إسلام ويب

سورة البقرة - الآية [282]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نادى الله عباده المؤمنين في آية الدين نداء يحفظ لهم حقوقهم، ويقطع بؤر التنازع والاختلاف بينهم، فندب إلى كتابة الدين والإشهاد عليه، وأوصى بالعدل وعدم الإضرار بالدائن والمدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    الحكمة من مشروعية كتابة الدين

    أيها الإخوة الكرام! هذا هو النداء الأخير، وهو الحادي عشر في سورة البقرة في الآية الثانية والثمانين بعد المائتين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، وهي أطول آي القرآن على الإطلاق، وقد تناولت شأن هذه المعاملة المالية من أجل قطع التنازع والاختلاف بين بني الإنسان؛ لأن الإنسان مجبول على النسيان، كما في حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أول من جحد آدم عليه السلام، إن الله تعالى أراه ذريته فرأى رجلاً أزهر ساطع اللون، فقال: يا رب! من هذا؟ قال: هذا ابنك داود . قال: يا رب! فما عمره؟ قال: ستون سنة. قال: يا رب! زده في عمره. قال: لا. إلا أن تزيده من عمرك، قال: يا رب! وما عمري؟ قال: ألف سنة. قال آدم: قد وهبت له أربعين سنة من أجل أن يكمل له المائة، فكتب الله عليه كتاباً وأشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة فقال آدم: إنه قد بقي من عمري أربعون سنة، قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما وهبت لأحد شيئاً، فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته وأتم الله لداود مائة سنة ولـآدم ألف سنة )، يعني: أن الله عز وجل رد لآدم الأربعين وزاد داود أربعين: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39]، يعني: في أم الكتاب عند الله أن عمر داود مائة وأن عمر آدم ألف، لكن هذا التغير في علم الملك وفي علم البشر في علم آدم، أما علم الله فهو ثابت عنده في أم الكتاب.

    ولما كان الآدمي مطبوعاً على النسيان، مطبوعاً على الجحود وخاصة فيما يتعلق بالأموال، شرع الله عز وجل لنا هذا التشريع المحكم من أجل أن تدوم الأخوة بيننا.

    يا مؤمنون! (إذا تداينتم) أي إذا تعاملتم بالدين سواء كان هذا الدين قرضاً أو كان هذا الدين بيعاً أو كان هذا الدين سلماً فاكتبوه.

    قال تعالى: إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282]، أي: إلى وقت معروف، إلى شهر معلوم، إلى يوم محدود.

    كيفية كتابة الدين

    قوله تعالى: فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ [البقرة:282]، أي: بالحق، فلا يكتب الدائن ولا يكتب المدين، وإنما يكتب بينهما طرف ثالث وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ[البقرة:282]، يعني يا أيها الكاتب! يا من علمك الله الكتابة! إذا دعيت لتكتب كما علمك الله فعليك أن تخدم الناس، كما قال سبحانه: وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77]، كما علمك الله أنت أيضاً عليك أن تخدم الناس.

    قال الله تعالى: فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282]، أي تأكيداً للكتابة.

    وقوله تعالى: وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [البقرة:282]، الذي عليه الحق هو المدين؛ هو الذي يملي؛ لأنه بعيد من أن يفرض على نفسه ما ليس واجباً عليها، أو أن يزيد على نفسه، ويملي ويملل لغتان.

    وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً [البقرة:282]، أي: لا ينقص من هذا الدين الذي وجب عليه شيئاً.

    فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ [البقرة:282]، وهو المدين، سَفِيهاً [البقرة:282]، السفه هو: عدم إحسان النظر في المال إما لصغر أو جنون. فإن كان هذا المدين سفيهاً، أَوْ ضَعِيفاً [البقرة:282]، ضعيف الصغير وشبه، أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ [البقرة:282]، أي: لا يستطيع أن يملي؛ كأن يكون أبكم أو أصم أو أعمى أو غير ذلك من الأعذار.

    فإذا كان المدين سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو بعد ذلك لا بد أن نولي عليه ولياً قال تعالى: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ[البقرة:282].

    والولي هو من له ولاية على السفيه والصغير كالأب والوصي وعرفاء القبيلة.

    الإشهاد على الدين

    قال: وَاسْتَشْهِدُوا [البقرة:282]، أي: اطلبوا شهادة، شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، هذا نص في أن شهادة الصبي لا تقبل، وأن شهادة الكافر لا تقبل؛ لأن الله عز وجل قال: شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة:282]، يعني: المسلمين.

    قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: أما الكافر فلأن اختلاف الدين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب، يعني: إذا كان الدين مختلفاً لن يكون بيننا خلطة ومعاشرة، كالتي تكون بين المسلم والمسلم، أو بين الكافر والكافر، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [الأنفال:73]، كذلك المسلمون بعضهم أولياء بعض، فلما كان اختلاف الدين موجباً للتباعد وعدم المعاشرة والاختلاط بصورة كافية ترتب على ذلك أنه لا يمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين؛ ولأنه قد عرف من حال غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه، وهذا في الغالب.

    ولأجل هذا اتفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر، يعني: لو أن مسلمين اختلفا فلا يصلح أن يدخل شاهد كتابي، سواء كان يهودياً أو نصرانياً، ومن باب أولى من ليس كتابياً، يعني: من كان مجوسياً أو وثنياً؛ لأنه أبعد له وأنكى.

    شهادة النساء في الدين

    قال الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ [البقرة:282]، أي: ما وجدنا رجلين، قال الله عز وجل: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، أي: فالشاهد رجل وامرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان، أو فليكن رجل وامرأتان.

    هنا حصل شغب كثير من الناس على الإسلام، قالوا: الإسلام يحقر المرأة؛ لأنه يجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل، ولكن الحقيقة أنه ليس هناك تحقير ولا شيء من هذا القبيل، فالله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى [الحجرات:13]، وقال: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران:195].

    أيها الإخوة! القضية أن المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلة وبحسب الغالب، والغالب على المرأة النسيان، فليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات؛ ولذلك غالباً تكون ذاكرتها في هذه الأمور ضعيفة، بخلاف الأمور المنزلية التي هي شغلها الشاغل، فإن ذاكرتها تكون قوية، ولا يشغب إنسان فيقول: لا والله توجد امرأة صفتها كذا وكذا، أو يوجد امرأة عندها مكتب عقارات، أو يوجد امرأة تشتغل سمسارة، ونحو ذلك.. نقول: هذا على سبيل الشذوذ، والشاذ لا حكم له، والغالب على النساء أنه ليس لهن اهتمام بالأمور المالية؛ ولذلك قال الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282].

    أما الشيء الخاص بالنساء فتقبل فيه شهادة النساء منفردات كالأمور التي تتعلق بالعيوب النسوية، والأمور التي تتعلق بالولادة، فإذا أردنا أن نحكم على امرأة بأنها بكر أو ليست بكراً فهذا تقبل فيه شهادة النساء، كذلك الاستهلال، يعني: صبي خرج من بطن أمه أو صبية ولم نعلم هل استهلت أو لم تستهل؟ فالغالب أنه لم يحضر ذلك الموضع إلا نساء؛ ولذلك تقبل شهادة النساء في ذلك.

    العلة من قيام امرأتين مقام رجل واحد في الشهادة

    قال الله عز وجل: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، علل فقال: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282]، وقرأ حمزة : (إن تضل) على أنها شرطية، (فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء إن تضل) أي: لو ضلت أو نسيت إحداهما فالأخرى تذكرها؛ من أجل أن تتعاضد شهادتهما في إحقاق الحق.

    النهي عن الامتناع من أداء الشهادة

    قال الله عز وجل: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا [البقرة:282]، يعني: يا مسلم! لو دعيت إلى شهادة فاتق الله ولا تكتمها؛ لأن هذه الشهادة يتم بها إثبات الحقوق.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ من يؤدي الشهادة قبل أن يسألها )، يعني: قبل أن يسأل، ويطلب يؤدي الشهادة حسبة لوجه الله عز وجل.

    الحكمة من الأمر بكتابة الدين

    قال سبحانه: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ [البقرة:282]، ( لا تسأموا): لا تملوا، فالسأم الملل، ومنه قول القائل:

    سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

    وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ[البقرة:282]، أي: أن تكتبوا الدين. صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ [البقرة:282].

    ذَلِكُمْ[البقرة:282]، أي: الحكم الذي مضى من أجل ثلاث علل:

    ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا [البقرة:282]، هذا الذي شرعته لكم يا عبادي ليس من أجل إعناتكم وإتعابكم وإرهاقكم؛ ولكن لأن ذلك (أقسط) أي: أحفظ للحق، (وأقوم للشهادة)، أي: أعون على إقامتها، (وأدنى ألا ترتابوا) أي: أقرب إلى نفي الريبة والشك، فبدلاً من أن يدخل الدائن والمدين في جدال، بحيث يقول الدائن: أنا أعطيتك عشرة ملايين، ويقول المدين: بل كانت تسعة، أو ثمانية. وخروجاً من المهاترات والأيمان شرع الله الكتابة لتحفظ لكل ذي حق حقه.

    التيسير في عدم كتابة التجارة المتبادلة

    قال الله عز وجل: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ [البقرة:282]، إذا كان بيع خذ وهات فلا داعي للكتابة؛ لأن هذا فيه نوع من التعسير والتضييق، وستكون المشقة بحيث إذا ذهبت إلى صاحب البطيخ أو صاحب البقالة واشتريت جبناً بعشرة آلاف وتكتب ورقة، فإن هذا فيه تضييق على حياة الناس، فإذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا [البقرة:282].

    قال الله عز وجل: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة:282]، هذا الأمر أمر إرشاد لا أمر إيجاب.

    النهي عن الإضرار بكاتب الدين أو شهيده

    قال سبحانه: وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:282]، (ولا يُضار)، وقرئ: (ولا يضارَّ) على أنها مضارع: ضار يضير، وقرئ: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) يعني: أيها الدائن! أيها المدين! لا يحل لكم أن تمارسوا الضرر مع الكاتب فتورطوه، وكل يوم تجرجروه إلى المحاكم وهو ليس إلا متطوعاً، ولا تضاروا كذلك الشهيد بأن تحاولوا ترغيبه أو ترهيبه من أجل أن يلوي لسانه بالشهادة فيؤدي غير ما عرف، ولا تحاولوا إضراره كذلك بأن تفرعوا القضايا وتدلوا بها إلى الحكام، وفي كل يوم يستعدى هذا الإنسان الذي ليس إلا متطوعاً.

    قال الله عز وجل: وَإِنْ تَفْعَلُوا [البقرة:282]، أي: إن تفعلوا هذه المضارة، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ [البقرة:282]، الذي يتعمد الإضرار بالمسلم فهو فاسق.

    لمسات بلاغية في قوله: (واتقوا الله ويعلمكم الله)

    قال الله عز وجل: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]، كلمة (الله) تكررت ثلاث مرات، وهذا إظهار في مقام الإضمار.

    قال البيضاوي رحمه الله: كرر لفظة (الله) في الجمل الثلاث لاستقلالها.

    فالأولى: حث على التقوى.

    والثانية: وعد بالنعمة.

    والثالثة: تعظيم لشأنه جل جلاله.

    وقال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: الإظهار في مقام الإضمار أدخل في التعظيم، ومنه قول القائل:

    اللؤم أكرم من وبر ووالده واللؤم أكرم من وبر وما ولدا

    واللؤم داء لوبر يقتلون به لا يقتلون بداء غيره أبدا

    ومنه قول إنسان كان متضايقاً من الشيب، لكنه يظهر خلاف ما يبطن:

    لما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحباً

    فقد كرر الشيب مرتين.

    لم يقل: قلت له مرحباً، بل قال: قلت للشيب مرحباً. وللعلم أنه لا يوجد أحد يقول للشيب: مرحباً!

    أثر التقوى في تحصيل العلم والرد على من يدعي العلم اللدني

    أيها الإخوة! أرجو أن تنتبهوا لهذا الكلام: ظهر بين المسلمين ذئاب من الدجالين، لم يجلس أحدهم في حلقة قرآن، ولا قرأ حديث خير الأنام صلى الله عليه وسلم، ولا عرف عنه اشتغال بعلم ولا جلوس عند أهله، وفجأة بدأ يشرع للناس، ولما قيل له: هذا كلام كله خطأ من أين أتيت به؟ قال: جاءني فيض من الله؛ لأني تقي والله قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ [البقرة:282]، كما قال بعضهم: أنتم تُحدثون عن ميت عن ميت عن ميت، ونحن نحدث عن الحي الذي لا يموت.

    وقال آخر: حدثني قلبي عن ربي، قلبه عن ربه مباشرة، فلا يحتاج إلى علماء ولا إلى شيوخ ولا إلى غيره!

    قال محمد عبده في سبل المنار: اشتهر على ألسنة المدعين في معنى هاتين الجملتين: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ [البقرة:282] أن التقوى تكون سبباً للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تنثر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم.

    ثم قولهم هذا -عبارة عن جعل المسبب سبباً- يعني: هل العلم سبب للتقوى أم التقوى سبب للعلم؟ هل تستطيع أن تتقي الله دون أن تتعلم؟ لا يمكن؛ لأن التقوى أصلاً هي فعل المأمور واجتناب المحظور، فإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يعرف الإنسان بغير العلم بأن هذا مأمور وهذا محظور؟!

    فجعلوا المسبب سبباً والفرع أصلاً والنتيجة مقدمة.

    فإن المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى؛ فلا تقوى بلا علم، والعلم هو الأصل وعليه المعول.

    ثم قال رحمه الله: إننا لا ننكر العلم الذي يسمونه: لدنيّاً.

    فعلاً بعض الناس يتعلم العلم ويتقي الله عز وجل، فالله سبحانه وتعالى يجعل عنده فراسة ومكاشفة يستدل بها بالمحسوس على المغيب، كما حصل لبعض الصحابة ومن بعدهم رضوان الله عليهم أجمعين.

    نقول: إن العلم بالله والعلم بالشرع والعمل به مع الإخلاص قد يصرف العالم العامل المخلص إلى الله حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي، لكن كل هذا أولاً يأتي عن طريق العلم.

    ما يفيده الأمر في قوله تعالى: (فاكتبوه)

    قول الله عز وجل: فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، ليس الأمر أمر إيجاب؛ بدليل قول الله عز وجل: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283]، والرهن ليس واجباً، يعني: أنا الآن ممكن طلبت مني ديناً عشرة ملايين أو مائة مليون أعطيك، وليس بالضرورة أن أقول لك: أسلم لي عيناً تكون رهناً عندي، فإذا كان البدل من الكتابة وهو الرهن ليس بواجب فالمبدل عنه وهو الكتابة ليس بواجب، وبدليل قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283]، يعني: إذا كان بيننا أمانة ونوع من الثقة فلا نريد أن نكتب، ولا حرج في ذلك إن شاء الله.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.