إسلام ويب

تفسير سورة الكهف - الآيات [30-36]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعد الله للمؤمنين في الجنة أنهاراً تجري من تحتهم، وحلية يلبسونها متكئين على الأرائك، وهم في أعظم نعيم، كما أن الله ضرب مثلاً للمؤمنين والكافرين برجلين أحدهما كافر ومعه جنتان من جنات الدنيا فاغتر بهما، وظن أنه لن يبعث يوم القيامة، وإن بعث فسيجد حظاً عظيماً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقناً عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:30-36].

    في الآيات التي سبقت بين ربنا جل جلاله حال المتكبرين المتغطرسين، الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحي عن مجلسه الفقراء والمساكين، وبين ربنا جل جلاله أنه أعد لهم جهنم وما فيها من العذاب المقيم فقال: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29].

    وفي هذه الآيات يبين ربنا جل جلاله حال المؤمنين الطيبين الذين عملوا الصالحات، وأكثروا من القربات، ويبين ما أعد لهم في الجنة من النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، وهذه عادة القرآن غالباً أنه يثني بعد ذكر أصحاب النار بأصحاب الجنة كما في قوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]، وهذا تأويل قول ربنا جل جلاله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ [الزمر:23].

    يقول سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، أي: إن الذين رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وقد وقر الإيمان في قلوبهم، وترجمته أعمالهم، فبعدما قالوا: آمنا بالله استقاموا على أمره جل جلاله، فعملوا الصالحات، و(الصالحات) جمع صالحة، وتطلقها العرب على كل فعلة طيبة، ومنه قول أبي العاص بن الربيع رضي الله عنه يمدح زوجه زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها:

    بنت الأمين جزاك الله صالحةً وكل بعل سيثني بالذي علما

    وكما في قول الآخر:

    الحب مشغلة عن كل صالحة وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن

    فقوله: (عملوا الصالحات) أي: أتوا بالأفعال الطيبات، والخصال الحسنات.

    وقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30]، (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) اسم إن، وخبرها قوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، وقال بعض المفسرين: بل خبرها قوله تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [الكهف:31]، فتكون جملة: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] جملةً معترضة، وهذا قد تكرر في القرآن، كقول ربنا الرحمن في سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الحج:17]، وكقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة:8].

    وكقول القائل:

    إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ترجى الخواتيم

    وقوله تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30] الضمير في قوله: (إنا) يعود إلى رب العزة جل جلاله.

    والإضاعة أصلها جعل الشيء ضائعاً، أي: أن يُفقد من مظنة وجوده، وتطلق الإضاعة على عدم التمكين من الانتفاع بالشيء، وهو إطلاق مجازي، ومنه قول الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، وقول الله عز وجل: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90]، وقوله سبحانه: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195].

    وقوله: أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، أي: أجر من أحسن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلمة (عملاً) منصوبة على التمييز.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ...)

    ثم بين ربنا جل جلاله جزاءهم، فقال سبحانه: أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ [الكهف:31]، (أولئك) الإشارة للبعيد، وهي دلالة على بعد منزلتهم، وارتفاع مكانتهم عند الله، أي: أولئك المؤمنون الذين عملوا الصالحات لهم جنات عدن، ومعلوم بأن الواحد من أهل الإيمان له جنتان، لكن الله عز وجل قال: (لهم جنات) دلالةً على سعتها، وفسحتها، وأن الواحدة منها تصلح أن تكون جنات.

    و(جنات عدن) هي سرة الجنة ووسطها، وسميت عدن من العدن وهو الإقامة، يقال: عدنت بالمكان: إذا استوطنته، أو إذا اتخذته لي وطناً، ومنه قيل للمعدن: معدناً؛ لأنه مستقر باق.

    أنهار أهل الجنة

    وقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ [الكهف:31]، وهناك آيات كثيرة في القرآن يقول الله عز وجل: (تجري من تحتها الأنهار)، وفي هذه الآية قال: (من تحتهم الأنهار)، أي: تجري من تحت الغرف، أو من تحت المنازل مياه الأنهار، لكن الله عز وجل هنا عدل عن قوله: (تحتها) إلى قوله: (تحتهم).

    قال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: وفي هذا العدول زيادة تقرير لإفادة معنى الملك، أي: أنهم قد ملكوا تلك الجنات، فصارت تضاف إليهم غرفاً ومنازلاً ونعيماً وأنهاراً.

    وقوله تعالى: (الأنهار) مقصود بها مياه الأنهار، كما في قوله تعالى: وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ [يوسف:82]، أي: واسأل أهل القرية، هذا إيجاز بالحذف، وكما في قول القائل:

    نبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس

    أي: أهل المجلس.

    وهذه الأنهار التي تجري من تحت أهل الجنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- بين ربنا جل جلاله أنها على أجناس أربعة، قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد:15]، أي: غير متغير، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، فهذه كلها تجري من تحت أهل الجنة.

    حلية أهل الجنة

    ثم قال: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف:31]، (يحلون) من الحلية، وهي ما يتزين به المرء.

    وقوله: (من أساور من ذهب)، (من) الأولى والثانية لبيان الجنس، و(أساور) جمع أسورة، أو سوار وهو ما يحيط بالمعصم من الذراع. وهي من ذهب ومن فضة ومن لؤلؤ كما دل عليه القرآن.

    ففي هذه الآية قال الله عز وجل: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الحج:23]، وفي سورة الحج بين ربنا جل جلاله أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً [الحج:23].

    وفي سورة فاطر يقول الله عز وجل: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:33].

    وفي سورة الإنسان بين ربنا جل جلاله أن تلك الأساور من فضة، قال سبحانه: وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [الإنسان:21]، فأهل الجنة ينعمون بهذه الأنواع الثلاثة: يحلون أساور من ذهب، ويحلون أساور من فضة، ويحلون أساور من لؤلؤ، قال أهل التفسير: لما جرت عادة ملوك الدنيا أنهم يحلون بالأساور مثل ما قال اللئيم فرعون لعنه الله معترضاً على موسى: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [الزخرف:51-53]، عاب على موسى أنه ليس له أساور، فالله عز وجل جعل جزاء أهل الجنة في الجنة أنهم يحلون فيها من أساور من ذهب، وأساور من فضة، وأساور من لؤلؤ.

    ثياب أهل الجنة

    وقوله تعالى: وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ [الكهف:31]، هذا نعيم آخر من نعيم أهل الجنة، بعدما نالوا نعيم الشراب الحسن في الأنهار التي تجري من تحتهم، وبعدما نالوا نعيم التحلي، لهم نعيم ثالث وهو نعيم اللباس، واللباس هو ما يستر البدن من قميص أو إزار أو رداء، وهو في الدنيا إما للوقاية من حر، أو برد، أو للتجمل والتزين، ومعلوم أن الجنة لا حر فيها ولا برد، قال الله عز وجل: لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [الإنسان:13]، فلم يبق إلا التجمل والتزين، قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32].

    وقوله: (ثياباً) الثياب: جمع ثوب وهو الشقة من النسيج، وفي الحديث: ( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أخبرني عن ثياب أهل الجنة، أخلق يخلق أم نسيج ينسج؟ ) أي: هل تخلق خلقاً بكلمة (كن)، أم تنسج نسجاً في الجنة؟ ( فضحك الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -وفداه أبي وأمي ما من معلم أحسن منه- للصحابة: مم تضحكون؟ من جاهل يسأل عالماً )، يعني: ما ينبغي لكم أن تضحكوا، ( ثم التفت عليه الصلاة والسلام إلى السائل وقال له: تشقق من ثمار الجنة )، أي: أن هذه الثياب تشقق من ثمار الجنة.

    ثم بين لون تلك الثياب فقال: ثِيَاباً خُضْراً [الكهف:31]، بين ربنا جل جلاله: أن ثياب أهل الجنة ذات لون أخضر، قال أهل التفسير: وقد جعل الله ثياب أهل الجنة خضراً؛ لأن الخضرة هي أروح الألوان وأهدؤها، وأسلمها للعين، وأدخلها للسرور على النفس، فاللون الأخضر يريح العين، ويهدئ النفس، ويدخل عليها السرور، وقد قال القائل:

    أربعة مذهبة لكل هم وحزن: الماء والخضرة والبستان والوجه الحسن

    وهذه الأربعة كلها موجودة في الجنة: أما الماء فقال تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ [الكهف:31]، والخضرة قال تعالى: وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا [الكهف:31]، والبستان ذكره ربنا جل جلاله في كثير من الآيات كقوله سبحانه: قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:23]، وكقوله سبحانه: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64]، أي: شديدتا الخضرة، وكقوله سبحانه: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن:52]، يعني: أن أهل الجنة يعيشون في تلك الحال. أما الوجه الحسن فحدث ولا حرج، كما قال الله عز وجل: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [الإنسان:19-20].

    وهذه الثياب من نوعين في هذه الآية: من سندس وإستبرق، أما السندس فهي ثياب رقاق رفاع تلبس مما يلي البدن؛ لأنها ناعمة، ثم بعدها ثياب من إستبرق، والإستبرق هو غليظ الديباج الذي حلي بخيوط الذهب، وله بريق، فالثياب الناعمة من سندس يلبسونها كدثار مما يلي البدن، ثم بعد ذلك الثياب الغليظة التي هي من غليظ الديباج (الإستبرق)، والتي غشيت بخيوط الذهب، ولها بريق يأخذ بالأبصار تلبس من خارج البدن.

    جلوس أهل الجنة واتكاؤهم على الأرائك

    ثم نعيم رابع: وهو نعيم الجلوس، قال الله عز وجل في وصف حالهم: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، يعني: بعدما تمتعوا بالشراب، وتمتعوا بالتحلي، وتمتعوا باللباس، بعد ذلك هم متمتعون في هيئتهم، وفي جلستهم، وفي راحة بالهم وطمأنينة قلوبهم، فلا يكونون واقفين، ولا مضطربين، ولا يذهبون ويروحون، وإنما هم متكئون، والاتكاء قيل: معناه الاضطجاع، وقيل: معناه التربع في الجلوس، والتربع: هي جلسة دالة على التنعم والترفه، وهذا هو الأنسب لحالهم كما بين ربنا جل جلاله في سورة الغاشية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية:8-13]، وهذه السرر هي التي يتكئون عليها، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ [الغاشية:14]، أي: أكواب من ذهب، وأكواب من فضة، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ [الغاشية:15]، والنمارق جمع نمرقة، وهي الوسادة، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية:16]، والزرابي جمع زربية، وهي السجادة الصغيرة التي تلقى في المداخل مبثوثة هنا وهناك.

    وقوله: عَلَى الأَرَائِكِ [الكهف:31]، (الأرائك) جمع أريكة، والأريكة: السرير الذي له حجال، قال أهل التفسير: الحجلة: قبة من ثياب تجعل على السرير تجلس فيه المرأة أو تنام، ولذلك يقال للنساء: ذوات الحجال أو ربات الحجال، ولعل الأقدمين من جداتكم وأجدادكم يعرفون ذلك، فهكذا كان الحال إلى عهد قريب.

    وقول الله عز وجل: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، هناك الله عز وجل قال عن أهل النار: بِئْسَ الشَّرَابُ [الكهف:29]، وهنا يقول عن أهل الجنة: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، والثواب لغةً: يطلق على الجزاء، سواء كان جزاءً على الخير أو على الشر، فجزاء الخير بالخير، وجزاء الشر بالشر، كما في قول الله عز وجل: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:36]، أي: هل جوزوا، وكما في قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60].

    قال الله عز وجل: َحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:31]، وهناك قال: وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:29]، وليس لهم ما يرتفقون به، لكن من باب السخرية والتبكيت لهم، وهنا قال: (حسنت مرتفقاً) أي: حسنت منزلاً، ومقاماً، وموضعاً، ومقيلاً.

    فهذا الذي بينه ربنا جل جلاله في هذه السورة، من أن الجنة الطيبة المباركة ذات النعيم المقيم هي جزاء عباد الله المتقين، وقد بينه ربنا في آيات أخرى كما في سورة الإنسان: إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً [الإنسان:5] إلى أن قال ربنا جل جلاله: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الإنسان:22]، وكما في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، وكما في قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10] إلى أن قال: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:24].

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ...) إلى قوله: (... نعم الثواب وحسنت مرتفقاً)

    هاتان الآيتان فيهما فوائد:

    الفائدة الأولى: أنه لا طريق لدخول الجنة إلا بالإيمان، هذا هو الشرط الأول، فالإيمان هو أول باب لدخول الجنة، والإيمان معناه: التصديق بالقلب، والقول باللسان، والعمل بالأركان.

    الفائدة الثانية: لا بد مع الإيمان من عمل صالح، بفعل المأمورات، واجتناب المحظورات؛ لأن الله عز وجل قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الكهف:30].

    الفائدة الثالثة: أن الله جل جلاله يعظم نفسه، قال سبحانه: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، فلم يقل: أنا، وإنما قال: إنّا، وهذا في القرآن كثير.

    الفائدة الرابعة: أن الله جل جلاله يجزي المحسن بإحسانه، ولا يضيع عليه شيئاً، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30]، بل الله جل جلاله يجزي المحسن بأكثر من إحسانه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله حسنةً كاملة، فإن عملها كتبها الله عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة ).

    الفائدة الخامسة: التنويه بعظم شأن المؤمنين عند ربهم، وذلك أن الله عز وجل أشار إليهم بقوله: أُوْلَئِكَ [الكهف:31]، ولم يقل: هؤلاء.

    الفائدة السادسة: سعة الجنة وعظم خلقها بدليل الجمع، قال تعالى أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ [الكهف:31] واسعة، فسيحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن في الجنة شجرةً يسير المؤمن في ظلها مائة عام ما يقطعها، ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ).

    الفائدة السابعة: أن الجنة التي وعد المتقون دار إقامة لا خروج منها؛ لأن الله عز وجل وصفها بأنها جنات عدن، وكلمة (عدن) معناها: الإقامة، وعدنت المكان: إذا استوطنته، ومنه قيل للمعدن: معدناً، قال تعالى لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48].

    الفائدة الثامنة: أن هذه الأنهار تجري من تحت غرف أهل الجنة ومنازلهم، قال تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ [الكهف:31].

    الفائدة التاسعة: أن من نعيم أهل الجنة التحلي بالذهب، والتنعم باللباس، ولون ثياب أهل الجنة أخضر، قال تعالى: وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا [الكهف:31]، وهذه الثياب من أنعم الحرير وأحسنه ظاهراً وباطناً، قال تعالى: مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ [الكهف:31].

    الفائدة العاشرة: الثناء على حال أهل الجنة، وما أعد الله لهم من الثواب، كما قال ربنا سبحانه: نِعْمَ الثَّوَابُ [الكهف:31]، وأن أهل الجنة -جعلنا الله برحمته منهم- في حال ناعمة، وحسنة دائمة، كما قال ربنا سبحانه: نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً [الكهف:31].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ...) إلى قوله: (... لأجدن خيراً منها منقلباً)

    بعدما بين ربنا جل جلاله حال أهل النار وحال أهل الجنة، وما أعد الله عز وجل للكفار المتكبرين المتغطرسين، وما أعد للمؤمنين الطيبين المتواضعين، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ضرب الله عز وجل للفريقين مثلاً، قال سبحانه مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ [الكهف:32]، أي: اضرب لهؤلاء المؤمنين والكافرين مثلاً برجلين، وحالهم يشبه حال رجلين: أحدهما هو مثل للكفار، والآخر مثل للمؤمنين، وهذه الآية تنسجم مع مقدمة السورة التي قال الله عز وجل فيها: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7]، فليست الدنيا دار جزاء، وإنما هي دار بلاء، وكما قال ربنا سبحانه في سورة البقرة: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:212]، هذا حالهم.

    المراد بالرجلين في قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين)

    يقول سبحانه: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ [الكهف:32]، والرجلان إما أن يكونا مثلاً لمحسوس أي: رجلان حقيقيان، وإما أن يكونا مثالاً مضروباً، أي: مجرد مثال وليس له في الواقع حقيقة، لكن أكثر المفسرين قالوا: هذا المثل على الحقيقة، والرجلان محمد صلى الله عليه وسلم وأهل مكة، وقيل: بل الرجلان: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي المؤمن الطيب، زوج أم سلمة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكافر أخوه الأسود بن عبد الأسد ، وقال بعضهم: بل هما مثلان لرجلين من بني إسرائيل، وقيل: بل مثل لـعيينة بن حصن وأصحابه الذين قالوا: نحن سادات مضر، وأهل الوبر والمدر، والمثل الآخر لـسلمان و صهيب وقرنائهما من المؤمنين الصالحين.

    والذي عليه أكثر المفسرين بأن هذا المثل مضروب لرجلين من الأمم الغابرة، وهما أخوان شقيقان ورثا مالاً عن أبيهما، وكان نصيب كل واحد منهما أربعة آلاف دينار، أما الكافر منهما فقد اشترى بألف دينار بستاناً، وبألف دينار تزوج امرأة، وبألف دينار خدماً وحشماً، وبألف دينار ابتاع داراً، جمع نعيم الدنيا في دار وبستان وزوجة وخدم، وأما المؤمن فقد قال: اللهم إن فلاناً قد ابتاع بألف دينار بستاناً من بساتين الدنيا، وإني أبتاع منك بستاناً من بساتين الجنة بهذه الألف فتصدق بها، ثم لما تزوج الآخر بألف دينار قال: اللهم إن فلاناً قد نكح امرأةً من أهل الدنيا بألف دينار، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بهذه الألف فتصدق بألف دينار، فلما رأى الخدم والحشم قال: اللهم إن فلاناً قد ابتاع من خدم الدنيا بألف دينار، وإني أبتاع منك من غلمان الجنة وحورها بألف دينار، فتصدق بألف ثالثة، فلما اشترى الدار قال: اللهم إن فلاناً قد ابتاع من دور الدنيا بألف دينار، وإني أبتاع منك من دور الجنة، فتصدق بالألف الرابعة، ثم بدأ يكدح ويعمل فأصابته سنة، يعني: لحقت به حاجة واضطرار، فقال: لو أتيت أخي فاستعنت به لعله يستعملني في بعض عمله، يعني ما جاءه سائلاً متسولاً، وإنما جاءه يطلب عملاً لينال منه أجراً، لكن أخاه الكافر بدأ يبكته ويوبخه ويسفهه، ويسخر من فعله، ويقول له: قد ضيعت مالك، وأذهبت ميراثك، ثم جئت بعد ذلك تطلب وتسأل، وأخذ بيد أخيه يطوف به في جنتيه، ويريه ما هو فيه من النعيم.. إلى آخر القصة، وقد أكملها ربنا في سورة الصافات، حيث بين ربنا جل جلاله حال أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، ثم ما كان بينهم من حديث قال تعالى: قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ [الصافات:51]، وهذا هو المؤمن الطيب إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات:51]، أي: كان لي صاحب أو أخ في الدنيا، يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:52-53]، يعني: هل أنت تصدق يا مسكين بأن هناك قيامة وبعثاً ونشوراً وجنةً وناراً؟ مثلما قال في سورة فصلت: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [فصلت:50]، فقال في سورة الصافات: أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:52-53]، قَالَ [الصافات:54]، أي: قال لهم الملك: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:54]، يعني: كلكم مطلعون على أهل النار، هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:54-55]، أي: رآه يتقلب في النار، قَالَ تَاللَّهِ [الصافات:56] أي: والله إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56]، يعني: لو سمعت كلامك، واتبعت رأيك لترديت في النار معك، تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:56-57]، أي: لولا أن الله أنعم علي بالإيمان، وثبتني على الإسلام لكنت معك في الجحيم، هذا الذي ضرب الله عز وجل له مثلاً.

    معنى قوله تعالى: (جعلنا لأحدهما جنتين)

    وقوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ [الكهف:32] أي: يا محمد! اضرب للمؤمنين والمشركين مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ [الكهف:32]، (جنتين) أي: بستانين، وسميت الجنة جنة -وتصغيرها جنينة- لأن ما فيها مستور، فمادة الجيم والنون تدل على الشيء المستور المخفي، ومنه قيل للطفل في بطن أمه: جنيناً، ومنه قيل للمخلوقات التي لا ترى: جناً، ومنه قيل للإنسان الذي ذهب عقله: مجنوناً، وقوله: جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ [الكهف:32]، أي: بستانين من أعناب، يعني: ما كانا البستانان من جرجير، ولا من بصل، ولا من فجل، ونحو ذلك، وإنما من أعناب، جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف:32] وهو الذي يسميه العرب كرماً.

    وقوله: وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ [الكهف:32]، يعني: ما احتاج هذا الرجل الكافر إلى أن يبني سوراً، وإنما سور الجنتين نخل، و(حففناهما): أحطناهما، ومنه قول الله عز وجل: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ [الزمر:75] أي: محيطين حول العرش، وبين الجنتين ليس طريقاً مسفلتاً، ولا حجارة، وإنما كما قال الله: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً [الكهف:32]، أي: جعلنا بين البستانين زرعاً، أي: أرضاً جامعةً للأقوات والفواكه مع الترتيب الحسن والشكل الجميل، بستانان من أعناب، والسور من نخيل، وبين البستانين زرع فيه الرمان، والجوافة، والمنجا، والكمثرى.. وغير ذلك من الفواكه التي علمناها والتي لا نعلمها.

    وقوله: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [الكهف:33]، جرت عادة أهل الزرع بأن مزارعهم أحياناً تحمل وأحياناً تخفق، وأحياناً يكون الحصاد كاملاً، وأحياناً ناقصاً، لكن من ابتلاء الله عز وجل لهذا الإنسان الكافر أن كل واحدة من الجنتين (آتت أكلها)، هذه قراءة حمزة و الكسائي و أبي جعفر و عاصم : (أكلها)، وقرأ الجمهور: (تلك الجنتين آتت أكْلها)، الأُكْل والأكُل ما يؤكل، يعني: تلك الجنتين آتت ثمرها تاماً وافياً كاملاً.

    وقوله سبحانه: وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [الكهف:33]، الظلم: النقص، (ولم تظلم) أي: لم تنقص، في كل مرة الثمار كاملة تزيد ولا تنقص.

    وقول الله عز وجل: وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً [الكهف:33]، أي: أن الرجل لا يحتاج إلى أن يأتي بآلات، ولا يحتاج إلى نواضح، ولا يحتاج إلى أن يجلب الماء ويسحبه، وإنما فجر الله له بين هاتين الجنتين نهراً، وكلمة (نهراً) فيها لغتان بإسكان الهاء وفتحها.

    يقول ابن عطية رحمه الله: وتأمل هذه الهيئة التي ذكرها الله عز وجل، فإن المرء لا يكاد يتخيل أجل منها في مكاسب الناس، يعني: تخيل أنك في تلك الحال: جنتا عنب، أحاط بهما نخل، بينهما فسحة هي مدرة لجميع الثمار، والماء المعين يسقي ذلك من النهر الذي حمل هذا المنظر، وعظم النفع، وقرب الكد، وأغنى عن النواضح وغيرها، فلا يحتاج إلى سقي، كما قال الله عز وجل عن ذلك الضياء قال: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ [النور:35]، هذه أيضاً من نفسها، ومن نفسها تحمل، ومن نفسها تسقط ثمرها، ليس هناك مئونة ولا جهد.

    وقوله عز وجل: وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [الكهف:34]، قال أهل التفسير: الثمر مراد به المال من ذهب وفضة، يعني بالإضافة إلى كونه صاحب تلك الأرض الخصبة، والجنتين المورقتين المنتجتين فهو كذلك عنده مال، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ [الكهف:34]، بفتح الثاء والميم، وهي قراءة عاصم و أبي جعفر ، ثمر جمع ثمرة، كبقر جمع بقرة، وقرأ غيره بضم الثاء والميم، (وكان له ثمر) جمع ثمار، ككتب جمع كتاب، وقرأ بعضهم (وكان له ثمر) بضم الثاء وإسكان الميم.

    افتخار الكافر وغروره

    وقوله: فَقَالَ لِصَاحِبِهِ [الكهف:34] أي: قال لصاحبه المؤمن وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:34]، أي: يراجعه الكلام، والمحاورة مراجعة الكلام من الحور وهو الرجوع، قال تعالى: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14]، أي: لن يرجع، وقال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور ).

    وقوله: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34]، أي: عندي من المال ما ترى، وأنا أعز منك نفراً، النفر قيل: العشيرة والخدم الذين ينفرون مع صاحبه، وأصل كلمة النفر في اللغة الرهط دون العشرة.

    قال الله عز وجل: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ [الكهف:35]، أي: دخل هذا الكافر عدو الله جنته، لكن الرجل عنده جنتان، فلم قال ربنا جل جلاله: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ [الكهف:35] ولم يقل: ودخل جنتيه؟ قيل: إما لأن الجنتين ما كان بينهما فاصل فهما كجنة واحدة، وإما لأنه لا يتأتى له أن يدخل الجنتين معاً، وهناك رأي غريب للزمخشري في الكشاف قال: فإن قلت: لم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه (ودخل جنته) التي ما له جنة غيرها، يعني: أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المتقون، فما ملكه في الدنيا فهو جنته لا غير، هذا رأي الزمخشري . و أبو حيان في البحر المحيط قال: وهذا بعيد جداً، يعني تكلف من الزمخشري رحمه الله.

    قال الله عز وجل: وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [الكهف:35]، الجملة هذه حالية، وهو ظالم لنفسه بكفره، ظالم لنفسه بجحوده، ظالم لنفسه بتكبره على أخيه، ظالم لنفسه بافتخاره بنعمة ليس له فيها يد، وإنما هي من الله، حين قال: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً [الكهف:34]، من أعطاك المال؟ وحين قال: أنا أعز منك نفراً، من الذي أعزك؟ فهو يفتخر بما ليس له، فكان ظالماً لنفسه.

    وقوله تعالى: قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً [الكهف:35]، يعني هذا الكافر يقول لأخيه: هذه الجنة التي تراها أمامك ما أظن، والظن هنا بمعنى الاعتقاد، ما أعتقد (أن تبيد) أي: تهلك، يقال: باد يبيد بيداً، وبيوداً، وبيدودةً إذا هلك، اغتراراً منه، أو أصابه الغرور، بمعنى لن تفنى، ولن تهلك، ولن تتلف، ولن يصيبها شيء، وقد قال هذا الكلام وهو مسكين لقلة علمه وضعف عقله، وإلا البقاء لا يكون إلا لله، قال سبحانه: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:88]. والمصيبة الأكبر أنه قال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ [الكهف:36]، وهذه اللام واقعة في جواب القسم، والله (لئن رددت) أي: لئن رجعت إلى ربي، وقوله: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي [الكهف:36]، وهذا على سبيل التشكيك، ثم قال: لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف:36]، أي: ليكونن لي هناك حظ، يعني: لو فرض أيها المؤمن أن كلامك صحيح، وأن هناك قيامة، فأنا عندي هناك حظ أحسن من حظك، ونصيب أكبر من نصيبك، قال أهل التفسير: وهذا ظن كثير من الأغنياء، فالأغنياء الكفار يظن الواحد منهم أن الله تعالى ما أعطاه إلا لمكانته عنده، قال سبحانه: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر:15]، يعني: أنا لي عند الله مكانة، كما قال ربنا: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً [مريم:77]، وقال الله عز وجل عن الكافر الآخر: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت:50]، فهذا حال كثير من الناس، وقد رد عليهم ربنا بقوله: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى [سبأ:37]، وبقوله سبحانه: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون:55-56].

    فوائد من قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ...) إلى قوله: (... لأجدن خيراً منها منقلباً)

    تضمنت هذه الآيات جملةً من الفوائد، منها:

    الفائدة الأولى: مشروعية ضرب الأمثال للوصول بالمعاني الخفية إلى الأذهان، وهذا في القرآن كثير، قال الله عز وجل: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وكما قال أهل التفسير: الأمثال في القرآن نوعان: هناك أمثال ظاهرة، وهناك أمثال كامنة.

    الفائدة الثانية: تنويع أساليب القرآن في بيان الحقائق وتعليم الآداب، يعني القرآن يعلمنا تارةً بالأمثال، وتارةً بالقصص، وتارةً بالترغيب، وتارةً بالترهيب، فالله عز وجل ينوع لعباده الأساليب.

    الفائدة الثالثة: أن فضل الله لا يمنع عن الكافر؛ لأننا في هذه الآيات قد قرأنا أن ذلك الرجل كان كافراً، ومع ذلك آتاه الله جنتين، فالدنيا ليست مجالاً للجزاء، ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء ).

    الفائدة الرابعة: أن الله تعالى إذا أعطى فخزائنه ملأى، ويده سحاء الليل والنهار، لا يغيضها عطاء.

    الفائدة الخامسة: أن الله عز وجل قد يتابع النعم للكافر استدراجاً؛ لأن هذا الكافر كان يتقلب في النعم، وهذا ظاهر من قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا [الكهف:33]، والله عز وجل قال: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم:44]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيت الله ينعم على العبد وهو يعصيه فاعلم أنه استدراج )، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    الفائدة السادسة: جواز إطلاق لقب الصاحب على الكافر.

    الفائدة السابعة: أن على المؤمن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا يستكين أمام الكافر، يعني: ولو كان المؤمن فقيراً مسكيناً، والكافر طاغيةً متكبراً غنياً، فعلى المؤمن أن ينصحه ويأمره وينهاه، وهذا ظاهر من قوله تعالى: وَهُوَ يُحَاوِرُهُ [الكهف:34]، يعني: ما كان المؤمن ساكتاً، والكافر يتكلم بهذا الكلام، ويصرح بهذا الكفر بدليل أنه سيأتي معنا قوله: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الكهف:37]، ثم يقول له بعد ذلك: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ [الكهف:39].

    الفائدة الثامنة: أن شأن الغني دائماً إلا من رحم الله المفاخرة بأمواله، والاغترار بالدنيا، هذا شأن الغني إذا طمس الله بصيرته، ولم يعرف حقيقة الأمر، فإنه يغتر بالدنيا، ويظن أن له كرامةً عند الله، قال الله عز وجل: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً [آل عمران:178].

    الفائدة التاسعة: أن من أسباب الاغترار بالدنيا كثرة العشيرة والأمصار، يعني الدنيا ليست مالاً فقط، وإنما مال وعشيرة وأمصار، لذلك الكافر جمع بينهما فقال: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً [الكهف:34].

    الفائدة العاشرة: أن إنكار البعث والمعاد ظلم وكفر بالله، قال سبحانه: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا [الكهف:35]، أي: أن القول ببقاء العالم، وكذلك القول بقدمه كفر بالله، كما قال هذا الكافر: ما أظن أن تبيد هذه أبداً، فالقول ببقاء العالم كفر بالله، وكذلك القول بأن العالم قديم هذا أيضاً كفر بالله، واعتقاد المؤمن أن العالم حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، أي مخلوق في الدنيا له أول وله آخر، أما الله الخالق فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء وهو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء جل جلاله. والله أعلم.

    اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، والحمد لله رب العالمين.