إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد الحي يوسف
  4. السيرة النبوية
  5. الإنصاف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

الإنصاف في حياة النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإنصاف هو العدل في المعاملة مع النفس والغير، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً يقتدى به في الإنصاف، سواء مع أهله ونفسه وأصحابه وأعدائه، بهذا اقتدى أصحابه.

    1.   

    تعريف الإنصاف

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    نتناول خلقاً من أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خلق قرآني أصيل، وأعني بذلك: الإنصاف، وهو أن يكون المسلم منصفاً مع ربه جل جلاله, وأن يكون منصفاً مع نفسه، وأن يكون منصفاً مع الناس.

    والإنصاف مع رب العالمين جل جلاله بأن يوحده العبد ويعرفه، وألا يصرف شيئاً من العبادة لغيره، وضد ذلك الشرك، وقد سماه الله عز وجل ظلماً، كما قال سبحانه: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254], وقال على لسان لقمان: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    وكذلك الإنسان يكون منصفاً مع نفسه، كما قال عمار بن ياسر رضي الله عنهما: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: بذل السلام للعالم، والإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار.

    وكذلك يكون الإنسان منصفاً مع الناس, مع المؤمن والكافر, مع البر والفاجر, مع القريب والبعيد, مع الموافق والمخالف.. فلا بد أن يكون منصفاً مع الجميع, وهذا الذي تعلمناه من القرآن, فالقرآن الكريم حين يحدث عن أهل الكتاب ويبين مخازيهم لا يغفل عما هو لهم, يقول سبحانه: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران:113], ويقول سبحانه: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا [آل عمران:75].

    فيبين ربنا أن أهل الكتاب فيهم أناس أهل أمانة، وفيهم أناس أهل خيانة, وفيهم أناس يؤتمنون، وفيهم أناس لا أمانة لهم, فعود نفسك على الإنصاف, فالتعميم خطأ, وهذا الذي يقع فيه كثير من الناس يقولون: الشعب الفلاني صفته كذا وكذا.. أو يقولون: القبيلة الفلانية صفتها كذا وكذا.. وكذلك حديث الناس عن الجماعات، وعن الدعوات, وعن الدعاة قل أن تجد في الناس منصفاً.

    ومن شمائل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن الإنصاف كان لحمته وسداه, فدينه وديدنه إنصاف مع الجميع.

    والإنصاف: هو العدل في المعاملة، بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا ما يعطيه، ولا ينيله من المضار إلا كما ينيله.

    وقيل: هو استيفاء الحقوق لأربابها، واستخراجها بالأيدي العادلة، والسياسات الفاضلة.

    فهو استيفاء الحقوق لأربابها، فتعطي لكل ذي حق حقه، وذلك بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة.

    1.   

    مظاهر من إنصاف الرسول صلى الله عليه وسلم

    ومن مظاهر إنصاف النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه الصلاة والسلام ما ظلم أحداً في دم أو عرض أو مال ولا جار في حكم أبداً, وبلغ من إنصافه عليه الصلاة والسلام أنه قبل وفاته بتسع ليال صعد على المنبر وقال : ( أيها الناس! من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد, ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ, ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي، ولا يقولن قائل: أخشى الشحناء من رسول الله فما هي لي بخلق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة ), ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم مستحيل أن يكون قد جلد ظهراً من غير حق، أو شتم عرضاً من غير حق، أو أخذ مالاً من غير حق، لكنه عليه الصلاة والسلام بلغ الكمال في الإنصاف حتى قال هذا الكلام، ويقول لأصحابه: ( لا يقولن قائل أخشى الشحناء من رسول الله ) يعني: أحمل في صدري حقداً على من ينتصف مني لا، ( فما هي لي بخلق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة ).

    إنصافه صلى الله عليه وسلم في الرضا والغضب

    وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم العدل في الرضا والغضب، ولذلك تجد كثيراً من الناس إذا غضب لا يدري ما يقول ولا يبالي بما يفعل، ولربما جدع وسب وشتم ولعن، ولربما فعل الأفاعيل, لكن النبي عليه الصلاة والسلام كما ذكرنا لما قال له ذو الخويصرة التميمي : اتق الله واعدل! فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله, ما زاد عليه الصلاة والسلام على أن مسح عن وجهه وقال: ( يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ).

    و( لما استأذنه بعض الصحابة في قتل الرجل قال: لا, لعله يكون يصلي, فقال أحد الصحابة: كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه, فقال صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر أن أفتش عن قلوب الناس, ثم قال: دعوه, فإنه يخرج من ضئضئ هذا.. -أي: من صلبه- قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد على فوقه, قالوا: يا رسول الله صفهم لنا, ما سيماهم؟ قال: التحليق ).

    فـذو الخويصرة التميمي هذا أساء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم, والرسول صلى الله عليه وسلم تنبأ بأنه سيخرج من صلبه الخوارج, والخوارج هم الذين يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان, قوم عندهم عبادة وعندهم قراءة للقرآن, قالوا: كان الواحد منهم بين عينيه مثل ركبة العنز من أثر السجود, قد تقرحت من كثرة السجود, و ذو الخويصرة الذي أساء الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم يقول الصحابة في وصفه: جاء رجل غائر العينين, ناتئ الجبهة, حليق الرأس, وتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام ولم يكلف نفسه الاعتذار, فلم يستغفر الله بل ألقى بهذا الكلام البذيء ثم ذهب, والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم )، يعني: صلاتهم طويلة وكثيرة، ( وقراءتكم مع قراءتهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية )، يعني: السهم إذا خرج منها لا يرجع، وهكذا هؤلاء، يعضون على بدعتهم ويصرون عليها.

    ثم إن الصحابة قالوا: ( ما سيماهم يا رسول الله؟ )، يعني: ما علامتهم قال: ( التحليق ), والتحليق: هو الصلع.

    وليس معناه أن كل من كان أصلع فهو من الخوارج، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بأن القوم يخالفون عادة الناس، فكان من عادة العرب توفير الشعر فيخالفون عادة العرب في ذلك، فالخوارج دائماً يخالفون ما عليه الناس؛ ولذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثياب الشهرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ( من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين )، فعلى الإنسان أن يكون على عادة الناس بما لا يخالف الشرع, أما إذا تعمد أن يلبس ثياباً غير التي يلبسها الناس؛ من أجل أن يشار إليه، فهذه من سيما الخوارج، وكذلك إذا تعمد مخالفة الناس في السمت والهيئة هذه من سيما الخوارج.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يخرجه الغضب عن حد الاعتدال والإنصاف.

    والخوارج قد حصل منهم شراً عظيماً، وكان عندهم فهم للدين عجيب، حتى إنهم لما وجدوا عبد الله بن خباب بن الأرت سألوه، وكان عندهم الاختبار، مثل بعض الناس الآن يريد يختبرك، فيقول لك: ماذا تقول في الشيخ الفلاني؟ فإذا أثنيت عليه خيراً أخرجك مما هو عليه وكأنه يقول:

    إليك عني إليك عني فلست منك ولست مني

    فهذه عادة بعض الناس.

    وكذلك الخوارج كان عندهم الاختبار, فلما لقوا عبد الله بن خباب قالوا له: ما تقول في علي ؟ فقال: أقول: هو أولى بالله منكم، وأعلم بالشرع منكم، وأقرب إلى الله منكم، قالوا له: فاختر لنفسك قتلة, تحب نقتلك خنقاً أو حرقاً أو غرقاً، قال: بل اختاروا لأنفسكم، فأضجعوه على شاطئ دجلة وذبحوه ذبح الشاة, ثم بقروا بطن امرأته وأخرجوا جنينها, وبعد أن فعلوا هذه الفعلة مروا على نصراني فقالوا له: بعنا من هذا التمر, فقال: خذوه من غير مال, يريد أن يتخلص منهم, لأنه خائف, قالوا: لا والله إلا بالمال, قال لهم: ولم؟ قالوا: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بكم يا أهل الذمة, فانظر الفهم! استحلوا الدم الحرام، وبعد ذلك في دينار ودينارين قالوا: لا.

    ومثل هذا الذي جاء لـابن الجوزي فقال له: يا أبا الفرج إني زنيت بامرأة فلما حملت ووضعت قتلت الغلام, فقال له ابن الجوزي : رحمك الله هلا عزلت, قذفت ماءك خارج الرحم, فقال الرجل: يا أبا الفرج أما علمت أن العزل مكروه!

    فهكذا بعض الناس, هذا فهمه للدين, يتورع في القليل واليسير ثم يرتكب عظائم الأمور, وهؤلاء الخوارج حصل بهم من الشر والفساد ما الله به عليم.

    إنصافه صلى الله عليه وسلم لنفسه وأهله وأصحابه

    لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً للعدل مع نفسه وأهله وولده وصحابته، فمن عدله مع نفسه عليه الصلاة والسلام أنه جزأ وقته أثلاثاً، فجعل ثلثاً لربه جل جلاله يناجيه، وجعل ثلثاً للناس يقضي حوائجهم ويلبي مطالبهم، وجعل جزءاً لنفسه، يخلو بأهله, وهذا من العدل والإنصاف.

    وكان من عدله مع أهله صلوات الله وسلامه عليه: أنه إذا صلى العصر مر على نسائه فسلم عليهن جميعاً، ويدنو منهن من غير مسيس حتى يأوي إلى التي عندها النوبة.

    وكان من عدله صلوات ربي وسلامه عليه: أنه يقسم في النفقة والمبيت ويقول: ( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك ).

    إنصافه صلى الله عليه وسلم مع الأولاد

    وكان من عدله صلوات ربي وسلامه عليه: أنه يعدل مع الأولاد ويقبل عليهم: ( كانت إذا دخلت عليه ابنته فاطمة رضي الله عنه قام إليها فسلم عليها، وقال: مرحباً بابنتي وأجلسها )، فيكرمها و يوقرها صلوات ربي سلامه عليه.

    ولما كان أحد الصحابة جالساً معه صلى الله عليه وسلم فجاء الصحابي ولده فقبله وأجلسه على حجره، ثم جاءت بنته فأجلسها إلى جواره, فقال عليه الصلاة والسلام:( هلا عدلت بينهما )، أي: إما أن تجلسهما على حجرك, أو تجلسهما إلى جوارك، أما أن تجلس واحداً على حجرك والآخر إلى جوارك فهذا ليس بإنصاف.

    وكان صلى الله عليه وسلم يعدل مع أصحابه؛ ولذلك في يوم غزوة بدر وهو يسوي الصفوف طعن سواد بن غزية في بطنه بالقضيب قال: ( استو يا سواد، فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله! أقدني فداك أبي وأمي )، أي: مكني من القصاص, فالرسول صلى الله عليه وسلم ما قال له: اسكت, الحالة حالة حرب، فيما بعد! وإنما مكنه صلى الله عليه وسلم وأعطاه القضيب, وقال له: ( استقد يا سواد , قال يا رسول الله! طعنتني وأنا حاسر )، أي: كانت بطني مكشوفة, ( فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه فأقبل سواد يمرغ وجهه في بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى، وإني لأرجو الشهادة فأحببت أن يكون آخر العهد بك, فدعا له صلى الله عليه وسلم بخير ).

    إنصافه صلى الله عليه وسلم بعدم التمييز بين الناس في إقامة الحدود

    كذلك من إنصافه صلى الله عليه وسلم إنكاره على أسامة حين شفع في المخزومية وقال: ( إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )، وحاشاها أن تسرق رضي الله عنها.

    إنصافه عليه الصلاة والسلام مع ابنته فاطمة

    ولما جاءته فاطمة تطلب منه خادماً؛ لأنها رضي الله عنها كانت تخدم زوجها وأولادها, فتقم بيتها وتطبخ طعامها، وتطحن بيدها حتى مجلت يداها من كثرة ما تستعمل الرحى -والرحى: حجران يوضع بينهما الحب ليطحن- حتى تشققت يداها، فطلبت من علي أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً، حين جاءه سبي فقال علي : والله لا أفعل! سليه أنت, فجاءت للنبي صلى الله عليه وسلم تطلب خادماً, فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا، والله لا أعطيك وأدع أهل الصفة, بل أبيعهم وأطعمهم بأثمانها )، وأهل الصفة: هم فقراء الصحابة، فلما أويا إلى فراشهما - علي و فاطمة - جاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس بينهما, يقول علي : إني لأجد برد قدميه, فقال: ( إذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمداه ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم ).

    ولذلك قال علماؤنا استنباطاً من هذا الحديث: بأن ذكر الله يقوي البدن, فإذا ذكرت الله وأنت تعمل شيئاً أو تمارس رياضة تجد بأن الله عز وجل يعطيك قوة، وذكر الله كما قال ابن القيم رحمه الله: يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، وينير القلب، ويقوي البدن، ويوجب حفوف الملائكة بالذاكر، وغشيان السكينة، وتنزل الرحمة، وأن يذكره الله في ملئه الأعلى.

    إنصافه صلى الله عليه وسلم مع الكفار

    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان منصفاً حتى مع الكافر قال عليه الصلاة والسلام: ( من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه يوم القيامة )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً ) ولكن من هو المستأمن ومن هو المعاهد ومن هو المحارب؟ فالكفار ليسوا سواء، بل هم على أقسام أربعة:

    فهناك الحربي، وهناك الذمي، وهناك المستأمن، وهناك المعاهد، والآن ليس على وجه الأرض إلا ثلاثة:

    الحربي، والمعاهد، والمستأمن، أما الذمي فلا وجود له.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالعدل حتى مع الكافر الحربي، ومن ذلك لما أسر سهيل بن عمرو يوم بدر وكان رجلاً خطيباً، يحرض الناس على قتال الرسول صلى الله عليه وسلم, قال عمر بن الخطاب : ( يا رسول الله! دعني أنزع ثنيتيه فيندلع لسانه فلا يقوم عليك خطيباً بعد اليوم أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر ، لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبياً )، فهذا إنصاف حتى في معاملة الكافر الحربي.

    فالصحابة رضوان الله عليهم تعلموا خُلق الإنصاف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أرسل عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة إلى خيبر خارصاً, والخارص هو: الخبير الذي ينظر إلى الحديقة فيقدر ثمرتها وزكاتها.

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان قد أقر اليهود على أرضهم في خيبر على النصف مما يخرج منها، بعد ما هزمهم أقرهم، قال: ( على أنا نخرجكم متى شئنا )، يعني: كأنه شيء إلى أجل، فالزرع أو الثمر يخرج مناصفة بين اليهود وبين المسلمين، فكان يرسل عبد الله بن رواحة ؛ لأن عبد الله بن رواحة رجل من أهل المدينة وأهل المدينة أهل زراعة، فكان يرسله إلى خيبر خارصاً، فاليهود على عادتهم في الإفساد أرادوا أن يرشوا عبد الله بن رواحة ، فأول ما ذهب إليهم أعطوه بعض الحاجات، كما يقال الآن: إكرامية أو هذه تسهيلات أو النظام محفوظ.. ونحو ذلك من كلمات السر، فقال رضي الله عنه: أترشونني يا أعداء الله؟! والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي من إخوانكم القردة والخنازير, وما يحملني حبي إياه وبغضي إياكم على أن أظلمكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وكأنه يقول لهم: والله إني أكرهكم كراهية ما أكرهها الكلاب والخنازير! والرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، لكن هذا شيء والعدل شيء آخر, فلن أظلمكم فلا تخافوا, فهنا اليهود أقروا بأن هذا هو العدل الذي قامت عليه السموات والأرض، كما قال ربنا: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ المِيزَانَ [الرحمن:7].

    والعدل لا يمنعنا أن نثني على الكافر بما هو فيه, فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أسرت سفانة بنت حاتم الطائي ، قامت وقالت: ( يا رسول الله! أنا ابنة رجل كان يحمي الذمار، ويقري الضيف، ويطعم الجائع، ويكسب المعدوم, قال لها: من أنت؟ قالت: أنا ابنة حاتم الطائي , قال صلى الله عليه وسلم: أطلقوها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، ولو كان مسلماً لترحمنا عليه )، فهنا أثبت صلى الله عليه وسلم لذلك الكافر ما فيه، بأنه كان يحب مكارم الأخلاق، ولكن ما تجاوز عليه الصلاة والسلام وقال: نسأل الله أن يرحمه وأن يغفر له.

    وانظروا لما قالت أمنا عائشة : ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يفك العاني ويقري الضيف.. )، ويفعل ويفعل, ( هل ذلك نافعه؟ قال: ليس ذلك بنافعه إنه لم يقل يوماً: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فالإنصاف مطلوب حتى في الكلام عن الكافر.

    وهذا المعنى أخذه عمرو بن العاص رضي الله عنه لما سمع المستورد بن شداد القرشي يقول: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس )، قال له عمرو بن العاص : إن كان كذلك فإن فيهم خصالاً خمس: فهم أحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وأرحمهم بضعيف، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك. يقول: بأن الروم فيهم هذه الخصال الخمسة، بأنهم: أحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك.

    فهنا عمرو بن العاص يثني عليهم بما هو فيهم.

    وبعض الناس إذا سمعك تقول بأن الغربيين على ما فيهم من شر وفساد وانحطاط أخلاقي إلا أنهم يتقنون أعمالهم، ويصدقون في حديثهم، ويوفون في مواعيدهم، ويحترمون الوقت.. يقول لك: أنت معجب بالغربيين، وأنت فيك خلل وفي شخصيك ضعف، وفي عقيدتك ميوعة.. وفيك كذا، ويبدأ يطلق الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الإنصاف مع الدعاة والعلماء

    إذاً: إذا كان الإنصاف مطلوباً حتى مع الكافر، فمن باب أولى مع الدعاة وأهل العلم، وأصحاب المؤلفات من المفسرين والمحدثين والفقهاء والمؤرخين وغيرهم، فلا يسلم أحد من الخطأ سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هل هناك معصوم سواه، فأي إنسان لا بد أن يخطئ، بداية من أبي بكر ونهاية بأقل واحد، ولكن من ظهر علمه وبان فضله، وانتشر خيره وكتب له القبول، فلا يضره الخطأ والخطأان والعشرة والمائة؛ لأن هذه أقذار مغمورة في بحر الحسنات.

    فلو أن إنساناً حمل برميلاً من النجاسة - أكرمكم الله - وألقى به في النيل، هل ضر النيل شيئاً؟ لا ما ضره شيئاً؛ لأنه إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وكما قال ابن القيم رحمه الله: العلماء بحار وأخطاؤهم أقذار، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فالعالم بحر, وعنده بعد ذلك أخطاء وهذه الأخطاء عبارة عن قذر لكن لا تضره؛ ولذلك لو أن كل من أخطأ هجر قوله، وبدع وتكلم عنه بالسوء؛ لفسدت العلوم والصناعات، فمثلاً: أن الطبيب الذي يخطأ يهجر ويذم لما بقي لنا طبيب؛ لأن كل الأطباء يخطئون، وقل مثل ذلك في المهندس والكيميائي والفيزيائي والإحصائي.. وغيرهم من أصحاب العلوم والصناعات.

    وكذلك فالمشتغل بالدعوة, والمشتغل بالتعليم, والمشتغل بالفقه, وبالتفسير, وبالحديث.. وبغير ذلك من أبواب العلم يخطئ؛ ولذلك تجد بعض الناس -والعياذ بالله- كالذباب، لا يقع إلا في القاذورات، ولربما يحضر خطبة جمعة لواحد من الكبار الذين كتب الله لهم القبول وطارت سمعتهم في الآفاق، في المشارق والمغارب، ثم بعد ذلك هذا الكبير في خطبته جاء بحديث ضعيف أو ربما موضوع تجده يطير بهذا فرحاً, ويقول: أتى لنا بحديث موضوع! والناس يقولون: الخطبة كانت طيبة وكذا.. وهذا يقول: للأسف كان فيها حديث ضعيف! فهذا حاطب ليل! وتجده مثلاً يتكلم عن الشيخ عبد الحميد كشك رحمة الله عليه، الذي كان يلقي الخطبة في القاهرة فتسمع في فرانك فورد، وتسمع في لندن.. وإلى الآن أشرطته تمشي في بعض البلاد والناس يسمعونها؛ لما فيها من خير ونور وهدى وتفسير للقرآن، ونطق بالحق وحكمة.. والشيخ لا يخلو من أخطاء رحمة الله عليه، لكن أنت أيها المنتقد! ماذا قدمت للإسلام؟ من يعرفك؟ لا شيء.

    ولذلك اعلموا أن الذي يتكلم في هؤلاء الكبار سيبقى الكبار كباراً، وسينادي على نفسه بالكساد, يذكر أن رجلاً على الإمام مالك فقال له: يا أبا عبد الله ! أنت أحياناً تخطئ وأحياناً لا تصيب! فالإمام مالك ما سمع الكلام جيداً أو أنه ليس متصوراً أن هناك إنساناً بهذا السوء، فقال له: كذلك الناس يخطئون ويصيبون، فالرجل خرج, وتلاميذ الإمام مالك قالوا له: يا أبا عبد الله ! أنت لم تسمع ما قال, قال لهم: وما قال؟ قالوا له: قال: بأنك أحياناً تخطئ وأحياناً لا تصيب, الإمام مالك قال: ما هكذا يقول العلماء، ثم رجع إلى درسه، وكأنه يقول لهم: ليست طريقة العلماء هكذا، ورجع إلى درسه.

    فالمنتقد على الإمام مالك ذهب, والآن ما يذكره أحد ولا يعرفه أحد، ولو ذكر اسمه (99%) من الناس لا يعرفونه، وبقي مالك هو مالك .

    ولذلك يا طالب العلم! لا تطلق لسانك في الدعاة إلى الله, ولا تطلق لسانك في العلماء أحياء أو أمواتاً، واعلم بأن لحومهم مسمومة، وأن سنة الله في أخذ من انتقصهم معلومة، ومن وقع في أعراض العلماء بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب، فالإنسان الذي ما عنده إلا أن يتتبع السقطات والعثرات والأخطاء والهفوات هذا إنسان مسكين لن ينتفع ولن يستفيد، وإذا كان يريد واحداً سالماً من الأخطاء بريئاً من الهفوات فلينتظر نبياً، وهيهات هيهات! فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الإنصاف مع الناس

    والسؤال هو: كيف نكون منصفين مع الناس؟ الجواب: قد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم حسن المنطق، حيث قال: ( لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، وليقل: لقست نفسي )، مع أن المعنى واحد, وعلمنا حتى في الأسماء لما أراد أن يحلب ناقة قال: ( من يحلبها فقال رجل: أنا يا رسول الله! قال: ما اسمك؟ قال: اسمي مرة, قال: اجلس, فقام آخر: أنا يا رسول الله, قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ما اسمك؟ قال: اسمي صعب, قال: اجلس, ثم قام آخر، قال: ما اسمك؟ قال : اسمي يعيش, قال: احلبها ).

    وكان صلى الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء الطيبة والكلام الطيب, ولما رأى سهيل بن عمرو يوم الحديبية قال سهل أمركم! سهل من كلمة سهيل ، وكان رجلاً من الصحابة اسمه حزن فسماه سهلاً ، وصحابية كان اسمها عاصية فسماها جميلة، وهكذا لا بد من اختيار الاسم الطيب.

    وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا تسم ولدك رباحاً ولا يساراً ولا أفلح, فإنك تسأل: أثم هو؟ فتقول: لا ), يعني: يسألك ويقول لك: رباح موجود؟ فتقول له: ما في رباح! كلام يصدم! ومثله من الأسماء إيمان وإسلام وإحسان وكذا.. فيسأل إيمان موجود؟ فتقول: ما في إيمان! وهكذا إسلام وإحسان, فالإنسان حين يتكلم يعود نفسه سلامة النطق.

    فلا يضرك لو أنك رأيت على أحدٍ من الدعاة خطأً أو إيراداً تأتيه فتقول له: أيها الشيخ، جزاك الله خيراً وأحسن الله إليك! ونفع الله بك! وقد استفدنا مما قلت.. وقد تكون ما استفدت شيئاً؛ لأن كلامه كله بالنسبة لك قديم, كما قال بعض السلف: إن الرجل ليحدثني بالحديث وأنا أعرفه قبل أن يولد أبوه فأسمعه، فتقول له: جزاك الله خيراً وقد استفدنا منك.. لكن المسألة كذا الصواب فيها كذا، كما فعل بعض أصحاب مالك ، لما سئل مالك عن تخليل الأصابع فقال: ليس من السنة, قال: فتركته حتى انفض الناس, ثم قلت له: يا أبا عبد الله ، إن عندك في ذلك رواية, قال: وما هي؟ قال: قلت: حدثني فلان عن فلان عن فلان: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخلل أصابع رجليه بخنصره )، فقال مالك رحمه الله: هذا سند جيد, قال: ثم سمعته يفتي به، فهذا الفعل جيد، وليس أمام الناس يقول له: هناك حديث يدل على ذلك.. وبعض الناس قد يقول: هذا حديث ضعيف. فيقول له الشيخ: أعرف أنه ضعيف وأتيت به! حتى يجهل فوق جهل الجاهل.

    فالإنسان يعود نفسه على التواضع:

    تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع

    ولا تك كالدخان يرفع نفسه إلى طبقات الجو وهو وضيع

    فالنجم لو نظرتم في الماء رأيتم صورته، لكن أين هو؟! في السماء, والدخان - أجارني الله وإياكم- تنفخه يطلع فوق ولكن الهواء يبعثره؛ لأنه وضيع.

    فبعض الناس عرف الآية والآيتين، والحديث والحديثين، ويجلس متحفزاً في محاضرة أو غيرها، ويتمنى من قلبه أن يحصل خطأ في الكلام؛ من أجل أن يخرج على الناس ويقول لهم: والله هذا أخطأ، كأن لحن هذا أنه لا يعرف اللغة العربية، وكأنه ينادي على نفسه بأنه أنا الذي أعرف.

    1.   

    قواعد في كيفية الإنصاف مع الآخرين

    ولكي تكون منصفاً ينبغي أن تعمل بسبع قواعد:

    القاعدة الأولى: التجرد وتحري القصد عند الكلام عن المخالفين، فلا يكن قصدك حب الظهور, ولا التشفي والانتقام, ولا الانتصار للنفس، فلا يكون هذا قصدك، إنما قصدك بيان الحق بدليله.

    القاعدة الثانية: التبين والتثبت قبل إطلاق الأحكام، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، وفي قراءة حمزة و الكسائي : (فتثبتوا)، وفي سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، وفي قراءة حمزة و الكسائي: (فتثبتوا)، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [النساء:94].

    فمثلاً: إذا جاء إليك رجل فقال لك: الشيخ الفلاني في القناة الفضائية الفلانية أفتى بكذا, تقول له: هل سمعته؟ وأغلب الناس يقول لك: لم أسمع وإنما نقل إلي! فتقول: لعل الناقل ليس بصادق! وهذا احتمال, وهناك احتمال ثان: أنه صادق، لكنه ما فهم الكلام على وجهه، واحتمال بأنه فهم الكلام على وجهه ولكنه سيئ النية، سيئ القصد، فيفسر الكلام على هواه, والرسول صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: ( أيها الناس، من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) فقال المنافقون: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذت النصارى المسيح بن مريم، فلووا الكلام وصرفوه عن حقيقته.

    القاعدة الثالثة: حمل الكلام على أحسن الوجوه وإحسان الظن بالمسلمين: فالنبي صلى الله عليه وسلم: ( كان يطوف حول الكعبة، فقال: ما أطيبك وأطيب ريحك! وما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفسي بيده! لحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمتك, دمه وماله وعرضه وألا يظن به إلا خيراً )، وقال سعيد بن المسيب : كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً.

    القاعدة الرابعة: ألا ينشر سيئات المخالف ويدفن حسناته, والدليل: قصة حاطب وهي معروفة! فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكّر عمر بحسنات حاطب ، رغم أنه فعل تلك الفعلة العظيمة.

    ومثال ذلك بعض الناس إذا قيل له: تفسير ابن كثير .. أو قيل له: هذا الكلام أنا أتيت به من تفسير ابن كثير ، فأول كلمة تأتي على لسانه: تفسير ابن كثير فيه إسرائيليات, فيقال له: لماذا لا تذكر بأن تفسير ابن كثير فيه من الأحاديث الصحيحة والحسنة والمقبولة، وفيه من التفسير بالمأثور، وفيه من اللغة وفيه من الفقه، وفيه من العقيدة وفيه من العلم ما عده به العلماء من أحسن التفاسير التي كتبت.

    القاعدة الخامسة: أن النقد يكون للرأي وليس لصاحب الرأي.

    القاعدة السادسة: الامتناع عن المراء.

    القاعدة السابعة: حمل الكلام على ظاهره، وعدم التعرض للنوايا والبواطن، وهذه من البدع المحدثة أنه يقال: فلان قصده كذا، وهو يقصد من الكلام كذا، ومعلوم بأن القصد لا يطلع عليه إلا الله عز وجل.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.