إسلام ويب

عام الحزن وخروج النبي إلى الطائفللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيرة هي الأحداث المؤلمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعظمها موت عمه أبي طالب على الكفر، وموت خديجة زوجه وأم أولاده وسنده في بداية دعوته وأول من آمن به، وتستمر الآلام بعد ذلك عند خروجه إلى الطائف داعياً لهم للإيمان فما وجد منهم إلا الخذلان والأذية والسخرية، وحينئذ ينزل ملك الجبال منتصراً له، فيجد النبي رحيماً حريصاً على أن يخرج الله من أصلاب من آذوه من يقول: لا إله إلا الله.

    1.   

    وفاة أبي طالب

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، والبشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    فمن الأحداث العظيمة التي حصلت في العام السادس من البعثة النبوية المباركة إسلام السيد الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد كان إسلامه نصراً، وكانت هجرته فتحاً، وكانت خلافته من بعد رحمة، فرضي الله عنه وأرضاه، ولما علم المشركون بأن دين الله قد عز بإسلام حمزة ومن بعده عمر لجئوا إلى المقاطعة العامة من أجل أن يفتوا في عضد المسلمين، ويحملوهم على ترك الدعوة إلى الله عز وجل، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبروا ثلاث سنوات، حتى اضطروا إلى أن يأكلوا أوراق الشجر، إلى أن سعى بعض المشركين فيهم المطعم بن عدي و أبو البختري بن هشام ، وغيرهم إلى نقض هذه الصحيفة وإبطال ما فيها.

    وكان مما ابتلي به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بثلاث سنوات موت عمه أبي طالب الذي كان عوناً له وعضداً.

    حزن النبي على موت عمه على الكفر

    ومما زاده ألماً صلوات الله وسلامه عليه أن عمه أبا طالب مات على غير الإسلام، وما شهد شهادة التوحيد رغم إلحاح النبي صلى الله عليه وسلم عليه في ذلك، قال له: ( يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله )، فكان منطق أبي طالب غريباً! قال له: ( يا ابن أخي! لولا أن يقول الناس: قد قالها جزعاً من الموت لأقررت عينك بها )، وفي بعض الروايات بأنه قال: (لولا المسبة والعار لقلتها)، ففكر في المسبة والعار، وفيما يقوله الناس، وفيما ستلوكه الألسنة، ولم يفكر في نجاة نفسه، فمات على الكفر، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصابه الحزن العظيم، فأنزل الله عز وجل قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، أي: أنت يا محمد! تهدي إلى صراط مستقيم، تبين للناس الحق والخير والهدى والسنة وسبيل الاستقامة، لكنك لا تملك الهداية التي بمعنى التوفيق والتسديد، وخلق الإيمان في القلب، فهذا لا يملكه إلا الله عز وجل، ولا يقدر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا أحد من خلق الله.

    استغفار النبي لعمه ونزول القرآن بنهيه عن ذلك

    ولما نزلت هذه الآية قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لأستغفرن لك مالم أنه عنك )، (لأستغفرن لك) أي: لعمه، (مالم أنه عنك)، فأنزل الله عز وجل قوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:113-114]، فحرمت هذه الآية على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين أن يستغفروا لمن مات على الكفر، يعني: أي إنسان مات كافراً على أي ملة من ملل الكفر: وثنية، يهودية، نصرانية، شيوعية، وغير ذلك. لا يصلح أن نقول: اللهم اغفر له وارحمه، ولا يصلح أن نقول: رحم الله فلاناً، هذا غير جائز.

    وكذلك من كان منافقاً نفاقاً اعتقادياً، قال الله عز وجل عن المنافقين: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84]، وهذه الآية كما لا يخفى نزلت في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك أنه لما أدركه الموت جاء ولده عبد الله -وكان من صالحي المؤمنين- إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ( يا رسول الله! إن أبي قد هلك، أعطني قميصك أكفنه فيه لعل الله يرحمه )، فالنبي عليه الصلاة والسلام من محبته للخير أعطى عبد الله ذاك القميص ليكفن فيه أباه، وما اكتفى بذلك عليه الصلاة والسلام، بل أدركهم في المقبرة بعدما وضعوه في لحده، فأخرجه عليه الصلاة والسلام وتفل في فمه من ريقه الشريف عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك وضعه ليصلي عليه صلاة الجنازة، فقال له عمر : ( يا رسول الله! إنه عبد الله ابن سلول الذي قال كذا يوم كذا، والذي قال كذا يوم كذا )، يعدد صحيفة سوابقه، يقول: هذا الخبيث هو الذي قال: ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل )، وهو الذي قال: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7]، وهو الذي قال: ما نحن ومحمد إلا كما قالت العرب: سمن كلبك يأكلك، وهو الذي قال: زوجة نبيكم تبيت مع رجل غريب، والله ما نجت منه ولا نجا منها، إلى غير ذلك من الفحش والكفر والقبح الذي صدر منه. ومع ذلك الرءوف الرحيم الصفوح الحليم عليه الصلاة والسلام قال: ( دعني يا عمر فإن الله قد خيرني فاخترت، قال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80]، لأزيدن على السبعين، وصلى عليه صلاة الجنازة، فنزلت الآية: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84] ).

    والشاهد من هذا الكلام: أنه لا يجوز الاستغفار ولا الترحم على من مات كافراً أو منافقاً نفاقاً اعتقادياً.

    وللأسف أن بعض الناس يقول: قال ربنا: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، ونحن نقول له: أكمل الآية من أجل أن تعرف معناها، قال ربنا: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ [الأعراف:156-157]، فمن لم يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصدق بنبوته، فإنه لا نصيب له في هذه الرحمة.

    1.   

    وفاة خديجة رضي الله عنها

    بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام، أو بشهر، أو شهر وخمسة أيام، ماتت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بعدما مرضت، فحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس و علي بن أبي طالب ودفنوها في الحجون، وما صلوا عليها صلاة الجنازة؛ لأن صلاة الجنازة لم تكن قد شرعت بعد.

    فلما دفنت خديجة رضي الله عنها رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حزيناً مهموماً، فلقيته خولة بنت حكيم ، وهي امرأة من قريش فيها وقار وسكينة، فقالت: ( يا رسول الله! أراك حزيناً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ماتت ربة البيت وأم العيال )، وهذا الكلام يدل على بالغ المودة تجاه هذه المرأة الصالحة رضي الله عنها، فـخديجة لم تكن مجرد زوجة، لكنها رضي الله عنها كانت مديرة للبيت، تدبر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفر له أسباب الراحة، وهي في الوقت نفسه أم العيال.

    وهكذا: فالمرأة إذا كانت صالحة طيبة مطيعة هينة لينة، فإنها إذا ماتت يفقدها الزوج، ويحزن عليها ويتألم لمصابه فيها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة )، يعني: إذا ماتت المرأة فقال زوجها: أنا راض عنها، قال ذلك من قلبه، ولم يقله مجاملة لأهلها، أو علم الله من قلبه الرضا فإنها إلى الجنة، وعلى العكس -والعياذ بالله- إذا كانت المرأة شرسة، كثيرة النكد، تأكل لماً وتوسع ذماً، تشير بالأصابع، وتبكي في المجامع، كلامها وعيد، وصوتها شديد، إن دخل زوجها خرجت، وإن خرج دخلت، وإن بكى ضحكت، وإن ضحك بكت، وتعين الزمان على بعلها، ولا تعين بعلها على الزمان، فمثل هذه إذا ماتت يقول زوجها: الحمد لله. كما قال بعض المساكين وكان مبتلى بزوجة من هذا الصنف، وكانت طويلة العمر سبحان الله! ما ماتت، فقال:

    لقد كنت محتاجاً إلى موت زوجتي ولكن قرين السوء باق معمر

    فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلاً وعذبها فيه نكير ومنكر

    يعني: قال: يا ليت ربنا يخلصنا منها.

    فالمقصود أن خديجة رضي الله عنها هي المثل الأعلى للزوجة المسلمة في دينها وإيمانها ورجاحة عقلها وحسن تبعلها، وقيامها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواساتها إياه بنفسها ومالها، هذا كله مما كان لها رضي الله عنها، ولذلك قال الذهبي رحمه الله: (أجزم أن خديجة هي أفضل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    ولذلك عاش معها خمساً وعشرين سنة لم يتزوج عليها، ولا تسرى بغيرها صلوات الله وسلامه عليه، يعني: لما ماتت خديجة كان عمره عليه الصلاة والسلام خمسين سنة.

    1.   

    زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وسودة

    بعد وفاة خديجة جاءت خولة بنت حكيم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت له: ( يا رسول الله! هلا تزوجت؟ فقال: بكراً أم ثيباً؟ قالت له: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً. قال لها: من البكر ومن الثيب؟ قالت له: أما البكر فبنت أحب الخلق إليك -تعني: أبا بكر -، وأما الثيب فـسودة بنت زمعة ).

    زواج النبي من سودة

    أما سودة رضي الله عنها فقد كانت متزوجة من رجل يقال له: السكران بن عمرو رضي الله عنه، ثم مات فصارت أرملة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـخولة : ( اذكريني عليهما )، يعني: اذهبي واذكريني عليهما، فذكرته لـسودة رضي الله عنها، فتزوجها عليه الصلاة والسلام وكانت امرأة مسنة، تزوجها من باب الكفالة؛ لأنها مسلمة، والإسلام في ذلك الوقت غريب وقد مات زوجها، فضمها النبي عليه الصلاة والسلام إليه، وهو الذي قام في الناس خطيباً، فقال: ( أيها الناس! من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فعلي، فأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم )، عليه الصلاة والسلام.

    زواج النبي من عائشة

    فلما تزوج عليه الصلاة والسلام بـسودة ذهبت خولة بنت حكيم إلى أم رومان ابنة عامر التي هي زوجة أبي بكر والدة عائشة ، فذكرت لها بأن النبي عليه الصلاة والسلام يرغب في الزواج بـعائشة ، فقالت المرأة الصالحة: (وددت. ولكن اصبري حتى أستأمر أباها)، وهذا من صلاحها قالت: (وددت)، يعني: يا أيها الناس! هل هناك زوج أحسن من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ لا يوجد. لكن المرأة ما استبدت بالأمر، لم تقل لها: قولي له: يحدد ونحن جاهزون، فإذا رجع أبو بكر تقول له: جاءتني خولة بنت حكيم وقالت: الرسول صلى الله عليه وسلم يريد عائشة وأنا أعطيته الموافقة، لا ينفع ذلك، لا يصلح الاستبداد في الحياة الزوجية، قال الله عز وجل: فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ [البقرة:233].

    الآن للأسف يحصل استبداد أحياناً من قبل الرجل، وأحياناً من قبل المرأة، وبعض الرجال في فهمه دخن، يقول: أنا أتكلم معها، أستشيرها، فإذا قلت: لم؟ يقول لك: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: شاوروهن وخالفوهن، تقول له: وأين قال ذلك؟ من أين أتيت بهذا الحديث يا أيها المسكين؟ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام أبداً، وهو نفسه عليه الصلاة والسلام كان يستشير زوجاته رضوان الله عليهن. فالرجل المسلم الطيب يجعل الأمر شركة بينه وبين الزوجة، خاصة في تزويج البنت ونحو ذلك من الأمور.

    وكذلك المرأة لا تستبد بالأمر، الآن بعض النساء تستبد، هناك أشياء للزوج فيها حق. مثلاً: بعض النساء تتناول حبوب منع الحمل دون إذن من الزوج، فالزوج يريد ولداً وهي لا تريد ذلك، فإذا ولد له مولود فإنه بعد ذلك ينتظر خمس سنين وست سنين من أجل أن يأتي له أخوه؛ لأن صاحبته بغير إذن منه تتناول هذه الحبوب التي تمنع حصول اللقاح.

    فالاستبداد لا يصلح وهو مفسد للحياة الزوجية تماماً، ولذلك أم رومان عليها من الله الرضوان لما جاء أبو بكر ذكرت له ذلك، قالت له: (يا أبا بكر ! ما أدخل الله علينا من الخير والبركة) يعني: أنت لا تعرف ما الذي حدث، قال لها: (وما ذاك؟ قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر عائشة ). فاستشكل أبو بكر رضي الله عنه الأمر، وقال: (أتصلح له وهو أخي؟) فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( إنما أنا أخوك في الإسلام )، يعني: كلنا الآن إخوة في الإسلام، ويمكن للواحد منا أن يتزوج بنت أخيه، لكن بنت أخيك في النسب لا يجوز لك أن تتزوجها؛ لأن الله ذكر المحرمات من النسب فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23]، ومثلهن من الرضاع، وأربع من المصاهرة، قال الله عز وجل: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء:22]، يعني: زوجة أبيك محرمة عليك دخل بها أو لم يدخل، قال سبحانه: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23]، أي: زوجة ابنك محرمة عليك دخل عليها أو لم يدخل، وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] يعني: أم زوجتك، دخلت بابنتها أو لم تدخل، وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، ولذلك قالوا: الدخول بالأمهات يحرم البنات، والعقد على البنات يحرم الأمهات.

    فضرب أبو بكر الصديق مثلاً في الوفاء، فقال: ( يا رسول الله! إن فلاناً من المشركين ذكر عائشة لولده، فدعني أستل منه سلاً رفيقاً ). يعني: إلى ذلك الوقت لم يكن نكاح المسلمة حراماً على الكافر، وكذلك لم يكن نكاح المسلم للكافرة حراماً، كانت بينهم المصاهرة، إلى أن نزل قول الله عز وجل: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10].

    فذهب إليه وقال له: (يا فلان! ذكرت عائشة لولدك، فإن كنتم تريدون نكاحاً أنكحناكم، فقال له المشرك: أننكح ابنتكم بعدما خالفتم ديننا، وفارقتكم ملة آبائنا، لا حاجة لنا بها، فقال أبو بكر: الحمد لله).

    عقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها، وكانت إذ ذاك بنت ست سنين، وبقيت في بيت أبيها، وما بنى عليها وما دخل بها إلا في السنة الثانية من الهجرة عقيب غزوة بدر بشهر في شوال، وكانت بنت تسع سنين.

    الآن بعض الناس يستغرب، وذلك أنه يريد أن يحاكم الدنيا إلى فهمه هو وإلى واقعه هو، حتى إن بعض المساكين قال: أنا لا أصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي بنت تسع سنين، ولو صح هذا لكان فيه اعتداء على حقوق الطفل، وهذا القائل لو سأل زوجته يمكن يكون عرسها وعمرها عشر سنين أو اثنتا عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة.

    وعرفنا الفاسد الآن أن البنت لا تتزوج إلا في الثلاثين، ويمكن أيضاً أن يكون عمرها ثلاثاً وثلاثين سنة ويجيء الخاطب لأبيها فيقول الأب: لا زالت صغيرة، قد أنهت الماجستير وهي تريد أن تحضر الدكتوراه، طيب. متى ستزوجها؟ يقول لك: قريب الأربعين بعد أن تنضج. وبعد أن تصبح فاهمة.

    هذا عرف فاسد، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ).

    ونلاحظ هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم همته عالية ونفسه أبية، رغم الحزن والضيق والشدة، إلا أنه عليه الصلاة والسلام يعقد ويتزوج، فلما ماتت خديجة ما بقي يبكي على الأطلال، ويتردد على القبر، ويقول فيها الشعر، فهو عليه الصلاة والسلام يعلم أن عجلة الحياة تمضي، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، لكنه كان كلما ذكر خديجة ترحم عليها وترضى عنها، رضي الله عنها وأرضاها.

    1.   

    رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ورجوعه منها

    لما وجد النبي صلى الله عليه وسلم أن مكة ليست تربة خصبة للدعوة، وأن أهلها قد استعذبوا الصد عن سبيل الله، وقد استحوذ عليهم الشيطان، خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، إعمالاً لقول الله عز وجل: يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت:56]، فلما لم تستجب مكة، بحث عن غيرها عليه الصلاة والسلام.

    خذلان أهل الطائف للنبي وأذيتهم له

    خرج إلى الطائف ولقي هناك ثلاثة من السادات وهم: كنانة ، و مسعود ، و حبيب ، والثلاثة أبناء عبد ياليل بن عمرو بن كلال ، فعرض عليهم نفسه، وقرأ عليهم القرآن، لكنهم سخروا منه واستهزءوا به، وردوا عليه أقبح الرد، قال له أحدهم: ( يا محمد! أما وجد الله غيرك ليرسله؟! وقال له الآخر: يا محمد! أنا أمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك. وقال له الثالث: إن كنت نبياً فأنت أعظم من أن أكلمك، وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: أما وقد أبيتم ما جئتكم به، فاكتموا عني فأنا خارج. قالوا: لا. واللات والعزى لا ندعك )، فأغروا به سفهاءهم وصبيانهم يصيحون عليه ويشغبون، ثم وقفوا له على سماطين يضربونه بالحجارة عليه الصلاة والسلام.

    وكان زيد بن حارثة يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا تصيبه الحجارة، فما زالوا به يضربونه ويرجمونه حتى أدموا عقبيه، يعني: سال الدم من عقبيه صلوات الله وسلامه عليه.

    رجوع النبي صلى الله عليه وسلم حزيناً ونزول ملك الجبال عليه

    رجع النبي صلى الله عليه وسلم مهموماً مغموماً فلم يستفق إلا بقرن الثعالب، ومشى عليه الصلاة والسلام من شدة الهم والغم مسافة طويلة ولم يشعر بذلك، ثم خلا بربه ودعا بتلك الضراعة: ( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب العالمين وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك، فتغشته سحابة صلوات الله وسلامه عليه، ونزل عليه جبريل وقال: يا محمد! هذا ملك الجبال ) وهي أول مرة ينزل فيها على الرسول صلى الله عليه وسلم، جاء بصحبة جبريل، فعرف به جبريل وقدمه إليه، فقال له الملك: ( يا محمد! إن الله أمرني أن أطيعك، إن شئت أطبقت على أهل مكة الأخشبين؟ ) أي: الجبلين العظيمين قعيقعان وأبي قبيس، فقال الرءوف الرحيم عليه الصلاة والسلام: ( بل أصبر، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ).

    قصة النبي مع عداس مولى شيبة وعتبة ابني ربيعة

    ثم أوى عليه الصلاة والسلام إلى بستان شيبة و عتبة ابني ربيعة ، وجلس عليه الصلاة والسلام يضمد جراحه، فلما رآه شيبة و عتبة عطفتهم الرحم، ورقت قلوبهما رغم كونهما كافرين شريرين، فأمرا غلامهما عداساً -وكان غلاماً رومياً- بأن يأخذ قطفاً من عنب، ويذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءه بالعنب -والعنب الطائفي معروف إلى يومنا هذا- وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعاني جوعاً وتعباً، فمد يده، وقال: (باسم الله) فاستغرب عداس ! قال له: ما سمعت أحداً من أهل هذه البلاد يقول بالذي تقول، يعني: لما أتيت هذه القرية لم أسمع رجلاً يقول: باسم الله، يقولون: باسم اللات، باسم العزى، باسم مناة، باسم هبل، أما باسم الله فلا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( ممن أنت يا عداس ؟! قال له: أنا من نينوى -أرض بالعراق- قال له: من قرية العبد الصالح يونس بن متى. فقال له: وما أعلمك عن يونس بن متى؟ قال له: ذاك أخي نبي، وأنا نبي )، فأقبل عداس يقبل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه، فقال ابن ربيعة لأخيه: إن محمداً قد أفسد عليك غلامك.

    نحن أحسنّا إليه وهو الآن قد أفسد عليك غلامك، فلما رجع عداس قالا له: ويلك يا عداس ! لا يفتننك. دينك خير من دينه. قبحهم الله ما أدراهم؟ لكن كما قال ربنا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36]، هذه غايتهم، الصد عن سبيل الله، فقال لهم عداس : والله ما على وجه الأرض خير من هذا الرجل.

    منع أهل مكة النبي من دخول مكة ودخوله في جوار المطعم بن عدي

    فلما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف إلى مكة، وكان الخبر قد وصل إلى مكة بأن محمداً ذهب إلى الطائف مستجيراً بـكنانة بن عبد ياليل و مسعود و حبيب ففعلوا به كذا وكذا، فتآمر أهل مكة أن لا يدعوه يدخل عليهم، -أرادوا أن يمنعوه من دخول مكة عليه الصلاة والسلام، فأرسل إلى سهيل بن عمرو العامري بأن يجيره. فقال: لا. إن بني عامر لا يجيرون على بني كعب. فأرسل إلى الأخنس بن شريق ليجيره. قال: لا. إنما أنا لصيق ولست بأصيل. فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى المطعم بن عدي ، فقبل أن يجير سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، وخرج هو وأولاده ومعهم السلاح، وأعلنوا أن محمداً في جوارهم، والآن في التعبير المعاصر يسمونه لجوءاً سياسياً، فلو أن إنساناً ضيق عليه في بلد فإنه يلجأ إلى بلد آخر ويكون في حماية تلك البلد التي لجأ إليها.

    فدخل عليه الصلاة والسلام مكة في جوار المطعم بن عدي ، وهذه ثاني مأثرة لهذا الرجل، كأنه كان ممن سعوا في نقض الصحيفة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر: ( من وجد المطعم بن عدي فلا يقتلنه )، مثلما قال عن أبي البختري بن هشام ، فهو نهى عن قتل هؤلاء مكافأة لهم بصنيعهم، ولكن ما وفقوا للإسلام.

    التقاء النبي ببعض الجن قبل دخول مكة وإسلامهم

    وقبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة جاءه دعم معنوي آخر، الدعم المعنوي الأول هو نزول ملك الجبال واستئذانه في أن يدمر مكة على أهلها، والدعم المعنوي الثاني أنه لما بلغ مكاناً يقال له: وادي نخلة، وقام عليه الصلاة والسلام يصلي ويرتل القرآن، جاء جماعة من الجن واستمعوا لهذا القرآن، والتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا وبايعوه، ورجعوا إلى إخوانهم من الجن ينذرونهم، وهذا الذي سجله ربنا في سورة الأحقاف: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:29-31].

    وهاهنا لا بد أن أذكر بعض الحقائق الشرعية عن عالم الجن من أجل أن لا تلتبس الحقيقة بالخيال، أقول: بأن الجن صنف من خلق الله يختلفون عن عالم الإنس وعالم الملائكة، فإن الملائكة خلقوا من نور، والجان خلقوا من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم من الطين. والجن يتفقون مع بني آدم في بعض الصفات، من هذه الصفات: أنهم يتناكحون ويتناسلون، ودليل ذلك قول ربنا جل جلاله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ [الكهف:50]، وهذا معناه أن لإبليس نسلاً، وقول الله عز وجل: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، فدل ذلك على أنه يحصل من الجن الطمث، أي: يحصل منهم الجماع.

    وأيضاً يشاركون بني آدم في الطعام والشراب، فإن الجن يأكلون ويشربون، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا: ( أن من أكل بشماله أكل معه الشيطان، ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان )، وبعض الناس -نسأل الله العافية- ما يستعمل إلا الشمال، فتجده يأخذ بالشمال، ويشرب بالشمال، فهذا يأكل ويشرب معه شيطانه، سيكون شيطانه سميناً، شبعان، وريان.

    وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن الاستنجاء بالعظم وبالروث، وأخبرنا أن العظم طعام إخواننا من الجن، وأن الروث طعام دوابهم.

    وأيضاً الجن يشاركون الإنس في كونهم مكلفين، يعني: نحن مأمورون بالصلاة والصيام والزكاة والحج، وأن نأكل الحلال وأن نتجنب الحرام، ومأمورون بأن نقول الطيب ونمتنع من الخبيث، وكذلك الجن مأمورون مثلنا.

    ويشاركون الإنس في أن مطيعهم في الجنة، وعاصيهم في النار، أما كونهم في النار فدليله قول ربنا الرحمن: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38]، وقال الله لإبليس: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18]، وفي الآية الأخرى: حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13].

    والدليل على كون المطيع منهم في الجنة قول ربنا الجليل: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا [الرحمن:47]، أي: الجن والإنس.

    ثم بعد ذلك يخالفون الإنس في صفات منها:

    المادة التي خلقوا منها ليست واحدة، والقدرات التي أعطيت لهم ليست واحدة، فإن الجن لهم قدرة على التشكل، بخلاف الإنس فالإنسان هو هو أمس واليوم وغداً، وبعد عشر سنين وبعد عشرين سنة، وربما الشعر الأسود يتحول إلى أبيض، وربما الجسم يبدن أو يضعف، وربما الظهر ينحني، لكن بقليل من التأمل تعرف أنه هو، لكن الجن يتشكلون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الجن ثلاثة أصناف: فصنف حيات وكلاب، وصنف يطيرون في الهواء، وصنف يحلون ويظعنون )، والحديث رواه البيهقي وهو صحيح.

    أيضاً مما وفر للجن من قدرة ليست عندنا: القدرة على سرعة الانتقال، فأنت الآن إذا أردت أن تذهب لتفطر مع أحد أقربائك في مكان ما، لا بد أن تركب، أو لا بد أن تمشي على رجليك، وتستغرق زماناً مقدراً من أجل أن تصل، لكن الجن، ولذلك سليمان عليه السلام كان في فلسطين، وبلقيس كانت في اليمن، لما قال: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل:38-39]، فالجن عندهم سرعة الحركة والانتقال.

    أيضاً مما توفر للجن ولم يتوفر لنا: العمر الطويل، فأعمارهم طويلة، وأطول الجن عمراً هو إبليس عليه لعنة الله سيبقى ليوم القيامة، وهذه -والله- تعاسة؛ لأن الإنسان لو عاش في غير جيله أيكون سعيداً؟ الآن جدك الذي مات قبل مائة وستين سنة، لو جاء الآن ووجد الأجهزة المتقدمة، ووجد الكهرباء، ووجد الموبايلات سيطيش عقله! سيقول: هؤلاء ليسوا بشراً، وسيجد المآكل غير المآكل والمشارب غير المشارب، لم يكن في زمنه بيبسي، ولا ميرندا، ولا سفن أب، ولا فيمتو، ولا كان في زمنه سيارات، ولا طيارات، ولا كان في زمنه هذه الأشياء التي نستعملها الآن، ولا كانت ثيابهم كثيابنا، ولا بيوتهم كبيوتنا؛ ولا مساجدهم كمساجدنا.

    لكن هذا التعيس -عليه لعنة الله- موجود من زمن آدم، بل قبل آدم؛ لأن الله عز وجل قال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ [الحجر:26-27]، يعني: آدم عليه السلام جاء وإبليس قد خلق، وبعد ما فعل فعلته القبيحة قال: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الأعراف:14]، فالجن أطول أعماراً من الإنس.

    وقد ذكروا في بعض الكتب بأن المسلمين لما بلغوا أبواب الصين، كلمتهم مخلوقات يسمعون أصواتها، ولا يرون صورتها، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا لهم: نحن نفر من الجن؟ قالوا لهم: كم أعماركم؟ قالوا: ما نحصي السنين، ولكن الصين خربت عشر مرات وعمرت ونحن هاهنا، فأعمارهم طويلة.

    أيضاً مما أعطوا: أن أعدادهم أكثر من الإنس، فأعدادهم كثيرة، وجاء في الحديث بأن إبليس -لعنه الله- قال: ( يا رب! طردتني من الجنة بسبب آدم وذريته، فأعطني -يعني: عوضني- فقال الله عز وجل له: لا يولد لـآدم ولد إلا ولد لك عشرة. قال: زدني. قال: جعلت صدورهم مساكن لك ولذريتك. قال: زدني. قال: فأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً )، والشيطان يبدأ رحلته مع ابن آدم منذ أن يولد: ( ما من مولود إلا ويستهل صارخاً من مس الشيطان، إلا المسيح وأمه، اقرءوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36] ).

    فالمقصود بأن هؤلاء الجن بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعوه على دينه.

    ونقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    سجود التلاوة في قصار المفصل أثناء الصلاة

    السؤال: ما حكم السجدة في قصار المفصل أثناء الصلاة؟

    الجواب: السجدات في المفصل هي ثلاث سجدات: سجدة النجم: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:62]، وسجدة الانشقاق: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق:20-21]، وسجدة العلق: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]، فهذه الثلاث عند جمهور العلماء: الحنفية والشافعية والحنابلة ثابتة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سجد فيهن.

    وأما المالكية رحمهم الله فهم وحدهم الذين يقولون: لا سجود في المفصل، ولكن الدليل مع الجمهور، ولذلك لو قرأتها فخير لك أن تسجد، وإذا لم تسجد فلا شيء عليك.

    سقوط زكاة الفطر عن الوالد لولده

    السؤال: متى تسقط زكاة الفطر عن الوالد تجاه ولده؟

    الجواب: إذا كان الولد قد بلغ مبلغ الرجال واستغنى، وصار الوالد لا ينفق عليه، أما طالما أنه ينفق عليه فلا بد أن يخرج عنه الزكاة.

    تفسير قوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ...)

    السؤال: أسأل عن تفسير قوله تعالى: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص:23]؟

    الجواب: هذه الآية على ظاهرها، بأن الرجل كان عنده تسع وتسعون نعجة، وهي أنثى الكبش، أنثى الخروف، وصاحبه كان عنده نعجة واحدة، فصاحب التسع وتسعين نعجة يريد أن يضم النعجة إلى نعاجه، فداود عليه السلام قال له: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ [ص:24]، فعاتبه الله عز وجل؛ لأنه لم يسمع من الآخر. قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: (ولقد رأيت بعض القضاة إذا اختصم إليه غني وفقير يظن أن الحق مع الفقير دائماً)، يعني: لا ينتظر حتى يسمع من الغني، مع أن الله عز وجل قال: إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]، فليس الغنى مستلزماً للظلم، ولا الفقر مستلزماً للتظلم، وربما يكون الفقير هو الظلوم. هذا هو الذي تدل عليه الآية.

    أما الرواية الموجودة في بعض كتب التفاسير: بأن داود عليه السلام كان له تسع وتسعون امرأة، ثم بعد ذلك نظر من كوة غرفته -أي: من الشباك- يوماً فوجد امرأة تغتسل فأعجب بجمال جسدها، ولما شعرت بأن إنساناً ينظر إليها ألقت بشعرها فغطت به جسدها، فازداد ولعاً بها، وسأل عنها، فقيل له: بأنها زوجة أورية ، فسأل عن أورية ، فعلم بأنه قائد من قادة الجيش، فكتب إلى قائد الجيش: بأن يجعل أورية في حملة التابوت، وحملة التابوت هؤلاء في المقدمة، إما أن يفتح لهم، وإما أن يقتلوا، فقتل أورية وتزوج داود بها. فهذا من كلام اليهود -لعنهم الله- وهو داخل في تشويههم لسير الأنبياء. فأي واحد منا لو نظر من الشباك ووجد امرأة تغتسل فجلس ينظر إليها، فنقول عنه: فاسق. نقول: فاجر، نقول: منتهك لحرمة الجيران، ثم داود عليه السلام لم يكن عنده تسعة وتسعون امرأة، بل كان عنده ثلاثمائة وخمسون كما ثبت في الحديث الصحيح. فهذه الرواية ساقطة.

    الفرق بين الاستنكاف والاستكبار

    السؤال: ما الفرق بين يستنكف ويستكبر؟

    الجواب: لا أدري، الله أعلم. هذه تحتاج إلى مراجعة، يقول الله تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:172]، والله عز وجل قال: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف:146]، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، ما الفرق بين الاستنكاف والاستكبار؟ أكيد أن هناك فرقاً ويحتاج ذلك إلى مراجعة كتب التفسير، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا.

    لقطة ما يفسد بطول المكث من نبات وغيره

    السؤال: عثرت على عدد من العبوات المحتوية على الكركديه بالقرب من قريتنا، فأعلنت عن ذلك، ولكني لم أجد شخصاً، فماذا أعمل بها؟

    الجواب: هذا اشربه، اشربه ستخفض لك الضغط، طالما أنه ما جاء؛ لأن هذه من الأشياء التي لا يصلح معها طول المكث.

    حكم قراءة آية واحدة بعد الفاتحة في الصلاة

    السؤال: هل تصح الصلاة بقراءة آية واحدة بعد الفاتحة؟

    الجواب: نعم. تصح بشرط أن يكون لها معنى، أو حتى بعض آية ما يضر، مثلاً لو قرأت: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، آمين، ثم قلت: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، وركعت فصلاتك صحيحة؛ لأن هذا معنى كامل، لكن لو قلت: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، ثم قلت: يس [يس:1]، أو قلت: ن [القلم:1]، وركعت. أو مثلاً: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64]، وركعت، أو قلت: وَالضُّحَى [الضحى:1]، وركعت. فلا تصح الصلاة؛ لأن المعنى لم يكتمل، فمثلاً: وَالضُّحَى [الضحى:1] هذا قسم لا بد أن تأتي بالمقسم عليه، وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3].

    ما يلزم من استيقظ من نومه فتسحر بعد طلوع الفجر

    السؤال: أيقظوني للسحور وقمت وتسحرت، ولم أنظر إلى الساعة، وبعد عشر دقائق سمعت إقامة الصلاة، فهل علي القضاء فقط؟

    الجواب: عليك القضاء فقط، وليس عليك إثم لأنك مخطئ.

    أخذ أجرة زائدة على نفس العمل من نفس الشركة

    السؤال: أعمل في إحدى شركات الإنتاج الإعلامي، وتم تكليفي من الشركة بتسجيل ومونتاج المصحف لأحد القراء، مع العلم بأنني أتقاضى أجراً من الشركة حسب الإنتاج، هل يجوز لي أخذ أجر مقابل تسجيل المصحف؟

    الجواب: إذا كان التكليف من الشركة فلا إشكال إذا فرضت لك جعلاً، أو أجرة زائدة في مقابل ما بذلت من جهد، لكن لا يجوز لك أن تتفق من وراء الشركة مع شخص على أن تسجل له قرآناً، أو غيره، وتستعمل أدوات الشركة، وفي وقت الدوام الذي تعاقدت مع الشركة على أن تستغرقه في عملها، هذا لا يجوز.

    المقصود بأصحاب الأعراف

    السؤال: أسأل عن أصحاب الأعراف؟

    الجواب: الأعراف هي منزلة بين الجنة والنار، وهؤلاء الناس يطلعون على أهل الجنة ونعيمهم، ويتمنون أن يلحقوا بهم، وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف:47].

    وأصحاب الأعراف قيل: هم أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيبقون حتى يدخلهم الله الجنة برحمته، وقيل: هم من خرجوا للجهاد بغير إذن والديهم، فجهادهم حال بينهم وبين النار، فكونهم مجاهدين منعوا من النار، وعقوقهم حال بينهم وبين الجنة، فصاروا بمنزلة بين الجنة والنار.

    المرور بين الصفوف في صلاة الجماعة

    السؤال: إنسان مر بين الصفين في صلاة الجماعة ما حكم صلاتهم؟ وما ذنب المار؟

    الجواب: لا حرج، إذا كنا نصلي وجاء رجل مشى بين الصفوف فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان له إمام فسترة الإمام له سترة )، و عبد الله بن عباس رضي الله عنه ذكر أنه جاء إلى الصلاة وكان راكباً أتاناً -والأتان أنثى الحمار- فجعلت الأتان تسرح بين الصفوف، قال: ولم يقولوا لي شيئاً، يعني: ما أنكروا علي.

    إجزاء صيام رمضان إذا وافق نذراً بالصيام

    السؤال: نذرت أن أصوم ثلاثة أيام من الشهر لعدة شهور متصلة، وأتى رمضان، فهل يعتبر صيام رمضان إيفاء بالنذر؟

    الجواب: أي نعم، أصلاً هو صيام رمضان كما قالوا: واجب مضيق، يعني: لا يسع معه غيره من جنسه، لا يمكن تصوم رمضان وتصوم معه غيره، بخلاف الصلاة، مثلاً يمكن أن تصلي الظهر وتصلي معها ما شئت من نفل أو من قضاء، لكن بالنسبة للصيام فهو مضيق.

    التحدث بالجوال في الحمام بذكر لفظ الجلالة

    السؤال: أحد الأشخاص يتحدث بالموبايل في داخل الحمام وهو يقول: إن شاء الله، ولا والله، وبإذن الله؟

    الجواب: هذا لا يجوز، ولا ينبغي؛ فإن اسم الله جل جلاله ينزه عن أن يذكر في تلك المواضع، مواضع النجاسات والحمامات هذه تحضرها الشياطين، وهذا أيضاً مما تخالف الجن فيه الإنس، بأن الجن الكافر دائماً يحب الأماكن الوسخة الدنسة، ويحب المزابل والحشوش والحمامات وما أشبه ذلك.

    فالمقصود: بأنه لا يجوز. أولاً: الكلام حال قضاء الحاجة أقل أحواله الكراهة، فقد ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج الرجلان إلى الغائط كاشفين عورتيهما يتحدثان، وقال: إن الله يمقت على ذلك )، فالكلام أصلاً ممنوع، وهذا زاد مصيبة أخرى وهو أنه يتكلم باسم الله، وهذا أشد وأنكى.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم إنا نسألك صحة في إيمان، وإيماناً في حسن خلق، ونسألك نجاحاً يتبعه فلاح، ونسألك ألسنة صادقة، وقلوباً سليمة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب.

    اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، وتب علينا توبة نصوحاً ترضيك عنا، اللهم اجعلنا من عبادك المقبولين، اللهم تقبل منا الصيام والقيام والقرآن، واجعله خالصاً لوجهك الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اشرح صدورنا، ويسر أمورنا، واغفر ذنوبنا، وطهر قلوبنا، واستر عيوبنا، ونفس كروبنا، وحسن أخلاقنا، ووسع أرزاقنا، وبلغنا آمالنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، واغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.