إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - الأحقافللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تناولت سورة الأحقاف جملة من القضايا العقائدية المهمة في حياة البشرية، ومن تلك القضايا مناقشة الله تعالى للمشركين في شركائهم، وطرح الأسئلة العقلية عليهم، وبعد ذلك بين الله تعالى أن رسوله عليه الصلاة والسلام ما جاء بالتوحيد والتشريع من عنده، وإنما هو على خطا الأنبياء قبله، كما ختم السورة بعاقبة المشركين الذين تمتعوا بالدنيا ولم يعملوا للآخرة.

    1.   

    مناقشة المشركين في عبادتهم الأوثان وإنكارهم التوحيد

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    سورة الأحقاف هي آخر سورة في آل (حـــم)، فعندنا في القرآن الكريم سور سبع، افتتحت بــ(حم) وهي على التوالي: غافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف.

    تحدي الله للمشركين أن يأتوا ببرهان على صحة معتقدهم

    هذه السورة المباركة التي هي مكية باتفاق أهل التفسير تناولت جملة من القضايا العقدية المهمة، والله عز وجل في بدايتها يطرح سؤالاً على المشركين: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4]، يقول: يا من تدعون الأصنام والأوثان! يا من تدعون المسيح ابن مريم! يا من تدعون عزيراً! يا من تدعون فلاناً أو فلاناً من الأولياء أو الصالحين أو الصديقين أو القديسين! أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ، وهذا السؤال طرح في موضع آخر من القرآن، قال الله عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40]، وفي موضع ثالث يقول الله عز وجل: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17].

    ما عرفت الدنيا على تاريخها ناساً زعموا بأن الشمس خلقها الله والقمر خلقه فلان، أو أن السموات خلقها الله والأرض خلقها فلان، ما يدعون لأحد خلقاً سوى الله عز وجل، فإذا كان سبحانه هو الخالق فينبغي أن يكون هو المعبود، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54].

    كشف الله سبحانه وتعالى لحقيقة معبودات أهل الشرك

    ثم يقول الله عز وجل مبيناً أن هؤلاء الذين يدعون ويرجون من دون الله ليسوا بشيء: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6]، يعني هؤلاء الذين يدعون من دون الله لن يستجيبوا لهم، ولو بلغ جؤار هؤلاء الداعين عنان السماء، كما قال ربنا: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14]، وهذه الآيات يقرع بها سمع كل من يدعو غير الله عز وجل من أجل أن يفيق، ومن أجل أن يرجع إلى رشده.

    1.   

    سير النبي صلى الله عليه وسلم على خطا الأنبياء وتفضيله عليهم

    ثم يبين ربنا جل جلاله أن محمداً صلى الله عليه وسلم على خطا الأنبياء من قبله: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ[الأحقاف:9]، قال أهل التفسير: لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي أثبتت الفضل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله سبحانه: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ[الفتح:1-2]، قالوا: هذه الآية قبل أن يعلمه الله بتلك، يعني قوله تعالى: وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، بين له بعدها جل جلاله أنه عليه الصلاة والسلام من أهل الجنة، وأن له الدرجات العلى.

    وقد ورد في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا رب ! اتخذت إبراهيم خليلاً، وكلمت موسى تكليماً! واصطفيت نوحاً على البشر، فماذا أعطيتني؟ قال الله عز وجل: يا محمد! أعطيتك ما لم أعط أحداً، غفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأنت تمشي بين الناس مغفوراً لك، ولم أصنع هذا لأحد قبلك، وأعطيتك الشفاعة وأعطيتك الكوثر؛ ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج وألين من الزبد، وعدد آنيته بعدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً ).

    فمحمد عليه الصلاة والسلام مفضل على سائر المرسلين، كما قال سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ[البقرة:253]، وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [الإسراء:55].

    1.   

    التمتع بملذات الدنيا

    ثم تتعرض السورة أيضاً لقضية ينبغي أن نفقهها، يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ[الأحقاف:20]، أي: يوم القيامة، تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20]، معلوم بداهة لدينا جميعاً أنه يباح لنا التمتع بالطيبات؛ مطاعم ومشارب ومناكح وملابس ومراكب، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ[المائدة:87]، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ[الأعراف:32].

    ما يذم من التمتع بملذات الدنيا

    لكن هناك صنفان مذمومان:

    الصنف الأول: من يأكل من نعمة الله ثم لا يؤدي شكرها، كما قال ربنا في الحديث القدسي: ( إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي، فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران )، فهذا الصنف مذموم، يأكل ويتمتع ثم لا يؤدي شكر هذه النعمة، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    ثم الصنف الثاني: الذي يمارس السرف المؤدي إلى الترف، فيأكل ويشرب ويلبس ويركب لكن بإسراف.

    أيها الإخوة الكرام! في القرآن الكريم ما ذُكر المسرفون ولا المترفون إلا مذمومين، كلنا نقرأ في القرآن: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141]، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16].

    نموذج من زهد الصحابة في متاع بالدنيا

    لما فتحت بلاد الشام، جاء خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى سيدنا عمر رضي الله عنه بطعام طيب، وهناك فرق كبير وبون شاسع بين بلاد الشام وبلاد الحجاز التي جاء منها عمر ، فبلاد الشام طيب هواؤها، عذب ماؤها، كثيرة ثمارها، وبلاد الحجاز ليست كذلك، طبيعتها قاسية وثمراتها قليلة، فــعمر رضي الله عنه لما نظر إلى الطعام قال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ذهبوا إلى ربهم وما أكلوا من ذلك شيئاً؟ يعني: الناس الذين استشهدوا والذين ماتوا ولم ينالوا شيئاً من هذه الطيبات، قال له خالد : لهم الجنة، فبكى عمر رضي الله عنه، ثم قال: إن كنا في هذا المقام وهم في الجنة، إن بيننا لشأناً بعيداً، أي: أولئك في جنات عالية، قطوفها دانية، وهم فيها مخلدون، ونحن إن كان هذا حظنا من الدنيا لقد باينونا بوناً بعيداً.

    مشروعية التمتع بطيبات الدنيا

    ولذلك لا يشتبه علينا الأمر، التمتع بالطيبات مشروع، مباح، جائز، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة ذراعها، وكان يعجبه من الشراب البارد الحلو، وكان عليه الصلاة والسلام يحب من الثياب أبيضها، وكان يستاك ويتطيب، وقال: ( حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة )، هذا كله مشروع، لكن كما قلت لكم: مسلكان مذمومان:

    عدم تأدية شكر النعمة، ثم السرف المؤدي إلى الترف.

    أسأل الله أن يجعلنا من عباده الشاكرين، والحمد لله رب العالمين.