إسلام ويب

النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فكان أول ما اهتم به عليه الصلاة والسلام ثلاث قضايا مهمة، الأولى: بناء المسجد النبوي، فتعاون الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء المسجد. والقضية الثانية: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فأبدى الأنصار كرماً عظيماً لإخوانهم المهاجرين وآثروهم في أموالهم وأنفسهم. والقضية الثالثة: توثيق العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم من أهل المدينة.

    1.   

    الأحكام التي استنبطت من بناء المسجد النبوي

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    تقدم معنا الكلام بأن نبينا عليه الصلاة والسلام أول ما وصل إلى المدينة وبركت ناقته سأل عن ذلك المكان، وعلم أنه مربد لغلامين من الأنصار عليهم من الله الرضوان، فاشترى عليه الصلاة والسلام ذلك المكان بعد أن ساومهما، ثم أمر بنخل كانت من ورائها فقطعت، وأرض خربة فسويت، وقبور للمشركين فنبشت، وشرع هو وأصحابه في بناء المسجد المبارك، واستغرق البناء اثني عشر يوماً.

    وكان بناءً متواضعاً من اللبن، وأعمدته من الجذوع، وسقفه من الجريد، وفرشه من التراب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة على كتفه الشريفة إلى أن اكتمل البناء بحمد الله، وهو وأصحابه داخلون دخولاً أولياً في قوله عليه الصلاة والسلام: ( من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ).

    وهذا المسجد كان مكاناً للصلاة، وتعليم القرآن، وإيواء الغريب، وتعليم الجاهل، وإرشاد الغافل، وربط الأسير، وكذلك مكاناً للشورى، وعقد ألوية الجيوش، ويجتمع فيه الرجال والنساء، والكبار والصغار كلهم يجد حظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه القصة قصة بناء المسجد تدلنا على مبدأ التعاون على البر والتقوى الذي ذكره ربنا حين قال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2].

    وقد استنبط العلماء رحمهم الله من ذلك أحكاماً، ومن هذه الأحكام:

    تصرف غير البالغ

    أن تصرف غير البالغ أو غير الرشيد لا ينفذ إلا بإجازة الولي. قال الله عز وجل: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ [النساء:5]، والسفه إما أن يكون سببه الصغر، وإما أن يكون سببه سوء التصرف، فالصغير الذي ترك له أبوه مالاً سواء كان هذا المال عقاراً أو منقولاً فإنه لابد أن يقام عليه وصي، فهذا الصبي لا يتصرف في ماله إلا بإذن وإجازة الوصي، فلذلك العلماء رحمهم الله قالوا: ما كان فيه مصلحة محضة للصغير فإنه يباح تصرفه. فلو أن إنساناً قال للطفل: وهبتك أرضاً في مكان كذا، فقبلها الطفل، هذا لا يحتاج إلى إجازة الولي أو الوصي، لم؟ لأن فيه مصلحة خالصة، مصلحة محققة لهذا الصغير.

    النوع الثاني: ما كان فيه ضرر على الصغير فإنه لا يجاز، كالتبرعات والهبات وما إلى ذلك.

    النوع الثالث: ما كان متردداً بين المصلحة والمفسدة، أو بين النفع والضر فإنه موقوف على إجازة الصبي.

    نبش قبور المشركين والتصرف في القبور أرض المندرسة

    ومن الأحكام: أن قبور المشركين لا حرمة لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بنبشها، وأدخلها ضمن الأرض التي بني عليها المسجد المبارك.

    ومن الأحكام أيضاً: أن القبور إذا كانت دارسة فإنه يجوز التصرف في أرضها إن لم تكن موقوفة.

    ومعنى هذا أن القبر حبس على أصحابه، يعني: فلان من الناس دفن في هذا المكان، هذا المكان محبوس عليه لا يجوز نبشه ولا يجوز كشفه ولا يجوز استعماله لغير الغرض، واستدلوا بقول الله عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً [المرسلات:25-26]، يعني: أنا عندي بيت على ظاهر الأرض وأنا حي، فهذا البيت لا يجوز نزعه مني ولا يجوز دخوله إلا بإذني.

    وأيضاً عندي بيت بعد موتي لكنه في باطن الأرض، في الحياة على ظاهرها وبعد الممات في باطنها، فهذا البيت تبقى له هذه الأحكام، قالوا: اللهم إلا إذا درست القبور وعفت. يعني: لو أن القبور جاء عليها مدة طويلة وكانت عافية، وما بقي فيها شيء، لا بقي فيها أجساد ولا بقي فيها عظام، وفني أهلها، صاروا تراباً ولم تكن هذه الأرض موقوفة فإنه يجوز التصرف فيها بأنواع التصرفات المشروعة.

    النوم في المسجد

    وأيضاً من الأحكام التي أخذت: جواز النوم في المسجد، وهذا فيما يتعلق بخبر أهل الصفة، وفيما يتعلق بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهم كانوا ينامون في المسجد.

    زخرفة المساجد وصونها من الروائح الكريهة

    والتواضع الذي كان في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نداء لكل جماعة من المسلمين أن تكون مساجدهم متواضعة. يعني: الاستفادة من المساجد ليست موقوفة على ضخامة مبانيها، ولا على لمعان جدرانها، ولا على أن يكون فرشها وثيراً، وأثاثها فخماً، ورخامها كثيراً، بل إن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه شيء من متاع الدنيا، ومع ذلك غير الله به وجه التاريخ.

    ومن هنا أيضاً قال علماؤنا: تكره الزخرفة التي فيها مبالغة كما قال عمر رضي الله عنه لما بنى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام قال له: (وإياك أن تحمر أو تصفر). يعني: المساجد نحن مأمورون برفعها ومأمورون بصيانتها، نصونها عن الروائح الكريهة، نصونها عن رفع أصواتنا، نصونها عن بيعنا وشرائنا، نصونها عن إقامة حدودنا، نصونها عن نشدان الضالة فيها، نصونها عن خلافاتنا ونزاعاتنا.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً فليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )، والثوم والبصل ما يخفى عليكم بأنها من المباحات؛ لكن لأن لها رائحة مستكرهة منع النبي صلى الله عليه وسلم آكلها من أن يأتي إلى المسجد.

    ومن باب أولى من تناول شيئاً من المحرمات كالسيجارة، يعني: بعض الناس يدخن ثم يأتي إلى المسجد فتضيق صدور المصلين به، ويتمنون أن تنتهي الصلاة من أجل أن يتخلصوا ويخرجوا، فهو آثم بغير شك.

    قال علماؤنا: ومن كان ذا رائحة كريهة لا تفارقه لسوء صنعته فإنه يصلي في بيته، ويمنع من حضور الجماعة، قالوا: لأن الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام.

    يعني: قد يكون إنسان مبتلى بمرض -عافانا الله وإياكم والمسلمين- هذا المرض يسبب رائحة كريهة إما تخرج من فمه، وإما رائحة تنبعث من جسده، مثل هذا لا يأتي إلى المسجد بل يصلي في بيته، وإذا علم الله منه أنه يحب الصلاة مع الجماعة ويحرص عليها لكنه عاجز عنها لهذا السبب يكتب الله له أجر الجماعة.

    وأخذنا هذا الكلام من الكتاب والسنة، أما الكتاب فمن قول رب الأرباب جل جلاله: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100]، قال علماؤنا: كل من نوى عملاً صالحاً ثم عجز عنه بسبب خارج عن طاقته فإن الله عز وجل يكتب له الأجر.

    وأما من السنة فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثلما كان يعمل مقيماً صحيحاً ). لو أن إنساناً معتاداً على صلاة الجماعة، فقدر الله عليه حادثاً كسرت رجلاه لا يستطيع الوصول إلى المسجد، فهو يصلي في بيته ويكتب الله له أجر من صلى مع الجماعة، لماذا؟ لأن الله عز وجل يعاملنا بفضله ما يعاملنا بعدله وحده، وإنما يعاملنا بعدله وفضله وهو سبحانه الوهاب، وهو سبحانه الشكور.

    1.   

    المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

    والقضية الثانية التي اهتم بها رسول الله عليه الصلاة والسلام أول ما هاجر إلى المدينة: توثيق علاقة المؤمنين بعضهم مع بعض، ولذلك آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان الأنصار رضوان الله عليهم في هذه المؤاخاة يضرب بهم المثل في بذلهم وعطائهم وإيثار إخوانهم على أنفسهم.

    ومعلوم بأن المهاجرين القادمين من مكة ليسوا أهل زراعة، وإنما أهل تجارة. والمدينة بلد زراعية يرى كل شيء بها أخضر، أرض كثيرة النخل؛ فلذلك قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ( الميزان ميزان أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة ).

    لأن التاجر دائماً يستعمل الميزان، أما المزارع فيستعمل المكيال، والنبي عليه الصلاة والسلام كما مضى معنا يعترف بالتخصص، يعني: يعطي كل إنسان ما يناسبه.

    فهاهنا الأنصار عليهم من الله الرضوان من فضلهم قاسموا إخوانهم أرضهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( أولكم خير من ذلكم؟) يعني: قال للأنصار: هناك حل أفضل؟ قالوا: (وما ذاك يا رسول الله! قال: تكفونهم المؤنة ويقاسمونكم الثمرة )، يعني: لا تملكوهم الأرض؛ لأنهم لا يستطيعون العمل ولا يعرفون الزراعة؛ لأنها تحتاج إلى خبرة، وإلى دربة، فقال لهم: لا تملكوهم الأرض لكن قوموا أنتم بزراعتها وحرثها وريها وجذاذها ثم بعد ذلك الثمرة تكون بينكم مناصفة، بين كل واحد من الأنصار وبين أخيه من المهاجرين، فرضي الأنصار رضي الله عنهم.

    من نماذج المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

    ومن نماذج المؤاخاة: ما كان بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع رضوان الله عليهما، سعد بن الربيع جاء بماله كله، وقال لــعبد الرحمن : يا أخي! هذا مالي أشاطرك إياه، ثم قال له: وهاتان زوجتاي انظر أيهما أحب إليك أطلقها، فإذا انقضت عدتها نكحتها. وهذا والله من العجب العجاب، الإنسان يجود بماله، لكن يجود بزوجته؟! ولو كن كثيرات فتبرع بواحدة لكان معقولاً، لكن ما عنده إلا زوجتان، قال له: انظر أيهما أحب إليك أطلقها فإذا انقضت عدتها نكحتها. فماذا قال له عبد الرحمن ؟ قال له: يا أخي! بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق.

    الله أكبر. انظروا كرم الأنصاري وانظروا عفة عبد الرحمن ، الأنصاري كريم وعبد الرحمن عفيف، وكلاهما من أهل الجنة.

    ثم إن الأنصاري دل عبد الرحمن على السوق، فما مضى عليه سوى زمن يسير حتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أثر صفرة.. والصفرة: الطيب الذي يكون للعروس، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : ( مهيم؟ -يعني: ما الخبر؟- قال: يا رسول الله! نكحت امرأة من الأنصار. قال له: وما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. قال له: وهل أولمت؟ -أي: عملت وليمة-؟ قال: لا. قال: أولم ولو بشاة ).

    وعبد الرحمن لما تعفف عن مال أخيه وآثر أن يأكل من كد يمينه وعرق جبينه رضي الله عنه عوضه الله خيراً فكان رجلاً موفقاً، حتى إنه لما مات حفر الذهب من تركته بالفئوس وأصابت كل واحدة من زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، يعني: ثلاثمائة وعشرين ألف دينار ذهب هذا هو الثمن، فانظر كم كانت تركته بعدما أخرج الديون وأخرج أجرة التجهيز وما إلى ذلك، أصابت كل واحدة من هؤلاء الزوجات عليهن من الله الرضوان ثمانين ألف دينار.

    ثم لما فتحت البحرين (دعا النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار أن يقطعهم البحرين)، أي: يجعل البحرين مقطوعة لهم، تعويضاً لهم عما بذلوا لإخوانهم المهاجرين، فماذا قال الأنصار؟ قالوا: ( لا يا رسول الله! إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة ).

    ولذلك حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق، (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)، ودعا النبي عليه الصلاة والسلام لهم فقال: ( اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار )، وقال: ( لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار )، عليهم من الله الرضوان.

    الإيثار العظيم عند الأنصار

    وكان لهم آيات في الإيثار: فإحدى المرات جاء مسلم جديد، وشهد شهادة الحق وهو رجل غريب مهاجر إلى المدينة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أيكم يضيف هذا الليلة؟) فأخذه أحد الأنصار وذهب به إلى بيته، فقالت له زوجته: (ما عندنا إلا طعام الصبيان)، يعني: حتى أنا وأنت ما عندنا عشاء سنبيت طاويين، وما في إلا طعام قليل للصغار، فقال لها زوجها: عللي صبيانك، أو (أما الصبيان فعلليهم) يعني: اشغليهم ولاعبيهم حتى يناموا، (وهيئي طعامك ثم قومي إلى السراج كأنك تصلحينه فأطفئيه، حتى نريه أنا نأكل وما نأكل)، يعني قال لها: جهزي الأكل وبعد ذلك ضعيه أمامنا، ثم قومي إلى السراج أو هذا الفتيل الذي يوقد بالزيت كأنك تصلحينه فأطفئيه، ثم نجلس نزاحمه بأيدينا ولا نأكل شيئاً من أجل أن يشبع الضيف، ففعلت المرأة الصالحة ما طلبه زوجها والضيف تعشى وشبع، وبات الرجل وزوجه طاويين مثلما نام الأطفال من غير عشاء، فلما أقبل مصبحاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الأنصاري جاء إلى المسجد، لقيه النبي صلى الله عليه وسلم متبسماً، وقال: (عجب ربنا من صنيعك وزوجك البارحة )، يعني: الله جل جلاله من فوق سبع سموات عجب من صنيعكما، وأنزل الله عز وجل قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، وكما مر معنا أن هذا أعلى درجات الكرم، أن تؤثر على نفسك مع الحاجة، تؤثر على نفسك وأنت محتاج، وأدنى درجات البخل -والعياذ بالله- أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، محتاج إلى غذاء ولا يشتري، محتاج إلى دواء ولا يشتري، هذا هو أشد البخل والعياذ بالله!

    نسخ التوارث بين المتآخين

    وقد بلغت هذه المؤاخاة: أن يرث المهاجري الأنصاري والعكس، فإذا مات أحد الأخوين مهاجرياً كان أو أنصارياً فإن صاحبه يرث من ماله، لكن هذا نسخ بقول ربنا: وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ [الأحزاب:6]، وبقوله: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75]، يعني: هذه الآية أثبتت الإرث إذا كان بين الوارث والمورث نسب، أما مجرد الحلف والمؤاخاة فلا يثبت بها الإرث.

    أخوة الدين أبقى من أخوة النسب

    إذاً تعلمنا أن أول لبنة في بناء الدولة القوية أن يكون أفرادها متحابين، متعاونين متضامنين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً )، وكما قال: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ). وهذه المؤاخاة ألغت أموراً جاهلية أخرى.

    ولذلك قال أهل العلم: أخوة الدين أبقى من أخوة النسب، قالوا: بدليل أن أخوة النسب تزول باختلاف الدين، وأخوة الدين لا تزول باختلاف النسب.

    ومعنى هذا الكلام: لو أن أخاك -لا سمح الله- كفر تنصر أو تهود أو ألحد، إذا مات هل ترث منه؟ لا. وإذا مت أنت هل يرث منك؟ لا. لماذا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ) يعني لا يتوارث أهل ملتين شتى، فاختلاف الدين مانع من الإرث، ولذلك نقول: اختلاف الدين أبطل أخوة النسب، بينما اختلاف النسب لا يبطل أخوة الدين؛ ولذلك انظروا الآن لو أن الناس سمعوا بمصيبة نزلت بإخواننا مثلاً في فلسطين، أو المصائب التي تنزل بإخواننا في سوريا هذه الأيام، أو ما كان لإخواننا في ليبيا نسأل الله عز وجل أن يعجل فرجهم ونصرهم، وقد أصبح قريباً إن شاء الله، أو المصائب التي تنزل بإخواننا في الصومال من مجاعة، هذا كله يجد المسلم ألمه في قلبه ويدعو لهم سراً وعلانية، ما الذي يحملنا على ذلك؟ الأخوة. أخوة الدين، الرسول عليه الصلاة والسلام في مكة وبعض المستضعفين حبسوا ومنعوا من الهجرة، وهو في المدينة عليه الصلاة والسلام يدعو لهم في كل صلاة يقنت إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة: ( اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة ) ثم يدعو على أرحامه: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سبعاً كسبع يوسف ).

    وفي غزوة بدر قتل المسلمون أقاربهم، لما جاء ثلاثة: عتبة بن ربيعة ، و شيبة بن ربيعة، و الوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فقام إليهم جماعة من الأنصار، الرسول صلى الله عليه وسلم ما رضي بل قال: ( قم يا حمزة ، قم يا علي ، قم يا عبيدة بن الحارث ) وهم من قريش بنو عمومة لأولئك الذين خرجوا، فقاموا وبارزوهم وقتلوهم، وفيهم نزل قول ربنا جل جلاله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19].

    ولذلك أقول: أخوة الدين أبقى من أخوة النسب وقد قال ربنا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    1.   

    توثيق العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم من أهل المدينة

    والقضية الثالثة التي اهتم بها نبينا عليه الصلاة والسلام: تنظيم العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل المدينة، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً أو صحيفة كما يسميها كتاب السير الأولون، أو كتب وثيقة أو اتفاقية كما يسميها المعاصرون.

    وهذه الوثيقة فيها بيان للحقوق، وبيان أن المسلمين أمة من دون الناس، وأنهم يد واحدة على من بغى عليهم، وأنه يجير على المسلمين أدناهم، وأن المسلمين بعضهم موالي بعض من دون الناس، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولقريش وحلفائها حق الصلح إذا طلبوه، وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وأن من تبع المؤمنين من يهود فلهم النصرة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وينفق اليهود مع المؤمنين ما دموا محاربين، ولليهود دينهم وللمسلمين دينهم.. مواليهم وأنفسهم، وأنه لا يخرج أحد من يهود إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.

    ثم هناك قواعد عامة فيها بيان لحرم المدينة: يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة، والجار كالنفس، وما كان من شجار بين أهل الصحيفة فإن مرده إلى الله وإلى محمد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أهل هذه الصحيفة بينهم النصرة على من دهم يثرب، إلى غير ذلك من النصوص التي أوردها أهل العلم.

    نقف عند هذا الحد وأسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    1.   

    الأسئلة

    إعطاء زكاة الفطر لمسكين واحد

    السؤال: هل يجوز إعطاء زكاة الفطر لمسكين واحد؟

    الجواب: نعم يجوز، بل لعل هذا أفضل؛ لأن زكاة الفطر أربعة جنيهات عن الشخص الواحد، فلو أننا جمعنا مبلغاً جيداً مثلاً، أربعين جنيهاً من عشرة أشخاص أو مائة جنيه من خمسة وعشرين شخصاً، ثم دفعناها لمسكين واحد فإنه يستطيع أن يشتري ثياباً ويبتاع طعاماً وما إلى ذلك مما تتعلق به ضرورته وحاجته.

    معارضة الأم سفر ابنها لطلب الرزق

    السؤال: تخرجت من الجامعة، وأريد الذهاب إلى السعودية طلباً للرزق، لكن أمي حلفت ألا أذهب إلا بعد عيد الأضحى، فما حكم السفر؟

    الجواب: والله يا أخي! أنا لك ناصح أمين الزم رجليها فثم الجنة، إذا علمت أن الوالدة حريصة على بقائك راغبة في وصلك وأنها لا تطيق فراقك فمن البر أن تبقى معها، وأن تجاهد نفسك في برها، وأن تتقي الله في وصلها، والرزق يا أخي الكريم ليس محصوراً في السعودية، الرزق في كل مكان، قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، وكم من إنسان مكث في هذه البلاد ففتح الله عليه من خزائن رحمته، وكم من إنسان ذهب إلى السعودية أو غيرها ومكث سنين عدداً ثم عاد بخفي حنين، عاد صفر اليدين لا مال ولا ولد، وبعضم مكث عشر سنوات، وبعضهم مكث خمس عشرة سنة ثم يستجدي من إخوانه ثمن تذكرة بالطائرة أو بالسفينة من أجل أن يرجع، فكأنه ما ذهب.

    فيا أخي الكريم! الرزق له أسباب، ومن هذه الأسباب:

    الأول: الإكثار من الاستغفار: قال تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ [نوح:10-12]، كلنا نريد المال، من كان يريد المال فليكثر من الاستغفار.

    الثاني من أسباب الرزق: تقوى الله، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، (من حيث لا يحتسب) ما قال من السعودية، (من حيث لا يحتسب) يمكن يكون رزقك في كسلا في دار فور، في قنقلا، في أي مكان الله أعلم، قد يكون رزقك في زراعة، قد يكون رزقك في تجارة، في وظيفة، في تنقيب عن ذهب، في غير ذلك من الأسباب.

    الثالث من أسباب الرزق: صلة الرحم، وذلك بالزيارة لعماتك وخالاتك، وإدخال السرور على أهل بيتك وتصل بني أعمامك وأخوالك، وتحسن إليهم ما استطعت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه )، إذاً: صلة الرحم سبب لسعة الرزق.

    السبب الرابع: الإنفاق، قال صلى الله عليه وسلم: ( يا ابن آدم! أنفق ينفق عليك )، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم لـأسماء: ( لا توكي فيوكي الله عليك )، (لا توكي) يعني: لا تقبضي يديك عن الإنفاق خشية الفقر، فيقبض عليك.

    والسبب الخامس من أسباب الرزق: الأخذ بالأسباب، قال تعالى: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:15].

    إذاً: عندنا الأسباب الجالبة للرزق أولها: الإكثار من الاستغفار، وقلنا: الإكثار من الاستغفار لأجل ما يأتي شخص فيقول: أستغفر الله، ثم الإكثار يعني: ما هناك واحد يقول لي: ينتظر، فإذا ما جاء الرزق قال: الاستغفار ما هو نافع.

    ثانياً: تقوى الله، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2]، يعني: إنسان مثلاً: يسرق، أو يرتشي، أو يأكل الربا فهذا رزقه سيضيق، وإن كان ظاهره السعة، ولو جمع أموالاً. فكم من إنسان جمع أموالاً كثيرة من وجوه محرمة ومشبوهة ثم ابتلاه الله بمرض اضطر أن ينفق كل ما عنده بل يسأل الناس من أجل أن يعالج ولا علاج، فالإنسان لا ينظر إلى الخزنة وإلى الكثرة، بل ينظر إلى بركة المال، فتقوى الله سبب لسعة الرزق.

    السبب الثالث: صلة الرحم.

    السبب الرابع: الإنفاق قال تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]، ( اللهم أعط منفقاً خلفاً ).

    السبب الخامس: الأخذ بالأسباب، وأسأل الله أن يوسع أرزاقنا.

    الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول

    السؤال: صليت مرة خلف شخص قاصر لصلاة الظهر في السفر، وبعد التشهد من الركعة الثانية سهوت وأتيت بالصلاة الإبراهيمية، فهل علي شيء؟

    الجواب: ما عليك شيء أبداً، صلاتك صحيحة.

    تصرف المأمومين إذا استخلف الإمام مسبوقاً لإمامة الناس

    السؤال: لو أن إماماً استخلف مسبوقاً فأكمل بالقوم صلاتهم، فأشار إليهم أن مكانكم فقام لإكمال صلاته، ماذا يصنع من كان مسبوقاً؟

    الجواب: على كل حال: الإنسان المسبوق الذي فاتته مثلاً: ركعة، لو أن الإمام استخلفه فإنه إذا سلم الإمام يكون أغلب من وراءه قد تمت صلاتهم، فإذا صلى هو ثلاثاً يكون الناس قد أكملوا أربعاً، وبعد ذلك الناس مخيرون إما أن يجلسوا فينتظرونه، وفي هذه الحالة يسمى محبوس الإمام، يعني هذا الشخص محبوس لحق الإمام، ويجوز له أن يسلم وينصرف فقد تمت صلاته، أما الشخص الذي كان مسبوقاً مثله فإنه يتابعه من أجل أن يكمل صلاته.

    ما يلزم السائق إذا أصابه حادث ومات بعض الركاب

    السؤال: إذا توفي شخص في حادث سيارة، هل يعتبر السائق قاتلاً؟

    الجواب: نعم. السائق قاتل خطأً، ومن ناحية الإثم لا إثم عليه؛ لأن الله قال: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب:5]، لكن من ناحية الحكم يلزمه أمران:

    الأمر الأول: الدية، إلا إذا تصدقوا عليه كما يحصل من كثير من الطيبين يموت له الميت في حادث سيارة ويأتي السائق معزياً ويقول له: عفونا عنك لوجه الله، ما نريد شيئاً.

    ثم هناك الأمر الثاني وهو حق الله بعتق رقبة، بتحرير رقبة والآن الرقاب لا يوجد، قال الله عز وجل: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء:92]، ولذلك لو كنت تقود سيارة فمات أربعة فعليك ثمانية شهور، وإذا كانت حافلة بعدد من مات فيها، وإذا كان باص سفري بعدد من مات فيه، وهكذا الطيارة.

    سبب نزول قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ...)

    السؤال: سبب نزول الآية: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:10]؟

    الجواب: الله عز وجل يذكر أن بعض الناس من ضعاف الإيمان يظن بأن الدين كحلوى يلوكها، أو لبن يستسيغه والأمر سهل، لكن الله عز وجل بين أن الإيمان تصحبه فتنة، تصحبه مشاكل، قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، ولذلك سادات المؤمنين وهم الأنبياء فتنوا صلوات الله وسلامه عليهم فأوذوا باللسان وأوذوا بالسخرية وأوذوا بالضرب، بل بعضهم جرح وبعضهم قتل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أتباع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أوذوا بالحبس وأوذوا بالضرب وبالتعذيب وبالسخرية وباستلاب الأموال وبالإخراج من الديار وبعضهم قتل، فبعض الناس إيمانه ضعيف إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، هذا الأذى الذي يتعرض له من الناس جعله كعذاب الله فحمله على ترك الدين وأن ينفر من الإيمان وأن يتخلص من تبعاته. لم؟ لأنه دخل في الدين من أجل المنفعة كما قال ربنا: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11]، مثل المنافقين الذين كانوا يدخلون في الإسلام فإذا أمطرت السماء وأنبتت الأرض ونما الزرع ودر الضرع يقولون: دين محمد دين طيب، وفي العام الذي يليه أمسكت السماء، وأجدبت الأرض، ومات الزرع، وجف الضرع فقالوا: ما رأينا أشأم من دين محمد. يعني: الدين وخلوا فيه من أجل المنفعة الدنيوية، هذا حال المنافقين في القديم والحديث.

    وضع المصحف على الأرض

    السؤال: ما حكم وضع المصحف على الأرض؟

    الجواب: لا يجوز وضع المصحف على الأرض ولو كانت أرض المسجد، وبعض الناس يقول لك: ما هو الدليل ؟ نقول له: الدليل: الأدب، والأدب لا يحتاج إلى دليل، يجب علينا أن نتأدب مع كتاب ربنا، وأن نتأدب مع سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا الدليل العام، والدليل الخاص قول ربنا جل جلاله: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    ولذلك من تعظيمنا للمصحف: بأننا ما نتناوله بالشمال؛ لأن الشمال للمستقذرات.

    ومن تعظيمنا للمصحف: ألا نمسه إلا على طهارة.

    ومن تعظيمنا للمصحف: أننا لا نقلب صفحاته بريقنا، بعض الناس يقرأ وإذا أراد أن يقلب الصفحة وضع طرف أصبعه على لسانه ثم قلب الصفحة، فيصيب الريق صفحات المصحف، فهذا نقول له: اتق الله هذا ما يصلح، ربما يقول: هل الريق نجس؟ نقول له: ليس بنجس، وإذا فعل هذا في وجهك، هل سترضى؟ هل يرضى هذا أحد، أو يفعل هذا في ثيابه؟ معلوم أنه لن يرضى أحد. إذاً: الشيء الذي لا نرضاه لأنفسنا، فلم نرضاه لكتاب ربنا جل جلاله؟

    ومن تعظيمنا للمصحف: أنه يعلو ولا يعلى، فلا تضع على المصحف شيئاً، يعني لا تضع فوق المصحف كتاباً أو الموبايل أو النظارة أو ما أشبه ذلك.

    ومن تعظيمنا للمصحف: أن نرفعه دائماً، دائماً نرفعه ما نضعه.. ما نسفله بل نعليه ونجله.

    ومن تعظيمنا للمصحف وليس هذا بواجب: يمكن تقبيل المصحف أو وضعه على عينه كما كان يصنع عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، هذا الرجل المبارك بعدما أسلم كان يقرأ في المصحف وكان يضعه على عينيه ويقول: (كلام ربي كلام ربي)، هذا كله من تعظيم شعائر الله عز وجل.

    ومثلما نعظم المسجد فلا يدخله أحدنا جنباً، ولا تدخله امرأة حائضاً، وكذلك نعظم المسجد فنصونه عن كل ما يستقبح من رائحة أو فعل، ونعظم المسجد فإذا دخلناه لا نجلس إلا بعد أن نصلي ركعتين في غير وقت النهي، ونحو ذلك.

    صيام الست من ثاني يوم العيد

    السؤال: هل يمكن أن نبدأ صيام الست من شوال من ثاني أيام العيد؟

    الجواب: هذا أفضل، من أجل أن يحصل الإتباع، ( من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال )، هذا هو الإتباع، يعني: الإنسان يفطر يوم العيد؛ لأن الصيام فيه حرام، ثم يستأنف الصيام ويسرده سرداً لا يفطر إلا في الثامن من شوال.

    لكن بعض الناس يقول: أنا والله ما أزور أرحامي إلا في العيد، فلو أني ذهبت إليهم صائماً وهم يقدمون لي الحلوى والتمر والمشروب وقلت لهم: أنا صائم ربما ضاقت صدورهم، وربما اشمأزت نفوسهم فيقولون: أنت لا تأتينا إلا مرة في العام، فإذا جئتنا كنت صائماً، نقول: ليس هناك مشكلة إن شاء الله، إذا وجدت بأن الأنسب أن تكون مفطراً في تلك الأيام التي يتزاور فيها الناس فلا حرج، وبعد ذلك صم الستة، إما من أول شوال أو من آخره أو من وسطه مجموعة أو متفرقة، من صام ستاً من شوال فقد دخل في الفضل.

    علاج الرياء

    السؤال: أسألكم عن علاج الرياء؟

    الجواب: علاج الرياء يكون أولاً: بالدعاء، قل دائماً: (اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه).

    ثانياً: أن تحرص على إخفاء العمل، لا تتكلم بعملك الصالح، فلا تقول: والله ما شاء الله في رمضان هذا ختمت القرآن مرتين، والثاني يقول: أنا ختمته ثلاث مرات، بل هذا كله المفروض يكون سراً بيننا وبين ربنا جل جلاله.

    أما العمل الذي لابد من إظهاره مثل الصلاة والحج فهذا لابد أن يكون أمام الناس، وكذلك العمرة لابد أن تكون أمام الناس، فهذه لا تدخل فيها إلا بإخلاص.

    ثالثاً: من علاج الرياء: أن تعلم أن الخلق لا يملكون لك نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، الناس ما يملكون لك شيئاً، ويوم القيامة المرائي سيقال له: ( اذهب إلى من كنت ترائي في الدنيا فاطلب منه الأجر )، فلذلك العاقل يعمل العمل يريد به وجه الله.

    ثم إن الرياء لا يسلم منه أحد، الرياء لا يكاد يسلم منه أحد، فالمطلوب دائماً الإنسان يكثر من الاستغفار ويراقب ربه جل جلاله، وفي الوقت نفسه يحرص على أن يخفي عمله الصالح كما قال لقمان لابنه: يا بني! ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بإخلاص، وما كلفت إخفاءه من العمل فأحب أن لا يطلع عليه إلا الله جل جلاله.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اجعلنا من عتقائك في هذا الشهر المبارك من النار، اللهم اجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً، واجعلنا ممن قام رمضان إيماناً واحتساباً، اللهم اجعل شهر رمضان شاهداً لنا لا شاهداً علينا، اللهم اختم لنا شهر رمضان بالمغفرة والرضوان والعتق من النيران، اللهم أعد علينا رمضان أزمنة عديدة وأعواماً مديدة في حياة سعيدة، وأعنا على صيامه وقيامه، واجعلنا من عبادك المقبولين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك نفوساً بك مطمئنة ترضى بقضائك وتقنع بعطائك وتؤمن بلقائك، اللهم إنا نسألك قلوباً أواهة مخبتة منيبة في سبيلك، اللهم إنا نسألك قلوباً سليمة لا فاجرة ولا مرتابة، ونسألك ألسنة صادقة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، نسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء والفوز يوم القضاء، نسألك عيشة هنيئة وميتة سوية، ومرداً غير مخز ولا فاضح يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين، غفرانك ربنا وإليك المصير.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك ولمن عبد الله فيه ولجيرانه من المسلمين والمسلمات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

    والحمد لله رب العالمين.