إسلام ويب

هجرة المسلمين إلى المدينةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ازدادت أذية قريش للمسلمين في مكة، فتاقت نفوس المؤمنين إلى الهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية؛ فبدأ المسلمون بالهجرة زرافات ووحداناً، لكنهم عانوا في سبيل ذلك الكثير من الأذية والملاحقة وأخذ الأموال، وبعضهم عجز عن الهجرة لأن المشركين تمكنوا من الإمساك به وحبسه.

    1.   

    من أسباب الهجرة إلى المدينة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    تقدم أن الأنصار عليهم من الله الرضوان بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وقد طمأنوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم أهل الحلقة، وأبناء الحروب وقد رثوها كابراً عن كابر، وأنهم يبايعونه على حرب الأحمر والأسود، وعلى قطع الحبال مع كل عدو له، وأنهم لا يبالون في ذلك بما يصيبهم في أنفسهم أو في أموالهم.

    وقد طمأنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون معهم إن أظهره الله ولن يرجع إلى قومه، قال لهم: ( بل الدم الدم، والهدم الهدم، المحيا محياكم، والممات مماتكم )، ولما سألوه: ( يا رسول الله! فما لنا إن وفينا؟ قال: الجنة. فقالوا: امدد يدك نبايعك، لا نقيل ولا نستقيل ).

    ولما عقدت تلك الاتفاقية وتمت هذه البيعة العظيمة أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة.

    حصول الاضطهاد والتعذيب في مكة

    هذه الهجرة أسبابها معلومة، فإن المسلمين كانوا مضطهدين، كانوا يجوعون، ويعذبون، ويطاردون، ويحبسون، ويضربون، ويفتنون في دينهم، وكذلك الاعتداء كان حاصلاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة باللسان وتارة بالأذى المباشر، بل إن بعض الصحابة مات تحت التعذيب كما حصل لـسمية بنت خياط وزوجها ياسر أبي عمار رضوان الله عليهم، وبعض المسلمين فقد بصره كما حصل لـزنيرة الجارية الرومية التي ضربوها على رأسها حتى ذهب بصرها.

    ولذلك أقول: الاضطهاد والتعذيب والفتنة في الدين، هذه كلها أسباب أدت إلى الهجرة.

    البحث عن أرض جديدة لاحتضان دعوة الإسلام

    كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يجد للدعوة أرضاً خصبة تنطلق منها، فمن اليوم الأول والإسلام رسالة عالمية ليس كما يروج المستشرقون بأن النبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته أو دعوته خاصة، ثم أغراه النجاح بأن يتوسع ويتمدد، هذا الكلام هراء؛ لأن الله عز وجل لما أنزل عليه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، هذه الآية في سورة الأنبياء وهي مكية، ولما أنزل عليه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ:28]، هذه الآية في سورة سبأ، وهي مكية.

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( بعثت لكل أحمر وأسود )، وهذا معلوم لديه من اليوم الأول؛ ولذلك لما توفي عليه الصلاة والسلام أين كان الإسلام؟ الإسلام ما كان إلا في الحجاز ونجد وتهامة واليمن والبحرين، وبعض الملوك أرسل إليه هدايا كما فعل ملك عمان، وكما فعل ملك مصر والإسكندرية، وكما فعل هرقل عظيم الروم فقد بعث للنبي صلى الله عليه وسلم بجاريتين مارية بنت شمعون وأختها نسرين ، وبعث إليه ببغلة وبعض الثياب، هذا الذي كان في عهده.

    لكنه عليه الصلاة والسلام بعدما توفاه الله من الذي قام بالفتوحات؟

    الصحابة بقيادة الخلفاء رضوان الله عليهم، فليس كما يقول هؤلاء: بأن الإسلام كان ديناً للجزيرة العربية أو للحجاز، ثم بعد ذلك توسع وتمدد، لا. النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( أوتيت خمساً لم يؤتهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت الشفاعة، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة ).

    ولذلك لما أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ثم لما خرج إلى الطائف عليه الصلاة والسلام هذا كله من أجل أن يبحث عن أرض تنطلق منها الدعوة وينتشر منها النور، ولذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة، كما في صحيح البخاري من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين بمكة: ( أُريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين )، أي: حرتين، فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة.

    1.   

    نماذج لهجرة بعض الصحابة إلى المدينة

    كانت الهجرة محفوفة بالمخاطر؛ لأن المشركين لما استيقنوا أن بيعة قد تمت واتفاقاً قد حصل، قدروا وتقديرهم صواب بأنهم لو سمحوا بخروج المسلمين إلى المدينة، فمعنى ذلك أنهم سيتحالفون مع أهل المدينة ويكونون قوة، ثم بعد ذلك يفكرون في أن يغزوا مكة، وهذا هو التفكير السليم والطبيعي، ولذلك حاولوا بشتى الطرق أن يمنعوا المسلمين من الهجرة.

    هجرة أبي سلمة وزوجه

    مثلاً: خرج أبو سلمة رضي الله عنه ومعه زوجه أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة ، ومعها ولدها سلمة رضيع فلحق به أهلها، وقالوا له: أما نفسك فغلبتنا عليها، ولكن لا ندعك تصحب ابنتنا. فاسترجعوا هنداً ومعها ولدها، فخرج أبو سلمة رضي الله عنه لا يلوي على شيء، مثلما فعل الخليل إبراهيم عليه السلام لما جاء بولده إسماعيل رضيعاً وأم وليده هاجر ووضعهما عند الحرم، وليس هناك ناس يسكنون، ولا زرع منه يأكلون، فالمرأة تعجبت وقالت: ( يا إبراهيم ! لمن تتركنا؟ ما رد عليها ومضى. فقالت: آلله أمرك بهذا؟ فقال لها: نعم. قالت: إذاً لن يضيعنا )، ومضى ودعا ربه بتلك الضراعة التي سجلها القرآن: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37]، وكان من أمر الله ما كان حين أنبع لهم ماء زمزم.

    أما أبو سلمة رضي الله عنه فقد غضب أهله وجاءوا وقالوا لأهل أم سلمة : أخذتم ابنتكم فلا سبيل لكم إلى ولدنا. سلمة هذا ولدنا. فبدءوا يتجاذبونه حتى خلعت يده، وأخذه أهل أبي سلمة ، فبقيت المرأة مسكينة؛ فقدت زوجها وفقدت ولدها، وكانت كل يوم تخرج إلى الأبطح -جبل بظاهر مكة- تجلس هناك تبكي حتى تغرب الشمس، ثم ترجع، وظلت سنة كاملة وهي على هذه الحال، حتى رق لها رجل من قومها، فرجع إلى القوم فقال لهم: أما آن لكم أن ترحموا هذه المسكينة؟ فقالوا لها: إن شئت أن تلحقي بزوجك فافعلي؛ فلما سمع أهل زوجها أعادوا إليها الولد، فخرجت رضي الله عنها ما معها إلا الله تريد المدينة.

    فلما بلغت التنعيم، رآها رجل من المشركين يقال له: عثمان بن طلحة ، قال لها: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: أريد يثرب، يعني: المدينة، لألحق بزوجي. قال: من معك؟ قالت: ما معي إلا الله. قال: والله ما لك مترك. فأقبل يقودها تقول أم سلمة : والله ما صحبت رجلاً لا يصلي الخمس خيراً منه، كان يقود بعيري، فإذا أردنا أن ننزل منزلاً أناخ البعير وحول وجهه، حتى إذا نزلت أخذ البعير فعلقه وربطه، ثم ذهب إلى ظل شجرة فاضطجع، فإذا أراد الرحيل آذنني من هناك، يعني: من مكانه يناديها بأن تمشي وتركب، حتى إذا ركبت جاء فأقام البعير وأقبل يقوده، حتى إذا رأى بيوت قباء ضرب وجه البعير وقال: هذه القرية التي فيها زوجك.

    انظروا إلى هذه الشهامة والرجل مشرك، لكن العرب كانوا يفتخرون بمثل هذه الأخلاق، ومنه قول القائل:

    وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها

    هذا عنترة رجل جاهلي يقول: والله لو جاءت الجارة ماشية فأنا أغض طرفي، وليس كما يصنع الآن من ينتسبون إلى الإسلام، إذا رأى جارته خرجت يبدأ يتابعها. وبعض الناس أخلاقهم ليست أخلاق المسلمين.

    هذا الرجل المشرك قام بهذه الطريقة وما تركه الله، بل كافأه فأسلم رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الرجل كان عنده مفتاح الكعبة، وفي يوم من الأيام لما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة مستضعفاً اشتهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في جوف الكعبة، فطلب منه المفتاح فنهره وزجره، وأغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم القول، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لعلك تراه بيدي يوماً )، أي: في يوم من الأيام سيكون هذا المفتاح عندي، فقال له: لقد ذلت قريش وهانت، فقال له صلى الله عليه وسلم : ( بل عزت يومئذٍ وسادت ).

    وفعلاً لما فتح الله له مكة قال له: (أعطني المفتاح ). لكن هل يقدر أن يقول له: لا؟ لا، بل أعطاه المفتاح وفتح الكعبة ودخل، واختار للدخول معه رجلين من هما؟ اختار صلى الله عليه وسلم أسامة ، وقد كان غلاماً حدثاً وآدم شديد الأدمة، يعني: أسود. أفطس الأنف، واختار معه بلالاً ، وهذه رسالة للمشركين: أن دين الإسلام لا يفرق بين أبيض وأسود وأحمر وأخضر وأزرق، الكل سواء، ثم بعد ذلك لما جاء وقت الصلاة أمر بلالاً أن يؤذن فصعد على ظهر الكعبة، وهنا أصابت المشركين كآبة حتى قال بعضهم: (أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود)، وقال بعضهم وهو عتاب بن أسيد: (لقد رحم الله أسيداً -أبوه- إذ لم يشهد هذا اليوم)، يعني: هذه مصيبة من المصائب، أن بلالاً يصعد فوق الكعبة ونحن قاعدين، لكن هكذا أراد الله، جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81]، هذا الدين ما فيه أحمر وأسود، ( ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى )، ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بمدة يسيرة سيَّر جيشاً إلى الشام، وفي الجيش أبو بكر و عمر ، وقائد الجيش أسامة رضي الله عنه؛ ولذلك عمر كان إذا لقي أسامة يقول له: (السلام عليك أيها الأمير، فكان أسامة يقول له: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، فكان يقول له: بلى والله. ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وأنت أمير علي).

    هجرة صهيب الرومي

    ومن الصحابة الذين عانوا في الهجرة صهيب رضي الله عنه، فقد خرج مهاجراً متسللاً، فلحق به نفر من المشركين فأمسكوا به، وأرادوا أن يعيدوه إلى مكة، فنزلوا في الطريق يستريحون، فأظهر لهم بأنه يعاني من مغص في بطنه، واستأذن منهم للخلاء، يريد أن يقضي حاجته، فأذنوا له وهم يراقبونه، ثم رجع بعد حين واستأذن، وبعد حين استأذن، فقال بعضهم لبعض: قد شغله الله ببطنه فلننم، يعني: هذا رجل مريض فلننم مطمئنين. فلما ناموا أخذ دابة أحدهم وانطلق، فاستيقظوا فبدءوا يطاردونه فالتفت إليهم فقال: (تعلمون معشر قريش أني أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي، وإن شئتم دللتكم على مالي أواق من ذهب فأخذتموها. قالوا: أين هي؟ قال: تحت أسكفة الباب) الأسكوفة هي العتبة، فرضي القوم ورجعوا وحفروا فوجدوا الذهب وأخذوه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما رآه في المدينة: ( ربح البيع أبا يحيى )، وأنزل الله عز وجل قوله: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207]. (من يشري) يعني: يبيع.

    هجرة عمر بن الخطاب مع عياش بن أبي ربيعة

    أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو الوحيد الذي هاجر علانية، حيث جاء رضي الله عنه فطاف حول الكعبة والمشركون جلوس، وبعدما انتهى وقف عليهم مشاتماً، قال لهم: (شاهت الوجوه -بمعنى: قبحت- لا يرغم الله إلا هذه المعاطس) المعاطس: الأنوف. ثم قال لهم: (إني مهاجر، فمن أراد أن تثكله أمه أو ييتم ولده أو ترمل زوجه فليتبعني) فما تحرك منهم أحد.

    وكان رضي الله عنه قد وعد عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وهشام بن العاص بن وائل السهمي عند أضاة بني غفار، يعني: مكان معين في مكة، قال لهم: نجتمع هناك ونتوكل على الحي الذي لا يموت. فجاء عمر رضي الله عنه ومعه عياش ، أما هشام بن العاص فقد لحقوه وقيدوه وحبس، فهاجر عمر وعياش ، ولكن عياشاً رضي الله عنه بعدما مكث في المدينة حيناً جاءه أخوه ومعه أبو جهل فقالوا له: (إن أمك نذرت ألا تمس ماءً وألا تمتشط وألا تستظل حتى ترجع إليها فتنظر إليك)، فقال له عمر رضي الله عنه: (يا عياش ! ويحك لا يفتنك أعداء الله، لا تصدقن كلامهم، فإن أمك لو آذاها حر مكة استظلت، ولو آذها القمل لاغتسلت وامتشطت)، لكن عياشاً رضي الله عنه قال له: (إن عندي مالاً في مكة آخذه وأرجع)، قال له عمر : ( يا أخي! هذا مالي أشاطرك إياه) فقال: ( بل أبر قسم أمي ثم أرجع)، فقال له عمر رضي الله عنه: ( هذا بعيري نجيب ذلول، فإن رابك من القوم ريب فانج عليه)، فذهب عياش مع أخيه ومع أبي جهل ، فلما كان ببعض الطريق قال له أبو جهل : يا ابن أخي! لو ركبت بعيري وركبت بعيرك لنطرد الملل، فلما نزلوا من دوابهم عمد المشركان إلى عياش فغلباه وأوثقاه، فلما اقتربوا من مكة دخلوا به وقد ربطوه بذنب البعير يجرونه بالأرض، وأبو جهل شامخ بأنفه يقول: (هكذا يا أهل مكة اصنعوا بسفهائكم).

    فبقي رضي الله عنه محبوساً، وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً يقنت في الصلوات الخمس: ( اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم أنج سلمة بن هشام ، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سبعاً كسبع يوسف ) ، شهر كامل والرسول صلى الله عليه وسلم يقنت حتى نجاهم الله عز وجل عن طريق مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عن الجميع.

    منع النبي لأبي بكر من الهجرة وحده

    أبو بكر الصديق جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن يريد أن يهاجر، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: ( اصبر لعل الله يجعل لك صاحباً )، كلما جاء يستأذن يقول له: ( اصبر لعل الله يجعل لك صاحباً ).

    1.   

    الأسئلة

    الاحتلام للصائم

    السؤال: هل الاحتلام يفسد الصيام؟

    الجواب: لا.

    حج من عليه دين

    السؤال: يقول: أنا إن شاء الله تعالى ذاهب إلى الحج، وعندي ديون وعندي النية لسدادها، هل يصح حجي؟

    الجواب: نعم.

    التوفيق بين حديث (يسرق البيضة فتقطع يده) وحديث: (لا قطع فيما دون ربع دينار ...)

    السؤال: جاء في الحديث: ( السارق ملعون يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده )، كيف نوفق بين هذا الحديث واشتراط بلوغ النصاب في حد السرقة؟

    الجواب: السارق لا يقطع إذا سرق الشيء الحقير، الشيء التافه، لا بد أن يكون المسروق بالغاً نصاباً، والنصاب عند جماهير العلماء: ربع دينار ذهب، أي: ما يزن جراماً من الذهب، والجرام الذهب بمائتي جنيه، معناها أن الذي يسرق ما دون المائتين لا يقطع، والحديث يقول: ( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده )، هل البيضة بمائتي جنية لا. بل الطبق كله ليس بمائتي جنيه، بل الدجاجة نفسها، ( ويسرق الحبل )، الحبل أيضاً الإنسان ممكن يشتريه بجنيه.

    أولاً: الظاهرية أخذوا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: كل سرقة فيها القطع، رجل يسرق أي شيء إن شاء الله يسرق حبة فإنه يقطع.

    ولكن جمهور العلماء قالوا: هذا الحديث أولاً: إما أن يكون خرج مخرج الوعيد كما في قول الله عز وجل: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23]، يعني: لا تقول لوالديك: (أف)، طيب ما هناك واحد مثلاً يقوم يلكز أباه، أو يدفع أمه ويقول: أنا ما عملت حرام بس ربنا قال: أف، لا. الله عز وجل ينبه بالأدنى على الأعلى.

    والتأويل الثاني قالوا: المقصود بالبيضة ليس بيضة الدجاجة، وإنما بيضة المحارب الخوذة وهي غالية، وليس المقصود بالحبل مطلق الحبل، بل المقصود حبل السفينة الذي تربط به السفينة، وهو أيضاً يكون حبلاً غليظاً وطوله ممتد.

    دلالة الانتقال من المضارع إلى الماضي في قوله: (إن الذين يتلون كتاب الله ...)

    السؤال: أحد الإخوان سأل عن قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]، قال: لماذا قال: (يتلون) ثم قال: (وأقاموا الصلاة وأنفقوا)؟

    الجواب: قال المفسرون: لأن الصلاة والزكاة كانت قد شرعت أحكامها وفصلت أبوابها واستقرت، أما القرآن إلى ذلك الحين ما يزال ينزل؛ ولذلك عبر بالنسبة للقرآن بالفعل المضارع الذي يدل على الاستمرار، وعبر عن الصلاة المستقرة أحكامها وعن الزكاة بالماضي.

    علاج قسوة القلب

    السؤال: ما هو علاج قسوة القلب؟

    الجواب: هذا موضوع كبير، لكن باختصار: قسوة القلب علاجها أولاً: بالمسح على رأس اليتيم، اليتيم الذي فقد أباه وهو طفل صغير، ومن علاج قسوة القلب عيادة المرضى، إذا شعرت بأنك متكبر وشايف ما على الأرض سواك، تذهب إلى المستشفى ستجد من يبول على نفسه، وتجد من سال دمه، ومن فقأت عينه، ومن ربطت رجله، ومن يتأوه كالطفل وهو شيخ وقور، ومن حبس بوله في جسده تلقاه يأخذ كيس البول ويترنح ذات اليمين وذات الشمال، هاهنا تعلم عظيم نعمة الله عليك.

    أيضاً من علاج قسوة القلب: زيارة المقابر، تمشي المقابر وتشوف هذا قبر فلان وهذا قبر فلان ممن كانوا يمشون وللأرض منهم وئيد، وممن كانوا يملئون الدنيا ضجيجاً وعجيجاً، تجدهم الآن مثلهم مثل أي واحد كان أشعث أغبر مدفوعاً بالأبواب لا يؤبه له.

    وأيضاً من علاج قسوة القلب: تلاوة القرآن بالتدبر.

    ومن علاج قسوة القلب أيضاً حضور مجالس الذكر وحلق العلم التي لا يسمع الإنسان فيها إلا خيراً ولا يرى فيها إلا خيراً.

    الصلاة بين عمودين مع الجماعة

    السؤال: هل تصح الصلاة بين سواري المسجد بالنسبة لصلاة الجماعة؟

    الجواب: أما الصحة فبالإجماع صحيحة، لا يوجد عالم قال: باطلة، لكن إذا كان في المسجد سعة فهي مكروهة، مثلاً الآن المسجد في صلاة الظهر لا يكون مليان، ولا نصفه، فما هناك داعي أن الناس يصلون بين السواري؛ لأن أنساً رضي الله عنه قال: ( كنا نطرد عنها )، وفي لفظ: ( كنا ننهى عنها )، أما إذا كان المسجد ممتلئ كما هو الحال في يوم الجمعة وفي يوم العيد ونحو ذلك فلا مانع من الصلاة بين السواري.

    دوام السموات بعد طيها يوم القيامة

    السؤال: قال تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108]، السؤال: كيف ستدوم السموات بعد طيها يوم القيامة؟

    الجواب: بعلم ربنا جل جلاله. هذه أمور غيبية! لا مدخل للعقل بها، أنا ظننت أن الأخ سيسأل عن الاستثناء: (إلا ما شاء ربك)، لكنه سأل عن دوام السماوات والأرض، يقول: كيف تدوم بعد طيها؟ أقول: الله أعلم، هذا عالم غيب لا مدخل للعقل فيه.

    الحكم على حديث: (لو تعلمون ما في الصف الأول لتقاتلتم عليه بالسيوف)

    السؤال: ( لو تعلمون ما في الصف الأول لتقاتلتم عليه بالسيوف )، هل هذا حديث؟

    الجواب: لا. ليس بالشكل هذا، سيوف بالجامع؟ الحديث هو: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا )، (يستهموا): يقترعوا، من يصلي في الصف الأول؟ لكن بعض الناس محتال، واحتياله يتمثل في أنه يأتي آخر شيء قبل الإقامة والناس قد جلسوا من وقت طويل، فيأتي ويغز نفسه غزاً ويحشرها حشراً حتى تجد الناس متضايقين، وبعضهم مال ذات اليمين وبعضهم مال ذات الشمال، وطوال الصلاة وهم ناقمون عليه، بل رأيت والله في بعض المساجد لما فعل أحدهم تلك الفعلة واحد من الناس القاعدين من ساعة أو ساعتين ترك له المكان ومشى، رجع صلى في الخلف، لكن المسألة ليست كذلك، التسجيل عند الله، مش حكاية إنه الصف الأول صف أول، لا. الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا مثلاً: يوم الجمعة: ( بأن الملائكة يكونون على الأبواب يسجلون الأول فالأول، فإذا صعد الإمام المنبر طووا صحفهم وجلسوا يستمعون )، ولذلك بعض الناس في إحدى الجمع جاء والله يشق المسجد من آخره إلى أن جلس في الصف الأول: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة:9].

    ثانياً: الحجز لا ينفع، معناه إنسان يضع كرسياً أو يضع كتاباً أو يضع مصلاية ويمشي البيت يشرب شاي ويشوف المسلسل ثم يأتي ومكانه محفوظ، لا ينفع. لكن ممكن الإنسان يحجز لو أنه خرج لحاجة، مثلاً وهو جالس جاء يوم الجمعة من الساعة العاشرة وجلس، لكن لما صارت الساعة الثانية عشرة والنصف وقد اقترب صعود الإمام للمنبر شعر بأنه محصور، محتاج للحمام. لا مانع يذهب إلى الحمام ويتوضأ ثم يرجع إلى مكانه، هناك فرق بين الحالتين.

    ثالثاً: الصفوف الأولى مشتركة في الفضل، وبعضها أفضل من بعض، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الله وملائكته يصلون على أهل الصفوف الأولى )، الصف الأول والثاني والثالث الله وملائكته يصلون على أهلها.

    عدم استجابة الأهل لإيقاظ الزوج لهم لصلاة الفجر

    السؤال: ماذا يفعل الرجل إذا أيقظ أهله لصلاة الفجر فلم يقوموا؟

    الجواب: ينضح في وجوههم الماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( رحم الله امرأ قام من الليل فصلى وأيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء )، والنضح يا إخواننا رش خفيف، ما تقوم تصب الماء كله، لا. وإنما رش بسيط من أجل أن تقوم، وكان شيخنا الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه ورضوان الله عليه، يقول: (كان الوالد يوقظني لصلاة الفجر وكنت أتعبه، قال: وفي يوم من أيام الشتاء البارد جاء بالإبريق وصب الماء في أذني، قال: ومن ذلك اليوم إذا قال: يا ولد قال: أنتفض من الفراش وأقوم مباشرة)، طبعاً هو الآن أستاذ كبير في التفسير وعالم من علماء المسلمين ويدعو لوالده بالرحمة؛ لأنه قسا عليه في تلك المرة من أجل أن يستقيم بقية عمره، وإلا لو قال: والله مسكين نام متأخراً خلوه يصلي بعدين، سهل لما يصحو الساعة التسعة أو العاشرة، ما قبلها الله منه، والوالد هو الذي يحمل الذنب؛ لأن الله قال: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً [التحريم:6].

    كذلك الزوجة إذا كان نومها ثقيلاً ما تخليها، وأحياناً الزوج هو الذي يكون نومه ثقيلاً، المرأة تصحو ما شاء الله تتنفل وتصلي وكل مرة تصحو، فأول ما قامت أيقظته فتقلب ثم نام، بعدما صلت الرغيبة أيقظته فقام وجلس لما بدأت الفريضة رجع نام، لما صلت الفريضة أيقظته، قال لها: جيد، قالت له: قوم الناس صلوا، يقول لها: قولي: والله. فمثل هذا أيضاً لا بد أن تنضح في وجهه الماء من أجل أن ينتبه.

    التوبة من أكل أموال الناس

    السؤال: شخص أسرف على نفسه بالمعاصي، وأكل أموال بعض الناس، لكنه تاب وليس له مال يرد به أموال الناس، بماذا تنصحونه؟

    الجواب: نقول له: أكثر من الاستغفار ووطن نفسك، اعزم عزماً أكيداً أنه متى ما يسر الله لك تؤدي الحقوق إلى أهلها.

    كراهية الناس لإمام المسجد

    السؤال: نحن نعيش في قرية، وإمام المسجد غير مؤهل للخطبة، ولا يدع المجال لغيره، وبعض الناس لا يرغبون في إمامته، ما قولكم؟

    الجواب: الكلام مجمل: بعض الناس لا يرغبون في إمامته هذه ليست بحجة؛ لأنه لا يوجد مسجد في الدنيا الناس كلهم مجمعون على الإمام، أبداً لا يحصل، ولذلك حتى سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم على المنبر كان المنافقون يتغامزون، لما كان يقول: ( أيها الناس! من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله )، المنافقون كانوا يتبسمون ويقولون: يريدنا أن نتخذه إلهاً كما اتخذت النصارى المسيح بن مريم ، فقضية أن بعض الناس ناقمون على الإمام هذه في كل مساجد الدنيا، لكن بعد ذلك هل هذا الرجل يؤدي الخطبة يعني: وفق طاقته ويحسن الصلاة، يقرأ الفاتحة بشكل سليم؛ لأن بعض الناس يكلف الإمام ما لا يطيق.

    طيب بعد ذلك الأئمة ماذا وفرنا لهم؟ أكثر الأئمة الآن ما عندهم راتب ثابت، وإنما ما يجود به المحسنون، كثير من الأئمة لا يجد ما يغسل به ثوبه ويكويه من أجل أن يظهر يوم الجمعة بمظهر جيد أمام الناس، لا نتكلم عن العباية ولا الشال، وإنما مجرد جلابية نظيفة مكوية وعمامة مقبولة لا يجدها.

    ثم بعد ذلك الإمام من أجل أن يكون أداؤه حسناً لا بد أن يكون هناك تطوير علمي له، لا بد أن يكون هناك ميزانية للكتب. الآن الكتب غالية لا بد أن يكون هناك مال مرصود من أجل أن يتابع الدوريات الحديثة، والأبحاث التي تصدر هنا وهناك من أجل أن يتطور، أما نحن نقعد ننظر الإمام هذا خطبته مكررة، والإمام هذا خطبته معادة، والإمام.. فنحن نريد أن ينزل عليه وحي. لا. الوحي انقطع، انقطع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فيا عباد الله ! إمامكم هذا زودوه بكتب وخاصة كتب الخطب، وتابعوه بالنصح والإرشاد إلى أن يتوفاه الله.

    قراءة القرآن قلة وكثرة مع التدبر وبدونه

    السؤال: أيهما أفضل في رمضان: قراءة قليل من القرآن مع التدبر، أم قراءة كثير بغير تدبر؟

    الجواب: ما فيه شك بأن قراءة القليل مع التدبر أفضل؛ لأن الله قال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، ولذلك جزء مع التدبر خير من ختمة بغير تدبر.

    قراءة القرآن أثناء الدوام

    السؤال: هل تجوز قراءة القرآن أثناء ساعات العمل إذا كان هناك وقت فارغ؟

    الجواب: نعم. يجوز إذا أديت ما عليك من عمل وهناك وقت، كثير من الناس يقعدوا يظلون يقرءون الجرائد، وكثير من الناس يظلون يتكلمون في المدير، وكثير من الناس يتكلموا في أمور ليست بذات شأن.

    رد الهدية بزيادة على قيمتها أو مثلها

    السؤال: هل ما يحدث في المناسبات أن يدفع لي شخص مالاً، وأرده له بزيادة في مناسبته يكون من قبيل الربا؟

    الجواب: لا. ما هناك ربا إن شاء الله، هو ما اشترط عليك، هذا نوع من التكافل، وكما ترون التضخم حاصل، مثلاً تزوج شخص قبل ست وثلاثين سنة، فواحد دفع له في زواجه خمسين قرشاً، وهذا الذي دفع له تأخر زواجه إلى اليوم فهل يعطيه خمسين قرشاً، هذا لو وجدها، يعني: خمسين قرشاً بنفسها ما توجد، لكن يعطيه شيئاً يستعين به على نكاحه، فما هناك مانع من الزيادة، وأنتم ترون التضخم، والأسعار في كل يوم إلى زيادة.

    السهو في صلاة التراويح

    السؤال: إمام المسجد سها وزاد ركعة في التراويح، ولم ينبهه أحد من الصف الأول، وبعد السلام أبلغنا الإمام ولم يعالج الخطأ وأوتر للمرة الثانية، ما حكم ذلك؟

    الجواب: لا حرج إذ أنه أوتر؛ لأن هذا ليس وتراً، هذه الركعة الثالثة لاغية، كان ينبغي له أن يسجد للسهو، كثير من الناس يخطئ يظن بأن النافلة لا سهو فيها، لكن كما قال الموفق بن قدامة رحمه الله : (والسهو في النفل كالسهو في الفرض لا أعلم في ذلك خلافاً).

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، اللهم تقبل منا الصيام والقيام والقرآن، واجعله خالصاً لوجهك الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعل هذا المجلس المبارك شاهداً لنا لا علينا، واجعله في صحائف حسناتنا يوم نلقاك، اللهم كما جمعتنا فيه نسألك أن تجمعنا في جنات النعيم، وأن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأن تجعلنا إخواناً على سرر متقابلين، اللهم ارحم موتى المسلمين أجمعين، اللهم أنزل على قبورهم الضياء والنور والفسحة والسرور، وجازهم بالحسنات إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً، وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى هذا المصير، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.

    اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك ولمن عبد الله فيه ولجيرانه من المسلمين والمسلمات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    ذكر أول من هاجر إلى المدينة

    وكان أول من هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي رضي الله عنه، وقيل: بل كان أول المهاجرين مصعب بن عمير ومعه عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه.

    والحافظ ابن حجر رحمه الله جمع بين الأمرين قال: بأن أبا سلمة ما هاجر على نية الإقامة والبقاء بالمدينة بخلاف مصعب رضي الله عنه؛ لأنه تعلقت به مهمة تعليم الناس وتفقيههم في المدينة المنورة.

    1.   

    اجتماع كفار قريش للتآمر على قتل النبي صلى الله عليه وسلم

    هاجر كثير من المسلمين خلال هذه الفترة، بعضهم خرج وحده، وبعضهم خرجوا زرافات، وفي اليوم السادس والعشرين من صفر من السنة الرابعة عشرة من البعثة اجتمع المشركون في دار الندوة؛ لأنهم وجدوا بأن المسلمين لا سبيل إلى كفهم وحبسهم، ورأوا أن الخطر أصبح ماثلاً، وكانت خلاصة الاجتماع ما ذكره ربنا في آية الأنفال: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30]، هذه ثلاثة اقتراحات, هؤلاء المجتمعون بعضهم اقترح حبس الرسول صلى الله عليه وسلم (ليثبتوك)، ولكن هذا الرأي ما قبل لأن محمداً صلى الله عليه وسلم لو حبس فأمره يخرج من تحت الباب.

    وبعضهم اقترح بأن ينفى، يخرج من مكة، وهذا الرأي أيضاً ما قبل؛ لأنه لو طرد سيجد له أنصاراً، ويوشك أن يجمع أوشاب الناس ثم يكر على أهل مكة غازياً.

    وكان الرأي الثالث لعدو الله أبي جهل ، قال: (أرى أن نأخذ من كل قبيلة شاباً جلداً بيده سيفاً مصلتاً، يتربصون بمحمد إذا خرج من داره فيضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه بين القبائل، فيرضى بنو هاشم بالعقل)، يعني: بالدية، فهذا الرأي استصوبوه واستجادوه.

    وليس هناك تحديد للأمد التاريخي الذي كان بين هذا الاجتماع ومرحلة التنفيذ، لكن الثابت يقيناً أن التنفيذ كان في ربيع الأول؛ لأن ابن عباس قال: (أربع كلهن في ربيع: مولده، وهجرته، والإسراء به، ووفاته عليه الصلاة والسلام).