إسلام ويب

أحكام الدفن والتعزية وزيارة المقابر [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب دفن الإنسان الميت سواء كان مسلماً أو كافراً، وقد دلت الأدلة على ذلك، ويدفن المسلم في مقابر المسلمين المخصصة لهم، ويدفن الكافر في مقابر الكفار المخصصة لهم، ويتولى إنزال الميت في القبر قرابته الأدنون، ومن سنن دفن الميت: إنزاله من جهة رجليه مستقبلاً القبلة، نصب اللبن على لحده، ووعظ الحاضرين وتذكيرهم بالله، وحثي التراب على القبر، وتمييزه، وترك استعجال الخروج بعد دفنه.

    1.   

    الأحكام المتعلقة بدفن الميت

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد الله رب العالمين، حمدا ًكثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد: أيها الإخوة الفضلاء فالكلام في هذا الدرس إن شاء الله يتناول الأحكام الخاصة بدفن الميت، بعد الفراغ من الكلام عن الأحكام المتناولة لتلقين المحتضر، ثم تغسيل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، وتشييعه، بالإضافة إلى الكلام عن علامات حسن الخاتمة، وهذا الكلام كله إنما يجيء استجابة لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( أكثروا من ذكر هادم اللذات الموت )، ولما سئل نبينا صلى الله عليه وسلم عن أكيس الناس قال: ( أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم لما بعده استعداداً ) .

    وكما تقدم معنا الكلام فإن الموت داخل كل بيت، ومصيب كل حي، كما قال ربنا جل جلاله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185] كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] ، فلذلك واجب على كل منا أن يحيط بهذه الأحكام؛ لأنه محتاج إليها.

    وأما الكلام عن دفن الميت فتتعلق به أحكام:

    وجوب دفن الإنسان الميت

    أولها: أنه يجب دفن كل ميت مسلماً كان أو غير مسلم، والأحكام التي تتعلق بالتلقين والتغسيل والتكفين والتشييع والصلاة كلها خاصة بالميت المسلم، أما الكافر إذا حضره الموت فليس مطلوباً منا تغسيله ولا تكفينه ولا الصلاة عليه ولا تشييعه، فهذه أحكام خاصة بالميت المسلم، أما الدفن فإنه واجب علينا، سواء كان الميت مسلماً أو غير مسلم، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيح: (أن صناديد الكفر لما أهلكهم الله يوم بدر، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأربعة وعشرين منهم فجروا من أرجلهم وألقوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث -أي في بئر من آبار بدر- ثم وقف صلى الله عليه وسلم يناديهم بأسمائهم: يا أبا جهل ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، يا أمية بن خلف ، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، أيسركم أنكم لو أطعتم الله ورسوله؟ -فاستغرب الفاروق عمر رضي الله عنه- وقال: يا رسول الله أتخاطب قوماً قد جيفوا -أي: قد صاروا جيفاً- فقال: يا عمر ما أنت بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون الجواب ) يعني أنت تسمع وهم يسمعون كسمعك أو أشد مما تسمع، لكنك تجيب وهم لا يجيبون.

    ونحن نعتقد يقيناً أن الميت يسمع، بل أكثر من ذلك نعتقد أن الميت يخاطب أهله، ولكنهم لا يسمعون، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجنازة إذا حملت على الأعناق وكانت صالحة فإنها تنادي على حامليها وتقول: ( قدموني قدموني )، أي: أسرعوا بي؛ ( لأن المسلم إذا كان -في سكرات الموت- في إقبال من الآخرة، وإدبار من الدنيا، فإنه يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: يا عبد الله! هذا مقعدك في الجنة )، فيرى من النعيم المقيم الذي أعده الله ما يحمله على أن يطلب الإسراع، وأما إذا كانت الأخرى - والعياذ بالله - إذا كانت جنازة كافر، أو جنازة منافق، أو جنازة فاجر، فإنها تنادي على حامليها وتقول: ( يا ويلها! يا ويلها! إلى أين تذهبون بها ). لأنه ذاهب إلى حفرة من النار -والعياذ بالله-.

    ولذلك أقول أيها الإخوة الكرام! دفن الميت واجب، ولو كان الميت كافراً، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( لما مات أبو طالب أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إن عمك الشيخ الضال قد مات يعني: أباه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اذهب فواره، ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني ) فأمره بأن يدفن أباه رغم أن أباه مات على الكفر، قال: ( فلما فعلت أتيته، فأمرني أن أغتسل، ثم أتيته فدعا لي دعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم ).

    ومعلوم أيها الإخوة الكرام أن نبينا عليه الصلاة والسلام حضر عمه أبا طالب لما كان في سكرات الموت، وطلب منه أن ينطق بكلمة التوحيد، ( يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله -وكان عنده بعض الفجرة- كـأبي جهل بن هشام ، فكانوا يقولون له: يا أبا طالب ! أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فكان آخر ما قال: أنا على ملة عبد المطلب ). ثم خرجت روحه، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك حزناً عظيماً، فأنزل الله عز وجل قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) ، فأنزل الله قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:113-114].

    مكان دفن الميت المسلم والميت الكافر

    الحكم الثاني أيها الإخوة الكرام: أن المسلم إذا مات فإنه يدفن في مقابر المسلمين، ولا يجوز دفن مسلم في مقابر الكفار ولا العكس، فلا يجوز دفن كافر في مقابر المسلمين، وقد جرى العمل بهذا منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم الناس هذا في سائر ديار المسلمين، وما ينبغي التساهل في ذلك؛ لأن للمسلم ميزته و خصوصيته حياً وميتاً، فما ينبغي الخلط، مثلما أن للمسلم أحكاماً تخصه حال كونه حياً، فكذلك له أحكام تخصه حال كونه ميتاً؛ ولذلك في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام كان للمسلمين قبورهم، وللمشركين قبورهم، ويدل على ذلك حديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه قال: ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أماشيه يوماً، فشكوت إليه العزوبة ونأي قومي ) يعني: شكا إليه أنه إنسان أعزب ما عنده زوجة، وأن قومه بعيدة ديارهم، وقد طال عهده بهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا بشير ! ما أصبحت تنقم على الله عز وجل، أما تحمد الله أن أخذ بناصيتك من بين ربيعة، قوم يرون لولاهم لمادت الأرض ) يعني يقول له: احمد الله على نعمته أن صيرك مسلماً، بل أنت تمشي خطوة بخطوة مع خير خلق الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد هداك الله من بين ربيعة، وهم قوم طبعوا على الأنفة يرون أنه لولاهم لمادت الأرض، يقول بشير رضي الله عنه: ( فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مقابر المشركين، فقال: لقد سُبق هؤلاء بخير كثير، ثم مر على مقابر المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً )، فهذا الحديث يدل على أن مقابر المسلمين كانت مميزة عن مقابر المشركين أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقد علمنا عليه الصلاة والسلام إذا مررنا بمقابر المسلمين أن نقول ماذا؟ ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية ) فنسلم عليهم، وندعو لهم، وأما إذا مررنا بمقابر المشركين فقد أمرنا نبينا الأمين صلوات الله وسلامه عليه، بأن نبشرهم بالنار، حيثما مررت بقبر كافر فقل له: أبشرك بالنار، وهذا الحكم أيها الإخوة الكرام يخفى على كثير من الناس، حتى لما كنت في مصر ذهبت إلى الفراعنة في متحف رمسيس؛ من أجل أن نعتبر بهم، قال الله عز وجل لفرعون : فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92] ، وهم محفوظون محنطون في توابيتهم، كأن الواحد منهم نائم، ولكن وجوههم كالحة، نسأل الله العافية، وأمُرُّ بهم وأنظر إليهم وأتعجب من حالهم، والله أيها الإخوة: دخلت امرأة منقبة، ومعنى ذلك أنها في الالتزام على درجة عالية، وبلغ بها جهلها أن تدخل فتقول: السلام عليكم، وتنظر ذات اليمين وذات الشمال، وتخص كل فرعون من هؤلاء بسلام، فقلنا: الحمد لله الذي عافنا مما ابتلى به كثيراً من الخلق، فلا يمكن أن يصل الجهل بمسلم إلى أن يسلم عليهم، الكافر إذا كان حياً فأنت منهي أن تبتدئه بالسلام، فكيف به إذا كان ميتاً، فكيف به إذا كان فرعوناً ليس كافراً كسائر الكفرة، بل هو فرعون من الفراعنة.

    فأقول: للمسلمين أحكام تخصهم، وللكفار أحكام تخصهم؛ ولذلك لا ينبغي الخلط بينهم؛ ولما سئل بعض أهل العلم عن امرأة نصرانية تزوج بها مسلم، ثم حملت منه فماتت، يعني: بعد ما مضى على الحمل شهور، ونفخ فيه الروح، هذه المرأة ماتت وفي بطنها جنين مسلم أين تدفن؟ فقال: تدفن في فلاة من الأرض، لا بمقابر المسلمين؛ لئلا يتأذى المسلمون بعذابها، ولا بمقابر الكفار؛ لئلا يتأذى هذا الجنين بعذاب أولئك الكفار؛ لأن عذاب الكافر في قبره دائم لا ينقطع - والعياذ بالله - إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] .

    أما المسلم فلو عذب في قبره فإنه يعذب بقدر ذنبه، وعذابه منقطع؛ فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما مر على قبرين قال: ( إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ) ومعنى ذلك أنهما مسلمان وليسا مشركين، وإلا لو كانا مشركين لما قال: ( وما يعذبان في كبير ) ؛ لأنه لا ذنب أعظم من الشرك والكفر، ثم قال: ( بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس، ثم أخذ صلى الله عليه وسلم عوداً رطباً فشقه نصفين وغرز في كل قبر نصفاً، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) فدل ذلك على أن عذاب المسلم منقطع، نسأل الله أن يجيرنا من عذاب القبر برحمته.

    الحث على دفن المسلم في المقبرة

    الحكم الثالث أيها الإخوة الكرام: أن المسلم إذا مات يدفن في مقابر المسلمين، وليس من السنة دفنه في المسجد، ولا من السنة دفنه في البيت، وقد جرت عادة بعض المسلمين في بلادنا إذا مات الميت أن يدفنه في بيته، فنقول هذا خلاف السنة، وجرت عادة بعض المسلمين إذا مات ميت وكان له شأن كما لو كان عالماً أو كان معروفاً بالصلاح ونحو ذلك فإنه يدفن في المسجد، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، ونهى صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور، ونهى عن تجصيصها.

    ولو أن إنساناً احتج بأن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم مدفون في مسجده فنقول له: أولاً: هذه خصوصية له، صلوات ربي وسلامه عليه؛ لأنه لما توفاه الله اختلف الصحابة أين يدفنونه؟ فمن قائل: ندفنه في بقيع الغرقد، ومن قائل: نذهب به إلى مكة، ومن قائل: نذهب به إلى الشام، حتى جاء الصديق أبو بكر بالقول الفصل، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما قبض الله نبياً إلا ودفن حيث قبض ) ، فرفع الصحابة الفراش الذي مات عليه في حجرة عائشة رضي الله عنها، وحفروا له تحته في نفس المكان الذي توفي فيه عليه الصلاة والسلام، وأما أبو بكر و عمر فقد دفنا إلى جواره رضوان الله عليهما؛ لأن أبا بكر و عمر قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هما مني بمنزلة السمع والبصر) ، ويقول علي بن أبي طالب: ( كثيراً ما كنا نقول: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر و عمر ) ففي الدنيا كان الثلاثة متلازمين، وكذلك في البرزخ، وكذلك يوم القيامة، والنبي عليه الصلاة والسلام ( خرج يوماً بين أبي بكر و عمر ، وقال: هكذا نبعث يوم القيامة )، فلذلك نقول: هذه خصوصية للنبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أن خلقاً من أفاضل الصحابة، وعلمائهم، وصالحيهم، وأهل الفضل المقدمين فيهم، كبقية العشرة رضوان الله عليهم، وكذلك أصحاب بدر رضوان الله عليهم، وأصحاب بيعة الرضوان رضوان الله عليهم، ما علمنا أنهم كانوا يدفنون أحدهم في مسجد، أو كانوا يدفنونه في بيت، وإنما كانوا يذهبون به إلى مقابر المسلمين، منهم من مات بالشام، ومنهم من مات بالعراق، ومنهم من مات بمصر، ومنهم من مات عند أسوار القسطنطينية كالعبد الصالح أبي أيوب الأنصاري رضوان الله عليه، وغير هؤلاء، وكلهم كانوا يدفنون في مقابر المسلمين، ومن مات منهم في معركة فكان يدفن حيث صرع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سن هذه السنة يوم أحد، ( لما تعجل بعض الصحابة فحمل قتلاه، بعث النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: ردوا القتلى إلى مصارعهم )، أي: حيث قتلوا.

    تحديد من يتولى إنزال الميت إلى القبر

    الحكم الرابع أيها الإخوة الكرام: أنه يتولى إنزال الميت قرابته الأدنون، وهذا حكم خاص بالرجال، من الذي يتولى إنزال الميت ذكراً كان أو أنثى، الرجال، وعلى هذا جرى عمل المسلمين، فالنساء منهيات عن اتباع الجنائز، كما في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: ( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) ، وفي حديث فاطمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( من أين أقبلت؟ قالت: يا رسول الله! كنت أعزي آل فلان في ميتهم. قال عليه الصلاة والسلام: هل بلغت الكدا- أي: المقابر- قالت: لا والذي بعثك بالحق. قال لها: أما لو بلغتها ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك )، وهذا تشديد من النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك سيدنا عمر لما رأى نساء يتبعن جنازة قال لهن: هل تحملن؟ قلن: لا، قال: هل تحفرن؟ قلن: لا، قال: هل تدلين؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات، فالذي يتولى إنزال الميت القرابة من الرجال الأدنى فالأدنى؛ ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام نزل في قبره أولئك الأربعة: العباس بن عبد المطلب عمه، الفضل بن العباس ابن عمه، علي بن أبي طالب ابن عمه، وصالح مولاه، هؤلاء الأربعة هم الذين شرفوا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم إذا كان الميت أنثى فإنه يتولى إنزالها محارمها، وكذلك زوجها، أما الزوج فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـعائشة : ( ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك )، فالزوج هو أولى الناس أن ينزل في قبر زوجته من أجل أن يسترها، وكذلك المحارم، القرابة الأدنون؛ ولذلك لما ماتت أمنا زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت أول نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوقاً به، أرسل عمر إلى أمهات المؤمنين يسألهن: من ينزل في قبرها؟ وكان رضي الله عنه يحب أن يلي ذلك، فقال له أمهات المؤمنين: انظر من كان يطلع عليها حال حياتها ينزل في قبرها، والذي كان يطلع عليها هم المحارم، قال الله عز وجل: لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [الأحزاب:55] وهذه الآية جاءت بعد الآية التي قال الله فيها: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ[الأحزاب:53-55] الآية.

    1.   

    سنن دفن الميت

    الحكم الخامس: أن هناك سنناً يجب أن تتبع في دفن الميت:

    إنزاله من جهة رجليه وقول الذكر المسنون

    الأول: أيها الإخوة الكرام: أن الميت ينزل إلى قبره من جهة رجليه، يعني: لسنا مخيرين بأن ننزل الميت من هاهنا أو من هاهنا، وإنما ننزله من جهة رجليه حيث ستكون رجلاه في قبره.

    الثاني: يسن لمن يضع الميت في قبره أن يأتي بالذكر المسنون، وهو: ( بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ليس كما يصنع بعض الناس هذا يهلل، وهذا يكبر، وذاك يقرأ الفاتحة ونحو ذلك، لا، هناك ذكر مسنون نتقيد به ( بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم ).

    وضع الميت على شقه الأيمن مستقبل القبلة ووضع شيء تحت رأسه

    نضعه على شقه الأيمن مستقبلاً به القبلة، ثم يحل أربطة الكفن، ولا بأس بأن يضع شيئاً تحت رأسه، ولو أنه وضع لبنة فلا حرج في ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوا تحت رأسه قطيفة كان يتغطى بها، صلوات ربي وسلامه عليه.

    وقد فاتني أن أذكر أن السنة أن يحفر القبر ويعمق ويوسع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( احفروا وأعمقوا وأوسعوا ) ، فالناس في ذلك مخيرون بين أن يصنعون للميت لحداً في جانب القبر، أو شقاً في وسط القبر، ولكن اللحد أفضل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللحد لنا، والشق لغيرنا ) ، ولما توفي عليه الصلاة والسلام كان بالمدينة رجلان أحدهما يلحد، والآخر يشق، فقال الصحابة: نبعث إليهما فأيهما جاء أولاً فقد اختاره الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، فجاء الذي يلحد أولاً، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم لحداً، وضع فيه صلوات ربي وسلامه عليه.

    نصب اللبن على لحد الميت ووعظ الناس وتذكيرهم

    إذا وضعناه في لحده فإننا ننصب عليه اللبن، وهو الطوب النيء، قال العلماء رحمهم الله: يكره أن يدخل في القبر شيء مسته النار، تفاؤلاً بأن ينجيه الله من النار؛ ولذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتبع الجنازة بنار؛ والآن جرت عادة بعض الناس أنهم يقفلون اللحد بالبلاط أو بالطوب الأحمر الكبير أو بنحو ذلك، فنقول: لا، الأولى أن يكون لبناً.

    فإذا أغلق القبر وسدت منافذه، وكان الناس مشغولين بدفن ميتهم، فإنه ينبغي أن يقوم فيهم مذكر، بدلاً من أن ينشغل الناس بقيل وقال، والكلام في الدنيا، فيذكرهم بالله عز وجل، ويذكرهم بأن الموت قدر سابق، ويذكرهم بأن هذا المصير الكل إليه ذاهب، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يجلس وينكت الأرض بعود في يده، وحوله أصحابه كأن على رءوسهم الطير )، والله ما كانوا يضحكون، ولا كانوا يعبثون، ولا كانوا يتمازحون، وإنما كانوا يتعظون ويعتبرون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال يقول لهم: ( تعوذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب القبر) ، ولما دفن صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته، لما وضعه في قبره تغير وجهه صلى الله عليه وسلم وأشاح، فعجب الصحابة، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ( لقد ضم القبر سعداً ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ ) فهذا موضع اعتبار وتذكر واتعاظ، لا موضع وأنس وفكاهة، ونحو ذلك مما يصنعه الناس.

    حثي التراب ثلاثاً على القبر من جهة رأسه

    فإذا أغلق القبر باللبن أيها الإخوة الكرام من السنة أن كل من حضر دفن الميت أن يأخذ بيده ثلاث حثيات، فيلقيها في القبر من جهة رأسه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: فلا نعول على الأشخاص الثلاثة أو الأربعة الذين يحملون في أيديهم آلات بأنهم سيتولون الدفن، فلا تحرم نفسك من الأجر، ولا تحرم نفسك من اتباع السنة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده ثلاثة حثيات، فألقى بهن على الميت من جهة رأسه.

    تسنيم قبر الميت

    إذا أهيل التراب على قبر الميت فإننا نحرص على أن نسنمه، وأن نعليه، وبعض الناس يظن أن السنة أن يسوى القبر بالأرض، ويستدلون بحديث علي رضي الله عنه: ( ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )، فلا نأخذ هذا الحديث وحده، وإنما نأخذ أحاديث أخرى قيدت هذا الحديث؛ فقد ثبت في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها ( أن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سنم )، أي جعل كسنام الجمل، يعني: رفع عن الأرض بقدر شبر، وسنم من أجل أن يتميز؛ لئلا يوطأ ويمتهن، أما لو سوي بالأرض فإنه قد يسير عليه السائر، ويجلس عليه الجالس وهو لا يدري أنه قبر، فلا بد أن نعليه، وأن يرش عليه ماء من أجل أن يثبت، ولا بأس أن نضع عليه حجارة؛ لئلا يزول هذا التراب بمرور الأيام، هذه هي سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.

    تمييز قبر الميت بعلامة

    من السنة أن نميزه بعلامة، فنضع على القبر علامة؛ لأن الصحابي الجليل عثمان بن مظعون الجمحي رضي الله عنه لما مات، وكان أول من دفن بالبقيع من المهاجرين، أخذ النبي عليه الصلاة والسلام لما دفنه حجراً فوضعه على قبره، وقال: ( علامة أعرف بها قبر أخي، وأدفن إليه من يموت من أهلي )، يعني: أدفن بجواره من يموت من أهلي، فنضع على القبر علامة، ولا بأس أن يرقم برقم، وأكثر أهل العلم على أن الكتابة منهي عنها، فلا نكتب بأن هذا قبر فلان بن فلان، وبعض الناس يزيد على ذلك آيات كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    وبعض الناس يكتب أبياتاً من الشعر، وبعض الناس يقول: هذا قبر شهيد الصدق، أو شهيد الفن ، أو شهيد كذا، ولربما يكتب أبياتاً من الشعر يمدحه بها، وأنه توفي في يوم كذا من سنة كذا، أو يكتب الفاتحة لروحي، أو يا ماراً بقبري! أسألك الفاتحة، فهذا كله أيها الإخوة الكرام من البدع المحدثات التي نهى عنها نبينا صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تعلية القبور، ونهى عن تجصيصها، ونهى عن البناء عليها، ونهى عن الكتابة عليها، ونهى عن الجلوس عليها، ولذلك لا نكتب على القبر وإنما نعلمه بعلامة، وهذه العلامة قد تكون رقماً مثلاً، وقد يضع بعض الناس عموداً، أو يضع قماشة، أو يضع شيئاً من أجل أن يميز قبر أبيه أو أخيه، بحيث إذا مر بالمقابر سلم على أهل المقابر، ثم خص ميته بسلام من بين الناس.

    الوقوف للدعاء للميت بعد دفنه

    إذا دفنا الميت أيها الإخوة الكرام فالسنة ألا نعجل بالخروج، وقد جرت عادة الناس إذا دفنوا ميتهم أنهم يستعجلون الخروج، وكان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن أحداً من أصحابه أن يقول لأصحابه: ( استغفروا لصاحبكم، واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل )، أي: الآن هو في امتحان عسير إلا على من يسره الله عليه؛ ولذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه أوصى ولده عبد الله وقال له: إن أنا مت فغسلتموني وكفنتموني وحنطتموني، فضعوني في قبري، وشنوا علي التراب شناً، ثم امكثوا عندي قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها. ولو أردنا أن ننحر جملاً، ونسلخه، ونقسم لحمه، ربما يستغرق ذلك ساعة إذا كان الجازر ماهراً وخبيراً، لكننا الآن لا نطالبكم بالساعة وإنما ربع ساعة، فإذا دفنتم ميتاً فامكثوا عند قبره ربع ساعة، ادعوا له واستغفروا له، وسلوا الله له التثبيت، اللهم ثبت فلاناً بالقول الثابت في الحياة الدنيا، اللهم ألهمه حجته، اللهم قه فتنة القبر، اللهم قه فتنه منكر ونكير، اللهم إنه فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، اللهم قد نزل هذا المنزل وأنت أكرم منزول به، اللهم أكرم نزله، اللهم وسع مدخله، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة. ونحو ذلك من الدعوات التي هي أحوج ما يكون إليها، فليس الميت بحاجة إلى السرادق، ولا الميت بحاجة إلى الذبائح التي تنحر.

    وبالمناسبة لا نفهم خطأ أن عمرو بن العاص أوصى أن ينحر عند قبره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن العقر عند القبر، يعني: نهى عن الذبح عند القبر، وإنما عمرو بن العاص يوصي ولده بأن يمكثوا عنده قدر ما تنحر جزور، وهكذا كان يعبر العرب، فما كان عندهم هذه الساعات التي نعرفها الآن بهذه المقادير، إنما كانوا يعبرون بقيد رمح، وقدر ما تنحر جزور، ونحو ذلك من المواقيت، فنمكث عند الميت ندعو له، ونستغفر له، لعل الله يلهمه حجته.

    هذه أيها الإخوة بعض الأحكام الخاصة بالدفن، وإن شاء الله يأتي الكلام معنا عن الأحكام الخاصة بالتعزية، أسأل الله عز وجل أن يعلمنا علماً نافعاً، وأن يرزقنا عملاً صالحاً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.