إسلام ويب

ديوان الإفتاء [331]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن سورة الكهف من السور العظام التي كثر فيها إيراد القصص للعظة والعبرة، ومن ذلك: قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى مع الخضر عليهما السلام. ومن فضلها أن من حفظ عشر آيات من أولها عصم من الدجال.

    1.   

    فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد, الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، والحمد لله الذي جمعنا على البر والتقوى، وأسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    ومرحباً بكم في هذه الليلة المباركة ليلة الجمعة.

    ومن السنن الراتبة في هذا اليوم المبارك في هذه الليلة المباركة قراءة سورة الكهف. فيوم الجمعة وليلة الجمعة مظنة لقراءة هذه السورة التي ورد فيها الحديث وإسناده حسن، قال صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له نور إلى الجمعة التي تليها ).

    وثبت في صحيح مسلم قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف وقاه الله فتنة الدجال ).

    قال علماؤنا رحمهم الله: فتنة الدجال أكبر فتنة ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة؛ كما بين نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا الدجال يأتي بأمور خارقة للعادة, يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويـأمر الأرض أن تنبت فتنبت، ويمر على الخرائب، فيقول لها: أخرجي كنوزك! فتخرج تتبعه كأنها يعاسيب النحل.

    لو أن الإنسان قرأ سورة الكهف وداوم على قراءتها وتدبر ما فيها من القصص العجيبة والأخبار الغريبة فإنه لا يستكثر ما يأتي به الدجال .

    1.   

    من فوائد القصص الواردة في سورة الكهف

    هذه السورة المباركة كثر فيها إيراد القصص, فذكر فيها ربنا جل جلاله قصة أصحاب الكهف الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، وذكر قصة صاحب الجنتين الذي أغراه ماله حتى طغى وتجبر؛ وقال: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا [الكهف:36] وذكر قصة آدم مع إبليس، وأيضاً قصة موسى مع العبد الصالح، وما فيها من الآداب والأحكام والحكم، ثم أخيراً قصة الحاكم الصالح والإمام العادل والعبد المؤمن ذي القرنين عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

    والإنسان يقرأ هذه الأخبار الغريبة، ولذلك لا يستغرب ما يكون على يدي المسيح الدجال، الذي لا يدع بلداً إلا وطئها إلا مكة والمدينة, لا يأتي نقباً من أنقابهما إلا وجد الملائكة قائمة مصلتة سيوفها.

    قصة أصحاب الكهف

    إخوتي وأخواتي! سورة الكهف من قرأها عصم من الدجال ؛ لأنه يقرأ في سورة الكهف، كيف أن أولئك الفتية الذين فروا من وجه الطاغية الظالم والجبار العنيد الذي كان يعبد آلهة من دون الله، أوى أولئك الفتية إلى الكهف، ورجوا من ربهم جل جلاله أن يؤتيهم من لدنه رحمة، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشداً.

    كذلك المؤمن الذي يقرأ هذه السورة يرجو في مواجهة فتنة الدجال أن يهب الله له من لدنه رحمة، وأن يهيئ له من أمره رشداً.

    وكذلك يتفاءل بأن الله عز وجل الذي نجى أولئك الفتية، الذين كانوا قلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، فكذلك ينجيه الله سبحانه وتعالى بقدرته قال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    قصة صاحب الجنتين

    كذلك المؤمن حين يقرأ هذه السورة المباركة، ويقرأ فيها خبر صاحب الجنتين الذي أسبغ الله عليه نعمه، وأفاض عليه من آلائه، ثم واجه هذا كله بالجحود، والكفر، والتنكر، والتكبر على عباد الله, حتى قال لصاحبه وهو يحاوره: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف:34].

    المؤمن حين يقرأ هذه القصة إلى أن يبلغ نهايتها حين أصبح ذلك الكافر ينظر إلى جنته وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف:42]، وحين صار يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وما عاد يملك من ذلك شيئاً.

    والمؤمن يعلق أمله بالله ولي المؤمنين قال تعالى: هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [الكهف:44]، فمهما أوتي من مال، ومهما أوتي من جاه، ومهما أوتي من متاع الحياة الدنيا، فالمؤمن قلبه معلق بالله، يعلم أن هذا كله عرض الحياة الدنيا سرعان ما يزول, وأن الدنيا لا دوام لها، ولذلك الله عز وجل يشبهها بالماء، قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45].

    ثم حين يقرأ قصة آدم مع إبليس يدرك بأن الشيطان عدوه، وأن الواجب عليه أن يتخذه عدواً، قال الله تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].

    قصة موسى مع الخضر عليهما السلام

    وإذا قرأ المؤمن قصة موسى مع العبد الصالح الخضر عليه السلام فإنه يتعلم التواضع وخفض الجناح والدأب في طلب العلم، والصبر على شدة المعلم، وبعد ذلك يتعلم أن فوق كل ذي علم عليم، وأن الإنسان يعلق الأمر بمشيئة الله عز وجل، ويصبر على التلقي ومشقته، إلى غير ذلك من الآداب العظيمة.

    قال أهل التفسير: موسى عليه السلام علمنا أدب الطلب حين استأذن من الخضر هل أتبعك؟ وجعل من نفسه تابعاً، وجعل من الخضر معلماً، وأثبت له الرشاد، وطلب منه أن يعلمه بعض ما عنده لا كله، قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ [الكهف:66]، فما قال: ما علمت، وإنما: مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف:66]، ثم بعد ذلك علق الأمر بمشيئة الله حين قال له الخضر : لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67]، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف:69].

    قصة ذي القرنين نموذج للحاكم المسلم

    وأخيراً ذكر الله في هذه السورة العظيمة سورة الكهف؛ قصة ذي القرنين عليه السلام، وهي نموذج للحاكم المسلم التقي الورع الذي يتعفف عما في أيدي الناس، حين قالوا له: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) أي: مالاً, عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف:94]، فما طمع عليه السلام ولا تعلقت نفسه بما في أيدي الناس، وإنما قال: مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ [الكهف:95]، أي: الذي آتاني الله عز وجل خير مما آتاكم.

    فـذو القرنين عليه السلام يشعر بأنه غني قوي بالله فقال: مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ [الكهف:95]، وهاهنا تفعيل لطاقات المجتمع، ما قال لهم: اطمئنوا والدولة ستقوم بالأمر نيابة عنكم، بل طلب منهم أن يشاركوا في إقامة هذا السد, فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ )) أي: أريد منكم قوة عاملة من رجال صلاب أشداء، أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف:95-96]، والزبر: جمع زبرة وهي القطعة, حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [الكهف:96]، أي: بين قمتي الجبل, قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا [الكهف:96]، أي: النحاس المذاب أو الرصاص المذاب, قال الله عز وجل: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ [الكهف:97]، أي: يأجوج ومأجوج القبيلتان المفسدتان اللتان أظهرتا الفساد في الأرض، ما اسطاعوا أن يصعدوا على ظهر هذا السور، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97]، أي: ما استطاعوا أن يحدثوا فيه ثقباً أو مخرجاً ينفذون منه إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل.

    وهاهنا نلاحظ بأن الله عز وجل قال: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97]، قال علماؤنا: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فهنا لما كان الصعود أسهل من إحداث النقب قال الله عز وجل: (فما اسطاعوا)، ولما كان إحداث النقب صعباً قال: (وما استطاعوا له نقباً).

    وأيضاً قصة موسى مع العبد الصالح، قال له: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78]، فقوله: (تستطع) لما كان موسى متشوفاً لمعرفة أسرار هذه الأحداث الثلاثة في خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار، قال له: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:78]، ثم لما بين له الأمر وأنه سهل ميسور يدرك بشيء من التفطن والتبصر، قال له: ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [الكهف:82].

    إخوتي وأخواتي! هذه السورة الكريمة فيها أسرار كثيرة، وينبغي لكل عاقل أن يتأمل خاتمتها، حين قال ربنا جل جلاله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103-104]. فهذه الآية كل منا يتوقف أمامها، ويحذر تمام الحذر أن يكون من أهلها، ولنجتهد على أن نلقى ربنا على سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله عز وجل أن يحيينا على سنته, وأن يتوفانا على ملته, وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يوردنا حوضه, وأن يسقينا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، والحمد لله في البدء والختام.

    1.   

    الأسئلة

    أداء الحج من أرباح بيع السجائر

    السؤال: هل يجوز أداء الحج من أرباح السجائر؟

    الجواب: في الحديث: ( إن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيباً )، وقد تقرر بأن العلماء متفقون على تحريم التبغ بكافة أنواعه، ( وإن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه )، فهذا الربح ربح خبيث، والاتجار في التبغ اتجار في مادة خبيثة مضرة، والنبي صلى الله عليه وسلم جاء يحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث.

    ولذلك نقول: ينبغي للإنسان إذا أراد أن يحج أن ينتخب مالاً طيباً من كسب حلال، فيتقرب به إلى الله عز وجل لأنه سبحانه قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267]، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يكتسب عبد مالاً من حرام فينفقه فيبارك له فيه أو يتصدق به فيقبل منه.

    وعليه نقول: بأن الذي يتجر في التبغ عليه أولاً: أن يتوب إلى الله عز وجل, ثم بعد ذلك يتكسب مالاً من حلال، فيذهب به لحج بيت الله الحرام لتبرأ ذمته، ويقع أجره على الله عز وجل.

    المتصل: عندي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: أسأل يا شيخ! عن الكسر في السوق, تجد الرجل محتاجاً، ويشتري سلعة ديناً (بالشيك) بزيادة ثم يبيعها في السوق بأقل من ثمنها لحاجته إلى المال والدين لمدة معينة، فما حكم ذلك؟

    السؤال الثاني: رجل قال لامرأته: (امشي بيتكم)، فما قال لها: طالق ولا شيء, المهم بعد فترة توفي الشخص هذا، فهل المرأة هذه ترث أو لا ترث؟

    السؤال الثالث: أسأل عن التورق ما حكمه جزاك الله خيراً؟

    الشيخ: شكر الله لك، نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: أبي خارج البلد، وهذه الأيام هو مريض، واتصل بي أن أرسل له مالاً وأنا ليس عندي مال، وأحسست أنه ليس راضياً عني، وأنه تعبان جداً، فالآن ضميري يؤنبني، فماذا أفعل جزاك الله خيراً؟

    الشيخ: أجيبك إن شاء الله.

    مدى صحة توريث المرأة التي توفي عنها زوجها وقد قال لها: (امشي بيتكم)

    السؤال: أخونا عثمان من كسلا، يذكر بأن امرأة قال لها زوجها: (امشي بيتكم)، ثم بعد حين مات، فهل ترث أو لا ترث؟

    الجواب: قوله: (امشي بيتكم) هذه الكلمة تحتمل أوجهاً: إما أن يراد بها طلاق, أو لا يراد بها طلاق، وهو ما يسمى بطلاق الكناية، كما يقال: الحقي بأهلك، فهذه قد تستعمل طلاقاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى النساء: ( الحقي بأهلك ) وأراد به الطلاق، وإما ألا يراد بها طلاق، كمثل كعب بن مالك فقد قالها لامرأته ولم يرد بها طلاقاً.

    فكلمة (امشي بيتكم) هذه في لسان الناس اليوم قد يراد بها الطلاق، وقد لا يراد بها الطلاق، وإن كان الغالب في عرف الناس بأنه لا يراد بها طلاق.

    وعليه: لما كان هذا الشخص قد توفاه الله عز وجل، ولا سبيل إلى سؤاله عن نيته، فالظاهر وما جرى به حال أغلب الناس بأنه لا يقع بهذا طلاق، وهذه المرأة يجب عليها أن تعتد من وفاة زوجها، وهي كذلك من أهل الميراث.

    شراء السلعة ديناً وبيعها نقداً بأقل من سعرها

    الشيخ: أخونا عثمان سأل عن معاملة الكسر في السوق، والكسر أي: أن الإنسان يشتري سلعة، ثم بعد ذلك يبيعها بأقل من ثمنها. قال علماؤنا رحمهم الله: البيع من حيث تحديد الثمن ينقسم إلى نوعين: بيع أمانة, وبيع مساومة.

    وبيع الأمانة: هو الذي يظهر فيه التاجر رأس ماله.

    وبيع المساومة: هو الذي لا يظهر فيه رأس ماله. وينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    إما أن يكون بيع مرابحة: بمعنى أن يبيع برأس المال مع زيادة فيربح.

    وإما أن يكون ما نسميه بيع الحطيطة, بمعنى: أن يبيع بأقل من رأس المال، يعني: هو اشتراه بمائة فيبيعه بتسعين.

    وإما أن يكون بيع التولية: وهو أن يبيع بمثل بيع رأس المال الذي اشترى به، يعني: اشترى بمائة ويبيع بمائة.

    وبيع الكسر هو من بيع الوضيعة أو بيع الحطيطة، بمعنى: أن الإنسان يبيع بخسارة، بأقل من رأس المال الذي اشترى به، ولا شك بأن هذا النوع من البيوع وإن كان جائزاً في الحكم العام إلا أنه يترتب عليه أضرار, ومن هذه الأضرار: أنه يفسد السوق، ومن الأضرار: أن هذا البائع في الغالب يكون مآله إلى السجن؛ لأنه يخسر في هذه الصفقة من أجل أن يغطي ديناً قد وجب عليه، لكن هذا سيكون ديناً في ذمته في الغالب، وهكذا إلى أن يسجن بسبب ديون الناس.

    فلذلك نقول: الإنسان ينبغي أن يحتاط، وأن يبتعد عما يضر بنفسه.

    حكم التورق

    الشيخ: أما التورق فهو مشتق من الورق، بمعنى الفضة أو الدراهم، بمعنى أن الإنسان يشتري يشتري الشيء لا لحاجته إليه، وإنما لحاجته إلى الورق أو إلى المال، فيبيعه ولو كان بأقل من سعره من أجل أن يحصل على هذا المال، وهي نفس المعاملة التي تسمى الآن بالكسر.

    الاقتراض من أجل سد حاجة الوالدين

    السؤال: أخونا أسامة من الخرطوم ذكر أن أباه مريض وهو خارج السودان، وقد طلب منه بعض المال من أجل أن يباشر العلاج، ولكن أسامة عاجز عن تدبير هذا المال المطلوب من قبل الوالد, ويشعر بالإحباط والضيق الشديد؟

    الجواب: نقول: يا أسامة أولاً: نسأل الله عز وجل لوالدك شفاء عاجلاً غير آجل، وأن يجعل مرضه كفارة للذنوب والخطايا، وأن يبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن يعينك على بره في الحياة وبعد الممات.

    والمطلوب منك أن تكثر من الدعاء له، وأن تلين له الكلام، وتعده بالخير، ثم المطلوب منك أن تجتهد في تدبير هذا المال، وثق بأن الله عز وجل سيخلف عليك؛ لأنه مال طاعة، حتى لو استدنت، فأنت تستدين من أجل بر الوالد والمحافظة على حياته، ومن أجل إدخال السرور عليه وطاعته.

    وربنا جل جلاله لا يخلف الميعاد، وهو الذي قال: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، وقال صلى الله عليه وسلم: ( في كل يوم ينزل ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً ).

    فيا أسامة ! اجتهد بارك الله فيك في تدبير هذا المبلغ والله يعينك، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: قول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران:143]، ما الفرق بين الرؤية والنظر هنا؟

    السؤال الثاني: الله سبحانه وتعالى يقول: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا [آل عمران:193]، ما الفرق بين السيئة والذنب أو الخطيئة؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: ذهبت الحج في العام الحالي، وعلى بعد اثنين كيلو من البيت في مكة وجدت ريالاً ومعي أخ، فاشترينا به طعمية وتصدقنا بمقابله في وقت لاحق، فما الحكم الشرعي في ذلك؟

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن حداد المرأة عند موت أحد أقاربها، ما حكمه؟

    السؤال الثاني: نحن عزاب في بيت، والعزاب هؤلاء يلعبون لعبة الكشتينة، ويقولون: المغلوب يعمل الحلة أو يعمل الشاي فأنا لا ألعب معهم أصلاً, مع أني آكل معهم، فما حكم هذا؟

    الشيخ: إن شاء الله أجيبك.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: المرأة أول ما يقول لها زوجها لفظة الطلاق فإنها مباشرة تذهب إلى أهلها؟

    السؤال الثاني: بعض الناس يقومون بتحريض الزوجات، مثلاً تكون الزوجة في بيت أهلها، فيحرضونها على ألا ترجع إلى بيت زوجها، وهي قد أنجبت منه، ومنعوها أيضاً أن تستقبله، فلو توجه لهم نصيحة جزاك الله خيراً.

    الشيخ: أبشر إن شاء الله.

    المتصل: سمعنا أحد الدعاة يقول: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سأله الملكان في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ وما قولك في الرجل الذي بعث فيكم؟ قال: إن عمر أمسك بتلابيب الملكين، وقال لهما: والله لن أخبركما حتى تخبراني أنتما من ربكما؟ وما دينكما؟ وما قولكما في هذا الرجل الذي بعث فينا؟ فيقول: إن الملكين استنجدا بالمولى عز وجل وقالا له: خلصنا من عبدك هذا.

    فأنا لا أعرف من أين أخذ هذا الكلام؛ لأن هذا الكلام يعتبر منكراً؛ وهو من علم الغيب الذي في القبور، ولم يطلع عليه إلا بوحي من الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث الرجلين اللذين يعذبان في القبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ).

    وحديث البراء بن عازب في حال الرجلين: أحدهما كان في إقبال على الدنيا وإدبار من الآخرة، والآخر كان في إدبار من الآخرة وإقبال على الدنيا، ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم حالهما في القبر، فهذا علم لم يطلع عليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم.

    الشيخ: نجيبك إن شاء الله.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: هل يجوز الحج بالدين، فأنا تعلق قلبي بالحج، ولكن ينقصني بعض المال، فهل يجوز أن أتدين ثم أرده بعد أن آتي من الحج؟

    السؤال الثاني: في اتباع الجنائز، ما هي الأشياء التي من السنة اتباعها، وبعض الناس يرددون كلمة: لا إله إلا الله, حتى يضعوا الميت في قبره، فهل هذا من السنة، أم من السنة اتباع الجنازة صامتين؟

    الشيخ: أجيبك إن شاء الله.

    الفرق بين الرؤية والنظر في قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون)

    السؤال: أخونا مكاوي : سأل عن قول ربنا جل جلاله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران:143] وقال: ما الفرق بين الرؤية والنظر في هذه الآية؟

    الجواب: هذه الآية المباركة من سورة آل عمران واردة في سياق الحديث عن غزوة أحد، حيث يبين ربنا جل جلاله ما كان عليه الناس في ذلك اليوم العصيب، حيث ولى بعضهم مدبراً، وقد بشرهم جل جلاله بأنه قد عفا عنهم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران:155].

    وبين ربنا جل جلاله أحوال المنافقين الذين أخذوا يبكتون المؤمنين ويقولون: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]، قال الله عز وجل: قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:168].

    وبشر ربنا جل جلاله المؤمنين بحال الشهداء الذين قتلوا أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لما قتل إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة، فقالوا: من يبلغ عنا إخواننا لئلا يزهدوا في الجهاد؟ قال الله: أنا أبلغ عنكم، وأنزل الله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170] ).

    أما قول ربنا جل جلاله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران:143]، فالرؤية تطلق ويراد بها أحد معنين: تطلق ويراد بها الرؤية البصرية بالباصرة، وتطلق ويراد بها الرؤية القلبية بمعنى العلم.

    فمن الرؤية القلبية قول الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر:6]، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما رأى ببصره, وإنما المراد به العلم والرؤية القلبية، وأيضاً قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1]، فهذه رؤية قلبية.

    وأما الرؤية البصرية ففي قول الله عز وجل: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:17-18]، فـ(رأى) هنا رؤية بصرية.

    وقوله هنا: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ [آل عمران:143]، رأيتموه أي: علمتم حقيقته، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران:143]، وأنتم ترونه بأبصاركم: رءوساً تطير, وأشلاء تطير، ودماء تنزف، ونفوساً تذهب, هذا هو المعنى.

    الفرق بين الذنب والسيئة والخطيئة

    السؤال: قول ربنا جل جلاله: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193] والفرق بين السيئة والذنب؟

    الجواب: المغفرة بمعنى الستر، والتكفير بمعنى التغطية، من كفر. قال الشاعر:

    (في ليلة كفر النجوم غمامها) أي: غطاها، ومنه يقال لغطاء الرأس: مغفر، أي: الذي يستر به الرأس.

    وأما الذنب والسيئة والخطيئة فبينهما فروق دقيقة ذكرها أهل العلم، والإمام القرطبي رحمه الله قد ذكرها في الجامع لأحكام القرآن, لكن يمكن أن أراجعها ثم آتي أخانا مكاوي بالجواب.

    وأيضاً: مما أفادني به بعض الإخوة جزاه الله خيراً، الفرق بين كلمة الزوجة والمرأة في القرآن, يقول: بأنه إذا كانت العلاقة الزوجية حميمة والتوافق حاصلاً فالله عز وجل يسمي القرين زوجة أو زوج، ومنه قول الله عز وجل: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35].

    أما إذا كان القرينان مختلفين اختلاف دين أو ليس بينهما الألفة التامة، فالله عز وجل يسميها امرأة؛ كما قال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ [التحريم:10]، فلم يقل زوجة نوح وإنما قال: اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10].

    وكذلك لما كانت زوجة زكريا عليه السلام عاقراً لا تحمل ولا تلد, قال الله عز وجل على لسان زكريا: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران:40]، وهناك أيضاً في سورة مريم قال: وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم:8]. ولما حملت قال الله عز وجل: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء:89-90]، فهنا لم يقل: امرأته.

    فهذه في مقابل ما سأل عنه أخونا مكاوي جزاه الله خيراً.

    ما يلزم من وجد ريالاً في مكة فأكله

    السؤال: رجل ذهب إلى الحج ووجد في مكة ريالاً فاشترى به طعمية وأكلها، فماذا عليه؟

    الجواب: هنيئاً مريئاً والريال أمره يسير إن شاء الله، ثم إن الأخ جزاه الله خيراً من ورعه تصدق بريال في مقابل الريال الذي طعم به تلك الطعمية, فنقول له: لا حرج عليك يا علاء الدين .

    حداد المرأة على الأموات

    الشيخ: محمود سأل عن حداد المرأة؟

    فأقول له: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ).

    فيا أيتها المسلمة الطيبة! اعلمي أنه حرام عليك أن تحدي على أب أو ولد أو أخ أو أخت أو عم أو خال أو غيره من الناس أكثر من ثلاثة أيام، وقدوتك أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها، فهذه المرأة الصالحة لما مات أبوها أبو سفيان صخر بن حرب وكان سيد قريش, لما مضت الأيام الثلاثة دعت بطيب فمسحت عارضيها، وقالت لمن معها: ( والله! ما لي بالطيب من حاجة, غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ... ) إلى آخر الحديث.

    ويشتد الإثم إذا ترتب عليه تضييع حق الزوج, وما ذكره أخونا محمود حاصل من بعض النساء، فقد يموت لها ميت فتبقى ربما أسابيع وربما شهوراً ولا تكتحل ولا تختضب ولا تتحلى، ولا تلبس إلا ثياب البذلة بدعوى أنها حادة على أبيها أو أخيها أو ولدها، وهذا حرام ولا يجوز, وهو من الظلم ومخالفة الشرع.

    حكم اللعب على أن يقوم المغلوب بعمل ما يطلبه منه الغالب

    الشيخ: وأما أصحابك الذين يلعبون الورق، ثم بعد ذلك يلزمون المغلوب بعمل الحلة أو صنع الشاي، فنقول: هذه ظلمات بعضها فوق بعض، أما الورق فليس إلا مضيعة للوقت ومذهبة للعمر، والله عز وجل سائلنا عن هذه الأوقات قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه ).

    ولعبة الكشتينة هذه ليس فيها رياضة ذهنية، ولا رياضة بدنية، ولا متعة عقلية، ولا تفتيح للذهن، ولا تدريب على القتال، ولا فيها شيء مما يفيد, إنما هي قائمة على محض الحظ، ثم إنها قد يمكث فيها الناس ساعات طوالاً، وقد تؤدي إلى حصول العداوة والبغضاء، وهذا كله لا يجوز.

    وأما قولهم بأن المغلوب يعمل الحلة، أو أنه يصنع الشاي فهذا أيضاً باب من أبواب الميسر الذي لا ينبغي للناس حتى في الألعاب المباحة أن يتورطوا فيه.

    خروج الزوجة من بيت زوجها بعد الطلاق

    السؤال: أخونا عبد القادر قد شكا بأن بعض النساء إذا تلفظ زوجها بالطلاق ذهبت إلى أهلها مباشرة؟

    الجواب: نقول: هذا لا يجوز، ولا ينبغي لها أن تذهب، وما ينبغي له أن يخرجها؛ لأن الله تعالى قال: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق:1]، بمعنى: أن المرأة إذا حصل الطلاق فإنها تبقى فترة العدة، لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1]، لعله يحصل الوفاق وترجع لحمة الزوجية، ويألف الله بين قلبيهما بعد نفرة وافتراق.

    تحريض البنات على أزواجهن

    الشيخ: أما تحريض البنات على أزواجهن فإنني أذكر بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( لعن الله من خبب امرأة على زوجها )، والخلافات الزوجية لا يسلم منها بيت حتى بيت النبوة، فيحصل بين الإنسان وبين زوجته خلاف، والمفروض بأن الأب والأم والأخ من الطرفين يسعون بالإصلاح وبالتأليف وبلم الشمل، ولا يسعون إلى إيقاع الفرقة وحصول الطلاق، أو يحرضون المرأة على زوجها أو الرجل على امرأته، فهذا لا ينبغي ولا يجوز, قال الله عز وجل: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114].

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين ).

    فيا أيها الآباء ويا أيتها الأمهات! ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ).

    الحكم على قصة الملكين في القبر مع عمر بن الخطاب

    الشيخ: أخونا محمد ذكر أن بعض الناس من الوعاظ أو من القصاص كان يتكلم, فذكر بأن عمر لبب الملكين في القبر, وقال كذا وكذا؟

    وما ذكره أخونا محمد صحيح، في أن الغيبيات لا مجال للرأي فيها، وينبغي أن نعول فيها على خبر معصوم، والخبر المعصوم إما أن يكون آية من كتاب ربنا جل جلاله؛ كقوله سبحانه: وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ [النمل:82]، أو حديثاً صحيحاً ثابتاً عن نبينا صلى الله عليه وسلم, مثلما ذكر حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في سؤال الملكين, أو حديث ابن عباس في قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير )، وحديث أبي رافع في قصة الرجل الذي غل شملة فاشتعل قبره عليه ناراً ونحو ذلك.

    أما أن يخترع الإنسان من عنده فهذا لا يجوز، وهذه القصة التي ذكرها بأن عمر يقول للملكين: ربي الله فمن ربكما؟ ديني الإسلام فما دينكما؟ قد ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي في مناقب عمر رضي الله عنه دون حكاية أنه لبب الملكين هذه، ولا يتصور من عمر رضي الله عنه أن يفعل ذلك، وينبغي أن نحذر من القصاص، والقصاص جمع قاص، وهم الذين يروون الأخبار على عواهنها ولا يدققون في أسانيدها، بل ربما ينكرون لو قال لهم قائل: من أين أتيتم بهذا الكلام؟

    لأن الواحد منهم يعتقد أن كل ما قرأه أو سمعه جاز له أن يرويه، وهذا باطل، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ).

    أداء الحج بالدين

    السؤال: هل يجوز الحج بالدين؟

    الجواب: من ناحية الجواز نعم يجوز, لكن ما كلفك الله يا أبا عمر أن تستدين، بل الحج على المستطيع، سل الله أن يغنيك من فضله، وأن ييسر لك حج بيته، وقد قال سبحانه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    السنة عند اتباع الجنازة

    الشيخ: أما عند اتباع الجنائز وما هي السنة في ذلك؟

    فأقول: السنة أولاً: الإخلاص، تتبع الجنازة مبتغياً وجه الله، فلا أتبع الجنازة لأن صاحبها عظيم من عظماء الدنيا، أو لأنه ينتسب أو ينتمي إلى عظيم من عظمائها، وإنما أتبع الجنازة ابتغاء وجه الله، وطلباً للأجر والثواب الذي في قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله من الأجر قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله من الأجر قيراطان أصغرهما مثل جبل أحد ).

    ثانياً: أن نتقيد بالسنة في المشي، فالسنة إذا كان الإنسان راكباً ألا يمشي إلا خلفها، أما إذا كان ماشياً فله أن يمشي خلفها أو أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها.

    ثالثاً: من السنة الصمت، وفي الحديث: ( إن الله يحب الصمت في ثلاثة مواضع: عند قراءة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة ).

    رابعاً: إذا وصلنا إلى المقابر لا نجلس حتى توضع الجنازة على الأرض.

    خامساً: إذا وضعنا الميت في لحده، ونصبنا عليه اللبن كل واحد منا يأخذ بيده فيحثو ثلاث حثيات كما أمرنا بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام.

    سادساً: من السنة: أننا إذا أهلنا عليه التراب ما نعجل بالخروج بل نبقى حيناً ندعو له ونستغفر له، لعل الله عز وجل يلقنه ما يراجع به رسل ربه.

    مفارقة الزوجة للزوج الذي يسب الدين

    السؤال: ما حكم منع المرأة نفسها من زوجها وهو لا يصلي ويسب الدين؟

    الجواب: أما إذا كان يسب الدين فلا يجوز لها البقاء معه أصلاً؛ لأن سب الدين كفر، فمن سب الدين أو سب الله، أو سب النبي عليه الصلاة والسلام، أو سب واحداً من الأنبياء المجمع على نبوتهم، أو واحداً من الملائكة المجمع على أنه من الملائكة فإنه قد مرق من دين الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وما ينبغي للمرأة أن تبقى معه أصلاً، بل العقد مفسوخ، وهذا النكاح ما يستأنف إلا إذا أحدث توبة نصوحاً، ودخل في الإسلام من جديد.

    حكم لعبة الليدو والكتشينة

    السؤال: هل الليدو والكشتينة حرام، وما الدليل؟

    الجواب: يا أخي لا ينبغي لك أن تلعب بالليدو ولا بالكشتينة لأنها مضيعة وقت؛ ولأنها قائمة على الحظ, وليس فيها فائدة، فاتق الله في نفسك، وإذا أردت أن تروح عن نفسك فروح عن نفسك بما يعود عليك بالفائدة في بدنك أو في عقلك، أما أن تجلس تضيع وقتك في الليدو أو في الطاولة أو فيما يسمى بالضمنة أو بالباصرة أو غيرها من الألعاب التي لا فائدة فيها فما ينبغي لك.

    مبادلة الأثاث مع دفع الفارق في الثمن

    السؤال: هل يجوز مبادلة الأثاث من التاجر دون قبض الثمن مع دفع الفرق له؟

    الجواب: لا مانع يا أخي، فلو ذهب إنسان ببعض الأثاثات القديمة إلى التاجر, ثم يأخذ أثاثاً جديداً ويدفع له فارق السعر، فهذا لا مانع منه إن شاء الله؛ لأنها ليست من الأموال الربوية ولا فيها علة الربويات، فليس فيها علة الثمنية ولا فيها علة الاقتيات والادخار أو الطعم، وإنما هي داخلة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم ).

    المراد بحديث الآحاد

    السؤال: في الأحاديث الشريفة هنالك ما يسمى بحديث الآحاد, ماذا يعني؟

    الجواب: حديث الآحاد هو ما دون المتواتر، والحديث المتواتر: هو الذي رواه الجمع الغفير عن مثلهم ممن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، يعني: يكون شيئاً مستفيضاً متواتراً، وهذا في السنة كثير بالذات في السنة العملية، كمثل كون النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر للصلاة رفع يديه حذو منكبيه، أي: تكبيرة الإحرام, فهذا متواتر.

    وكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القراءة في صلاة الصبح، فهذا متواتر, وقل مثل ذلك في صفة حجه صلوات ربي وسلامه عليه فكثير من صفة حجه منقولة إلينا بالتواتر، وكونه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء هذا متواتر.

    وما كان دون التواتر فهو آحاد، سواء كان غريباً أو عزيزاً أو مشهوراً، يعني: سواء كان من رواية واحد أو من رواية اثنين أو من رواية ثلاثة, فهذا كله داخل في كونه آحاداً.

    الوقوف ضد بناء مسجد من المساجد

    التحصين بالأذكار والإنسان على جنابة

    السؤال: ما حكم التحصن بالأذكار وأنا على جنابة؟

    الجواب: لا مانع إن شاء الله أن الإنسان إذا كان جنباً أن يقرأ آيات بغرض أنه يتحصن، لا مانع من هذا، وإنما الممنوع أن يقرأ القرآن تعبداً.

    كتابة الرسائل للزوجة في أمور يستحى من ذكرها

    السؤال: أنا أكتب لزوجتي رسائل فيها كلام في أمور زوجية خاصة يستحى منها، فهي تقرؤه وتمسحه, فهل هو حرام؟

    الجواب: لا ليس حراماً، بينك وبين زوجتك لا حرام إلا ما حرمه الله من إتيانها في دبرها أو إتيانها في وقت حيضها, أما بعد ذلك كونك تداعبها بكلام أو تكتبه لها، كونها تغني لك أو ترقص لك كل هذا لا مانع إن شاء الله.

    قراءة جزء في ركعتين كل ليلة

    السؤال: شخص يصلي ركعتين كل ليلة، ويقرأ فيهما جزءاً كاملاً من المصحف، هل يجوز ذلك؟

    الجواب: نعم يجوز، وهذا يغبط على هذا العمل، بل هذا الرجل من أهل الليل، يعني: يصلي بالليل وما يصلي صلاة خفيفة سريعة, وإنما يصلي صلاة طويلة يرتل فيها القرآن ترتيلاً، ممسكاً بالمصحف فهو على خير عظيم، وهو إن شاء الله داخل فيمن قال الله فيهم: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات:15-19].

    ختان الإناث

    السؤال: ما حكم ختان الإناث؟

    الجواب: إذا كان المقصود الختان الفرعوني فهو حرام؛ لأنه ضار غير نافع، قال تعالى: وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود:97].

    وأما الختان الذي يجرى بمعرفة الطبيبة الموثوقة, والذي تؤمن فيه سراية الجرح فهذا من السنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خمس من الفطرة: الختان, والاستحداد، ونتف الإبط، وقلم الأظفار، وقص الشارب )؛ ولعموم قول الله عز وجل: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل:123]، والختان من سنة إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    أسأل الله عز وجل أن يجمعنا على الخير مرة بعد مرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.