إسلام ويب

تفسير سورة النور - الآية [2] الثالثللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حذر الإسلام من الزنا، ورتب عليه عقوبات لتطهير المسلمين من هذه الجريمة الشنعاء، كما فرقت الشريعة الإسلامية بين عقوبة الزاني المحصن وغير المحصن؛ فخففت العقوبة على غير المحصن لغلبة شهوته، وشددت العقوبة على المحصن لأن الله قد أكرمه بالحلال؛ ونظراً لحرص الشريعة الإسلامية على ألا تشيع الفاحشة في أوساط المسلمين يغرب الزاني غير المحصن سنة كاملة

    1.   

    تابع حد الزاني غير المحصن

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    قال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    وقد تقدم معنا الكلام أن المخاطب في قوله تعالى: (فاجلدوا) هم ولاة الأمر، من بسط الله أيديهم، ومكنهم من إنفاذ هذه الأحكام، أو من يقوم مقامهم من القضاة ونحوهم، وقد أجمع أهل العلم على أنه ليس لآحاد الناس إقامة الحدود ولا ضرب الرقاب، ولا يستثنى من ذلك إلا إقامة السيد الحد على أمته؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إذا زنت فليجلدها، ثم إذا زنت فليبعها ولو بظفير ).

    وقول الله عز وجل: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، ذكرنا أن هذه الجملة جاءت لنفي الاحتمال الذي قد يتطرق للبعض بأن المائة الجلدة مناصفة بين الزاني والزانية، أو أن الحد قاصر على الزاني لكونه هو الفاعل، أما المزني بها فلا حد عليها، ربما يظن بعض الناس هذا الظن، لكن الله عز وجل نفى الاحتمال بقوله: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، ثم إن قوله تعالى: مِائَةَ جَلْدَةٍ ، يدل على أن العدد مقصود لذاته، فلا يجوز الزيادة عليه ولا النقص منه؛ لأنه تشريع من لدن حكيم خبير.

    وذكرنا أن الآلة التي يجلد بها ينبغي أن تكون وسطاً، فليست بالآلة الشديدة التي يحصل بها إسالة للدم، أو بضع للحم، وليست بالآلة الخفيفة التي لا يتحقق بها المراد من الإيلام والإيجاع، وذكرنا أن الضرب ينبغي أن يكون ضرباً وسطاً، لا ضرب حانق، ولا ضرب موات، فلا يضرب بغيظ وحنق، ولا يضرب ضرباً خفيفاً ميتاً، وإنما يكون وسطاً بين هذا وذاك، وذكرنا أن الضرب يفرق على الظهر كله، من أسفل الرقبة إلى العجز، وقال بعض أهل العلم: بل يفرق على الظهر وما يليه، وتتقى المقاتل؛ فلا يجوز أن يضرب على رأسه، ولا أن يضرب على وجهه، ولا أن يضرب على مذاكيره. ‏

    وذكرنا كذلك أن قول الله عز وجل: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] يتناول نوعاً واحداً من الزناة، وهو الزاني البكر الذي لم يسبق له الدخول في نكاح صحيح، وأما المحصن وهو من دخل في نكاح صحيح حال كونه مسلماً بالغاً عاقلاً فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، ودليل ذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة ).

    والتفريق في الشريعة بين المحصن وغير المحصن حكمته ظاهرة؛ فإن غير المحصن إذا غلبت عليه شهوته، ونفسه الأمارة بالسوء فقارف جريمة الزنا، فإن الشريعة خففت عقوبته فجعلتها مائة جلدة، وأما إنسان أكرمه الله بالحلال، وأغناه بالطيب، ثم بعد ذلك أبت نفسه إلا أن يبحث عن الخبائث والقبائح، فلا شك أن الشريعة تشدد في حكمه، ومعلوم بأن الزنا تترتب عليه مفاسد من اختلاط الأنساب، وشيوع الأمراض، وانتهاك الأعراض، وتفكك المجتمعات، وكثرة اللقطاء، وما إلى ذلك من المفاسد.

    وبالإضافة إلى العقوبة القدرية التي رتبها الله على الزنا في قول رسوله صلى الله عليه وسلم: ( ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأسقام والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم )، فإن الشريعة جعلت هذه العقوبة الشرعية رادعةً بالإضافة إلى العقوبة القدرية التي بينها نبينا صلى الله عليه وسلم.

    تغريب الزاني غير المحصن

    يقول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2].

    بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا الحكم خاص بالبكر، ويضاف إليه عقوبة أخرى وهي تغريب عام، قال: ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام )، وكلمة التغريب مشتقة من الغربة، وهي مفارقة الوطن، وهذا الأمر تكرر من نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ففي الحديث الصحيح: ( أن رجلين أتياه، فقال أحدهما: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر: بلى يا رسول الله! وكان أفقه منه، اقض بيننا بكتاب الله )، يعني: كلاهما يطلب الحكم الشرعي، ( فقال الثاني: إن ابني كان عسيفاً عند هذا -أي: أجيراً- فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، ثم أخبرت أن على ابني جلد مائة، وأن على امرأة هذا الرجم )، يعني هذا الرجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ولدي كان أجيراً عند هذا الرجل، يعمل له في عمل ما، فحصل منه زنا، ومن أجل حل المشكلة أنا دفعت غرامة مائة شاة ووليدة، يعني ملك يمين صغيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، على ابنك جلد مائة وتغريب عام )، هذا هو حكم الله في ولدك؛ لأنه بكر، ( ثم قال لأحد الصحابة: واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين حكم البكر وحكم المحصنة، أو الثيب، فجعل حد البكر جلد مائة وتغريب عام، وجعل حد الثيب الرجم بالحجارة حتى الموت.

    والتغريب يكون من بلد إلى بلد أقله مسافة قصر، فلو أن إنساناً حصل منه زنا -عافانا الله وإياكم والمسلمين- في الخرطوم، فإنه مع الجلد يؤمر بأن يغادر هذه البلد إلى بلد أخرى، وأن يخرج إلى مكان آخر أقله مسافة قصر، يعني: خمسة وثمانين كيلو فزيادة، ويكون لمدة عام كامل.

    الحكمة من تغريب الزاني غير المحصن

    ويتحقق بالتغريب غايتان عظيمتان:

    الغاية الأولى: أن يتهيأ لهذا المذنب استقبال حياة جديدة، وتوبة نصوح، وتعديل للسلوك، وتقويم للأخلاق؛ لأنه حين ينتقل من بيئة إلى بيئة، ومن حال إلى حال، يحصل له نوع من التغيير، وهذا المعنى أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً، حين قال له العالم: إذا أردت أن تتوب ( انطلق إلى أرض كذا، فإن بها قوماً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، وفارق أرض قومك؛ فإنها أرض سوء ). يعني: لا يمكن أن يتوب إنسان إلى الله من تناول التبغ، وهو يجالس جماعةً يدخنون، ولا يمكن لإنسان أن يتوب إلى الله عز وجل من الفاحشة وهو يخالط القوم الذين يمارسون ويحرضون؛ بل لا بد أن يغير البيئة إلى بيئة أفضل وأحسن.

    والغاية الثانية: ألا تشيع الفاحشة في مجتمع المؤمنين، فحين يجلد الزاني ثم يصبح يمشي في الشوارع والطرقات سيتحدث الناس عنه ويقولون: هذا فلان الذي جلد بالأمس، أو جلد قبل يومين لأجل أنه زنى بفلانة، وتبدأ ألسنة الناس تلوك بالكلام في الأعراض؛ ولذلك قطعاً لدابر هذا الكلام الشريعة تقول: يغرب هذا الإنسان من أجل أن يستقبل حياةً جديدة، ومن أجل أن ينسى الناس أمره، وهذا معروف في حياة الناس، فالناس يشتغلون في القضية يومين أو ثلاثة، ثم يبحثون عن غيرها. ولذلك الشريعة تقول: البكر يجلد مائة ويغرب عاماً.

    أقوال العلماء في تغريب الزاني غير المحصن

    ومسألة الجلد والتغريب فيها أقوال ثلاثة:

    القول الأول للإمام الشافعي و أحمد : أن البكر يجلد مائةً ويغرب عاماً، استدلالاً بالنصوص التي سبق ذكرها، كحديث عبادة بن الصامت ، وحديث المرأة التي زنى بها العسيف.

    والقول الثاني للإمام أبي حنيفة النعمان : أن البكر يجلد مائةً فقط، يعني: يقتصر على ما ورد في الآية، قال: لأن الوارد في الحديث زيادة على الآية، والزيادة على النص نسخ، ولا بد أن يكون الناسخ في قوة المنسوخ، يعني: أبو حنيفة يقول: الآية متواترة، وهذه الأحاديث أخبار آحاد، ولا ينسخ المتواتر بالآحاد.

    القول الثالث للإمام مالك رحمه الله: أن يغرب الذكر دون الأنثى؛ لأن الأنثى إما أن تغرب وحدها، وإما أن يغرب معها محرمها؛ لأننا قلنا التغريب أقله مسافة قصر، فلو أن امرأة زنت في الخرطوم فأخرجناها إلى بور سودان مثلاً أو غيرها من البلدان، فلو غربناها وحدها نكون قد خالفنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع محرم )، ولو ألزمنا أباها أو أخاها أو عمها أو واحداً من محارمها بأن يخرج معها نكون قد عاقبنا من لا ذنب له؛ ولذلك الإمام مالك يقول: التغريب يكون على الزاني وليس على الزانية.

    ولا يخفى عليكم بأن النص يؤيد المذهب الأول بأن الزاني ذكراً كان أو أنثى إذا كان بكراً فحكمه أن يجلد مائةً ويغرب عاماً، أما كلام الإمام مالك رحمه الله فيمكن الاحتراز منه، وخاصةً في زماننا هذا بأن يكون هناك دوراً للرعاية، ووسائل للرقابة، بحيث أن هذه التي قارفت الجريمة يسافر معها محرمها، فيوصلها إلى ذلك المكان حيث الرعاية والرقابة، ثم يرجع، وخاصةً مع تيسر وسائل السفر، فلا يستغرق ذلك إلا وقتاً محدوداً، إذ يمكن أن يذهب ويرجع في اليوم نفسه، ولا يكون هناك عقوبة قد لزمته، وإنما هو نوع من التعاون على البر والتقوى، وإعانة لهذه المرأة على أن تستقبل عهداً جديداً.

    وفي إقامة هذا الحد -أعني الجلد- لا يلزم أن تخلع ثيابه؛ بل يجلد وعليه ثيابه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر بأن تخلع ثيابه، لكن لا يترك عليه من الثياب ما كان غليظاً بحيث يمنع وصول أثر الضرب إليه، وكما قالوا: الرجل يجلد قائماً، والمرأة تجلد جالسةً؛ لأن الستر في حقها ألزم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى في حال رجمها بأن تشد عليها ثيابها.

    الأحوال التي لا يقام فيها الحد

    ومن المسائل قالوا: لا ينبغي أن يكون إقامة الحد في برد شديد، ولا في حر شديد، ولا في مرض مقعد، يعني: الإنسان لو زنى ينبغي أن نرعى له كرامته وحقه؛ ولذلك ما يقام الحد في برد شديد، ولا يقام الحد في حر شديد، ولا يقام الحد وهو مريض.

    وكذلك إذا كان المرأة حاملة، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يقام عليها الحد حتى تضع حملها؛ ولذلك ( لما جاءت الغامدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إني حبلى من الزنا، قال: اذهبي به حتى تضعيه؛ فلما جاءت به ملفوفاً في خرقة، قال: اذهبي به حتى تفطميه، فلما جاءت به وفي يده كسرة خبز أمر النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم رجمت ).

    1.   

    حد الزاني المحصن

    ومن المسائل في الآية: حد الزاني المحصن:

    والإحصان لغة: هو الدخول في الحصن، يقال: أحصن إذا دخل في الحصن، ومثلما يقال: أتهم إذا دخل بلاد تهامة، وأنجد إذا دخل بلاد نجد ونحو ذلك.

    وفي الاصطلاح: المحصن هو من ثبت دخوله في نكاح صحيح مسلماً بالغاً عاقلاً.

    أدلة حد الزاني المحصن

    جعلت الشريعة عقوبة الزاني المحصن الرجم بالحجارة حتى الموت، والدليل على ذلك: القرآن، والسنة القولية والعملية، والإجماع.

    أما القرآن الكريم ففي قول ربنا جل جلاله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران:23].

    اتفق أهل التفسير على أن هذه الآية نازلة في شأن اليهود قبحهم الله، ( لما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد زنى بامرأة وهما محصنان، وقالوا له: يا أبا القاسم! احكم فيهما ). فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلم من عادة اليهود دائماً أنهم يريدون اختبار النبي صلى الله عليه وسلم، ويجهدون أنفسهم من أجل أن ينقضوا نبوته، ويبطلوا رسالته، فوجه إليهم سؤالاً قال: ( نشدتكم الله! كيف تجدون حكم الزاني إذا أحصن في التوراة؟ فقالوا: التحمية والتسويد )، يعني: الزاني والزانية المحصنان تسود وجوههما بالرماد أي: بالسكن، ثم يجعلان على حمار متدابرين، ويطاف بهما في الأسواق، ( فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بالتوراة )، وطبعاً في ذلك الزمان ما كان هناك مواد ماحية وما إلى ذلك، ( فالحبر من بلادته وضع يده على آية الرجم من أجل أن يحجبها، فقال له أبو يوسف عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان من كبار علمائهم: ارفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم في التوراة، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. يقول الصحابي: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة )، يعني كان أرجل من بعض الناس في زماننا هذا، الآن الواحد منهم يزني ثم يولي مدبراً، ولو سئل عنها لقال: والله لا شفتها ولا أعرفها، فهذا اليهودي كان في أثناء إقامة الحد يحوط تلك المرأة لئلا تصل إليها الحجارة.

    الشاهد من هذا الكلام: أن الله عز وجل صور تلك الحادثة بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ [آل عمران:23] وهم اليهود يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [آل عمران:23]، فأثبت ربنا جل جلاله أن الرجم موجود حكمه في كتابه جل جلاله، وهذا الحكم طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحيا ما مضى من خبر المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هذا من القرآن.

    ومن القرآن المنسوخ ( أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب في الناس فقال: أيها الناس! إن الله تعالى قد أنزل في كتابه آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، ويوشك إن طال بالناس زمان أن يقول بعضهم: لا نجد الرجم في كتاب الله، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي ).

    ومعلوم بأن الأحكام تنسخ، أو النصوص تنسخ، بمعنى أن الله عز وجل قد يفرض على الناس حكماً ثم ينسخه لبدل أو لغير بدل، فمثلاً: الله عز وجل أمر الصحابة بالصدقة إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم -والمناجاة يعني: الكلام الخاص مع الرسول صلى الله عليه وسلم- والرسول عليه الصلاة والسلام وقته ضيق، ومسئولياته عظيمة، فقال الله عز وجل: إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة:12]، فكف الصحابة عن مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل نسخ هذا الحكم بقوله: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:13].

    ومن الأمثلة الواضحة: أن عدة المرأة إذا توفي عنها زوجها كانت حولاً كاملاً، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240]، فخفف الله ذلك الحكم بأن جعل عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، فعندنا نسخ للحكم والتلاوة معاً، ونسخ للتلاوة دون الحكم، ونسخ للحكم دون التلاوة، فآية الرجم نسخت تلاوتها، وبقي حكمها.

    أما من السنة القولية فقد ذكرنا حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قبل قليل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( والثيب بالثيب جلد مائة، ثم رجماً بالحجارة )، ومضى معنا حديث المرأة التي زنى بها العسيف، قال صلى الله عليه وسلم: ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها ).

    وأما من السنة العملية فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد رجم ماعزاً ورجم الغامدية ، وأيضاً الصحابة رضوان الله عليهم رجموا، كما ثبت في صحيح البخاري : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عهده زنت امرأة يقال لها: شراحة الهمدانية ، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأجمع المسلمون على أن الرجم حق فيمن زنى بعدما أحصن، وما خالف في ذلك إلا الطوائف المبتدعة، كالخوارج ونحوهم. فالرجم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

    وهناك مسائل في الرجم:

    الآلة التي تستخدم في الرجم

    المسألة الأولى: ما هي الآلة التي تستخدم في الرجم؟

    الجواب: هي الحجارة، قال أهل العلم: وينبغي ألا تكون صغاراً جداً، وينبغي ألا تكون كباراً، وإنما تكون وسطاً، يعني: كما قيل في السوط: ألا يكون غليظاً يابساً حيث يؤذي، ولا يكون ضعيفاً طرياً بحيث لا يتحقق به الغرض.

    كذلك قالوا: الحجارة إذا كانت صغاراً جداً طال تعذيبه، وإذا كانت كباراً جداً لم يتحقق الغرض المقصود، فينبغي أن تكون وسطاً.

    الجهة المخولة في رجم الزاني المحصن

    المسألة الثانية: الرجم يشارك فيه الجميع، وقد قلنا في الجلد إنه يقوم به واحد، ويكون إنساناً مدرباً، بحيث لا يضرب ضرب الحانق ولا ضرب الموات، وإنما يكون ضرباً وسطاً، أما الرجم فإنه يشارك فيه الجميع، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اذهبوا به فارجموه )، والخطاب لعموم الصحابة، وفي قصة الغامدية قال: ( فأمر بها فشكت أو فشدت عليها ثيابها فرجمت ).

    الرجم بغير الحجارة

    المسألة الثالثة: هل يجوز الرجم بغير الحجارة؟

    نقول: نعم، يجوز الرجم بغير الحجارة، والدليل أن ماعزاً رضي الله عنه لما أذلقته الحجارة هرب، فلقيه رجل بلحي جمل، يعني بعظم جمل، فضربه به فمات رضي الله عنه، ومن هنا قالوا: الرجم بغير الحجارة جائز.

    الجمع بين الجلد والرجم للزاني المحصن

    المسألة الرابعة: هل يجمع بين الجلد والرجم أم يكتفى بالرجم؟

    نقول: هذه المسألة فيها قولان:

    القول الأول للأئمة الثلاثة أبي حنيفة و مالك و الشافعي و جمهور العلماء: أنه يكتفى بالرجم، قالوا: والدليل حديث ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اذهبوا به فارجموه )، ولم يذكر الجلد، وأيضاً حديث الغامدية قال في الحديث: ( فأمر بها فشدت عليها ثيابها ثم رجمت )، ولم يذكر الجلد، وكذلك حديث المرأة التي زنى بها العسيف قال: ( واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها )، ولم يذكر الجلد.

    وأيضاً قالوا: الحد الأدنى يندرج في الحد الأعلى، فمثلما نقول في الغسل: الغسل إذا كان غسل عبادة يغني عن الوضوء؛ لأن الطهارة الصغرى التي هي الوضوء تندرج في الطهارة الكبرى، وإذا ارتفع الحدث الأكبر فقد ارتفع الأصغر.

    القول الثاني: قال الإمام أحمد و داود الظاهري : يجلد ثم يرجم، نجمع له بين الجلد والرجم، استدلالاً بحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ لأن فيه: ( والثيب بالثيب جلد مائة، ثم رجم بالحجارة )، هذا في حديث عبادة بن الصامت ، واستدلالاً بفعل علي رضي الله عنه حين جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم الاستدلال بالمعقول، قالوا: البكر عليه عقوبتان:

    الجلد والتغريب، قالوا: وكذلك المحصن عليه عقوبتان: الجلد ثم الرجم.

    فإذا أردنا أن نقارن بين القولين فإننا نلاحظ أن الجمهور الأئمة الثلاثة ومن معهم يستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم، ولم يذكر الجلد في هذه الحوادث كلها ماعز و الغامدية والمرأة التي زنى بها العسيف.

    بينما الإمام أحمد و داود يستدلان بمنطوق النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: ( جلد مائة ثم رجم بالحجارة ).

    وعندنا قاعدة في الأصول: بأن المنطوق به يقدم على المسكوت عنه، فقضية الحوادث التي ذكروها ليس فيها دليل سوى أن الجلد قد سكت عنه، لكن في حديث عبادة قد صرح به، والمنطوق به مقدم على المسكوت عنه، فالذي يظهر والعلم عند الله تعالى أن الزاني المحصن يجمع له بين الجلد والرجم لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه حيث قد ورد فيه التصريح بالجمع بينهما، جلد مائة ثم رجم بالحجارة.

    الحفر عند رجم الزاني المحصن

    المسألة الخامسة: هل يحفر للمرجوم؟

    نقول: قال بعض أهل العلم: يحفر له إلى حقويه، أي: إلى وسطه ثم يرجم، وقال بعض أهل العلم: لا يحفر؛ لأنه لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حفر لواحد من هؤلاء، لا ماعزاً ، ولا الغامدية ، ولا المرأة التي زنى بها العسيف.

    نتوقف عند هذا الحد، وسيأتي معنا مسألة مهمة جداً، وهي: بم يثبت حد الزنا؟ سيأتي معنا الكلام أنه يثبت بطريقتين مجمع عليهما، وهما: البينة والإقرار، والثالثة مختلف فيها وهي الحمل؛ فلو أن امرأةً حملت ولم يكن لها زوج، فهل مجرد حملها دليل على أنها قد زنت، أم أن هناك كلاماً آخر؟ سيأتي الكلام إن شاء الله تعالى. أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.