إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [51-59]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عاتب ربنا سبحانه وتعالى من اتخذ إلهاً غيره بأنه ما أشهدهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم، كما ذكر أن هؤلاء الشركاء لا ينفعون من عبدهم في الآخرة، وزيادة في إقامة الحجة صرف الله في هذا القرآن للناس من كل مثل ليتعظوا به، لكن ثم بين أنه ما منعهم من الإيمان إلا أنهم ينتظرون ما جرى للأمم السابقة من العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً * وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف:51-59].

    توقف بنا الكلام في الدرس الذي مضى عند قول ربنا تبارك وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50]، وتبين لنا أن هذا الأمر الإلهي كان قبل خلق آدم، بدليل قوله سبحانه في سورة الحجر: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:28]، وقوله في سورة ص: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ص:71-72].

    وتبين لنا أن الملائكة عليهم السلام قد سجدوا كلهم أجمعون، ما تخلف عن السجود واحد منهم.

    وتبين لنا من هذه الآية أن إبليس لعنه الله ما كان من الملائكة طرفة عين، بل هو من الجن بمنطوق هذه الآية، وذكرنا ما قاله بعض المفسرين، كما أن آدم أبو الإنس، فكذلك إبليس هو أبو الجن.

    وتبين لنا أن إبليس لعنه الله قد امتنع من السجود لآدم لعلة الكبر حين قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ص:76]، وكما قال أهل التفسير: قياس إبليس فاسد من وجوه ثلاثة:

    الوجه الأول: أنه في مقابل النص، فالله عز وجل قال: (اسجدوا)، وكان واجباً عليه أن يسجد من غير نقاش.

    الوجه الثاني: ألا نسلم أن النار خير من الطين، بل نقول: الطين خير من النار؛ لأن النار يكون منها فساد وإحراق وإتلاف، أما الطين فإنه تخرج منه الثمار الناضرة، والحدائق البهيجة، وغير ذلك من المنافع.

    الوجه الثالث: يقال لإبليس: لو سلمنا أن النار خير من الطين، فلا نسلم بأنك خير من آدم؛ لأن شرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع، كما قال القائل:

    إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا

    قال الله عز وجل منكراً على الكفار والمشركين: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف:50]، أي: وهم لكم أعداء، كيف توالون إبليس وتطيعون أوامره، وتنفذون رغباته، وتسلكون طريقه مع أنه عدو لكم، إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [فاطر:6]، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً [الكهف:50]، من استبدل بولاية الله عز وجل ولاية إبليس فهي صفقة خاسرة، وتجارة كاسدة.

    يقول الله عز وجل: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الكهف:51]، وفي قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع رحمه الله: (ما أشهدناهم) بضمير العظمة، وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51]، والتاء تاء المتكلم جل جلاله، وفي قراءة أبي جعفر : (وما كنتَ) بتاء الخطاب، والمخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضداً.

    مرجع الضمير في قوله: (ما أشهدتهم)

    يقول الله عز وجل: مَا أَشْهَدْتُهُمْ [الكهف:51]، (ما) نافية، (أشهدتهم) الإشهاد جعل الغير شاهداً أي: حاضراً، (ما أشهدتهم) أي: ما أحضرتهم، والضمير يرجع إلى إبليس وذريته، وقيل: بل يرجع إلى المشركين، فقوله: (ما أشهدتهم) أي: ما أشهدت إبليس وذريته، ولا أشهدت المشركين (خلق السموات والأرض)، ولا كانوا حضوراً حال خلقهما، (ولا خلق أنفسهم)، أي: ما أشهدت إبليس وذريته خلق أنفسهم، ولا أشهدت المشركين خلق أنفسهم.

    غنى الله عن المعاون والمساند

    ثم يتكلم الله عز وجل عن نفسه: وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51]، (المضلين) جمع مضل، اسم فاعل من الإضلال؛ إلقاء الخواطر الرديئة وأسباب الفساد، قيل: المضلون في الآية هم الشياطين، بدليل قوله سبحانه: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، وقيل: بل المراد الكفار، وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ أي: الشياطين، ولا الكافرين عَضُداً والعضد هو: العظم الذي بين المرفق والكتف، هذه المنطقة تسمى عضداً، وتطلق مجازاً على المعين، يقال: فلان عضدي، أي: معيني ومساعدي، واعتضدت بفلان أي: استعنت به.

    إنكار الله تعالى على المشركين اتخاذ الشياطين أولياء من دون الله

    يخاطب الله عز وجل في هذه الآية المشركين الذين كانوا يتخذون الشيطان ولياً من دون الله، وكانوا يستعيذون به، كما قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً [الجن:6]، كان الواحد من المشركين إذا نزل وادياً وخاف من شيء قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه، يستعيذ بالشيطان، فيقول الله لهم: هؤلاء الشياطين الذين تستعيذون بهم، وتنفذون أوامرهم، وتسلكون سبيلهم، ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، أي: ما كانوا شاهدين، ولا اعتضدت بهم، ولا أعانوني كما قال الله عز وجل: قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22]، إذا كان هؤلاء الشياطين لم يشهدوا خلق السموات والأرض، ولم يشهدوا خلق أنفسهم، فما بقي معنى لاتخاذهم أولياءً من دون الله، ودائماً يتكرر في القرآن الاستدلال بالخلق على وجوب إفراد الخالق جل جلاله بالعبادة والولاية، يقول الله عز وجل: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17]، هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11]، اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم:40]، أي: هؤلاء الذين تتخذونهم شركاء لا يخلقون، ولا يرزقون، ولا يميتون، ولا يحيون.. ولا يفعلون شيئاً من ذلك، كما قال الله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4]، وقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمْ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً [فاطر:40].

    فهؤلاء ما شهدوا خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، فما ينبغي لكم أن تتخذوهم أولياء من دون الله؛ لأنهم عبيد مربوبون مقهورون، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

    وهذه الآية تنطبق على كل معبود من دون الله، من عبد صنماً، ومن عبد شجراً، ومن عبد بشراً، نجيبه بهذه الآية: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ...)

    يقول الله عز وجل: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، (ويوم يقول) أي: يوم القيامة، وقرأ حمزة بن حبيب : (ويوم نقول) بنون العظمة لله جل جلاله، (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) أي: الذين زعمتم أنهم شركاء لي في تصريف هذا الكون، وفي القيام عليه فهم ينفعون بزعمكم ويضرون، ولهم تصرف في الكون بوجه من الوجوه، وزعمتم أنهم سيشفعون لكم عند الله عز وجل، نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ، (نادوا) النداء طلب الإقبال للنصرة والمساعدة، قال الله عز وجل: فَدَعَوْهُمْ ، المشركون يوم القيامة ينادون شركاءهم: يا هبل! يا مناة! يا عزى! يا اللات! ينادون هؤلاء الشركاء، وكذلك من صرف شيئاً من العبادة لأحد سوى الله عز وجل سيناديه، من عبد نبياً، أو عبد ولياً، أو عبد شجراً، أو عبد حجراً سيناديه، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ، الاستجابة هي الكلام الدال على سماع النداء والإقبال بنحو قول من دعوته: لبيك، فإذا قال ذلك فقد أجابك (فلم يستجيبوا لهم)، كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14]، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:5].

    وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ، وقال في سورة القصص: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62]، أي: كنتم تزعمون أنهم شركاء لي، قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص:63-64].

    وقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة:166]، يتبرءون منهم، ويقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23].

    فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [الكهف:52]، أي: جعلنا بين المشركين وشركائهم (موبقاً) أي: مهلكاً، أي: جعلنا بعضهم سبباً لهلاك بعض، كما قال الله عز وجل: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [العنكبوت:25]، وكما قال: وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39]، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.

    معنى قوله تعالى: (وجعلنا بينهم موبقاً)

    قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً [الكهف:52].

    (موبقاً) من الوبوق، وهو الهلاك، ومنه سميت الذنوب الكبائر موبقات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات )، ومنه قول الله عز وجل: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا [الشورى:34]، (أو يوبقهن) أي: يهلكهن، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها )، أي: مهلكها، ومنه قول زهير :

    ومن يشتري حسن الثناء بماله يصن عرضه عن كل شنعاء موبق

    وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً هي كما قال الله عز وجل: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41]، وكما قال: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً)

    قال الله عز وجل: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً [الكهف:53].

    هذه الجمل معطوف بعضها على بعض، يعني قال الله عز وجل: وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف:51]، ثم قال: وَيَوْمَ يَقُولُ [الكهف:52] أي: لهؤلاء المضلين نَادُوا شُرَكَائِي الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ [الكهف:52]، كان يمكن أن يقال في غير القرآن: ورأوا النار، لكن عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر؛ لبيان العلة التي من أجلها دخلوا النار وهي الإجرام، (ورأى المجرمون) والمجرم اسم فاعل من الإجرام؛ وهي ارتكاب الجناية العظيمة التي تستلزم المؤاخذة، (ورأى المجرمون النار)، رأوا النار وليست الرؤية من جانبهم فقط، بل كذلك النار تراهم، قال الله عز وجل: إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14]، وليس عجيباً على قدرة الله أن يجعل للنار عيناً تبصر، ولساناً يتكلم، وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرج من النار يوم القيامة عنق له عينان تبصران، ولسان يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبمن جعل مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين ).

    إطلاق الظن على اليقين والعكس في القرآن الكريم

    وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53]، (فظنوا) والظن يأتي بمعنى إدراك الطرف الراجح، ويأتي بمعنى اليقين، وفي القرآن جاء إطلاق اليقين على الظن في قول الله عز وجل: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ [البقرة:45-46]، ومعنى يظنون يوقنون أنهم ملاقوا ربهم.

    وكذلك العبد الصالح يوم القيامة بعدما أخذ كتابه بيمينه وفرح قال: هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي [الحاقة:19-20] أي: أيقنت، أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20]، فهؤلاء المشركون رأوا النار فأيقنوا أنهم مواقعوها كما قال الله عز وجل: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا، قال الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [السجدة:12]، وقال سبحانه: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].

    عجز المشركين عن الفرار والهرب من النار

    وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53]، (مواقعوها) المواقعة مفاعلة من الوقوع، مفاعلة بينهم وبين النار، أي: سيقعون فيها، وتقع عليهم، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا ، أي: ملابسوها ومخالطوها، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً [الكهف:53]، لا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله أن يجيرنا من النار برحمته، (لم يجدوا عنها مصرفاً)، أي: لم يجدوا سبيلاً إلى الانصراف، يقول الكافر يومئذ: أَيْنَ الْمَفَرُّ [القيامة:10]، أين المفر من عذاب الله عز وجل؟ وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً ، أي: مكاناً يتخلصون إليه، وينصرفون إليه من عذاب النار، النار قد أحاطت بهم من كل جانب كما قال الله عز وجل، وقد مر معنا: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف:29]، أي: سورها، إذا توجهوا يميناً فنار، أو شمالاً فنار، ومن فوقهم نار، ومن تحتهم نار، ومن أمامهم نار، ومن خلفهم نار، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ...)

    الله عز وجل بعدما هدد المضلين وتوعدهم رجع يذكرهم، فيقول سبحانه: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، الواو واو العطف، واللام واقعة في جواب القسم، و(قد) حرف تحقيق، فالمعنى والله لقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل، (ولقد صرفنا)، التصريف: الترديد والتكرير، رددنا وكررنا، وكثرنا، (في هذا القرآن) أي: في كتاب الله عز وجل، في الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل، والقرآن إما أنه مشتق من قرأ، ومنه قول الله عز وجل: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]، أي: قراءته، وإما أنه بمعنى الجمع، لِلنَّاسِ ، أي: عموماً عربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم، (من كل مثل) أي: من كل نوع من أنواع البيان، فالله عز وجل بين في القرآن ما يريد بقصص الغابرين، وما كان في القرون الداثرة، والأمم الغابرة، الله عز وجل صرف للناس في هذا القرآن من كل مثل، وأوضح لهم دلائل الربوبية في خلقه، ودلائل قدرته وعظمته جل جلاله، الله عز وجل صرف للناس في هذا القرآن من كل مثل بضرب الأمثال، تارةً يضرب لهم مثلاً بالبعوضة، وتارةً بالذبابة، وتارةً بالعنكبوت، وتارةً بالشجرة، وتارةً بالماء، وكلها مخلوقات يرونها، ويفهمون هذه الأمثال إذا وفقوا، قال الله عز وجل: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، والقرآن الكريم ما أكثر الأمثال فيه، لكن بين ربنا جل جلاله أن بعض الناس تزيده هذه الأمثال إيماناً، وبعض الناس تزيده ضلالاً، كما قال الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة:26].

    قال تعالى: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54].

    (وكان الإنسان) اسم جنس يشمل بني الإنسان جميعاً، (أكثر شيء) أي: أكثر شيء من الأشياء التي خلقها الله عز وجل جدلاً. ‏

    معنى الجدل

    والجدل قالوا: مشتق من جدل الحبل، وهو فتله وبرمه؛ لأن الإنسان الذي يخاصم وينازع غيره الكلام يفتل له، ويعد له الكلام إعداداً، وقيل: مشتق من الجدل بمعنى الطرح، جدل فلان فلاناً إذا طرحه أرضاً، كأن الإنسان المجادل يريد أن يطرح خصمه.

    الجدل بالباطل

    الله عز وجل يذكر في هذه الآية صفة قبيحة في الإنسان إذا تجرد قلبه من مخافة الله، يجادل بالباطل، والله عز وجل ذكر لنا بعض أنواع الجدال بالباطل في القرآن، فقال الله عز وجل: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78]، وقال: وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً [مريم:66]، ومن أمثلة الجدال بالباطل قول المشركين عن نوح عليه السلام: مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [المؤمنون:24]، وقولهم عن هود: مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون:33]، وقولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:7].

    قال الله عز وجل: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل:4]، وذم الله عز وجل قريشاً فقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، أي: شديدو الخصومة والمجادلة، فالجدال ليس صفةً محمودةً بإطلاق؛ لأننا قد ابتلينا بأناس يعجبون بالشخص فصيح اللسان، يعجبون بالشخص كثير الجدال، يعجبون بالشخص الذي يجيد التلبيس والتدليس، ونقول: ما شاء الله هذا رجل فاهم، والدليل على أنه فاهم أنهم لا يغلبونه، وليست هذه صفة محمودة، بل ذكر الله عز وجل هذه الصفة في معرض الذم فقال: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، ولذلك الإمام مالك رحمه الله ولا يشك أحد في علمه ولا في ورعه، ولما جاءه أحد الناس قال له: جادلني، قال له مالك : إن غلبتك؟ قال له: أتبعك، قال له: إن غلبتني؟ قال له: تتبعني، قال له: فإن جاء ثالث فغلبنا أنا وأنت، قال له: نتبعه، فقال الإمام مالك : يا هذا! ابحث لك عن دين، أما أنا فقد عرفت ديني، أكلما جاء شخص أجدل من شخص اتبعناه وكلما جاء شخص عنده طول نفس في الباطل، وعنده قوة أعصاب في الباطل، نتبعه ونعجب به؟ معاذ الله.

    الجدل المحمود

    الجدال محمود إذا كان لإحقاق الحق، قال الله عز وجل: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت:46]، وذكر لنا ربنا في القرآن المجادلات الراقية التي كانت بين الأنبياء وأقوامهم، فإبراهيم عليه السلام لما قال له النمرود : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]، لم يطول إبراهيم الكلام، بل قطع عليه الطريق، فقال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ [البقرة:258]، انتهى الكلام.

    وهكذا موسى عليه السلام يجادل فرعون ، وفرعون يستعمل البذاءة والوقاحة والتهديد بالسجن فقال له: لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] فقطع موسى الكلام فقال: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:30-33].

    فالجدال ممقوت إلا إذا كان لإحقاق الحق؛ لما ثبت في الصحيحين عن ابن شهاب الزهري ، عن زين العابدين علي بن الحسين ، عن أبيه سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرق عليه وعلى فاطمة الباب في جوف الليل، فقال: ألا تصليان؟ ) يعني صلاة التهجد ( فقال علي : يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، فإن شاء أن يبعثها بعثها، فانصرف رسول صلى الله عليه وسلم وهو يضرب على فخذه ويقول: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54] )، فعاب رسول صلى الله عليه وسلم على علي هذه الكلمة، وإن كانت حقاً؛ لكنه لما قال هذا الكلام في معرض الاحتجاج على نومه، وعدم قيامه للتهجد لم يقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    صور الجدال بالباطل

    ومن الجدال بالباطل ما يفعله بعض الناس حين تقول له: لم لا تصلي؟ يقول لك: لو هداني الله لاهتديت، وهذا نقول له: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54].

    ومن الجدال بالباطل أن بعض الناس تقول له: لم لا تصلي في المسجد فيقول: أهل المسجد هؤلاء منافقون، أو الذين يصلون في المسجد أنا أختلف معهم في الرأي ونحو ذلك، وهذا نقول له: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً [الكهف:54]، هذه الآية سيف مصلت على كل من يجادل بالباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلى أن تأتيهم سنة الأولين ...)

    قال الله عز وجل: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً [الكهف:55].

    معنى (قبلاً)

    هذه قراءة الكوفيين الثلاثة: حمزة ، و الكسائي ، و عاصم و(قبلاً) جمع قبيل، كسرر جمع سرير، وطرق جمع طريق، وحصر جمع حصير، فـ(قبلاً) جمع قبيل، أي: قبيل وقبيل وقبيل، أنواع، وقرأ بقية السبعة (إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قِبَلاً) أي: في مقابلتهم ومواجهتهم.

    وجوه تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا ...)

    يقول الله عز وجل في هذه الآية الكريمة: (وما منع الناس) أي: الكافرين، (أن يؤمنوا) هذه على نزع الخافض، أي: من أن يؤمنوا، أي: من الإيمان، وما منع الناس من الإيمان إلا واحد من أمرين: (إلا أن تأتيهم سنة الأولين) وهذا له عدة وجوه:

    الوجه الأول: أي: هم ينتظرون أو يطلبون أن ينزل بهم ما نزل بالأولين من مصارع الأمم الغابرة؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم خبر قوم نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً [نوح:25]، يقرأ عليهم خبر عاد وثمود: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة:5] أي: بالصعقة، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [الحاقة:6]، كان يقرأ عليهم هذه الأخبار، فكان المشركون بدلاً من أن تفعل هذه المواعظ فعلها في قلوبهم يقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، كما قال قوم لوط للوط: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [العنكبوت:29]، وكما قالت مدين: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ [الشعراء:187]، أي: قطعاً إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ [الشعراء:187]، وهكذا هؤلاء الناس، ما منعهم من الإيمان إلا انتظارهم وتمنيهم أن تأتيهم سنة الأولين وأن ينزل بهم ما أنزل الله عز وجل بالأمم الغابرة من العذاب والنكال.

    الوجه الثاني: وما منع الناس من الإيمان إلا ما سبق في قدر الله، وعلمه الأزلي، ولوحه المحفوظ أنهم لا يؤمنون، فالله عز وجل يعلم المؤمن من الكافر، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97]، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى [الإسراء:94]، أي: حال مجيء الهدى إليهم، و(الهدى) القرآن والإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ [الكهف:55] أي: يطلبوا منه المغفرة والرحمة، إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ قُبُلاً [الكهف:55] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ...)

    يقول الله عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الكهف:56]، يا مشركون! يا من تتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتطلبون منه نزول العذاب، اعلموا أن هذه ليست مهمته، إنما مهمة المرسلين أنهم يقومون بالتبشير والإنذار، فيبشرون أهل الإيمان والطاعة والاستقامة بجنات النعيم، وينذرون أهل الكفر والظلم والطغيان بدركات الجحيم.

    وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56].

    سبب نزول الآية

    قيل: نزلت هذه الآية في ستة عشر رجلاً من المشركين، بعثهم الوليد بن المغيرة في موسم الحج، فوقفوا على أنقاب مكة وفجاجها وطرقها يحذرون الناس، ويقولون لمن دخل: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة فإنه كذاب، وربما قالوا: فإنه ساحر، وربما قالوا: فإنه كاهن، وربما قالوا: فإنه شاعر. هذا كله جدال بالباطل.

    معنى الدحض في قوله: (ليدحضوا به الحق)

    يقول الله عز وجل: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ [الكهف:56]، الباطل ضد الحق، ويطلق الباطل في لغة العرب على كل زائل، وعلى كل مضمحل باطل، ومنه قول لبيد :

    ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل

    ومنه قول الناس: الموت حق والحياة باطل، يعني أنها زائلة، مضمحلة، وهذا المعنى صحيح.

    وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا ، (ليدحضوا) أي: ليزيلوا ويزلقوا، ومنه يقال: أرض دحض: إذا كانت مزلقة، والسيراميك أرضه دحضة تزلق الإنسان وتزل قدمه، ولذلك لما تكلم الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصراط يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: ( ويضرب الصراط على جهنم، قيل: يا رسول الله! وما الصراط؟ قال: جسر دحض ) (دحض) يعني: يزلق ويسقط ويوقع؛ لأنه أدق من الشعر، وأحد من السيف، ولذلك الناس يمشون عليه حسب أعمالهم منهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح المرسلة، وكالجواد السريع، ومنهم من يتعثر فتخدشه كلاليب جهنم ثم ينجو، ومنهم من يكدس في النار، كل بحسب عمله، فهذا الصراط وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دحض مزلة، فقوله: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [الكهف:56]، أي: يجادل الذين كفروا بالباطل من أجل أن يزيلوا الحق ويبطلوه.

    صور من استهزاء الكافرين بآيات الله ورسوله

    قال الله عز وجل: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً [الكهف:56]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة بإسكان الزاي: (هزواً)، والمشركون كانوا يستهزئون بآيات القرآن، وكانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: لما نزل قول الله عز وجل: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ [الدخان:43-44]، قال أبو جهل : أتدرون ما الزقوم؟ إنه التمر مع الزبد، أتزقمه تزقماً.

    ومن ذلك: لما نزل قول الله عز وجل: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:27-30]، قال أبو جهل : ويلكم، أكفيكم عشرة واكفوني تسعة، يعني: أنا وحدي سأقاوم عشرة، وأنتم يا مشركي مكة تولوا التسعة الباقين، كانوا يستهزئون بآيات القرآن، يستهزئون بالرسول عليه الصلاة والسلام، يسمونه ابن أبي كبشة، و أبو كبشة هو زوج حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ، التي أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء كانوا يستهزئون على سنن الأولين، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [الأنعام:34]، وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [الرعد:32]، هذه هي طريقة المشركين (الاستهزاء)، ولذلك لو استهزأ الكفار الآن بالقرآن فداسوه بالأقدام، أو ألقوه في الحمام، أو فعلوا به غير ذلك، فليس الأمر بغريب، فسلفهم أبو جهل وأضرابه.

    وكذلك الاستهزاء دأب المنافقين وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة:14]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]، فكل من استهزأ بالقرآن، وكل من استهزأ بالرسول عليه الصلاة والسلام، وكل من استهزأ بشعيرة من شعائر الدين فهو داخل في هذا الوصف القبيح: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُواً .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ...)

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57].

    قد تقدم الكلام مراراً في نظائر هذه الآية، بأن الاستفهام مراد به النفي.

    دفع التعارض بين قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) وقوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) ومثيلاتها

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف:57]، أي: لا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه، ووجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [العنكبوت:68]، وقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة:114]، ومثيلاتها، إذا قلنا: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، ولا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها؛ فإن هذا يوهم بأن بين الآيات تعارضاً.

    وأنا أقول: لا تعارض إن شاء الله، والجمع من وجهين كما ذكر العلامة الشيخ الأمين رحمه الله في دفع هذا الاضطراب:

    الوجه الأول: أنه لا أحد أظلم من هؤلاء، فكلهم أظلم الظالمين، فهم متساوون في الظلم، كما تقول: لا أجرم ممن سب الله، ولا أجرم ممن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجرم ممن كذب بآيات الله، فهم جميعاً مشتركون في الإجرام، في أعلى درجات الإجرام، هكذا هؤلاء مشتركون في أعلى درجات الظلم.

    الوجه الثاني: أن كل واحد هو أعلى الظالمين في مجاله، ولا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذباً، لا أحد من المعرضين أعظم ظلماً ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها.

    صور الإعراض عن آيات الله تعالى

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ [الكهف:57]، أي: ممن وعظ بآيات ربه، (فأعرض عنها) أي: تولى وصدّ، والإعراض صوره كثيرة، منها: الصور الحسية، جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ [نوح:7]، ومن صور الإعراض الحسية: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت:26]، فإذا بدأ محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ تكلموا وغنوا وصفقوا وصفروا لتطغى أصواتهم على صوته عليه الصلاة والسلام، ثم هناك الإعراض المعنوي والعياذ بالله: أن يسمع ثم لا يعمل.

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ، أي: تولى وصد، وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]، (نسي) بمعنى ترك وتلهى عما أسلفه من أعمال الكفر، وذكر اليدين؛ لأن أغلب الكسب يكون بها، قال الله عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، مع أن المعاصي تكون أحياناً بالعينين، بالأذنين، باللسان، بالقلب، بالرجلين، لكن أغلبها باليدين، الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].

    قال الله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف:57]، القلوب مدارك العلم، (أكنةً) جمع كنان: وهو الغطاء، إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الكهف:57]، أي: من أن يفقهوا، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً [الكهف:57]، جعلنا في آذانهم ثقلاً.

    الجمع بين قوله تعالى: (فلن يهتدوا إذاً أبداً) وإيمان بعض المشركين كأبي سفيان وغيره

    قال تعالى: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً [الكهف:57].

    يقول الله عز وجل: (وإن تدعهم إلى الهدى) أي: يا محمد (فلن يهتدوا إذاً أبداً)، لكن أليس من المشركين من اهتدى؟ مثل أبي سفيان حارب الله ورسوله من فجر الدعوة إلى فتح مكة إلى السنة الثامنة، إحدى وعشرين سنة، ثم اهتدى، وغيره، فكيف تخرج هذه الآية: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً [الكهف:57]؟

    والجواب أن هذه الآية مثل قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6].

    هذه الآيات عمومها أريد به الخصوص، والمعني بهذه الآية هو من سبق في علم الله أنه لن يهتدي، وليس المراد بها كل المشركين، وإلى يومنا هذا بعض الناس يدعى فيستجيب، فالمراد بهذه الآية من سبق في علم الله أنه لا يهتدي.

    نتائج الإعراض عن آيات الله تعالى

    يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف:57]، هذه الآية الله عز وجل بين فيها أن المعرض عن الموعظة والتذكرة هو أظلم الظالمين، وبين ربنا جل جلاله في آيات أخرى نتائج الإعراض، فلو أن الإنسان أعرض عن الآيات، ولم يستجب للمواعظ والتذكرة فقد بين ربنا جل جلاله أنه ينتقم منه، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22]، ومن النتائج السيئة أنه والعياذ بالله يكون بمنزلة الحمار، قال سبحانه: فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [المدثر:49-50]، ومن النتائج السيئة تقييض الشياطين له، حيث يكون مع الشياطين، وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36].

    ومن النتائج السيئة: أنه يعيش عيشة الضنك ويعذب في الآخرة، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    ومن النتائج السيئة العذاب، قال الله عز وجل: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً [الجن:17].

    الآيات التي كان يستتر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين

    يقول الله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً [الكهف:57]، قال كعب الأحبار رحمه الله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات، يعني أنتم تقرءون في السيرة أن الله عز وجل لما أنزل تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] إلى أن قال: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4]، ( جاءت العوراء أم جميل وهي تحمل فهراً من حجارة، والرسول صلى الله عليه وسلم جالس عند الكعبة ومعه أبو بكر ، فقالت له: يا أبا بكر ! بلغني أن صاحبك قد هجاني، فقال لها أبو بكر : والله ما هجاك )، وكلامه صحيح، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما هجاها، وإنما هجاها رب العالمين، قال: ( لا والله ما هجاك، قالت له: أما والله لو رأيته لصككت فاه بهذا الفهر -أي: سأضرب على فهمه بهذا الفهر- ثم ولت وهي تقول: مذمماً أبينا، وأمره عصينا، ودينه قلينا، فـأبو بكر قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! ما رأتك؟ ) لأن المرأة عوراء، ولكن عندها عين جيدة، ( فقال عليه الصلاة والسلام: لقد أخذ الله ببصرها عني )، مع أنه جالس بجوار أبي بكر ، فرأت أبا بكر وما رأت الرسول عليه الصلاة والسلام، كان صلى الله عليه وسلم يستتر من المشركين بثلاث آيات: بهذه الآية من الكهف، وآية النحل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ [النحل:108]، وآية الجاثية: أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23].

    تأثير الآيات التي استتر بها رسول الله بعد وفاته إلى يومنا هذا

    قال القرطبي رحمه الله: ويزاد عليها الآيات الأول من سورة (يس) إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، قال كعب الأحبار : فحدثت بهن رجلاً من أهل الشام مكث عند الروم زماناً، ثم خرج منهم هارباً وهو يتلو تلك الآيات، فكانوا يمرون عليه بطريقه ولا يرونه.

    ويقول القرطبي رحمه الله: وقد كنت ببلادنا بلاد الأندلس، وقد حل بها العدو يعني: الصليبيين النصارى، قال: فخرجت مستتراً، وأنا أتلو هذه الآيات، وأتلو آية الإسراء، وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً [الإسراء:45]، يقول: فخرج فارسان في طلبي وأنا في فضاء من الأرض لا يسترني منهم ساتر، فجلست فجعلوا يحومون حولي، ويطوفون بي ولا يروني، يقول أحدهما للآخر: إنما هو شيطان.

    وهذه إلى يومنا هذا تعمل عملها، أنا ما جربتها، لكن عندنا أحد إخواننا نحسبه من الصالحين، وقع في الأسر، وكان الصليب الحاقد الذي يحقق معه يقول له: بعض زملائك نحن أطلقناهم من الأسر ومشوا وقالوا: (يس) أطلقتنا، وأنت افعل مثلهم واجعل (يس) تطلقك، قال ذلك الرجل: فقلت في نفسي: والله لتكونن كذلك، إن شاء الله (يس) تطلقني، قال: والله خرجت منهم في الضحى الساعة إحدى عشرة من المعسكر، ووجهي يختلف عن وجوههم، ولباسي يختلف عن ألبستهم، وأنا أقرأ سورة (يس)، والله إني لأمر أحياناً من مكان ضيق لعل أحدهم قد مد رجليه فيطويها، حتى بلغت إلى باب المعسكر الذي يعتبر آخر نقطة خطر، فوجدت الجندي المقلد بالحراسة قد أسند سلاحه، وذهب ليبول، وفعلاً خرج ومشى برجليه وقطع فيافي وقفاراً أياماً، ورزقه الله عز وجل ببعض الناس من الرعاة سقوه لبناً وهم لا يعرفونه، وآخر سقاه ماءً وما زال كذلك حتى وصل إلى كسلا، ومنها رجع إلى أهله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    فالقضية عبارة عن يقين في القلب، إذا سكن هذا اليقين في القلب فإن هذه الآيات مثلما كانت معجزةً بالأمس فهي معجزة اليوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة ...) إلى قوله: (... وجعلنا لمهلكهم موعداً)

    يقول الله عز وجل: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58].

    (وربك) الخطاب لرسول صلى الله عليه وسلم، (الغفور) مبالغة من المغفرة، (ذو الرحمة) لم يقل: وربك الغفور الرحيم، وإنما قال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]، قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: لأن (ذو) تقتضي الرسوخ والتمكن، رحمته صفة لازمة له جل جلاله.

    رحمة الله بعباده بعدم مؤاخذته لهم بما كسبوا

    يقول الله عز وجل: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ [الكهف:58]، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل:61]، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد:6]، وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]، حتى بالنسبة للمشركين تأخير العذاب نوع من المغفرة؛ لكنها مغفرة مؤقتة.

    لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ أي: لو يحاسبهم بِمَا كَسَبُوا أي: بكفرهم وضلالهم، لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ ، قال الله عز وجل: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ [الكهف:58]، هذا الموعد عام، إما أن يراد به موعد الدنيا كيوم بدر، حين قطع الله رقابهم، وأبطل كيدهم، وأذل صناديدهم، أو أن يراد بالموعد يوم القيامة.

    وقوله: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً [الكهف:58]، أي: ملجأً، وبعض المفسرين قالوا: محيصاً، وبعضهم قالوا: مخلصاً، والمعنى كله واحد، لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً [الكهف:58].

    إهلاك الله للأمم السابقة بظلمهم وتكذيبهم

    قال سبحانه: وَتِلْكَ الْقُرَى [الكهف:59]، إشارة إلى ما كانوا يسمعون به ويعرفونه عن قوم عاد وثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات، قال الله عز وجل: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

    وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ [الكهف:59]، بأي نوع من أنواع الإهلاك، لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ [الكهف:59]، هذه هي قراءة حفص عن عاصم ، وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام: (وجعلنا لمهلكهم) على أنه مصدر ميمي من الفعل الثلاثي (هلك)، وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام: (وجعلنا لمهلكهم) على أنه مصدر ميمي من الفعل الرباعي أهلك، وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [الكهف:59].

    أيها الإخوة الكرام! في هذه الآيات فوائد منها: نفي الشريك عن الله عز وجل في خلق السموات والأرض، وغير ذلك من الفوائد التي تبلغ ثلاثين فائدة، والله أعلم.

    أسأل الله عز وجل أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.