إسلام ويب

أحكام الجنائز [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أكرم شيء للإنسان بعد موته هو دفنه في هذه الأرض التي خلق منها، ولذلك ينبغي الإسراع في التجهيز والدفن، كما ينبغي الدعاء له بالخير، ولا يقطع لأحد بجنة ولا نار، وإنما يرجى للمحسن الجنة، ويخشى على المسيء العقاب.

    1.   

    من أحكام الدفن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    فإن الله عز وجل جعل هذه الأرض ضامة لنا معشر بني آدم حال كوننا أحياء، وبعد موتنا كما قال سبحانه: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ?وَأَمْوَاتًا [المرسلات:25-26]، فقوله: (كفاتاً) أي: تكفتكم وتضمكم على ظهرها، وأنتم أحياء، وتضمكم في بطنها وأنتم أموات، ولذلك كانت سنة بني آدم إذا مات ميت هي الدفن، كما قال ربنا جل جلاله في أول قتيل على وجه الأرض: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31].

    وآدم عليه السلام لما توفاه الله عز وجل قامت الملائكة على أمره، فغسلوه وكفنوه، وصلوا عليه، ثم دفنوه وقالوا: هذه سنتكم معشر بني آدم؛ ولذلك لو مات إنسان، مؤمناً كان أو كافراً، فينبغي لنا أن نواريه، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين يوم بدر، حيث أمر بهم فجروا بأرجلهم فألقوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، إلا ما كان من شأن أمية بن خلف فإنهم وجدوه قد انتفخ وملأ درعه، فلما حركوه تزايل لحمه، فغيبوه بالتراب في مكانه، وكذلك لما مات أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي عليه الصلاة والسلام لـعلي: ( اذهب فواره ) فواره يعني: ادفنه، ( ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني، قال: فلما أتيته أمرني أن أغتسل، ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم، وسودها ).

    أيها الإخوة الكرام! الدفن تحيط به جملة من التعاليم، ومن السنن التي تعلمناها من نبينا صلى الله عليه وسلم:

    استحباب المشاركة في حفر القبر

    أولها: استحباب المشاركة في حفر القبر، فينبغي لكل قادر أن يشارك في حفر القبر لأخيه المسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن حفر لأخيه حفرة فأجنه فيها -يعني: ستره- أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة)، فتصور أنك الآن عندك شقة، أو عندك بيت، فقلت لواحد من إخوانك: هذا البيت لك سنة في غير مقابل كيف يكون أجرك عند الله؟ فإذا قلت له: لك هذا البيت عشر سنين، أو لك هذه الشقة حتى تموت، فأجرك عند الله عظيم، فالذي يحفر لأخيه المسلم ويستره في القبر يجري الله عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، وهذا أجر عظيم ما يقدره إلا الله عز وجل، ولذلك كل من استطاع أن يشارك في حفر القبر فليشارك، ولا يزال والحمد لله هناك بعض الموفقين تجدهم يذهبون إلى المقابر فيحفرون قبراً أو قبرين أو ثلاثة، ثم يأتون بعد فترة فيحفرون خمسة أو ستة وهكذا، و ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4].

    تعميق القبر وتوسعته

    ثانياً: يستحب أن يكون القبر عميقاً واسعاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( احفروا وأعمقوا وأوسعوا )، يعني: يكون عميقاً واسعاً، ما يكون الدفن قريباً من سطح الأرض بحيث يكون هذا الميت عرضة للنبش، ولربما تأتي بعض الدواب فتنتهك حرمته.

    جواز اللحد والشق

    ثالثاً: يجوز اللحد ويجوز الشق، والشق هو ما نفعله في بلادنا هذه من الحفرة المستطيلة التي تكون على مقدار جسد الميت، والتي تكون في منتصف القبر، أو مائلة نحو القبلة، فهذا يسمى شقاً، وأما اللحد فإنه الذي يكون في جدار القبر مما يلي القبلة، وكلاهما جائز.

    أفضلية اللحد على الشق

    رابعاً: اللحد أفضل من الشق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللحد لنا، والشق لغيرنا )، ولما توفي صلوات ربي وسلامه عليه، واختلف الصحابة هل يصنعون له لحداً أو شقاً، كان في المدينة رجلان أحدهما يشق، والآخر يلحد، مثلما الآن لو مات ميت، فإن الناس الذين يحفرون أو الذين يهيئون القبر معروفون، عندهم في ذلك دربة، وخبرة، وكذلك على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان هناك رجلان أحدهما يصنع اللحود، والآخر كان يجيد تلك الشقوق، فقال الصحابة: نرسل إليهما، فأيهما جاء أولاً فقد اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فجاء الذي يلحد أولاً، فصنعوا للنبي صلى الله عليه وسلم لحداً، وقضية اللحد هذه ربما لا تتأتى في بعض التربة، أو في بعض الأراضي، فإنه كلما صنع الناس لحداً عاد القبر كثيباً أهيل، يعني: سينهار، ففي هذه الحالة لو أنهم صنعوا شقاً فلا مانع وما خالفوا السنة؛ لأنه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    أولى الناس بالنزول في قبر الميت

    خامساً: ينزل في القبر من كانوا من أولياء الميت، خاصة إذا كان الميت أنثى، فلو ماتت امرأة، وكلمة امرأة هذه ما تطلق على المتزوجة فقط وإنما تطلق على كل من بلغت المحيض، فإذا ماتت امرأة فإنه ينزل في قبرها محارمها؛ لأن أمنا زينب بنت جحش الأسدية الرئابية رضي الله عنها، وهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمها هي أميمة بنت عبد المطلب، لما ماتت هذه المرأة الصالحة، وكانت وفاتها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بست سنين، وهي أول زوجاته لحوقاً به، فلما ماتت أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمهات المؤمنين يستفتيهن في من ينزل في قبرها، وكان يحب أن يلي ذلك، يعني: عمر رضي الله عنه كان يشرفه أن يكون هو من يتولى دفنها، فقال له أمهات المؤمنين: انظر من كان يطلع عليها في حياتها، فليل ذلك منها، والذي يطلع عليها في حياتها هو زوجها ومحارمها. فمن يلي دفن الميت هم أولياؤه، خاصة الأنثى، فإنه لا يليها إلا زوجها ومحارمها.

    إدلاء الميت من جهة رجليه

    سادساً: الجنازة تدلى في القبر من جهة رجلي الميت، والقبر معروف؛ لأننا نحفره باتجاه القبلة، والميت سيوضع على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة، فما نأتي بالميت ننزله من مقدمة القبر، وإنما ننزله من المؤخرة من جهة رجليه، هذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قول واضعه: بسم الله وعلى ملة رسول الله

    سابعاً: من السنة أن يقول واضعه، يعني: الذي يضعه في لحده سواء كان واحداً أو أكثر: (بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ولا بأس بأن يوضع تحت رأس الميت شيء، لا مانع أن نضع تحت رأسه طينة، يعني: من أجل أن تكون له وسادة، ولا بأس أن نضع قطيفة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضعوا تحت رأسه قطيفة، ثم نحل أربطة الكفن.

    الصمت والاعتبار حال إنزال الميت قبره

    ومن الأشياء التي ينبغي أن نتناهى عنها، وينهى بعضنا بعضاً هو أنه يحصل لغط كثير في هذه اللحظة، يعني: إذا أردنا أن ننزل الميت في قبره تجد كل أحد يتكلم، وأيضاً مما يحصل أنه يكون في القبر زحام كثير بحيث يعيق أداء المهمة، فتجد أنه ينزل في القبر خمسة أو أربعة أو ثلاثة، وإنما يحتاج الأمر لشخصين اثنين أحدهما من مقدمة الميت، والآخر من جهة رجليه يضعانه في قبره، لكن يتزاحمون، فيعطل بعضهم بعضاً، وربما يختصمون، ولربما ينهر بعضهم بعضاً، وتجد بعض الناس فقط يريد أن يتكلم، وقد ذكرت لكم بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام كانوا يجلسون كأن على رءوسهم الطير، صمت تام؛ لأنه موضع اعتبار واتعاظ وادكار، لا موضع لغط وصخب وكلام، فيقول الواضع: بسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يحل أربطة الكفن.

    ثم بعد ذلك ننصب عليه اللبن، يعني: نضع على اللحد ما يغلقه ويستر ذلك الميت من الطوب غير المطبوخ، وقد كره كثير من أهل العلم أن يدخل في القبر شيء مسته نار، مثل الطوب الأحمر، والطوب الإسمنتي، والبلاط وما أشبه ذلك، قالوا: يكره أن يدخل في القبر شيء مسته نار؛ لأننا مأمورون بالفأل الحسن، (فقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن)، ولذلك ما ندخل شيئاً مسته نار تفاؤلاً بأن هذا الميت إن شاء الله لا تمسه النار، ويكون قبره روضة من رياض الجنة.

    تلقين الميت

    ثامناً: نأتي لمسألة تلقين الميت، روى الإمام أحمد من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا وضعتم الميت في لحده فليقم أحدكم عند رأسه قبل أن تهيلوا التراب، وليقل ثلاثاً: يا فلان بن فلانة -يعني: يناديه بالنسبة إلى أمه- يا فلان بن فلانة، قالوا: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى حواء، ثم يقول له: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ أحدهما بيد صاحبه، ويقول: قم بنا، فما يجلسنا عند رجل قد لقن حجته ).

    وهذا الحديث في سنده ضعف، ولذلك اختلفت أقوال أهل العلم ما بين مستحب لهذا التلقين ومنكر له، وكما قال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله: والقول المرتضى أنه مباح، يعني: يباح أن نلقن الميت، ويباح ألا نلقنه، وهذا التلقين من باب المساعدة، ومن باب الأخذ بالأسباب، وإلا فمعلوم بأن الميت في ذلك المقام لا ينفعه إلا عمله، ومسألة الدعاء إنما هي من العوامل المساعدة، والتلقين من العوامل المساعدة أيضاً، وإلا فلو أن إنساناً كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر مثلاً والعياذ بالله، كإنسان كان ينطوي قلبه على النفاق، لو أننا جلسنا عند قبره نلقنه شهراً فلن يفيده شيئاً، ولو أن إنساناً مات في فلاة من الأرض ما علم به أحد، ولكنه وافى ربه على الإيمان فإن الله عز وجل سيلقنه حجته، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما حدثنا عن فتنة القبر قالت له أمنا عائشة رضي الله عنها: ( يا رسول الله! وما أصنع وأنا المرأة الضعيفة، فقال لها: ألم تقرئي قول الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27] )، ولذلك المؤمن الطيب الذي وافى ربه على التوحيد، هو في قبره أسد هصور ما يخاف، ولا يتلجلج ولا يتردد، وأما المنافق والعياذ بالله فما ينفعه شيء، فأقول: التلقين يباح فعله، ويباح تركه.

    أخذ ثلاث حثيات من التراب ووضعها في القبر

    تاسعاً: من السنة أن يأخذ الإنسان بيده ثلاث حثيات فيلقيها في القبر، وتجد بعض الناس يحرص دائماً أن يكون بعيداً عن القبر لئلا يصيبه الغبار، فلو كان معذوراً -مثلاً بعض الناس التراب ما يصلح معه قد يسبب له مشكلة صحية- فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أما هذا الذي يبتعد حرصاً على ثوبه، أو حرصاً على ألا يكدر التراب صفوه، فعليه أن يتذكر أنه عما قريب سيكون هناك، ليس فوق الأرض، وإنما تحت الأرض، تحت الجنادل والتراب، نسأل الله أن يحسن لنا الختام.

    أقول أيها الإخوة الكرام! إن من السنة أن يأخذ كل منا ثلاث حثيات بيديه، فيضعها في القبر، ثم بعد ذلك نهيل عليه التراب إلى أن نغطيه تماماً ثم نرفعه، نرفع هذا القبر بما يميزه لئلا يوطأ، ولئلا يجلس عليه، ولئلا يمشى عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر )، فالجلوس على المقابر ممنوع، إذاً من باب أولى الوقوف عليه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام (لما رأى رجلاً يمشي في المقابر، وقد لبس نعليه، قال: يا صاحب السبتيتين! ألق سبتيتيك) يعني: نعالاً سبتية كانت مشهورة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخلع نعاله لئلا يطأ بها على القبور، وبعد أن يهال التراب، يسنم هذا القبر كما فعل بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: نجعله على هيئة سنام الجمل، ثم يصب عليه الماء من أجل أن يثبت، ولا بأس بأن توضع عليه الحصى، يعني: لو أخذنا الحصحاص الخرسانة، فوضعناها عليه من أجل أن يثبت، ولا تسفي عليه الريح وتضيع معالمه فلا مانع من ذلك.

    عدم المسارعة في الانصراف بعد الدفن

    عاشراً: من السنة ألا يسارع الناس بالانصراف، بل يبقون عند القبر مدة يدعون لهذا الميت، ويسألون الله له التثبيت، ومن السفاهة ما يفعله بعض الناس من الهتافات بالمقابر، إذا كان الميت فناناً كبيراً، أو زعيم حزب أو كذا نعوذ بالله، وهذا من الغشاوة التي علت القلوب، فإن الميت ما ينفعه أن نقف عند قبره، وأن نقول: بأنه كان مدافعاً عن الديمقراطية، وأنه كان مناضلاً عن الاشتراكية، وأنه كان كذا، وإنما ينفع الميت في ذلك المقام الدعاء، لا الديمقراطية والاشتراكية، ينفعه أن ندعو الله له بالثبات، وأن نسأل الله له الرحمة، وأن يتجاوز الله عن سيئاته، وأن يمحو خطيئاته، وأن يعامله برحمته، ونحو ذلك من الأدعية التي قد ينور الله عليه بها في قبره، فهذه مسألة مهمة أيها الإخوان، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن ميتاً قال لأصحابه: ( استغفروا لصاحبكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل )، يعني: ليس هناك امتحان مؤجل، فإنه الآن يسأل، وإنه ليسمع قرع نعالهم، ما خرجوا من المقابر بعد؛ ولذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وكان رجلاً تقياً نقياً لما وضع الوليد بن عبد الملك في قبره، و الوليد من خلفاء بني أمية، وكان رجلاً فيه خير، كان يختم القرآن في رمضان سبع عشرة مرة، لكن كان فيه شيء من ظلم، رحمه الله وغفر له، فلما وضعه في لحده، وذهب يحل أربطة الكفن، جمعت رجلاه ويداه إلى عنقه، فقال ولده: عاش أبي، فقال له عمر : بل عوجل أبوك ورب الكعبة، يعني: الولد فرح أن أباه تحرك، فقال له عمر بن عبد العزيز : لا، المسألة ليست أن الذي مات لا يعيش ثانياً، وإنما قال له: عوجل أبوك، يعني: بدأت رحلته الأخروية نسأل الله العافية.

    فأقول: الميت في ذلك المقام ينفعه الدعاء، ولذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه قال له ولده عبد الله : يا أبت! كنت أسمعك تقول: ليتني أرى رجلاً عاقلاً لبيباً يصف لي الموت، وأنت ذاك الرجل فصف لي ما تجد، فقال له: يا بني! كأنما أتنفس من سم إبرة، وكأنما جنبي في تخت، -التخت الذي هو الخزانة الخاصة بالملابس الضيقة-، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي، ثم قال لي: إن وضعتموني في لحدي فشنوا عليّ التراب شناً، ثم امكثوا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، لعلي أجد ما أراجع به رسل ربي.

    والآن الجمل لو نحر، وسلخ، وكسر وقطع لحمه وقسم، كم يستغرق هذا وقتاً إذا كان الجزار ماهراً، وأنا ما عندي علم، ما رأيت جملاً ينحر ولا كذا، لكن نقول: نصف ساعة مثلاً، وطبعاً ليس هذا واجباً، بل المقصود أننا نمكث فترة عند القبر ندعو لهذا الميت، ونسأل الله له الثبات، ونستغفر له، كما أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وضع علامة على قبر الميت لتذكره بها

    الحادي عشر: لا مانع من وضع علامة على قبر الميت يتميز بها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفن أبا السائب عثمان بن مظعون الجمحي رضي الله عنه وضع على قبره حجراً، وقال: علامة أعرف بها قبر أخي، وأدفن إليه من يموت من أهلي، يعني قال: العلامة هذه أنا أميز بها قبر أبي السائب ، ثم إذا مات رجل من قرابتي سأدفنه إلى جوار هذا الرجل الصالح، الرجل الطيب، وكان أول من دفن من المهاجرين في بقيع الغرقد عثمان بن مظعون الجمحي.

    عدم القطع لأحد بجنة ولا بنار

    الثاني عشر: من الأخطاء التي تحصل عند كثير من الناس أنه يقول: والله فلان هذا في الجنة وكذا، فإن الناس تأخذهم العاطفة بعد الوفاة، فبعضهم يشهد، وبعضهم ما يكتفي بالشهادة، بل يحلف، يقول: والله فلان هذا في الجنة، وأصلاً الجنة لو كانت لرجل فهي لفلان، نقول: هذا كلام فارغ لا يساوي فلساً، فهذا الرجل الذي ذكرته قبل قليل عثمان بن مظعون لما مات بكى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى سالت دموعه على خد عثمان، وقبله صلى الله عليه وسلم وهو ميت.

    فلما رأت إحدى النساء ذلك، وكانت كنيتها أم العلاء رضي الله عنها، لما رأت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تعرف عثمان قالت: (رحمك الله أبا السائب فشهادتي أن الله قد أكرمك، فالتفت إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لها: وما يدريك؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل الله بي، فقالت المرأة: أتوب إلى الله يا رسول الله! لا أزكي أحداً بعده)، ثم بعد حين رأت هذه المرأة في المنام رؤيا، قالت: (يا رسول الله! رأيت كأن لـعثمان عيناً تجري، فقال لها صلى الله عليه وسلم: ذاك عمله)، يعني: أجر عمله ينميه الله عز وجل له إلى يوم القيامة، فـعثمان بن مظعون على خير، وهو من أهل الجنة إن شاء الله، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لقن المسلمين درساً في ألا يقطعوا لأحدٍ بالجنة؛ لأن الجنة دار ربنا جل جلاله، لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام:127]، فليست ملكاً لي ولا لك، أما إذا كانت الشهادة لفاسق وفاجر، فالشاهد هذا سيحمل جريرته.

    ومما جرت عليه عادة بعض الناس أيضاً من الإفك والزور أنهم يضعون الميت، ثم يقولون: خير.. خير.. خير، وهذا ينفع في الانتخابات، أما في ذلك المقام فهو دليل على قسوة القلب وقلة الورع، ولا ينبغي فعل ذلك، قال ربنا: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ [يوسف:81].

    وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزكي أحدنا صاحبه، بل ليقل: أحسبه كذا وكذا، والله حسيبه، يعني: حتى لو كان واحد معنا يصلي الخمس، وهو رجل صوام قوام متصدق، يحج ويعتمر، وقد كف لسانه، وأمسك يده عن أذية المسلمين، وما عرفنا عنه إلا الخير، فما ينبغي أن نجزم له بالجنة، وإنما نقول: نحسبه كذا وكذا، والله حسيبه؛ وقد ورد في الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فهذا هو الذي ينبغي أن نكون عليه.

    الكتابة على القبور والبناء عليها

    الثالث عشر، ونختم بها إن شاء الله: يمنع الكتابة على القبور، ويمنع البناء عليها، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، يعني: بعض الناس ربما يبني على القبور ويجصصها، وبعض الناس يكتب على القبور: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:27-28]، أو هذا قبر المرحوم فلان بن فلان توفي يوم 1/1 سنة 2001 يا ماراً بقبري أسألك الفاتحة، نقول: هذا خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالكتابة على القبور ممنوعة، نسأل الله أن يحسن لنا ولهم الختام. وهم وضعوا هذه الأرقام على القبور من أجل أن يميز الإنسان قبر أخيه، أو قبر صاحبه.

    1.   

    الأسئلة

    حد سعة اللحد

    السؤال: بعض الناس يقول: إن سعة اللحد لا تزيد على شبر؟

    الجواب: الشبر يعني: بحجم الكف، وقد فرجت أصابعها، فهل هذه تسعني؟ لا أظن أحداً يقول هذا الكلام، وقد مضى معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( احفروا وأعمقوا وأوسعوا ).

    البكاء على الميت بصوت مرتفع

    السؤال: مات أبي وبكيت بصوت مرتفع أسأل الله له الرحمة.

    الجواب: ما ينبغي أيها الإخوان البكاء بصوت مرتفع، وإنما المأذون فيه دمع العين، وحزن القلب، أما ما يفعله بعض الناس في المقابر أو في بيت العزاء من رفع الصوت، فهذه هي النياحة، وهي في النساء قبيحة، وفي الرجال أقبح؛ لأن الرجال ينبغي أن يكونوا أجلد وأصبر، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت ).

    تلقين الميت الشهادة وسماعه ذلك

    السؤال: عندما مات أبي، وبعد انصراف الناس من القبر وقف أحد الإخوان عند القبر، وأصبح يلقن أبي الشهادة، وعندما سألته قال: إنه يسمع الشهادة، بدليل سماع قرع النعل، فما رأيكم؟

    الجواب: كلامه صحيح، وهذا مما استدل به الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان، بأنه إذا كان يسمع قرع النعال، فمن باب أولى أن يسمع الكلام، وكذلك لما ألقى صلى الله عليه وسلم أولئك الكفار يوم بدر خاطبهم: (يا أبا جهل! يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال له عمر: يا رسول الله! تخاطب قوماً قد جيفوا، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنت بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون الجواب )، أي: هم يسمعون، لكن لا يقدرون على الرد، فكون الميت يسمع، نعم يسمع.

    أما قول الله عز وجل: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22]، وقول الله عز وجل: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [النمل:80]، فليس المقصود به نفي سماعهم، وإنما المقصود تشبيه حال الأحياء الذين يسمعون ولا ينتفعون بحال الأموات الذين يسمعون ولا يجيبون، يعني: هؤلاء الذين كان يقرأ عليهم القرآن ولا ينتفعون هم الكفار، يشبه الله عز وجل حالهم بحال أولئك الموتى، يسمعون، لكن لا يستطيعون أن يردوا لك الجواب.

    ولذلك الميت يستأنس بالزيارة، ويستأنس بالسلام، ويستأنس بالدعاء، وفي كتاب الروح للإمام ابن القيم ذكر عن بعض الصالحين بأنه كان يزور المقابر، ويدعو لأهلها، يقول: اللهم ارحم غربتهم، وآنس وحشتهم، ونور ظلمتهم، وضاعف حسنتهم، واغفر زلتهم، وكان يمر بالمقابر يومياً ويدعو بهذا الدعاء وينصرف، قال: فأتيت المقابر يوماً وكنت في تعب، فاتكأت على قبر فغلبتني عيناي، يعني: نمت، وما سلم عليهم، ولا دعا لهم، فنام، قال: فرأيت فيما يرى النائم كأن أهل المقابر قد خرجوا من قبورهم، وهم غبر الوجوه، شعث الرءوس، يقولون: يا أخانا! أين تلك الدعوات التي كنت تدعو بها، فوالله لقد كان الله ينور علينا في قبورنا، قال: فما تركتها بعد، ولذلك نقول: من استطاع أن يزور المقابر، ومن استطاع أن يسلم على أهلها ويدعو لهم، فلا يقصرن في ذلك، فإنما يرجو الخير لنفسه ولأهل المقابر.

    الصلاة عن الميت

    السؤال: ما رأيكم فيما يفعله البعض من الصلاة عن الميت، ويقولون: إنها تنفعه؟

    الجواب: هذا هراء، فقد اتفق أهل العلم أنه لا يصلي أحد عن أحد، والحمد لله الذي عافانا، وفي بعض البلاد إذا مات ميت وهو لا يصلي يؤجر ناساً ليصلوا له، لكن الحمد لله القضية هذه ليست موجودة عندنا، وحكاية أن الميت يموت فيقوم ناس يوم وفاته يصلون له ركعتين، ويقرءون في الركعة الأولى كذا وكذا، ويقولون كذا وكذا، كل هذا ما أنزل الله به من سلطان.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتوفنا وأنت راض عنا غير غضبان، وأحسن الختام يا علام.

    اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.