إسلام ويب

مبطلات الصيام ومندوباتهللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله افترض علينا صيام شهر رمضان المبارك وجعله الركن الثاني من أركان الإسلام، وإن مما يحرص عليه المسلم في صيامه ألا يطرأ عليه ما يبطله، مثل: الجماع في نهار رمضان، وكذلك الأكل والشرب وغير ذلك. وهناك أمور لا تفسد الصوم بفعلها، مثل: الحجامة والتبرع بالدم والحقن للعلاج وغير ذلك، كما أن هناك سنناً ينبغي للصائم أن يحرص عليها مثل تعظيم الشهر وعدم إضاعة الأوقات فيه بنوم أو لعب، وأن يحرص على السحور وتعجيل الإفطار وغير ذلك من السنن.

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحكام الصيام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير والبشير النذير وعلى آله وصحبه أجمعين.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    فقد سبق معنا أن من شروط وجوب الصوم: الإقامة. فهو لا يجب إلا على البالغ العاقل القادر المقيم، وبالنسبة للمرأة فلا يجب على الحائض ولا النفساء.

    وتبين لنا فيما سبق: بأن السفر الذي يبيح الفطر لا بد أن يكون سفراً مشروعاً، وأن يكون في رمضان لا في الصوم الواجب في غيره، وأن يبيت نية الإفطار قبل طلوع الفجر، وأن يشرع في سفره من الليل.

    وإذا سافر الإنسان سفراً غير مشروع، أي سفر معصية، فإنه لا يحل له أن يفطر؛ لأن الرخصة لا يستعان بها على معصية الله عز وجل.

    وأما شروط صحة الصوم فشرطان:

    الشرط الأول: الإسلام، فإن الكافر إذا صام فصومه لا يصح؛ كما قال ربنا جل جلاله في حق الكفار: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[الفرقان:23]؛ وكما قال سبحانه في حقهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ[النور:39]؛ وكقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ[إبراهيم:18].

    الشرط الثاني: أن يكون اليوم الذي يصام هو من الأيام التي يصح صومها. فلو أن إنساناً صام يوم الشك مثلاً، أو صام يوم العيد مثلاً، فإن صومه باطل؛ لأن الصيام في هذه الأيام غير مشروع.

    1.   

    إفساد الصيام بتعمد إخراج المني في نهار رمضان

    المفسد الثاني: وهو فرع عن الأول: تعمد إخراج المني في نهار رمضان، وإخراج المني: يكون بالعبث، أو ما يسميه الناس الآن بالعادة السرية، وكان العرب فيما مضى يسمونه (جلد عميرة)، وهي عادة محرمة؛ لعموم الأدلة في ذلك ومنها: قول ربنا جل جلاله في ذلك: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[المؤمنون:5-7] أي: المعتدون والمجاوزون لحدود الله، ومنها: أن الله عز وجل أمر بالنكاح فقال: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ[النور:32] ثم أمر بالعفة بعدها فقال: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا[النور:33]، فإما أن ينكح وإما أن يستعفف، وليس بينهما وسط.

    ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر المستطيع بالزواج، وغير المستطيع أمره بالصوم ولم يجعل بينهما وسطاً، فلو كان الاستمناء حلالاً لأرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم ( ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ).

    ومنها: حديث آخر، ولكن في سنده ضعف، فقد أورد الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا: ناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره)، فذكر عليه الصلاة والسلام من هؤلاء الملعونين: ناكح يده.

    فمن تعمد إخراج المني في نهار رمضان إما بعبث بعضوه، أو بإدامة نظر أو فكر؛ فإن صومه قد فسد ويلزمه القضاء والكفارة؛ لأن تعمد إخراج المني وهو في معنى الجماع أي: كأنه جامع، لأنه قد قضى شهوته، وإن كان المجامع قد قضاها في مكان حلال، وأما الفعل فحرام، يعني: قضى شهوته حلالاً مع زوجته إلا أن ناكح يده قد قضاها حراماً.

    وهنا مسألة أخرى وهي: حكم من خرج منه المني في نهار رمضان وهو نائم، فهل يلزمه القضاء فقط أم القضاء والكفارة؟ الجواب: لا يلزمه القضاء ولا الكفارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ)، فمن احتلم في نهار رمضان فإنه لا شيء عليه، فلا قضاء ولا كفارة.

    1.   

    إفساد الصيام بتعمد إخراج المذي في نهار رمضان

    المفسد الثالث: تعمد إخراج المذي، فالمذي والمني كلاهما على وزن واحد، ولكن بينهما عدة فروق منها:

    الفرق الأول: أن المني: هو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة الكبرى ويجب منه الغسل، وأما المذي: فهو مني لم يتم طبخه فيخرج عند التفكير وعند الملاعبة.

    ويفرق بينهما أولاً بالكمية؛ لأن المني يخرج دفقاً؛ كما قال ربنا جل جلاله: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ[الطارق:5-6] أي: يخرج دفقاً، وأما المذي: فإنه يخرج قطراً. يعني: شيئاً يسيراً.

    الفرق الثاني: يفرق بينهما بالرائحة، فالمني له رائحة كرائحة صفار البيض، وأما المذي: فلا رائحة له.

    الفرق الثالث: يفرق بينهما بالسبب، فالمني: يخرج عند اللذة الكبرى، وأما المذي: فهو دون ذلك.

    فمن خرج منه المذي في نهار رمضان إما بإدامة نظر أو بإدامة فكر فقد فسد صومه؛ لأن خروج المذي مرحلة من مراحل قضاء الشهوة، ولذلك يلزمه القضاء، فمن خرج منه المذي في نهار رمضان فقد فسد صومه ولزمه القضاء، وأما فيمن خرج منه المني فيلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه قد قضى شهوته بالكمال والتمام، وأما خروج المذي فهو مرحلة من مراحل قضاء الشهوة.

    أما من خرج منه المذي بغير تعمد مثل أن يخرج بسبب البرد أو لأنه مصاب بالسلس فيخرج منه المذي بغير إرادة أو بسبب أنه نظر من غير قصد فأمذى، فهذا كله لا يفسد به الصوم.

    فلذا على الصائم في نهار رمضان ألا يكثر من التفكير، فلو أن الإنسان فكر فأمذى -ولو كان التفكير في الحلال كأن يفكر في زوجته -مثلاً- فأمذى فإنه يلزمه القضاء، ولذلك ينبغي للإنسان في نهار رمضان أن يصرف عن خاطره ما لا يليق بالصيام.

    ولذلك فالصوم التام الكامل لا بد أن يصاحبه ستة أشياء:

    أولها: غض البصر.

    وثانيها: كف اللسان.

    وثالثها: حفظ السمع.

    ورابعها: استعمال الجوارح فيما يحبه الله ويرضاه.

    وخامسها: عدم الاستكثار من المباحات عند الإفطار.

    وسادسها: أن يكون الإنسان بين الخوف والرجاء.

    فأما الأمر الأول وهو غض البصر، فهو ترك النظر إلى المحرمات سواء الحقيقية الموجودة في الشوارع والطرقات والأسواق، أو الصور التي تكون مطبوعة في مجلة أو صحيفة، أو الصور التي تكون في الشاشات، فهذا كله تغض بصرك عنه.

    الأمر الثاني: كف اللسان عما حرم الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وعلمنا صلى الله عليه وسلم أن الواحد منا إذا قاتله امرؤ أو سابه فليقل: إني صائم. أي: فإذا سبك فلا تسبه، وإذا شتمك فلا تشتمه، وإذا لعنك فلا تلعنه، ولكن قل له: إني صائم.

    الأمر الثالث: كف السمع، فإذا كان اللسان يمنع مما حرم الله كالسب والشتم واللعن والكذب وقول الزور والغش والتدليس والغيبة والنميمة، فكذلك السمع تكفه عما لا يليق. فلو أن إنساناً جاءك وأنت صائم في نهار رمضان فقال لك: أرأيت اللص ماذا عمل؟ فلا تقل له: من هذا اللص؟ بل عليك أن تعرض عنه! ونشتغل بالقرآن، فالقرآن في رمضان أجره عظيم، فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:1-2]، وكأنه يقول له: إن موضوعك هذا لا يعنيني في قليل أو كثير.

    وإذا جاء آخر وقال: وجد فلان البارحة مع امرأة في مكان كذا، فأعرض عنه، واقرأ القرآن بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2]. وكأنك تقول له: كلامك هذا لا يلزمني، لأني لست أحمق أضيع حسناتي، فأنا ممتنع عن الطعام والشراب في شدة الحر مبتغياً بذلك الأجر من الله، لا من أجل أن تذهب حسناتي هباءً منثوراً بسبب أن فلاناً سرق أو أن فلاناً فعل كذا أو كذا، فالله يتولى العباد جميعاً.

    الأمر الرابع: استعمال الجوارح فيما يحبه الله، مثل: يديك ورجليك أي: أن تحفظ الرأس وما وعى، وكل الجوارح تستعملها في الطاعة لا في المعصية.

    الأمر الخامس: عند الإفطار لا تستكثر من المباحات، فإن أناساً في رمضان، وفي وقت الإفطار يأكلون أكلاً كثيراً ويشربون شرباً كثيراً، حتى إن بعضهم يعجز عن القيام لصلاة المغرب.. وليست صلاة التراويح، بل تلقاه يأكل ويتمدد وينبطح.

    أما صلاة التراويح فدونها خرط القتاد، فإذا جاء الإمام وبدأ يقرأ في الصلاة فيقول: هذا الإمام فتنا، وهذا الإمام لا يعرف الدين!

    فتقول له: كيف يكون الدين؟ فيقول لك: الدين يسر. والعلة في بطنه وليست في الإمام.

    الأمر السادس: على الإنسان أن يكون بعد الإفطار بين الخوف والرجاء، فيرجو من الله أن يقبل صومه ويخاف ألا يقبل منه.

    1.   

    إفساد الصيام بتعمد القيء في نهار رمضان

    المفسد الرابع: تعمد القيء، أما من خرج منه القيء غلبة، أي: بغير إرادة منه فصومه لا يفسد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود : (من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض).

    (من ذرعه القيء). أي: غلبه، فليس عليه قضاء، ( وإن استقاء فليقض ).

    وصور تعمد الصائم للقيء: كأن ينظر إلى شيء يعلم بأنه يسبب له القيء، وإما بالشم فيشم شيئاً يعلم بأنه يحرك بطنه، أو أنه يدخل أصبعه أو شيئاً في حلقه حتى يتقيأ، فكل من تعمد القيء لزمه القضاء، أما من غلبه القيء ولم يرجع منه شيء فإنه لا يلزمه لا قضاء ولا كفارة.

    1.   

    إفساد الصيام بإيصال شيء إلى الجوف بتعمد

    المفسد الخامس: وصول شيء إلى الجوف.

    ونقصد بالجوف: محل الطعام مثل: المعدة والأمعاء، فإذا وصل شيء إلى المعدة أو الأمعاء سواءً كان من أعلى أي: من الفم أو من الأنف أو من الأسفل عن طريق الحقن بما يسمى: بحقنة الشرج أو اللبوس، وسواءً كان هذا الواصل إلى الجوف مائعاً كالماء والدواء، أو جامداً كالطعام، فمن تعمد إدخال شيء من ذلك فسد صومه، فإن كان متلاعباً فعليه القضاء والكفارة، أما إذا كان مضطراً كمن أدخل دواءً فإنه يلزمه القضاء دون الكفارة ولا إثم عليه.

    1.   

    إفساد الصيام بإيصال مائع إلى الحلق بتعمد

    المفسد السادس: وصول مائعٍ أو جامدٍ إلى الحلق؛ لأن العلماء يقولون: ما وصل إلى الحلق فإنه سيصل إلى المعدة؛ لأنه قد اجتاز بوابة الطعام، ولو كان هذا الوصول إلى الحلق عن طريق الأنف أو الأذن أو العين؛ لأنها منافذ مثل الفم؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوصى لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال له: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (وبالغ في الاستنشاق) يعني: إذا توضأ وهو صائم فينبغي له أن يحترز؛ لئلا يصل الماء إلا حلقه فيفسد صومه.

    1.   

    إفساد الصيام بتناول الطعام مع الشك في الفجر أو المغرب

    المفسد السابع: تناول الطعام مع الشك في الفجر أو المغرب. فلو أن إنساناً تناول شيئاً مفطراً وهو شاك فيقول: هل غربت الشمس أم لم تغرب؟ فيفسد بذلك صومه. أو تناول شيئاً من الطعام وهو شاك فيقول: هل طلع الفجر أو لم يطلع؟

    ولكن لو تأملنا في هذه المسألة نجد أن هناك فرقاً بين من أكل شاكاً في طلوع الفجر ومن أكل شاكاً في غروب الشمس. لأن القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. فمثلاً: لو أن إنساناً متوضئاً ثم بعد ذلك شك في خروج شيء منه، نقول له: هذا الشك لا قيمة له؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، ولذلك من شك في طلوع الفجر جاز له أن يأكل ويشرب؛ لأن الأصل بقاء الليل، بخلاف من شك في غروب الشمس فأكل، نقول له: فسد صومك؛ لأن الأصل بقاء النهار.

    ولذلك يفرق بين من أكل شاكاً في الفجر ومن أكل شاكاً في غروب الشمس، فلو فرض بأن إنساناً أكل قبل الغروب ظاناً أن الشمس قد غربت، فإنه على قول الجمهور يلزمه القضاء؛ لأن الناس في زمان عمر رضي الله عنه ظنوا أن الشمس قد غربت فأفطروا، وبعد أن أفطروا طلعت الشمس، فقال عمر رضي الله عنه: الخطب يسير ولم نتعمد.. فقوله: (الخطب يسير)، أي: أن المصيبة هينة؛ لأننا لم نتعمد الفطر، والله عز وجل يقول في ذلك: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ[الأحزاب:5]، وقال الإمام مالك رحمه الله: وعندي أن قول عمر : (الخطب يسير) معناه: لزوم القضاء. يلزمنا أن نقضي مكان اليوم يوماً.

    وهذا يكثر السؤال عنه في رمضان.

    أما الآن فليس هناك من يأكل قبل غروب الشمس؛ لأنه -والحمد لله- توجد ساعات في أيدينا وفي مساجدنا، وهناك الإذاعات والأمور ميسرة، ولكن يحصل في رمضان كثيراً أن أناساً يأكلون بعد طلوع الفجر. فيقوم أحدهم من النوم فزعاً وقلبه معلق بالشاي، فيذهب إلى المطبخ مسرعاً ويصنع كوباً من الشاي ويشرب فيسمع إقامة الصلاة.

    إذاً: هذا الشاي قد شرب بعدما طلع الفجر. فنقول له: يلزمك القضاء؛ لأنك أكلت في غير الوقت الذي أباح الله فيه الأكل؛ لأن الله عز وجل قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187] أي: من وقت تبين الخيط الأبيض.

    1.   

    إفساد الصيام بتبييت النية بالفطر ورفضها والأكل والشرب عامداً

    المفسد الثامن: أن ينوي من الليل أنه لن يصوم غداً، فالصوم كما ذكرنا سابقاً بأن له ركنين وهما: النية، والإمساك عن المفطرات، فلو أن إنساناً رفض نية الصوم ليلاً، أي: نوى أنه لن يصوم، وطلع عليه الفجر وهو على تلك النية -عياذاً بالله- فإن هذا اليوم وإن صامه فإنه لا يجزئه صيامه.

    ومثله أيضاً: لو أن إنساناً رفض نية الصوم نهاراً، فمثلاً: اشتد عليه الحر وعظم عليه الكرب فقال: إذا رجعت إلى البيت ولقيت عصير ليمون بارد فسأفطر، ورجع إلى البيت فوجد الكهرباء مقطوعة والليمون غالياً فلم يجده لا بارداً ولا ساخناً، ولم يجد شيئاً، فصومه فاسد؛ لأنه قد رفض نية الصوم، فمن رفض نية الصوم ليلاً أو نهاراً فإن صومه يفسد.

    وقد تقدم معنا الكلام عن مفسدات الصيام، وذكرنا أن أصولها ثلاثة، وهي: الأكل والشرب والجماع، وقد ذكرت في قول ربنا جل جلاله في ذلك: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ[البقرة:187] إلى أن قال سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187]، وعرفنا بأن هذه المفسدات تتمثل في الجماع، وتعمد إخراج المني، وتعمد إخراج المذي، وتعمد القيء، أما القيء الذي يخرج غلبةً فإنه لا يفسد الصيام، وكذلك من المفسدات أن يأكل الإنسان شاكاً في غروب الشمس.

    ومن مفسدات الصيام كذلك: أن يتعمد الإنسان إيصال شيء إلى جوفه مائعاً كان أو جامداً أو أن يتعمد إيصال مائعٍ إلى حلقه.

    المفسد التاسع من مفسدات: أن يأكل أو يشرب، فهذه كلها أمور تفسد الصوم فبعضها يوجب القضاء فقط وبعضها يوجب القضاء والكفارة.

    1.   

    ما لا يفسد به الصوم

    ثم هناك الأمور التي لا تفسد الصيام: وهي مما يكثر سؤال الناس عنها في رمضان فيعتقدون أنها تبطل الصيام وتفسده، وفي حقيقة الأمر هي ليست مفسدة له، وهي:

    الأمر الأول: الحجامة: وفي هذا الزمان لا يستخدم الحجامة إلا القليل من الناس، لكن الناس يسألون دائماً عن نقل الدم، فربما الإنسان يكون صائماً فيؤخذ منه دم من أجل مريض أو مصاب ونحو ذلك، فسواء كانت حجامة أو فصداً أو نقل دم فإنه لا يفسد الصيام؛ لأنه ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم)، والحديث رواه الإمام البخاري.

    أما الأحاديث التي جاء فيها قوله صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) فجمهور العلماء على أنها منسوخة.

    أي: أنه في أول الأمر كانت الحجامة مفطرة ثم نسخ ذلك الحكم.

    الحجامة

    الغيبة

    الأمر الثاني: مما لا يفسد الصوم مع كونه حراماً: الغيبة. فلو أن إنساناً صائماً جلس يغتاب مسلماً فيقول: إن فيه وفيه، فهذا حرام؛ لأن الله تعالى قال في النهي عن الغيبة: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا[الحجرات:12] ولكنه لا يفسد الصوم ولا يوجب قضاءً ولا كفارة، ولكن المطلوب ترك هذه الأمور في حال الصيام خاصة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

    ما يشق الاحتراز منه

    الأمر الثالث: ما يشق الاحتراز منه، مثل: بلع الريق والنخامة والغبار والذباب.. وما إلى ذلك.

    مع أن الإنسان في أثناء الصيام قد يبلع لعابه أو نخامته، فهذا كله لا يفسد الصيام؛ فبعض الناس كلما تجمع الريق في فمه فإنه يبصقه، فيحمل معه منديلاً يبصق فيه، وتجد بعض الناس في المسجد يخرج أو يفتح نافذة المسجد ويبصق، فهذا كله لا حاجة له؛ لأنها ليست طعاماً ولا شراباً.

    ومنها كذلك: لو دخل إلى الحلق شيء لا يمكن الاحتراز منه، كالحشرات فربما يكون الإنسان في أثناء الصيام قاعد وهناك بعض الحشرات تطير فتقع في فمه وتصل إلى حلقه أو إلى جوفه. فهذا لا يفطر به الصائم؛ لمشقة الاحتراز منه.

    ومنها كذلك: أن الإنسان في حلقه طعم الغبار.. كغبار الطريق، إذا كان يمشي في مكان قد ثار غباره، أو ربما أحياناً يجد طعم البترول والعوادم التي تكون من السيارات والركشات وما أشبهها، فهذه كلها لا تفسد الصيام لمشقة الاحتراز منها.

    الأمر الرابع: غبار الصنعة، فلو أن إنساناً يعمل في طاحونة دقيق، أو يعمل كيالاً يكيل بعض البهارات للناس مثلاً، أو يعمل في البناء كالجبس والأسمنت والجير والطلاء، فهذا كله قد يجد الصائم طعمه في الحلق، لكنه ليس بطعام ولا شراب، ويشق الاحتراز منه واجتنابه. فهذا كله لا يؤثر على الصوم إن شاء الله.

    الحقنة لغير التغذية ووضع الدواء على الجرح

    الأمر الخامس: الحقنة أو وضع الدواء على الجرح. فلو أن الإنسان أخذ حقنة علاجية سواءً كانت في ذراعه أو في فخذه أو في الوريد مثلاً أو حتى في ثقب الذكر إذا كان محتاجاً إلى قسطرة ونحوها، فهذا كله لا يفسد الصوم؛ لأنها لا تصل إلى المعدة، ما عدا الحقنة المغذية، فإنها مفسدة للصيام؛ لأنها تقوم مقام الطعام والشراب، فالإنسان يمكن أن يستغني بهذه الحقنة المغذية عن الطعام والشراب؛ لذلك لا يجوز في الصيام أن يتناولها الإنسان.

    الأمر السادس: وضع الدواء على الجرح. فإذا كان الإنسان عنده مرض ووضع مرهماً أو دهاناً أو بودرة دواء أو غير ذلك على موضع الجرح فهذا كله لا يفطر به الصائم.

    الأكل أو الشرب عند طلوع الفجر

    الأمر السابع: الكف عن الأكل عند طلوع الفجر. فبعض الناس يعتقد أنه من أجل أن يكون الصيام صحيحاً لا بد أن يمتنع عن الطعم والشراب قبل الأذان بمدة، ولذلك في رمضان يجعلون وقتاً لأذان الفجر ويجعلون قبله وقتاً آخر يسمونه: الإمساك قبل الأذان بعشر دقائق أو بربع ساعة أو نحو ذلك. فنقول: هذا الفعل لا يصح، بل يحل للإنسان أن يأكل ويشرب إلى أن يطلع الفجر، ويحل له أن يجامع إلى أن يطلع الفجر؛ لأن الله تعالى قال في ذلك: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة:187]، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكلون ويشربون ثم بعد ذلك يقومون إلى الصلاة، فليس مطلوباً منك أن تمسك عن الطعام والشراب قبل طلوع الفجر بوقت بل الرخصة باقية إلى طلوع الفجر الصادق.

    السواك

    الأمر الثامن: استخدام السواك؛ لحديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد).

    وهذا يدل على أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مرات عديدة يستاك وهو صائم، ولا فرق بين أن يستاك الإنسان بعود يابسٍ كعود الأراك أو أن يستاك بمادة رطبة كالمعجون فالكل جائز، ولكنه يحتاط بألا يسبق إلى جوفه من ذلك شيء.

    إذاً: الأمور التي لا يفطر الصائم بها هي:

    الأمر الأول: الحجامة أو نقل الدم.

    الأمر الثاني: الغيبة؛ فإنها محرمة في الصيام وغيره وهي في الصيام أشد تحريماً لكنها لا تفسد الصيام.

    الأمر الثالث: ما يشق الاحتراز منه كغربلة الدقيق، وغبار الطريق، وكذلك الحشرات التي تسبق إلى الجوف، وكذلك النخامة، فهذا كله لا يفسد الصيام، لكن النخامة لو أمكن للإنسان طرحها فهو أفضل.

    الأمر الرابع: غبار الصنعة؛ كمن يعمل كيالاً أو طحاناً أو بناءً ونحو ذلك، ومثله العوادم التي تخرج من السيارات وغيرها.

    الأمر الخامس: الحقنة، سواءً كانت وريدية أو عضلية، إلا إذا كانت مغذية فإنها تفطر الصائم.

    الأمر السادس: الدواء الذي يوضع على الجرح، حتى ولو كان الجرح في البطن مثلاً فوضع هذا الدواء على الجلد لا يؤثر؛ لأنه لا ينفد إلى المعدة.

    الأمر السابع: الكف عن الطعام عند طلوع الفجر، فلو أن إنساناً أكل أو شرب أو جامع إلى طلوع الفجر الصادق فصومه صحيح، ودليل ذلك قول الله عز وجل في ذلك: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة:187].

    الأمر الثامن: السواك، فإنه يجوز للصائم أن يستاك في أي وقت شاء. مثل أن يستاك قبل الزوال أو بعده، ولا مانع له أن يستاك بعد العصر، إلا أن بعض العلماء الذين كرهوا السواك قالوا: يكره لأنه يذهب الخلوف، أي: رائحة فم الصائم فالسواك يذهبها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، ولكن يقال لهم: إن حقيقة الخلوف ليس سببها عدم السواك، وإنما سببها خلو المعدة من الطعام، ولهذا فلا حرج على الصائم أن يستاك إن شاء الله.

    إدراك الصبح حال كون الصائم جنباً

    الأمر التاسع: أن يصبح الصائم جنباً: فلو أن إنساناً أصابته جنابة من الليل فنام وهو جنب.. فلا حرج عليه أن يغتسل بعد طلوع الفجر وصومه صحيح؛ كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام فيغتسل ويصوم).

    مقدمات الجماع

    الأمر العاشر: مقدمات الجماع: فلو أن صائماً داعب زوجته أو قبلها ولم يخرج منه شيء فصومه صحيح؛ ( لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه )، أو كما قالت عائشة رضي الله عنها: (وأيكم مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) وهذا كله في ما لو كان الصائم يملك نفسه، أما إذا كان لا يملك نفسه فإنه لا يجوز له أن يباشر.

    التبرد بالماء والمضمضة لغرض التخفيف من العطش

    الأمر الحادي عشر: التبرد بالماء، فيجوز للصائم أن يغتسل، وأن يصب على رأسه ماءً، ويجوز له أن ينغمس في بركة الماء أو في حمام سباحة أو في النهر أو البحر، فهذا كله لا مانع منه.

    الأمر الثاني عشر: كذلك لا مانع من أن يتمضمض، وهذا ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال أنس: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب على رأسه الماء وهو صائم في اليوم الشديد الحر).

    وثبت أن عبد الله بن عمر كان يلف جسده بثوب بارد. فكان يبل الثوب ثم يلتحف به وهو صائم، فلا مانع من هذا أيضاً إن شاء الله.

    تذوق الطعام

    الأمر الثالث عشر: يجوز للصائم أن يتذوق الطعام.. فتذوق الطعام مهم بالنسبة لأخواتنا النساء، فإن المرأة قد تحتاجه حال طبخها للطعام وهي صائمة فلها أن تتذوقه، وأن تتذوق العصير. فنقول لها في مثل هذه الحالة: لا مانع من هذا التذوق للطعام من أجل قياس ملوحته أو حلاوته إذا لفضته مع الريق. فإذا تذوقته ثم لفضته فلا مانع؛ للحديث الذي ورد في البخاري بأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لا بأس للصائم أن يتذوق الطعام أو الشيء) أي: لا بأس للصائم أن يتذوق الطعام أو القدر.

    مضغ المرأة الطعام لطفلها

    الأمر الرابع عشر: لا بأس أن تمضغ المرأة الطعام لطفلها. فإذا أرادت المرأة أن تطعم الصغير فأخذت شيئاً من الطعام فمضغته ثم أخرجته وأعطته للطفل. فلا مانع من هذا -إن شاء الله- بشرط أن تمجه وتلفظه قبل أن يصل منه شيء إلى حلقها، فكل ذلك لا يفسد الصوم قياساً على المضمضة.

    فالأشياء التي لا تفسد الصوم هي: الحجامة، والغيبة، وبلع الريق، وغبار الطريق، وغبار الصنعة، والحقنة للعضل أو الوريد مالم تكن مغذية، والسواك بعود رطب أو يابس، والأكل أو الشرب أو الجماع إلى طلوع الفجر، ووضع الدواء على الجرح ولو كان الجرح في البطن، وأن يصبح الصائم جنباً، وتذوق الطعام أو الشراب أو مضغ الطعام من المرأة للصبي بقصد تغذيته ثم مجه ولفضه قبل أن يصل إلى حلقها، والتبرد بالماء ومثله المضمضة والاستنشاق مع عدم المبالغة، هذا كله مما لا يفسد به الصوم، وهو داخل في عموم قول ربنا جل جلاله: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة:185].

    1.   

    السنن التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها في رمضان

    وهناك مندوبات ومستحبات وسنن ينبغي أن يحرص عليها الصائم في رمضان:

    الإكثار من قراءة القرآن

    الأمر الأول: تعظيم الشهر بالعبادة فيه والإكثار من قراءة القرآن؛ فإن رمضان هو شهر القرآن، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم عناية بالقرآن في رمضان عظيمة؛ لأن رمضان هو شهر القرآن قال تعالى في حق رمضان: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ[البقرة:185]، (وكان جبريل عليه السلام له مدارسة للقرآن مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان -أي: في كل عام- يدارسه القرآن كله مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم دارسه جبريل القرآن مرتين وقال عليه الصلاة والسلام: ما أراني إلا قد حضر أجلي).

    فالعاقل يعمر نهاره وليله في رمضان بالأعمال النافعة: من تلاوة للقرآن، ومجالس العلم، وحلق الذكر، أو تفطير للصائمين والإقبال على ما ينفعه في دنياه وآخرته، هذا كله مما ينبغي للصائم أن يحرص على فعله في نهار رمضان.

    أما في ليله فأفضل العبادات: هي القيام، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حق القائم: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذبه).

    (وكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا انتهوا من صلاة العشاء ابتدروا سواري المسجد فيصلون القيام، ولهم بالقرآن دوي كدوي النحل فيطيلون القيام حتى كانوا يستندون على العصي). من طول القيام، فكان الواحد منهم يستند على العصا، حتى جمعهم عمر رضي الله عنه خلف أقرئهم لكتاب الله وهو أبي بن كعب رضي الله عنه فيصلي بهم جماعة.

    فلا ينبغي للصائم أن يقضي نهاره في النوم، والطواف على الأسواق لحاجة ولغير حاجة، ثم بعد ذلك يجعل الليل للهو واللعب.. فهذا حال بعض الناس في رمضان، ولذلك نجد بعض الشباب يهيئون الملاعب بالأضواء والأنوار العالية من أجل أن يقضوا عامة الليل في لعب كرة القدم، فإذا اقترب طلوع الفجر تناولوا طعاماً أو شراباً، وبعد صلاة الفجر يعمدون إلى النوم عامة النهار. وهذا يحصل من بعض الناس، فهم بالليل هائمون وبالنهار نائمون ويقولون: نحن صائمون، لكن نقول لهم: شتان شتان بين إنسان يصوم ويضرب في مناكب الأرض يبتغي من فضل الله وينفع المسلمين، ويلتمس الرزق الحلال فيكد ويتعب، وبين إنسان ينام، فأجرهما لا يستويان فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذلك: (الأجر على قدر النصب)، فعلينا الانتباه لهذا المعنى.

    التماس ليلة القدر

    الأمر الثاني: التماس ليلة القدر التي هي خير الليالي وأعظمها وأفضلها وأبركها، والعبادة فيها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس ليلة القدر ويحرص على أن يصيب خيرها صلوات ربي وسلامه عليه.

    الحرص على السحور

    الأمر الثالث: الحرص على السحور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسحروا فإن في السحور بركة)، فهو بركة باعتبار الوقت، وبركة باعتبار الطاعة واتباع السنة، وبركة باعتبار أثره على الصائم حيث أنه يقويه على الصيام، وقال صلى الله عليه وسلم في حق السحور: (لا يدعن أحدكم سحوره ولو على جرعة ماء)، وقال عليه الصلاة والسلام في التفريق بين صيامنا وبين صيام أهل الكتاب: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)، ويستحب للصائم تأخير السحور؛ لأنه ورد عن أحد الصحابة أنه قال: (كنا نتسحر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يكون بي سرعة أن أدرك الصلاة).

    تعجيل الفطر

    الأمر الرابع: تعجيل الفطر، فيستحب للصائم أن يعجل الفطر بمجرد أن يتحقق من غروب الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: (إذا أدبر النهار من هاهنا وأقبل الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم).

    الإفطار على تمر أو على ماء

    الأمر الخامس: أن يفطر على رطبات من التمر، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد فليحس حسوات من ماء. فعلى الصائم أن يحرص في إفطاره على الرطب؛ لأن ذوبانها أسرع ونفوذها إلى الجوف أيسر وانتفاع الجسد بها أسرع، ولذلك نجد الصائم حال صيامه مرهقاً متعباً لا يكاد يستوي قائماً، فإذا تناول رطبة أو ثلاثاً فإنه يقوم وكأنه لم يكن صائماً؛ ولذلك استحب أن يكون الإفطار على رطبات وتراً، فمن لم يجد فعلى تمرات وتراً، فمن لم يجد فليحس حسوات من ماء كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الدعاء عند الإفطار والتبكير إلى الصلوات وأداؤها في جماعة

    الأمر السادس من المندوبات للصائم: هو أن يدعو عند الإفطار فيقول: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله).

    الأمر السابع: أن يبادر الإنسان إلى الصلوات مبكراً، ويحرص على إيقاعها مع جماعة المسلمين ويبكر لذلك.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    إفساد الصيام بالجماع في نهار رمضان

    وأما مفسدات الصيام فأصولها ثلاثة، وهي: الأكل والشرب والجماع، وقد ذكرت هذه الأصول الثلاثة في قول ربنا جل جلاله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187]، ثم بعد ذلك هذه الأصول الثلاثة يتفرع عنها مفسدات أخرى:

    فأول هذه المفسدات بإجماع المسلمين هو: الجماع في نهار رمضان، فمن جامع في نهار رمضان فإنه بإجماع المسلمين يلزمه القضاء والكفارة؛ لما ثبت في موطأ مالك وكذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره: ( أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخمش وجهه ويلطم خده يقول: يا رسول الله! هلكت وأهلكت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال: وقعت على أهلي وأنا صائم)، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى الكفارة، وذلك بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً.

    وهذه الكفارة عند المالكية على التخيير وليست على الترتيب؛ لأن في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكيناً).

    أما عند جمهور العلماء فهي على الترتيب؛ لأنه ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( هل تجد رقبة؟ فقال: لا أملك إلا هذه -وأشار إلى رقبته- قال له: هل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ قال: يا رسول الله! وهل أوقعني في ما وقعت فيه إلا الصيام؟ قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ قال: ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا). فهذا ترتيب.

    قالوا: ويدل على هذا الترتيب أن الله عز وجل رتب في كفارة الظهار بنفس هذا الترتيب، فقال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ[المجادلة:3-4] أي: الرقبة فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ[المجادلة:4] فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ[المجادلة:4] أي: الصيام فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا[المجادلة:4] قالوا: فكفارة الظهار مرتبة وكذلك كفارة الجماع في نهار رمضان مرتبة.

    وهنا عدة مسائل نوردها فيما يلي:

    المسألة الأولى: حكم جماع المكره، يعني: لو أن رجلاً أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان؟ قال أهل العلم: من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان لزمته كفارتان، الأولى عن نفسه والأخرى عن زوجته، ويتعين في الكفارة عن زوجته الإطعام أو العتق. فلا يصلح أن يصوم عن زوجته شهرين متتابعين؛ لأن الصوم عبادة بدنية لا تصح فيها النيابة من الحي عن الحي. فلا يصح أن يصوم حي عن حي، ولذلك من أكره زوجته على الجماع أي: أجبرها فإنه لا يلزمها إلا القضاء فقط، فتقضي مكان اليوم يوماً، أما الكفارة فهي لازمة للمكرِه، كفارة عن نفسه وكفارة عن زوجته.

    المسألة الثانية وهي: لو أنه جامعها وهي نائمة لا تشعر. فلا يلزمها إلا القضاء، أما هو فتلزمه كفارتان، واحدة عن نفسه وواحدة عن زوجته.

    المسألة الثالثة: حكم من جامع ناسياً في نهار رمضان -وهذا يتصور-؛ فإنه إذا كان يتصور أن يأكل الإنسان مراراً وهو صائم خاصة في الأيام الأولى أو يشرب مراراً وهو صائم، فيتصور كذلك أن يجامع وهو ناسٍ لصيامه، وأنه في رمضان، فمن جامع ناسياً فإنه لا يلزمه إلا القضاء، ولا تلزمه كفارة.

    المسألة الرابعة: من جامع جاهلاً حرمة الوطء، فلم يكن ناسياً وإنما جاهلاً بأن الوطء في نهار رمضان حرام، وأنه مفسد للصوم، فإنه لا يلزمه إلا القضاء.

    إذاً: الذي يلزمه القضاء والكفارة معاً هو من جامع في نهار رمضان عالماً عامداً، أي: من جامع وهو عالم بأن الوطء في نهار رمضان حرام، وأنه مفسد للصيام، فجامع وهو متعمد، فإذا قلنا: جامع عالماً خرج بذلك الجاهل، وإذا قلنا: عامداً خرج بذلك الناسي والمكره والنائم.

    فمن جامع في نهار رمضان عامداً عالماً يلزمه القضاء أي: يقضي مكان اليوم الذي أفطر فيه بالجماع يوماً آخر فيصومه، ثم عليه الكفارة، وهي عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.

    أما من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان فإنه تلزمه كفارتان، كفارة عن نفسه ثم كفارة عن زوجته، والكفارة عن زوجته إما أن تكون عتقاً أو إطعاماً، ولا يتصور الصيام.

    والذي يلزم الزوجة هو القضاء فقط، وهذا الحكم يقال كذلك فيمن جامع زوجته وهي نائمة لا تشعر.

    وأما من جامع ناسياً فيلزمه القضاء دون الكفارة.

    وأما من جامع جاهلاً بحرمة الوطء فعليه القضاء دون الكفارة، وصورته مثلاً: لو أن شخصاً دخل في الإسلام حديثاً فربما ظن أن صيام رمضان هو بالامتناع عن الطعام والشراب فقط، فربما يجامع وهو جاهل بأن الوطء حرام، فهذا يلزمه القضاء دون الكفارة، وكذلك من جامع جاهلاً دخول رمضان.

    المسألة الخامسة: وهذه المسألة ربما يسأل عنها بعض الناس الآن وهي: من جامع جاهلاً دخول الفجر، فربما يطلع الفجر على بعض الناس وهو لا يعلم بأن الفجر قد طلع، فهذا يلحق بالجاهل، فيلزمه القضاء دون الكفارة.

    إذاً: أول مفسد من مفسدات الصيام هو الجماع.

    المسألة السادسة وهي: لو أن إنساناً جامع أهله بالليل فأصبح جنباً ولم يغتسل ثم نام، فطلع عليه الفجر وهو جنب، فهو كذلك لا شيء عليه؛ لأن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت في ذلك: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام فيغتسل ويصوم).