على قصف البئر -السور الذي يكون أعلى البئر- وهو يملي عليهم من ذاكرته من قاع ذلك البئر. يعني: كان يملي من خاطره من غير مطالعة كتاب وهو في الجب وأصحابه في أعلى الجب، وقال عند فراغه من شرح العبادات -ومن يراجع كتاب المبسوط سيجد هذه العبارات مكتوبة في آخر جزء العبادات-: هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني وأوجز العبارات، إملاء المحبوس عن الجمع والجماعات.

    وقال في آخر شرح الإقرار: انتهى شرح الإقرار المشتمل من المعاني على ما هو من الأسرار إملاء المحبوس في محبس الأشرار.

    وله كتاب في أصول الفقه، وشرح السير الكبير أملاه وهو في الجب، ولما وصل إلى باب الشروط حصل له الفرج فأطلق، فخرج في آخر عمره إلى فرغانة فأنزله الأمير حسن بمنزله فوصل إليه الطلبة فأكمل الإملاء.

    وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لما تآمر عليه أعداؤه حتى حالوا بينه وبين الأوراق والكتابة ومنعوه حتى لا تخرج فتاواه وعلمه من خارج السجن كما حصل، وشوا به إلى السلطان حتى منعه من الأوراق والأقلام، وأخرج كل ما عنده من الكتب والأقلام والأوراق، فظل يكتب فتاواه ورسائله بالفحم على جدار السجن، فرحمه الله تعالى.

    1.   

    أثر علو الهمة في إصلاح الفرد والأمة

    فهذا ما تيسر من الإشارة إلى مجمل أسباب الارتقاء بالهمة، وبقي الكلام في خاتمة هذا البحث الذي طال، لكن نرجو أن يكون في هذه الإطالة إن شاء الله تعالى فائدة، وهو الكلام على أثر علو الهمة في إصلاح الفرد والأمة، فما مضى من الكلام يبين لنا كيف أن الهمة العالية هي سلم الرقي إلى الكمال الممكن في كل أبواب البر، لاسيما العلم والجهاد اللذين هما سبب ارتفاع الدرجات.

    فمن تحلى بها لان له كل صعب، واستطاع أن يعيد هذه الأمة إلى الحياة مهما ضمرت فيها معالي الإيمان، إذ إن همم الرجال تزيل الجبال، يقول الشاعر:

    همم الأحرار تحيي الرمم نفخة الأبرار تحيي الأمم

    فأصحاب الهمة العالية فحسب هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، وأصحاب الهمة العالية هم فقط الذين يبدلون أفكار العالم ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم.

    وهذا بخلاف نوع آخر من الهمم قال فيه الأستاذ المودودي رحمه الله تعالى: ومن دواعي الأسف أن الذين عندهم نصيب من القوى الفكرية والقلبية من النوع الأعلى من أفراد أمتنا- يعني: الأذكياء والنوابغ- هم مولعون بإحراز الترقيات الدنيوية، يجاهدون في سبيلها ليل نهار، ولا يصبرون في السوق إلا على من يساومهم بأثمان مرتفعة.

    وما بلغوا من تعلقهم بالدعوة إلى الاستعداد للتضحية في سبيلها بمنافعهم، بل ولا بمجرد إمكانيات منافعهم، فإذا كنتم -يخاطب أصحابه- ترجون معتمدين على هذه العاطفة الباردة للتضحية أن تتغلبوا في الحرب على أولئك المفسدين في الأرض الذين يضحون بالملايين من الجنيهات كل يوم في سبيل راياتهم الباطلة، فما ذلك إلا حماقة.

    وهذه نصيحة شديدة وقاسية لكن لابد منها، وسبق أن ذكرت لكم مثالاً مؤسفاً أيضاً كهذا المثال، بعض الشباب في إحدى البلاد حينما طلب من بعضهم التبرع بتحفيظ الطلاب أو الشباب أو الأطفال القرآن الكريم لوجه الله تذمروا أو تذمر بعضهم لأجل أنه لن يعود عليهم ذلك براتب؛ وإن كان هذا في وقت فراغهم لكنه لن يعود عليهم بمال.

    فجمعهم المسئول وقال لهم: لا تكونوا مثل ماكينة البيبسي -وفي الخارج توجد ماكينات تضع فيها العملة سواء ورقية أو معدنية فتخرج لك البيبسي، وإذا ما أعطيتها النقود لا تخرج لك- تعطيها العملة تعطيك الببسي، فأنتم إذا لم تأخذوا مالاً لا تبذلوا في سبيل الدعوة! فهذا مثال مشابه.

    يقول المودودي : فإذا كنتم ترجون معتمدين على هذه العاطفة الباردة التي لا تكلف وليس فيها دفع الثمن أن تتغلبوا على أناس يضحون بالأموال والأنفس وكل شيء في سبيل باطلهم فهذا ليس من العدل وليس من الإنصاف.

    إذاً: أصحاب الهمة العالية هم وحدهم فقط الذين يقوون على البذل في سبيل المقصد الأعلى، وهم الذين يبدلون أفكار العالم ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم، ومن ثم فهم القلة التي تنقذ الموقف، وهم الصفوة التي تباشر مهمة الانتشال السريع من وحل الوهن ووهدة الإحباط.

    يقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى مبيناً أثر علو الهمة: يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجه به إلى النهايات من معالي الأمور، فهو الذي ينهض بالضعيف يضطهد أو يزدرى، فإذا هو عزيز كريم، وهو الذي يرفع القوم من سقوط ويبدلهم بالخمول نباهة وبالاضطهاد حرية وبالطاعة العمياء شجاعة أدبية.

    هذا الخلق هو الذي يحمل جماعة من أن تتملق خصمها، فإذا كان الإنسان عنده علو الهمة لا يجود لسانه بمدح خصمه، فلا يقول: إنه شريف وإنه كذا وكذا من النفخ في أعداء الدين وأعداء الإسلام؛ لأن هذا من علامات سقوط الهمة، وقائل هذا ذليل أمام الخصم فيضطر أن يمدحه بهذه الطريقة.

    يقول الشيخ محمد الخضر حسين : هذا الخلق هو الذي يحمل جماعة من أن تتملق خصمها، أما صغير الهمة فإنه يبصر خصومه في قوة وصفوة، فيذوب أمامهم رهبة ويطرق إليهم رأسه حطة، ثم لا يلبث أن يصير في ريحهم ويسابق إلى حيث تنحط أهواؤهم.

    وفي جنح هذا الظلام الحالك والليل الأليل تكاد تفتقد أمتنا البدر المنير، وتترقب مجيء رجل الساعة، والمصلح المنتظر ويحدوها الأمل في طلوع فجر قريب يؤذن ببعث المجدد المرتقب الذي بشر به الصادق المصدوق في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على كل رأس مائة سنة من يجدد لها دينها) .

    وخلوا ولاة السوء منكم وغيهم فأحر بهم أن يغرقوا حيث لججوا

    نظار لكم أن يرجع الحق راجع إلى أهله يوماً فتشجوا كما شجوا

    على حين لا عذر لمعتذريكم ولا لكم من حجة الله مخرج

    لعل لهم في منطوى الغيب ثائراً سيسموا لكم والصبح في الليل مولج

    بجيش تضيق الأرض من زفراته له زجل ينفي الوحوش وهزمج

    فيدرك ثأر الله أنصار دينه ولله أوس آخرون وخزرج

    ويقضي إمام الحق فيكم قضاءه تماماً وما كل الحوامل تخدج

    وإني على الإسلام منكم لخائف بوائق شتى بابها الآن مرتج

    لعل قلوباً قد أطلتم غليلها ستظفر منكم بالشفاء فتثلج

    فيا شباب الإسلام قد فتح باب الترشيح فهيا تسابقوا إلى العلى وتنافسوا في جنة عرضها السماوات والأرض واختطوا لأنفسكم طريق المجد.

    فتالله ما ارتفع صوت الحادي يوماً لرفقة أولي صمم، ولا ارتفع الفلك الأعلى لغير أهل الشموخ والشمم.

    فتعلم أمتنا أننا ركبنا الخطوب هياماً بها

    فإن نحن شذنا فيا طالما تذل الصعاب لطلابها

    وإن نلق حتفاً فقد قدمت كئوس المنايا لشرابها

    هذه المهمة الجسيمة التي تبحث عن عالي الهمة وكبير الهمة هي التي قال فيها المجدد العلم والجبل الأشم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله، قد ثني عليه الكبير وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه ديناً لا يرون الحق غيره.

    فمن ممن يعرف قدر نفسه بلا وكس ولا شطط يراها أهلاً لهذه الوظيفة المقدسة؟ من منكم يصف هذه الأحلام ويضرب صدره في عزة وشموخ قائلاً: أنا لها، أنا لها؟!

    فإن كنت عن جدارة واستحقاق حزت مسوغات هذا الترشيح فامض على بصيرة ولا تلتفت إلى الوراء حتى يفتح الله عليك، وحذار أن تغفل ولو لحظة.

    لحظة يا صاحبي إن تغفل ألف ميل زاد بعد المنزل

    رام نقش الشوك حيناً رجل فاختفى عن ناظرية غير المحمل

    وزاحم بكتفيك وساعديك قوافل العظماء والمجددين من السلف والخلف، ولا تؤجل فليس من تأجيل فإن مرور الزمن ليس من صالحك، وإن الطغيان كلما طال أمده كلما تأصلت في نفوس المتميعين معاني الاستحذاء، ولابد من مبادرة تنتشل ما دام في الذين جرفهم التيار بقية عرق ينبض وبذرة فطرة كامنة.

    قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

    ولا يظنن ظان أن حديثنا عن علو همة أسلافنا العظام يعني الانطواء في الماضي وقطع النظر عن الحاضر والمستقبل، وإلا صرنا كالترجمان الذي يتوقف أمام الآثار ويشيد بالماضي فحسب، دون أن يقدم شيئاً للحاضر أو المستقبل.

    ولا يظنن ظان أننا بهذا الحديث عن علو همة السلف الصالح نرجع إلى الوراء في زمن تتسابق فيه الأمم نحو المستقبل، فإن اقتداءنا بخير أمة أخرجت للناس هو تألق وصعود وارتفاع إلى مستوى ذلك الجيل الفريد الذي لم تعرف البشرية له نظيراً، وإن إبراز هذه النماذج الحية هو أقرب طريق إلى إيقاظ الهمم نحو إصلاح هذه الأمة التي لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، قال عز وجل: لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:10] ، وباب المجد والمكرمات لم يزل مفتوحاً يرحب بكل راغب.

    إذا أعجبتك خصال امرء فكنه يكن منه ما يعجبك

    فليس لدى المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك

    فيا من يروم ولوج هذا الباب واجه الحقائق، وتبصر موقع قدمك، ولا تفزع إلى انتظار خراب العالم على أمل أن ينهض المسلمون على أنقاضه، ولا تهرب إلى افتراض حصول خوارق للسنن التي لا تحادي من لا يحترمها، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .

    وتذكر يوم بدر حين خرج الثلاثة من كفار قريش يطلبون المبارزة فأخرج لهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: والله! لا نطعن في أحسابهم ولا أنسابهم، ولكن أخرج لنا أكفاءنا من قريش، فأخرج لهم علياً وحمزة وأبا سفيان بن الحارث فقتلوهم، وكذلك الناس دوماً تحب المكافأة حتى ولو أنهم يقتلون.

    والقرشية اليوم تتمثل في الصروح العلمية والمجامع الأدبية والمؤسسات الصحفية والمعاهد السياسية والدور الوثائقية وغير ذلك من مجالات هذه الأنشطة، وعلى دعاة الإسلام اليوم أن ينطلقوا منها للمبارزة.

    هذا زمان لا توسط عنده يبقي المغامر عالياً وجليلا

    كن سابقاً أو ابق فيه بمعزل ليس التوسط للنبوغ سبيلا

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724053485