إسلام ويب

سورة آل عمران - الآية [100]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حذر الله المؤمنين في كتابه من طاعة اليهود أو النصارى، ومن أطاعهم فإنهم سيردونه كافراً بعد إيمانه والعياذ بالله، وخير لهم أن يطيعوا الله ورسوله ويتقوا الله، ويتولوا الله ورسوله والمؤمنين، ويعادوا الكافرين.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    معنا في هذا الدرس النداء الثاني عشر وهو في الآية مائة من سورة آل عمران،

    قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[آل عمران:100].

    هذا هو النداء الثاني عشر من نداءات الرحمن لأهل لإيمان، في الآية مائة من سورة آل عمران، وهو قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[آل عمران:100].

    سبب نزول هذه الآية كما ذكر أئمة التفسير: أن شأس بن قيس كان شيخاً من شيوخ يهود، وكان شديد الضغن على الإسلام وأهله، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم.

    مر هذا الرجل على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاضه ذلك فقال: والله ما لنا بهذه الأرض من قرار -أي: إذا اتفق الأوس والخزرج واتحدت كلمتهم-، فأمر شاباً من شباب اليهود أن يذهب إلى ذلك المجلس، ويذكرهم بيوم بعاث، وكان يوماً قد وقعت فيه حرب بين الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس، فذهب ذلك الشاب، وبدأ يستنشد القوم ما قالوا من أشعار في ذلك اليوم حتى غلت الدماء في العروق، وتذكر القوم ما كان بينهم من ثارات وإحن، وتنادوا إلى حمل السلاح، وقال قائلهم: إن شئتم رددناها جذعة، وتواعدوا ظهر الحرة، فعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم وقال لهم: (يا معشر الأوس والخزرج! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة) أي: اتركوا الدعوى للجنس وللقبيلة وللعصبية، فإنها دعوة منتنة وقبيحة لا تؤدي إلى خير، وبدأ صلى الله عليه وسلم يذكر الأوس والخزرج بأن الله أكرمهم بالإسلام، وقطع عنهم أمر الجاهلية، حتى رقت قلوبهم، فألقوا أسلحتهم وعانق بعضهم بعضاً وهم يبكون، يقول الصحابي: فما رأيت يوماً أقبح أولاً ولا أحسن آخراً من ذلك اليوم، وأنزل الله عز وجل هذه الآية وما بعدها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[آل عمران:100].

    يقول الألوسي رحمه الله: هذا النداء تشريف للأوس والخزرج؛ لأن قبله نداءات لأهل الكتاب وتبدأ بقل، كقوله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ[آل عمران:65]، وقوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا[آل عمران:98-99]، وهنا لم يقل: قل يا أيها الذين آمنوا، وإنما خاطبهم مباشرة من غير واسطة فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا )).

    معاني المفردات

    قال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا )) الفريق: الطائفة من الناس، والمعنى: إن تطيعوا هذه الطائفة الحاقدة الحاسدة الظالمة الباغية من الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، (( إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ))، والذين آتوا الكتاب هم اليهود والنصارى، ولكن المراد بأهل الكتاب هنا هم اليهود؛ لأنهم هم الذين كانوا يساكنون المسلمين في المدينة.

    (( إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ )) أصل الرد: الصرف والإرجاع، والمراد به هنا التصيير، أي يصيرونكم ويحولونكم بعد إيمانكم كافرين، بمعنى التصيير والتحويل، ومنه قول القائل:

    فرد شعورهن السود بيضاً ورد وجوههن البيض سوداً

    أي صيرها وحولها.

    فإذا أطعتم أهل الكتاب في إحياء النعرات الجاهلية والعصبيات القومية سيصيرونكم -بعد إذ كنتم مؤمنين طيبين تعرفون الله ورسوله- إلى جاهليتكم كفاراً لا تعرفون الله.

    وهذه الآية قد ورد في معناها آيات، كقول الله عز وجل: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ[البقرة:109]، وقول الله عز وجل: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً[النساء:89]، وقول الله عز وجل وجل: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ[آل عمران:69]، وغير ذلك من الآيات.

    خطر طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم

    يقول الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه في الظلال: إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم تحمل ابتداءً معنى الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشأت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعداً في طريق النماء والارتقاء، وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس وهي لا تشعر به، ولا ترى خطره القريب.

    ويجب أن نفرق بين قضيتين: قضية اقتباس مناهج من أهل الكتاب وفق روح الإسلام، وتوجيهه؛ من أجل أن ننتفع بجهود البشر في الارتقاء بحياتنا وخدمة ديننا، فهذا لا بأس به، وقد فعله المسلمون الأولون، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما مصر الأمصار ودون الدواوين وجعل للجند عطاء وغير ذلك من التراتيب الإدارية والنظم إنما اقتبسها من غير المسلمين، لكنها لا تعارض دين الله عز وجل، هذه قضية.

    والقضية الثانية: اقتباس مناهج أهل الكتاب في التفسير، والاعتقاد، والنظر إلى الكون والحياة، والنظر إلى الخالق جل جلاله، فهذا هو الممنوع المحذور، وقد وقع في ذلك دعاة القومية العربية، وقامت حربان كونيتان عظيمتان هلك فيهما ملايين من البشر، وهاتان الحربان سببهما: اعتقاد تفوق جنس على جنس، فأصحاب الجنس الآرمي، أو أصحاب الجنس الأنجلو سكسوني، كل منهم يعتقد أنه الأفضل والأرقى والأحسن، وأنه ينبغي أن يقضي على الجنس الآخر، فكانت النتيجة قيام الحروب الطاحنة التي هلك فيها من البشر ما لا يعلمه إلا الله، هذه الفكرة الخاطئة الكاذبة انتقلت إلى بلاد العرب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر دعاة القومية العربية، وهي حركة سياسية فكرية متعصبة، تقوم على ربط الناس برابطة الدم والجنس واللغة والتاريخ والآمال والآلام كما زعموا، وتنحية رابطة الدين.

    إن هذه الدعوة القومية أتى بها مجموعة من النصارى في سوريا ولبنان ومصر، وهم بطرس البستاني و سليم البستاني و منيف خوري و نصيف اليازجي و خير الله خير الله، وغيرهم، وكلهم من النصارى، إلى أن وصل الأمر إلى ميشيل عفلق ، الذي أسس حزب البعث الذي قضى على الأخضر واليابس، هذه الدعوة تقوم على جملة من الأفكار الكفرية، وهي أن الدين لله والوطن للجميع، وأن رابطة الجنس هي التي توحد، وأن الدين لا يوحد، ثم تناولوا شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصفه عبقرياً عربياً، لا بوصفه رسولاً نبياً، وقالوا: إن العبقرية العربية تتجلى في عدة صور فتارة في صورة شريعة حمورابي وتارة في صورة الشعر الجاهلي، وتارة في صورة الإسلام، أي: أن الإسلام مرحلة من مراحل القومية العربية، وقالوا بأن محمداً كان كل العرب فليكن كل العرب محمداً، إلى غير ذلك من الكلمات الفارغة، وبلغ الكفر ببعضهم أن يقول:

    هبوني عيداً يجعل العرب أمة

    وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلام على كفر يوحد بيننا

    وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

    أي: أنه يريد أن يعلي رابطة الجنس، والدم، ويلغي رابطة الدين.

    ولقد كانت النتيجة أن قامت الجامعة العربية، وهي فكرة إنجليزية؛ من أجل القضاء على فكرة الجامعة الإسلامية التي كان ينادي بها بعض العلماء بعد سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924م، حيث دعوا إلى قيام جامعة إسلامية تجمع شتات المسلمين عرباً وعجماً، فقامت فكرة الجامعة العربية وحصرتها في الجنس العربي، بصرف النظر عن الدين، سواء كان الإسلام أو غيره، ومنذ أن قامت هذه الجامعة لم ير الناس منها خيراً، ولم تنتصر لقضية واحدة من قضايا المسلمين، وقلصت القضايا وضيقتها، فقضية فلسطين التي هي قضية إسلامية أممية، جعلوها قضية عربية، ثم لم يمض زمان حتى صارت قضية قطرية تخص شعباً معيناً، ثم لم يمض زمان حتى صارت قضية داخلية تخص الشعب الفلسطيني الذي يقيم في داخل فلسطين.

    وهذه الدعوة تعارض أصول الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعتد برابطة الجنس أو غيرها، إنما يعتد برابطة الدين، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات:13]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[الحجرات:10]، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً[المؤمنون:52]، إلى غير ذلك من النصوص التي يعلمها كل مسلم.

    يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ[آل عمران:100]، هذه الآية ينبغي أن تكون أمام المسلمين في كل موقف.

    ما ورد في السنة مما يؤيد معنى الآية

    في معنى هذه الآية أحاديث ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن ثابت رضي الله عنه قال: (جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني مررت بيهودي من بني قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة. -أي: أن اليهودي كتب لـعمر بعض الصفحات من التوراة- ألا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن ثابت: يا عمر ! ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ -أي: انتبه، أما ترى ما في وجه رسول الله من الغضب- فقال عمر رضي الله عنه: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، قال: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: عادت إليه بشاشته- وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين)، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لـعمر رضي الله عنه الله عنه: ليس لو كتب لك صحائف من التوراة، بل لو جاء موسى عليه السلام حياً بين أظهركم فتبعتموه لظللتم؛ لأن موسى عليه السلام تابع لمحمد صلى الله عليه وسلم.

    وفي حديث آخر عن جابر قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أن أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني).

    ما يستفاد من هذه الآية

    هذه الآية يستفاد منها فائدتين عظيمتين:

    الفائدة الأولى: طاعة اليهود والنصارى في الأخذ بنصائحهم، والتسمي بأسمائهم واتباع توجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تؤدي بالمسلم إلى الكفر رضي ذلك أو لم يرض.

    الفائدة الثانية: الحذر من تقلب القلوب، والرجوع إلى الكفر بعد الإيمان، فلا يضمن أحد لنفسه الإسلام؛ لأنه مسلم بين أبوين مسلمين، وقد نشأ على الإسلام، ويظن أنه لا خوف عليه، فإن الله عز وجل يقول للصحابة: (( يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ))، وغيرهم من باب أولى.

    نسأل الله أن يثبتنا على الإسلام.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته)

    يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102]

    النداء الثالث عشر في الآية الثانية بعد المائة من سورة آل عمران قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102]، هذه الآية جاءت عقب الآية التي نهت عن طاعة أهل الكتاب، وبينت أن في طاعتهم الهلاك والضلال والفسق.

    يأمر ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية المباركة عباده المؤمنين بتقواه، والتقوى فعل المأمور واجتناب المحذور، فقد أكد ربنا هذا المعنى في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[الأحزاب:70]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ[الحشر:18]، وبين سبحانه بأن هذه هي وصيته للأولين والآخرين، فقال: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ[النساء:131]، بمعنى أن تجتنبوا عذاب الله عز وجل وجعلوا بينكم وبينه وقاية، وهذه هي التقوى.

    ثمار التقوى وفوائدها

    بين ربنا جل جلالة ثمار التقوى وفوائدها في الدنيا والآخرة.

    ومن هذه الثمار النجاة من العذاب، قال الله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[الزمر:61].

    ومنها أن الله عز وجل ضمن لمن اتقاه أن لا يخاف مما يستقبل، ولا يحزن على ما مضى، فقال: فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[الأعراف:35].

    ومن فوائد التقوى كذلك: التيسير لليسرى، فالله عز وجل ييسر العبد لعمل الخير، وللانبعاث في طاعته عز وجل بأنواع العمل الصالح، قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى[الليل:5-7].

    ومن أعظم ثمرات التقوى كذلك: الوصول إلى الجنة، قال تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا[مريم:63]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ[آل عمران:133].

    ومن ثمرات التقوى: تكفير السيئات، يقول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ[المائدة:65]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا[الطلاق:5].

    ومن ثمرات التقوى كذلك: كثرة البركات التي تفتح من الأرض والسماوات، قال عز وجل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ[الأعراف:96].

    ومن ثمرات التقوى: الحصول على معية الله، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ[النحل:128].

    ومنها: حصول الكرامة عنده جل جلاله، قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات:13].

    ومن ثمرات التقوى أيضاً: حصول العلم النافع، قال عز وجل: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[الأنفال:29] أي: تفرقون به بين الحق والباطل، وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[الأنفال:29].

    ومن ثمارها كذلك: الرزق الواسع، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[الطلاق:2-3].

    ومنها: الأمان من كيد الذين يريدون أن يضروا المؤمن في هذه الدنيا، والذين يريدون ضره ليسوا قلة، وإنما هم كثرة من شياطين الإنس والجن، فمن أراد أن يتقي مكرهم وكيدهم وبطشهم فليمتثل بقول الله عز وجل: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[آل عمران:125]، وفي الآية الأخرى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا[آل عمران:120].

    ومن فوائد التقوى: تيسير الأمر، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا[الطلاق:4].

    ومنها حصول رحمة الله، والفلاح والولاية: قال تعالى: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ[الأنفال:34]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[آل عمران:200].

    ما جاء من الآثار في معنى التقوى

    يقول الله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ))، قال ابن مسعود : هو أن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، هذه هي حق تقاته، أن تذكر الله ولا تنساه، وتطيعه ولا تعصيه، وأن تشكره جل جلاله ولا تكفره.

    وقال أنس رضي الله عنه: لا يتقي العبد ربه حتى يخزن لسانه.

    وفي الحديث: (لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس). بمعنى: أن يتقي الشبهات خوف الوقوع في المحرمات.

    وقال ابن عباس : أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.

    اختلاف أهل العلم في نسخ هذه الآية

    أكثر العلماء على أن هذه الآية منسوخة بقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16]، لكن المحققين من أهل العلم في القديم والحديث يقولون: لا نسخ، ولا حاجة إلى القول بالنسخ، بل معنى الآية: اتقوا الله حق تقاته بقدر الطاقة، لقول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا[البقرة:286].

    قال ابن جزي رحمه الله: لا نسخ إذ لا تعارض، فإن العباد أمروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا، تحرزاً من الإكراه وشبهه.

    وقال ابن عاشور رحمه الله: والحق أن هذا بيان لا نسخ.

    الثبات على الإسلام

    قال الله عز وجل: (( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))، ظاهر الآية النهي عن الموت، ولكن معناها النهي عن ترك الإسلام حتى يتوفى العبد عليه، ومثله قول يعقوب عليه السلام: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[البقرة:132] معنى الآية: حافظوا على الإسلام حال صحتكم، من أجل أن يتوفاكم الله عليه؛ لأن عادة الكريم قد جرت أن الإنسان يموت على ما عاش عليه، فمن عاش مسلماً مؤمناً موحداً فإن الله عز وجل يقبضه مسلماً مؤمناً موحداً.

    قال الألوسي رحمه الله: وقال بعضهم: المراد بالإسلام هاهنا: الإيمان أي: ولا تموتن إلا وأنتم مؤمنون؛ لأن الإسلام إذا كان مراداً به الأعمال فالأعمال ليست ممكنة عند الموت، وإنما الممكن عند الموت هو الإيمان القلبي، ولذلك في دعاء صلاة الجنازة نقول: (اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)، حال الحياة نريد الحياة على الإسلام، وهو أعمال الجوارح، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فهذه كلها من الخمس التي بني الإسلام عليها، أما الإيمان فهو الأعمال القلبية، وهذا على مذهب من يفرق بين الإسلام والإيمان.

    وقول الله عز وجل: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) قال الإمام السيوطي في التحبير: ومن عجيب ما اشتهر في تفسير: ( مسلمون ) قول العوام: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )) أي: متزوجون، قال: وهو قول لا يعرف له أصل، ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله تعالى بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عهدة عليه، أي: أن المسلم لا يسمع لأي كلام يقال، ثم ينشره بين الناس، وكلام الله عز وجل لا يجوز الإقدام على تفسيره بمجرد الرأي، ومن قال برأيه في كتاب الله فأصاب فقد أخطأ.

    ومثله أيضاً ما ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم) فهذا الكلام ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من وضع الناس الذين يحبون الزواج الكثير، بل قد يكون الأعزب من الأخيار المتقين، وكذلك ما نسب إليه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو خشيت من شيء لخشيت أن ألقى الله عزباً). فهذا ليس حديثاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يعني هذا أن المسلم ليس مأموراً بالزواج، بل مأمور به ويحض عليه.

    إن السعيد من مات مسلماً، والشقي من مات على غير الإسلام، قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام ))[آل عمران:19]، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا[المائدة:3]، فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا[الجن:14]، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[الأنعام:162-163].

    ما يستفاد من هذه الآية

    في هذه الآية فوائد:

    منها: أن على المسلم أن يراقب الله في ليل أو في نهار، في الخلوة أو في الجلوة، حيثما كان يتقي الله عز وجل، ومن أراد أن يكون تقياً فلا يكتف بالفرائض، وإنما يضم إليها السنن والمستحبات والنوافل والمندوبات، ويجتنب المكروهات والشبهات، يترقى، حتى يرتقي إلى أعلى الدرجات، ولذلك كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال)، ولم يقل: لحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، بل لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال.

    ومنها وجوب التمسك بالإسلام حتى الموت. نسأل الله أن يتوفانا مسلمين.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ...)

    النداء الرابع عشر في الآية الثانية عشر بعد المائة من سورة آل عمران قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ[آل عمران:118] سبب نزول هذه الآية كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رجالاً من المسلمين كانوا يواصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة، والمعنى: أنه كان بعض المسلمين له علاقات قديمة مع اليهود، فلما جاء الله بالإسلام لم تنقطع تلك العلاقات، بل كان المسلمون يصلون أولئك اليهود ويوادونهم، ولربما يطلعونهم على بعض أسرار الدولة المسلمة، فأنزل الله هذه الآية، ويمكن أن يراد بالآية المنافقون؛ لأن السياق يدل على ذلك، فبعدها قول الله عز وجل: وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ[آل عمران:119]، وهذه صفة المنافقين، كما قال ربنا في سورة البقرة، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ[البقرة:14]، فيمكن أن يراد بالآية أهل الكتاب، ويمكن أن يراد بالآية المنافقون.

    معاني المفردات

    قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً )) بطانة الرجل: خاصته وصفيه وخليله، وجمعها: بطائن، وأصل البطائن: داخلة الثوب، فشبه الخليل والصفي ببطانة الثوب؛ دلالة على شدة ملازمته لصاحبه، كما يقال: فلان شعاري، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنصار: (الأنصار شعار، والناس دثار).

    (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ )) (من دونكم) أي: من غيركم، كما قال سبحانه: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ[آل عمران:28] أي من غير المؤمنين.

    وقوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا )) لا يألونكم: من الألو وهو التقصير، يقال: ألا فلان في الأمر يألوا إذا قصر فيه. والخبال هو الفساد، ومنه يقال: رجل مخبول إذا كان فاسد العقل ناقصه، ومعنى الآية: لا تتخذوا بطانة آليكم خبالاً بادية بغضاؤهم.

    وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ )) أي: ودوا عنتكم، والمعنى: ودوا ما فيه إرهاقكم، والمشقة والضرر عليكم، وودوا ما عنتم في دينكم ودنياكم.

    قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ )) أي: أن البغض قد لاح على صفحات وجوههم من العداوة؛ لأنهم لا يتمالكون أنفسهم من شدة البغض لكم، كما قال سبحانه: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ[محمد:30].

    وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ )) أي: ما تخفي صدورهم من العداوة للإسلام والبغضاء لأهله أكبر مما ظهر على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم.

    وهناك وظائف أجمع أهل العلم أنه لا يجوز أن يتولاها غير المسلم، أولها الإمامة الكبرى أو الحكم، فلا يجوز أن يتولاها غير المسلم؛ لأنها خلافة موضوعة لحراسة الدين وسياسة الدنيا به، ولا يمكن أن يتولى الولايات الدينية غير المسلم، وكذلك المناصب التي إن تولاها غير المسلم اطلع على أسرار الدولة الإسلامية لا يجوز أن يتولاها المنافقون وأهل الأهواء.

    ما جاء من الآيات في معنى هذه الآية

    هذه الآية أصل في تحريم موالاة الكفار، وفي معناها قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ[المائدة:57]، وقوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ[الممتحنة:1]، وقوله سبحانه: لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ))، وقال ربنا سبحانه ذاماً اليهود: تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ[المائدة:80] فقوله: (كثيراً منهم) أي: من اليهود، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ[المائدة:81].

    معنى موالاة الكفار وصور من هذه الموالاة

    موالاة الكفار هي التقرب إليهم، وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا.

    ومن صور موالاة الكفار في هذا الزمان: أن يرضى بعض أهل الإسلام أن يستبدل بدار الإسلام دار الكفر، ويترك البلاد المسلمة الطيبة، التي أهلها مسلمون في الجملة، فيستبدل بالبلدة المسلمة بلدة كافرة، حيث لا يسمع فيها أذاناً ولا قرآناً، ويصبح ويمسي على المنكرات بالليل والنهار، وينشأ أولاده في الروضة وفي المدرسة والشارع بين قوم كفار، يتطبعون بطبائعهم ويتخلقون بأخلاقهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) رواه أبو داود و الترمذي.

    ومن مظاهر موالاة الكفار في هذا الزمان: أن بعض المسلمين يخجل من بعض شعائر الإسلام، سواء كانت متعلقة بالجهاد أو بنظام الأسرة أو بقضايا المرأة أو بحقوق غير المسلمين أو غير ذلك، فيحاول أن يتهرب ويتبرأ منها أو لربما يتقول على الله بغير علم فيقول: هذا التشريع ليس من الإسلام!

    ومن مظاهر موالاة الكفار في هذا الزمان: التشبه بهم، جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).

    قال عبد الله بن عتبة رضي الله عنه: ليتق أحدكم ربه أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر. قال محمد بن سيرين رحمه الله: فظنناه يريد هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ))[المائدة:51]، وفي سورة النساء قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا[النساء:144]، وهناك سنتعرض هذه الصور بالتفصيل إن شاء الله.

    ما يستفاد من الآية

    في هذه الآية فائدة: وهي حرمة اتخاذ الكافرين أولياء وخواصاً من دون المؤمنين، إذا كانوا على الأوصاف الأربعة التي ذكرت في الآية، وهي:

    الوصف الأول: (( لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا )) أي: لا يقصرون فيما فيه ضرركم وفسادكم وإفساد الأمن عليكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    الوصف الثاني: (( وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ )) أي: يتمنون ضرركم حالاً ومآلاًَ، في دينكم ودنياكم.

    الوصف الثالث: (( قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ )) أي: يظهرون تكذيب نبيكم صلى الله عليه وسلم، وكتابكم، وينسبونكم إلى الحمق والجهل، ولا شك أن من اعتقد حمقك وجهلك فإنه لا يحبك.

    الوصف الرابع: ما يظهرونه على ألسنتهم من علامات الحقد أقل مما في قلوبهم منه.