اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مبطلات الصيام ومندوباته للشيخ : عبد الحي يوسف


مبطلات الصيام ومندوباته - (للشيخ : عبد الحي يوسف)
إن الله افترض علينا صيام شهر رمضان المبارك وجعله الركن الثاني من أركان الإسلام، وإن مما يحرص عليه المسلم في صيامه ألا يطرأ عليه ما يبطله، مثل: الجماع في نهار رمضان، وكذلك الأكل والشرب وغير ذلك. وهناك أمور لا تفسد الصوم بفعلها، مثل: الحجامة والتبرع بالدم والحقن للعلاج وغير ذلك، كما أن هناك سنناً ينبغي للصائم أن يحرص عليها مثل تعظيم الشهر وعدم إضاعة الأوقات فيه بنوم أو لعب، وأن يحرص على السحور وتعجيل الإفطار وغير ذلك من السنن.
تلخيص لما سبق من أحكام الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير والبشير النذير وعلى آله وصحبه أجمعين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.أما بعد:فقد سبق معنا أن من شروط وجوب الصوم: الإقامة. فهو لا يجب إلا على البالغ العاقل القادر المقيم، وبالنسبة للمرأة فلا يجب على الحائض ولا النفساء.وتبين لنا فيما سبق: بأن السفر الذي يبيح الفطر لا بد أن يكون سفراً مشروعاً، وأن يكون في رمضان لا في الصوم الواجب في غيره، وأن يبيت نية الإفطار قبل طلوع الفجر، وأن يشرع في سفره من الليل.وإذا سافر الإنسان سفراً غير مشروع، أي سفر معصية، فإنه لا يحل له أن يفطر؛ لأن الرخصة لا يستعان بها على معصية الله عز وجل.وأما شروط صحة الصوم فشرطان:الشرط الأول: الإسلام، فإن الكافر إذا صام فصومه لا يصح؛ كما قال ربنا جل جلاله في حق الكفار: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[الفرقان:23]؛ وكما قال سبحانه في حقهم: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ[النور:39]؛ وكقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ[إبراهيم:18].الشرط الثاني: أن يكون اليوم الذي يصام هو من الأيام التي يصح صومها. فلو أن إنساناً صام يوم الشك مثلاً، أو صام يوم العيد مثلاً، فإن صومه باطل؛ لأن الصيام في هذه الأيام غير مشروع.
 

إفساد الصيام بتعمد إخراج المني في نهار رمضان
المفسد الثاني: وهو فرع عن الأول: تعمد إخراج المني في نهار رمضان، وإخراج المني: يكون بالعبث، أو ما يسميه الناس الآن بالعادة السرية، وكان العرب فيما مضى يسمونه (جلد عميرة)، وهي عادة محرمة؛ لعموم الأدلة في ذلك ومنها: قول ربنا جل جلاله في ذلك: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ[المؤمنون:5-7] أي: المعتدون والمجاوزون لحدود الله، ومنها: أن الله عز وجل أمر بالنكاح فقال: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ[النور:32] ثم أمر بالعفة بعدها فقال: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا[النور:33]، فإما أن ينكح وإما أن يستعفف، وليس بينهما وسط.ومنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر المستطيع بالزواج، وغير المستطيع أمره بالصوم ولم يجعل بينهما وسطاً، فلو كان الاستمناء حلالاً لأرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم ( ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ).ومنها: حديث آخر، ولكن في سنده ضعف، فقد أورد الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا: ناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره)، فذكر عليه الصلاة والسلام من هؤلاء الملعونين: ناكح يده.فمن تعمد إخراج المني في نهار رمضان إما بعبث بعضوه، أو بإدامة نظر أو فكر؛ فإن صومه قد فسد ويلزمه القضاء والكفارة؛ لأن تعمد إخراج المني وهو في معنى الجماع أي: كأنه جامع، لأنه قد قضى شهوته، وإن كان المجامع قد قضاها في مكان حلال، وأما الفعل فحرام، يعني: قضى شهوته حلالاً مع زوجته إلا أن ناكح يده قد قضاها حراماً.وهنا مسألة أخرى وهي: حكم من خرج منه المني في نهار رمضان وهو نائم، فهل يلزمه القضاء فقط أم القضاء والكفارة؟ الجواب: لا يلزمه القضاء ولا الكفارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ)، فمن احتلم في نهار رمضان فإنه لا شيء عليه، فلا قضاء ولا كفارة.
 

إفساد الصيام بتعمد إخراج المذي في نهار رمضان
المفسد الثالث: تعمد إخراج المذي، فالمذي والمني كلاهما على وزن واحد، ولكن بينهما عدة فروق منها:الفرق الأول: أن المني: هو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة الكبرى ويجب منه الغسل، وأما المذي: فهو مني لم يتم طبخه فيخرج عند التفكير وعند الملاعبة.ويفرق بينهما أولاً بالكمية؛ لأن المني يخرج دفقاً؛ كما قال ربنا جل جلاله: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ[الطارق:5-6] أي: يخرج دفقاً، وأما المذي: فإنه يخرج قطراً. يعني: شيئاً يسيراً.الفرق الثاني: يفرق بينهما بالرائحة، فالمني له رائحة كرائحة صفار البيض، وأما المذي: فلا رائحة له.الفرق الثالث: يفرق بينهما بالسبب، فالمني: يخرج عند اللذة الكبرى، وأما المذي: فهو دون ذلك.فمن خرج منه المذي في نهار رمضان إما بإدامة نظر أو بإدامة فكر فقد فسد صومه؛ لأن خروج المذي مرحلة من مراحل قضاء الشهوة، ولذلك يلزمه القضاء، فمن خرج منه المذي في نهار رمضان فقد فسد صومه ولزمه القضاء، وأما فيمن خرج منه المني فيلزمه القضاء والكفارة؛ لأنه قد قضى شهوته بالكمال والتمام، وأما خروج المذي فهو مرحلة من مراحل قضاء الشهوة. أما من خرج منه المذي بغير تعمد مثل أن يخرج بسبب البرد أو لأنه مصاب بالسلس فيخرج منه المذي بغير إرادة أو بسبب أنه نظر من غير قصد فأمذى، فهذا كله لا يفسد به الصوم.فلذا على الصائم في نهار رمضان ألا يكثر من التفكير، فلو أن الإنسان فكر فأمذى -ولو كان التفكير في الحلال كأن يفكر في زوجته -مثلاً- فأمذى فإنه يلزمه القضاء، ولذلك ينبغي للإنسان في نهار رمضان أن يصرف عن خاطره ما لا يليق بالصيام. ولذلك فالصوم التام الكامل لا بد أن يصاحبه ستة أشياء:أولها: غض البصر.وثانيها: كف اللسان.وثالثها: حفظ السمع.ورابعها: استعمال الجوارح فيما يحبه الله ويرضاه.وخامسها: عدم الاستكثار من المباحات عند الإفطار.وسادسها: أن يكون الإنسان بين الخوف والرجاء.فأما الأمر الأول وهو غض البصر، فهو ترك النظر إلى المحرمات سواء الحقيقية الموجودة في الشوارع والطرقات والأسواق، أو الصور التي تكون مطبوعة في مجلة أو صحيفة، أو الصور التي تكون في الشاشات، فهذا كله تغض بصرك عنه.الأمر الثاني: كف اللسان عما حرم الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وعلمنا صلى الله عليه وسلم أن الواحد منا إذا قاتله امرؤ أو سابه فليقل: إني صائم. أي: فإذا سبك فلا تسبه، وإذا شتمك فلا تشتمه، وإذا لعنك فلا تلعنه، ولكن قل له: إني صائم.الأمر الثالث: كف السمع، فإذا كان اللسان يمنع مما حرم الله كالسب والشتم واللعن والكذب وقول الزور والغش والتدليس والغيبة والنميمة، فكذلك السمع تكفه عما لا يليق. فلو أن إنساناً جاءك وأنت صائم في نهار رمضان فقال لك: أرأيت اللص ماذا عمل؟ فلا تقل له: من هذا اللص؟ بل عليك أن تعرض عنه! ونشتغل بالقرآن، فالقرآن في رمضان أجره عظيم، فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:1-2]، وكأنه يقول له: إن موضوعك هذا لا يعنيني في قليل أو كثير.وإذا جاء آخر وقال: وجد فلان البارحة مع امرأة في مكان كذا، فأعرض عنه، واقرأ القرآن بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2]. وكأنك تقول له: كلامك هذا لا يلزمني، لأني لست أحمق أضيع حسناتي، فأنا ممتنع عن الطعام والشراب في شدة الحر مبتغياً بذلك الأجر من الله، لا من أجل أن تذهب حسناتي هباءً منثوراً بسبب أن فلاناً سرق أو أن فلاناً فعل كذا أو كذا، فالله يتولى العباد جميعاً.الأمر الرابع: استعمال الجوارح فيما يحبه الله، مثل: يديك ورجليك أي: أن تحفظ الرأس وما وعى، وكل الجوارح تستعملها في الطاعة لا في المعصية.الأمر الخامس: عند الإفطار لا تستكثر من المباحات، فإن أناساً في رمضان، وفي وقت الإفطار يأكلون أكلاً كثيراً ويشربون شرباً كثيراً، حتى إن بعضهم يعجز عن القيام لصلاة المغرب.. وليست صلاة التراويح، بل تلقاه يأكل ويتمدد وينبطح.أما صلاة التراويح فدونها خرط القتاد، فإذا جاء الإمام وبدأ يقرأ في الصلاة فيقول: هذا الإمام فتنا، وهذا الإمام لا يعرف الدين!فتقول له: كيف يكون الدين؟ فيقول لك: الدين يسر. والعلة في بطنه وليست في الإمام.الأمر السادس: على الإنسان أن يكون بعد الإفطار بين الخوف والرجاء، فيرجو من الله أن يقبل صومه ويخاف ألا يقبل منه.
 

إفساد الصيام بتعمد القيء في نهار رمضان
المفسد الرابع: تعمد القيء، أما من خرج منه القيء غلبة، أي: بغير إرادة منه فصومه لا يفسد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود : (من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض).(من ذرعه القيء). أي: غلبه، فليس عليه قضاء، ( وإن استقاء فليقض ).وصور تعمد الصائم للقيء: كأن ينظر إلى شيء يعلم بأنه يسبب له القيء، وإما بالشم فيشم شيئاً يعلم بأنه يحرك بطنه، أو أنه يدخل أصبعه أو شيئاً في حلقه حتى يتقيأ، فكل من تعمد القيء لزمه القضاء، أما من غلبه القيء ولم يرجع منه شيء فإنه لا يلزمه لا قضاء ولا كفارة.
 

إفساد الصيام بإيصال شيء إلى الجوف بتعمد
المفسد الخامس: وصول شيء إلى الجوف.ونقصد بالجوف: محل الطعام مثل: المعدة والأمعاء، فإذا وصل شيء إلى المعدة أو الأمعاء سواءً كان من أعلى أي: من الفم أو من الأنف أو من الأسفل عن طريق الحقن بما يسمى: بحقنة الشرج أو اللبوس، وسواءً كان هذا الواصل إلى الجوف مائعاً كالماء والدواء، أو جامداً كالطعام، فمن تعمد إدخال شيء من ذلك فسد صومه، فإن كان متلاعباً فعليه القضاء والكفارة، أما إذا كان مضطراً كمن أدخل دواءً فإنه يلزمه القضاء دون الكفارة ولا إثم عليه.
 

إفساد الصيام بإيصال مائع إلى الحلق بتعمد
المفسد السادس: وصول مائعٍ أو جامدٍ إلى الحلق؛ لأن العلماء يقولون: ما وصل إلى الحلق فإنه سيصل إلى المعدة؛ لأنه قد اجتاز بوابة الطعام، ولو كان هذا الوصول إلى الحلق عن طريق الأنف أو الأذن أو العين؛ لأنها منافذ مثل الفم؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لما أوصى لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال له: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) (وبالغ في الاستنشاق) يعني: إذا توضأ وهو صائم فينبغي له أن يحترز؛ لئلا يصل الماء إلا حلقه فيفسد صومه.
 

إفساد الصيام بتناول الطعام مع الشك في الفجر أو المغرب
المفسد السابع: تناول الطعام مع الشك في الفجر أو المغرب. فلو أن إنساناً تناول شيئاً مفطراً وهو شاك فيقول: هل غربت الشمس أم لم تغرب؟ فيفسد بذلك صومه. أو تناول شيئاً من الطعام وهو شاك فيقول: هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ولكن لو تأملنا في هذه المسألة نجد أن هناك فرقاً بين من أكل شاكاً في طلوع الفجر ومن أكل شاكاً في غروب الشمس. لأن القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان. فمثلاً: لو أن إنساناً متوضئاً ثم بعد ذلك شك في خروج شيء منه، نقول له: هذا الشك لا قيمة له؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، ولذلك من شك في طلوع الفجر جاز له أن يأكل ويشرب؛ لأن الأصل بقاء الليل، بخلاف من شك في غروب الشمس فأكل، نقول له: فسد صومك؛ لأن الأصل بقاء النهار.ولذلك يفرق بين من أكل شاكاً في الفجر ومن أكل شاكاً في غروب الشمس، فلو فرض بأن إنساناً أكل قبل الغروب ظاناً أن الشمس قد غربت، فإنه على قول الجمهور يلزمه القضاء؛ لأن الناس في زمان عمر رضي الله عنه ظنوا أن الشمس قد غربت فأفطروا، وبعد أن أفطروا طلعت الشمس، فقال عمر رضي الله عنه: الخطب يسير ولم نتعمد.. فقوله: (الخطب يسير)، أي: أن المصيبة هينة؛ لأننا لم نتعمد الفطر، والله عز وجل يقول في ذلك: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ[الأحزاب:5]، وقال الإمام مالك رحمه الله: وعندي أن قول عمر : (الخطب يسير) معناه: لزوم القضاء. يلزمنا أن نقضي مكان اليوم يوماً.وهذا يكثر السؤال عنه في رمضان.أما الآن فليس هناك من يأكل قبل غروب الشمس؛ لأنه -والحمد لله- توجد ساعات في أيدينا وفي مساجدنا، وهناك الإذاعات والأمور ميسرة، ولكن يحصل في رمضان كثيراً أن أناساً يأكلون بعد طلوع الفجر. فيقوم أحدهم من النوم فزعاً وقلبه معلق بالشاي، فيذهب إلى المطبخ مسرعاً ويصنع كوباً من الشاي ويشرب فيسمع إقامة الصلاة.إذاً: هذا الشاي قد شرب بعدما طلع الفجر. فنقول له: يلزمك القضاء؛ لأنك أكلت في غير الوقت الذي أباح الله فيه الأكل؛ لأن الله عز وجل قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187] أي: من وقت تبين الخيط الأبيض.
 

إفساد الصيام بتبييت النية بالفطر ورفضها والأكل والشرب عامداً
المفسد الثامن: أن ينوي من الليل أنه لن يصوم غداً، فالصوم كما ذكرنا سابقاً بأن له ركنين وهما: النية، والإمساك عن المفطرات، فلو أن إنساناً رفض نية الصوم ليلاً، أي: نوى أنه لن يصوم، وطلع عليه الفجر وهو على تلك النية -عياذاً بالله- فإن هذا اليوم وإن صامه فإنه لا يجزئه صيامه.ومثله أيضاً: لو أن إنساناً رفض نية الصوم نهاراً، فمثلاً: اشتد عليه الحر وعظم عليه الكرب فقال: إذا رجعت إلى البيت ولقيت عصير ليمون بارد فسأفطر، ورجع إلى البيت فوجد الكهرباء مقطوعة والليمون غالياً فلم يجده لا بارداً ولا ساخناً، ولم يجد شيئاً، فصومه فاسد؛ لأنه قد رفض نية الصوم، فمن رفض نية الصوم ليلاً أو نهاراً فإن صومه يفسد. وقد تقدم معنا الكلام عن مفسدات الصيام، وذكرنا أن أصولها ثلاثة، وهي: الأكل والشرب والجماع، وقد ذكرت في قول ربنا جل جلاله في ذلك: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ[البقرة:187] إلى أن قال سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187]، وعرفنا بأن هذه المفسدات تتمثل في الجماع، وتعمد إخراج المني، وتعمد إخراج المذي، وتعمد القيء، أما القيء الذي يخرج غلبةً فإنه لا يفسد الصيام، وكذلك من المفسدات أن يأكل الإنسان شاكاً في غروب الشمس. ومن مفسدات الصيام كذلك: أن يتعمد الإنسان إيصال شيء إلى جوفه مائعاً كان أو جامداً أو أن يتعمد إيصال مائعٍ إلى حلقه. المفسد التاسع من مفسدات: أن يأكل أو يشرب، فهذه كلها أمور تفسد الصوم فبعضها يوجب القضاء فقط وبعضها يوجب القضاء والكفارة.
 

ما لا يفسد به الصوم
ثم هناك الأمور التي لا تفسد الصيام: وهي مما يكثر سؤال الناس عنها في رمضان فيعتقدون أنها تبطل الصيام وتفسده، وفي حقيقة الأمر هي ليست مفسدة له، وهي:الأمر الأول: الحجامة: وفي هذا الزمان لا يستخدم الحجامة إلا القليل من الناس، لكن الناس يسألون دائماً عن نقل الدم، فربما الإنسان يكون صائماً فيؤخذ منه دم من أجل مريض أو مصاب ونحو ذلك، فسواء كانت حجامة أو فصداً أو نقل دم فإنه لا يفسد الصيام؛ لأنه ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم)، والحديث رواه الإمام البخاري.أما الأحاديث التي جاء فيها قوله صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) فجمهور العلماء على أنها منسوخة.أي: أنه في أول الأمر كانت الحجامة مفطرة ثم نسخ ذلك الحكم.
 مضغ المرأة الطعام لطفلها
الأمر الرابع عشر: لا بأس أن تمضغ المرأة الطعام لطفلها. فإذا أرادت المرأة أن تطعم الصغير فأخذت شيئاً من الطعام فمضغته ثم أخرجته وأعطته للطفل. فلا مانع من هذا -إن شاء الله- بشرط أن تمجه وتلفظه قبل أن يصل منه شيء إلى حلقها، فكل ذلك لا يفسد الصوم قياساً على المضمضة.فالأشياء التي لا تفسد الصوم هي: الحجامة، والغيبة، وبلع الريق، وغبار الطريق، وغبار الصنعة، والحقنة للعضل أو الوريد مالم تكن مغذية، والسواك بعود رطب أو يابس، والأكل أو الشرب أو الجماع إلى طلوع الفجر، ووضع الدواء على الجرح ولو كان الجرح في البطن، وأن يصبح الصائم جنباً، وتذوق الطعام أو الشراب أو مضغ الطعام من المرأة للصبي بقصد تغذيته ثم مجه ولفضه قبل أن يصل إلى حلقها، والتبرد بالماء ومثله المضمضة والاستنشاق مع عدم المبالغة، هذا كله مما لا يفسد به الصوم، وهو داخل في عموم قول ربنا جل جلاله: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[البقرة:185].
السنن التي ينبغي للصائم أن يحرص عليها في رمضان
وهناك مندوبات ومستحبات وسنن ينبغي أن يحرص عليها الصائم في رمضان: ‏
 الدعاء عند الإفطار والتبكير إلى الصلوات وأداؤها في جماعة
الأمر السادس من المندوبات للصائم: هو أن يدعو عند الإفطار فيقول: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله). الأمر السابع: أن يبادر الإنسان إلى الصلوات مبكراً، ويحرص على إيقاعها مع جماعة المسلمين ويبكر لذلك.ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
إفساد الصيام بالجماع في نهار رمضان
وأما مفسدات الصيام فأصولها ثلاثة، وهي: الأكل والشرب والجماع، وقد ذكرت هذه الأصول الثلاثة في قول ربنا جل جلاله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ[البقرة:187]، ثم بعد ذلك هذه الأصول الثلاثة يتفرع عنها مفسدات أخرى:فأول هذه المفسدات بإجماع المسلمين هو: الجماع في نهار رمضان، فمن جامع في نهار رمضان فإنه بإجماع المسلمين يلزمه القضاء والكفارة؛ لما ثبت في موطأ مالك وكذا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره: ( أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخمش وجهه ويلطم خده يقول: يا رسول الله! هلكت وأهلكت. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قال: وقعت على أهلي وأنا صائم)، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرشده إلى الكفارة، وذلك بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً. وهذه الكفارة عند المالكية على التخيير وليست على الترتيب؛ لأن في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أعتق رقبة أو صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكيناً).أما عند جمهور العلماء فهي على الترتيب؛ لأنه ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( هل تجد رقبة؟ فقال: لا أملك إلا هذه -وأشار إلى رقبته- قال له: هل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ قال: يا رسول الله! وهل أوقعني في ما وقعت فيه إلا الصيام؟ قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكيناً؟ قال: ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا). فهذا ترتيب.قالوا: ويدل على هذا الترتيب أن الله عز وجل رتب في كفارة الظهار بنفس هذا الترتيب، فقال: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ[المجادلة:3-4] أي: الرقبة فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ[المجادلة:4] فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ[المجادلة:4] أي: الصيام فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا[المجادلة:4] قالوا: فكفارة الظهار مرتبة وكذلك كفارة الجماع في نهار رمضان مرتبة.وهنا عدة مسائل نوردها فيما يلي:المسألة الأولى: حكم جماع المكره، يعني: لو أن رجلاً أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان؟ قال أهل العلم: من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان لزمته كفارتان، الأولى عن نفسه والأخرى عن زوجته، ويتعين في الكفارة عن زوجته الإطعام أو العتق. فلا يصلح أن يصوم عن زوجته شهرين متتابعين؛ لأن الصوم عبادة بدنية لا تصح فيها النيابة من الحي عن الحي. فلا يصح أن يصوم حي عن حي، ولذلك من أكره زوجته على الجماع أي: أجبرها فإنه لا يلزمها إلا القضاء فقط، فتقضي مكان اليوم يوماً، أما الكفارة فهي لازمة للمكرِه، كفارة عن نفسه وكفارة عن زوجته.المسألة الثانية وهي: لو أنه جامعها وهي نائمة لا تشعر. فلا يلزمها إلا القضاء، أما هو فتلزمه كفارتان، واحدة عن نفسه وواحدة عن زوجته.المسألة الثالثة: حكم من جامع ناسياً في نهار رمضان -وهذا يتصور-؛ فإنه إذا كان يتصور أن يأكل الإنسان مراراً وهو صائم خاصة في الأيام الأولى أو يشرب مراراً وهو صائم، فيتصور كذلك أن يجامع وهو ناسٍ لصيامه، وأنه في رمضان، فمن جامع ناسياً فإنه لا يلزمه إلا القضاء، ولا تلزمه كفارة.المسألة الرابعة: من جامع جاهلاً حرمة الوطء، فلم يكن ناسياً وإنما جاهلاً بأن الوطء في نهار رمضان حرام، وأنه مفسد للصوم، فإنه لا يلزمه إلا القضاء.إذاً: الذي يلزمه القضاء والكفارة معاً هو من جامع في نهار رمضان عالماً عامداً، أي: من جامع وهو عالم بأن الوطء في نهار رمضان حرام، وأنه مفسد للصيام، فجامع وهو متعمد، فإذا قلنا: جامع عالماً خرج بذلك الجاهل، وإذا قلنا: عامداً خرج بذلك الناسي والمكره والنائم.فمن جامع في نهار رمضان عامداً عالماً يلزمه القضاء أي: يقضي مكان اليوم الذي أفطر فيه بالجماع يوماً آخر فيصومه، ثم عليه الكفارة، وهي عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.أما من أكره زوجته على الجماع في نهار رمضان فإنه تلزمه كفارتان، كفارة عن نفسه ثم كفارة عن زوجته، والكفارة عن زوجته إما أن تكون عتقاً أو إطعاماً، ولا يتصور الصيام.والذي يلزم الزوجة هو القضاء فقط، وهذا الحكم يقال كذلك فيمن جامع زوجته وهي نائمة لا تشعر.وأما من جامع ناسياً فيلزمه القضاء دون الكفارة.وأما من جامع جاهلاً بحرمة الوطء فعليه القضاء دون الكفارة، وصورته مثلاً: لو أن شخصاً دخل في الإسلام حديثاً فربما ظن أن صيام رمضان هو بالامتناع عن الطعام والشراب فقط، فربما يجامع وهو جاهل بأن الوطء حرام، فهذا يلزمه القضاء دون الكفارة، وكذلك من جامع جاهلاً دخول رمضان.المسألة الخامسة: وهذه المسألة ربما يسأل عنها بعض الناس الآن وهي: من جامع جاهلاً دخول الفجر، فربما يطلع الفجر على بعض الناس وهو لا يعلم بأن الفجر قد طلع، فهذا يلحق بالجاهل، فيلزمه القضاء دون الكفارة.إذاً: أول مفسد من مفسدات الصيام هو الجماع. المسألة السادسة وهي: لو أن إنساناً جامع أهله بالليل فأصبح جنباً ولم يغتسل ثم نام، فطلع عليه الفجر وهو جنب، فهو كذلك لا شيء عليه؛ لأن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت في ذلك: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من جماع غير احتلام فيغتسل ويصوم).
 الدعاء عند الإفطار والتبكير إلى الصلوات وأداؤها في جماعة
الأمر السادس من المندوبات للصائم: هو أن يدعو عند الإفطار فيقول: (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله). الأمر السابع: أن يبادر الإنسان إلى الصلوات مبكراً، ويحرص على إيقاعها مع جماعة المسلمين ويبكر لذلك.ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مبطلات الصيام ومندوباته للشيخ : عبد الحي يوسف

http://audio.islamweb.net