إسلام ويب

سورة البقرة - الآية [172]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عباده المؤمنين بالأكل من الحلال، وشكر الله على نعمه الدينية والدنيوية، ومن نعمه الدينية أن شرع لنا صيام شهر رمضان، ومن نعمه الدنيوية أن شرع القصاص في القتلى.

    1.   

    وجوب الأكل من الطعام الحلال ووجوب شكر الله على نعمه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من المقبولين.

    معنا في هذا الدرس الآية الثانية والسبعين بعد المائة من سورة البقرة، وهي النداء الثالث من الرحمن جل جلاله لعباده المؤمنين، قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[البقرة:172].

    فالله عز وجل ينادي المؤمنين في هذه الآية ويأمرهم بأمرين اثنين: الأمر الأول: (كلوا)، والأمر الثاني: (اشكروا).

    قال أهل التفسير: الأكل يعم جميع أنواع الانتفاع، كما قال سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا[البقرة:29]، وكما قال سبحانه: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ[الجاثية:13].

    وفي هذا تبكيت للمشركين الذين حرموا ما أحل الله عز وجل، فقد حرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا[الأنعام:138-139]، فهذا تحليل وتحريم بغير إذن من الله عز وجل، فالله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا[البقرة:172]، كما قال في آية أخرى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ[المائدة:87-88]، الطيبات قيل: هي الحلال، وقيل: المستلذ، ولا تعارض، فإن الأكل مطلوب من الحلال ومن المستلذ.

    يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: أسند الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة؛ لأنه في معرض الامتنان والإحسان، كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ))، وفيه إشارة إلى أن المستحق للشكر هو الله وحده، وليست الأصنام؛ لأنها باعتراف المشركين ما رزقت أحداً، كما قال سبحانه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ[فاطر:3].

    فنحن مأمورون بالأكل من الحلال، وقوله: كلوا)) قال أهل التفسير: هذا الأكل قد يكون واجباً لدفع الضر، كما لو كان إنسان على شفا هلكة إن لم يأكل هلك، فواجب عليه أن يأكل، ويكون مندوباً إذا أريد به مؤانسة الضيف، أي: لو أن عندك ضيفاً وأنت لا تريد الطعام فإنه يندب لك أن تأكل من أجل أن تؤنسه، وقد يكون الأكل مباحاً عند انتفاء الدواعي والموانع، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ )).

    والأكل من الحلال هو سمة عباد الله الصالحين، والأكل من الحرام والعياذ بالله سواء كان محرماً لذاته كالخنزير والميتة أو كان محرماً من جهة كسبه؛ لأنه من ربا أو غش أو اتجار في حرام أو أكل لأموال الناس بالباطل هو سمة الفجار؛ ولذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به).

    وأخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه: (ما من عبد يكتسب من مأثم فيتصدق به أو ينفقه على أهله أو ينفقه في سبيل الله إلا جمع الله ذلك كله ثم طرحه في النار)، فالنفقة من الحرام لا تتقبل عند الله عز وجل.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا[المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ))[البقرة:172]، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟).

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى في مطعمه، (فقد وجد تمرة عليه الصلاة والسلام فقال: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها).

    وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما أكل طعاماً وهو لا يعرف من أين اكتسب، ثم تبين له أنه ناتج عن كهانة؛ أدخل يده رضي الله عنه في فمه وما زال يتقيأ حتى أخرج ذلك الطعام، فلما قيل له: إنها لقمة يسيرة، قال: والله لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها! وقد قال بعض السلف: من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنة بدوام المراقبة، وتغذى بالحلال؛ أورثه الله عز وجل فراسة لا تخطئ.

    فلو أن إنساناً في ظاهره اتبع السنة، وفي باطنة راقب الله عز وجل، وكانت طعمته حلالاًً، فإن الله عز وجل يرزقه فراسة الصالحين، بحيث يستدل بالمحسوس على المغيب، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ )).

    فقد أتي بالاسم الظاهر مكان الضمير، وكان يمكن في غير القرآن أن يقال: كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لنا، أو واشكروا لرازقكم، لكنه أتى بالاسم الظاهر وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ))؛ لأن في الإتيان بالاسم الظاهر إشعاراً بألوهيته جل جلاله، وأنه المستحق للشكر وحده وَاشْكُرُوا لِلَّهِ )).

    والشكر في اللغة الظهور، ومنه يقال: دابة شكور، إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، فإذا كانت كذلك فإنها تسمى دابة شكورة، ولذلك لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل سيهلك يأجوج ومأجوج قال عليه الصلاة والسلام: (حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم)، لتشكر يعني: تسمن.

    حقيقة شكر الله سبحانه وتعالى

    شكر الله ما حقيقته؟

    للعلماء في ذلك كلام، ولعل من أجمعه -والله أعلم- ما قاله الإمام الشبلي رحمه الله، قال: الشكر التواضع، والمحافظة على الحسنات، وبذل الطاعات، ومراقبة جبار الأرض والسماوات، فتتواضع لله عز وجل وتواظب على الحسنات وتديمها.

    وقال السري السقطي رحمه الله: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولمن كان مثلك بالثناء، ولمن كان دونك بالإحسان والإفضال.

    والفرق بينه وبين الحمد أن الحمد: هو الثناء على الله عز وجل باللسان، أما الشكر فإنه يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، بالقلب بالتفكر في آلائه ونعمه جل جلاله، وباللسان أن تشكره سبحانه وتعالى، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم:7]، وبالجوارح استعمالها في طاعة الله، قال أهل التفسير: شكر العينين البكاء، وشكر الأذنين الإصغاء، وشكر اليدين العطاء، وشكر القلب الرضا بالقضاء، وشكر الله عز وجل أن تستعمل هذه الجوارح كلها في طاعته سبحانه وتعالى.

    فالله عز وجل في هذه الآية أمرنا بالشكر، وأخبر في آية أخرى أن قليلاً من عباد الله من يلتزم هذا الأمر، قال سبحانه: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[سبأ:13]، وأكثر الناس كافر بنعمة الله، إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[إبراهيم:34].

    ثناء الله على الشاكرين

    أثنى ربنا جل جلاله على من اتصف بهذه الصفة الطيبة، فقال في وصف نبي الله نوح: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا[الإسراء:3]، وقال في وصف إبراهيم: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ[النحل:120-121]، ونبي الله موسى عليه السلام روي أنه قال: (يا رب كيف أشكرك؟ قال الله عز وجل: يا موسى اذكرني فإن ذكرتني شكرتني، وإن نسيتني كفرتني)، فالذي يذكر الله عز وجل هو الشاكر، الذي يستحق الثناء، وقد سمى الله عز وجل نفسه الشكور، ففي الحديث يقول سبحانه: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري! وأرزق ويشكر سواي! خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد!)، هذا هو حال أكثر الناس مع الله عز وجل إلا أنبياء الله ورسله، صلوات الله وسلامه عليهم وهم سادة الشاكرين فقد كانوا بعكس ذلك، انظروا في حال نبي الله سليمان سخر الله له الجن والإنس والطير، لما أتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه قال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ -أي لنفع نفسه- وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ[النمل:40]، ودعا الله عز وجل فقال: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ[النمل:19]، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشاكرين، فقد قام من الليل حتى تفطرت قدماه، وقالت له عائشة : (يا رسول الله! لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: يا عائشة! أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟). (وعرض عليه ربه أن يحول له بطحاء مكة ذهباً، فقال: لا يا رب، بل أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر) يعني: الله عز وجل هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي هدى، وهو الذي علم، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[النحل:78]، ومع ذلك لا يريد منا سوى كلمة: الحمد لله، فلو أن إنساناً طعم طعاماً فقال: (الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)، (وإن الله تعالى ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها) فالله عز وجل لا يريد منا سوى هذه الكلمة، الحمد لله، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أصابته نعمة قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أصابه بلاء قال: الحمد لله على كل حال).

    وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ[البقرة:172] أي: إن كنتم يا أيها المؤمنون معترفين بأن الله عز وجل هو صاحب النعم، وهو الذي رزقكم هذه الطيبات التي تأكلونها فواجب عليكم أن تشكروه.

    ما يستفاد من الآية

    يستفاد من الآية فوائد:

    الفائدة الأولى: عظم نعمة الله عز وجل على العباد في إباحة الطيبات، كما قال في آية أخرى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ[الأعراف:32].

    الفائدة الثانية: أن جميع الطيبات مباحة، وأن الله عز وجل ما أباح شيئاً إلا وهو طيب، فلا يوجد شيء مباح وهو خبيث، قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ[الأعراف:157]، فكل خبيث حرام، وكل طيب حلال.

    الفائدة الثالثة: أن الرازق هو الله جل جلاله، وهو يتحدث عن نفسه بنون العظمة، فواجب علينا تعظيمه.

    الفائدة الرابعة: وجوب شكر نعمة الله عز وجل.

    الفائدة الخامسة: من شكر نعمة الله فقد اعترف بها، ومن لم يشكرها فقد كفرها.

    الفائدة السادسة: شكر الله يجلب النعم المفقودة، كما أن الكفر يفقد النعم الموجودة، فإذا شكر نعمة الله عز وجل أتاه الله من النعم ما لم يكن موجوداً عنده كما قال سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[إبراهيم:7]، كما أن الكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى ينفر النعم الموجودة، قال الله عز وجل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[النحل:112]، فقد كانوا في نعمة الأمن وفي نعمة الرزق، فلما كفروا أبدلهم الله عز وجل بالأمن خوفاً وبالرزق جوعاً.

    نسأل الله السلامة والعافية، وأن يرزقنا شكر نعمته.

    1.   

    قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)

    النداء الرابع في سورة البقرة في الآية الثامنة والسبعين بعد المائة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ[البقرة:178].

    هذه الآية نزلت لرفع ظلم كان أهل الجاهلية واقعين فيه، يستوي في ذلك الكفار المشركون عبدة الأصنام وأهل الكتاب الذين كان من المفترض في حقهم أن يكون العدل شريعة سائدة بينهم.

    قيل: غزت بنو النضير بني قريظة، فقهروهم وغلبوهم، فكان بعد ذلك إذا قتل القرظي نضرياً قتل به، وإذا قتل النضري قرظياً لا يقتل به، وإنما يفادى بمائة وسق، أي: بني النضير أعلى من بني قريظة، وكذلك أهل الجاهلية، فقد اقتتل حيان من أحياء العرب فكان فيهم ثارات وجروح ودماء ثم بعد ذلك أسلموا دون أن تنتهي بينهم تلك الثارات، وكان أحد الحيين أعلى من الآخر وأجل، فحلفوا بالله بعدما أسلموا أن يقتلوا بالمرأة منهم الرجل من أولئك، وبالعبد من منهم حراً من أولئك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، يبطل فيها شريعة الجاهلية، ويثبت القصاص، وأنه لا يقتل إلا القاتل، وأنه لا يجوز أن يقتل غير القاتل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أعتا الناس على الله ثلاثة -ثلاثة أصناف-: رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير القاتل، ورجل أخذ بذحل الجاهلية)، بذحل الجاهلية أي: بعداوة الجاهلية وحقدها.

    وقد أنزل الله عز وجل هذه الآية يشرع فيها القصاص، وكلمة القصاص: معناها المماثلة، وهي مأخوذة في الأصل من قص الأثر، قال الله عز وجل: فارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا[الكهف:64]، وقال: على لسان أم موسى: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ[القصص:11] أي: تتبعي أثره، ومنه سميت القصة قصة؛ لأن الحكاية تساوي المحكي، ومنه سمي المقص مقصاً لتعادل جنبيه، وأصل القصاص أن يفعل بالجاني مثلما فعل، فلو أنه قتل بالسيف فإنه يقتل بالسيف، ولو أنه قتل بمثقل فإنه يقتل بمثقل، ولو أنه قتل بمحدد فإنه يقتل بمحدد، ولو قتل بالسم فإنه يقتل بالسم، فيفعل به مثلما فعل تماماً، وفي الحديث الصحيح: (أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين من أجل أوضاح -يعني: حلي من الفضة- فقتل تلك الجارية، فأتي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها: أقتلك فلان؟ فرفعت رأسها- يعني: لا- أقتلك فلان؟ فخفضت رأسها فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف وأمر برض رأسه بين حجرين).

    وهذا التشريع داخل تحت قول الله عز وجل: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[الإسراء:9].

    الحكمة من شرعية القصاص

    من هداية القرآن للتي هي أقوم -كما يقول العلامة الشيخ الشنقيطي رحمه الله- تشريع القصاص؛ لأن الإنسان الذي ينوي القتل إذا علم أنه سيفعل به مثلما فعل بالآخر فإنه سيتردد مرة ومرة وألف مرة قبل أن يقدم على القتل، فلذلك قال الله عز وجل: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:179]، وليس كما يقول أعداء الله: القصاص شريعة قاسية بدائية تفضي إلى نقص المجتمعات؛ فالقاتل لا ينبغي أن يقتل، وإنما يوضع في السجن ليعيش ويولد له من أجل أن يكثر المجتمع، وهذا هراء؛ فإن الإنسان إذا علم بأنه إذا قتل سيلقى به في السجن اندفع إلى القتل، ولذلك كان القصاص حكمة الله عز وجل كما قال أهل العلم.

    تفسير آية القصاص

    يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ[البقرة:178] (كتب) بمعنى فرض، ومنه قول الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ))، والمراد الكتابة في اللوح المحفوظ أو الكتابة الشرعية ولا تعارض، فالكل سابق في علم الله، وأصل الكتب النقش في حجر أو ورق أو رق أو غير ذلك.

    كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ )) القصاص هو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل، فِي الْقَتْلَى )) أي: بسبب القتلى، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت امرأة النار في هرة) أي: بسبب هرة، والقتلى جمع قتيل كالجرحى جمع جريح.

    الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى ))، أجمع أهل العلم على أن الذكر يقتل بالأنثى، فلو أن رجلاً قتل امرأة فإنه يقتل بها لو طلب أولياء الدم القصاص، فليست الآية على ظاهرها، ولا يفهم من الآية أبداً أن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقد قال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بقول الله عز وجل: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[المائدة:45]، لكن لا حاجة إلى القول بالنسخ إذا عرفنا سبب النزول، وأن الآية نزلت لأن ذلك الحي من العرب قالوا: إذا قتلت منا امرأة سنقتل بها رجلاً ولعل هذه المرأة قد قتلتها امرأة مثلها، فلم يقتل الرجل الذي لم يقتل وتترك المرأة التي قتلت؟!

    فمعنى الآية أنه لا يقتل إلا القاتل، ولذلك نقل الإمام ابن عطية في المحرر الوجيز و ابن جزي في التسهيل وغيرهما أجماع أهل العلم على أن الرجل يقتل بالمرأة.

    قال الله عز وجل: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ))، (فمن عفي له) أي: ترك ولي الدم الذي هو ولي القتيل، قال الله عز وجل: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ[الإسراء:33] أي: لا يمثل بالقتيل، ولا يقتل غير القاتل، فإن عفا عنه ولي الدم وترك القصاص، بأن قال له: عفوت عنك ولكن أريد الدية، فهذا يسمى عفو على دية، أو قال له: عفوت عن القصاص وأريد نصف الدية فيكون قد عفا على بعض الدية.

    قال الله عز وجل: فمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ[البقرة:178]، استدل بهذه الآية على أن القاتل لا يكفر، وإن كان قد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور)، أو قال: (وشهادة الزور).

    وقال: (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوباً على وجهه: آيس من رحمة الله) رواه الإمام ابن ماجة ، قال الهيثمي : وفي سنده ضعف.

    فالقاتل ارتكب كبيرة ولكنه لم يخرج عن اسم الإيمان، ولذلك فإن الله عز وجل جعل ولي الدم أخاً للقاتل.

    قال أهل التفسير: في الآية ترقيق للقلوب وإشعار لولي القتيل بأن يتذكر أن القاتل يجمعه معه الإسلام والإيمان، فهو قد أخطأ واعتدى وأسرف على نفسه لكن اعف، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ[الشورى:40]، فمن عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ[البقرة:178]، فيجب على ولي القتيل أن يطالب بالمعروف من غير رهق ولا تضييق ويجب على القاتل أداء إليه بإحسان من غير مماطلة ولا تسويف.

    قال الله عز وجل فمن عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ )) يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: وهذا فيه قضاء على مفهوم الجاهلية، فإن الجاهلية كانت تستبشع العفو، ويرون أنهم بذلك قد باعوا دم قتيلهم، ولذلك قال قائلهم:

    فلا تأخذوا عقلاًِ من القوم إنني أرى العار يبقى والمعاقل تذهب

    والعقل: هو الدية: يقول لهم: إن الدية ستنتهي وسيبقى علينا العار فلا ترضوا إلا بالقصاص.

    قال الله عز وجل: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ )) أي: ذلك تسهيل من ربكم جل جلالة، وتيسير ورحمة بكم، خلافاً لما كان عند اليهود، فإن اليهود في شريعتهم أنه إذا قتل القاتل فلا بد من القصاص، وليس هناك مجال لدية ولا عفو، والنصارى ليس في شريعتهم قصاص، وإنما لا بد من العفو، فالله عز وجل خيرنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إن شاء قتل وإن شاء ودع) أي: إذا أراد أن يقتل القاتل فمن حقه، وإذا أراد أن يقبل الدية فمن حقه، وأفضل من هذا كله أن يعفو.

    قال الله عز وجل: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ )) أي: فمن اعتدى بعد أخذ الدية فله عذاب أليم.

    فلو أن إنساناً قتل إنساناً فرضي ولي القتيل بالدية وبعد أن أخذها قتله، قال بعض العلماء يقتل القاتل ألبتة، وليس هناك مجال للتخيير، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: أمره إلى ولي الأمر، فإن رأى أن يقتله تعزيراً من أجل أن يردع الناس عن مثل هذا فله ذلك، فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ )).

    فوائد ومصالح القصاص

    لقد شرع الله عز وجل القصاص لأمن المجتمعات، ومن أجل أن يطمئن أولياء الدم إلى أن حقهم محفوظ، وأن لهم أن يفعلوا بالجاني مثلما فعل بقتيلهم، وإذا لم يكن القصاص شريعة سائدة في المجتمع فإن ذلك سيؤدي إلى أن أولياء الدم يضطرون إلى أن يأخذوا ثأرهم بأنفسهم، فتسود الفوضى، وهذا هو الحاصل الآن، فكثير من المشكلات كان يمكن القضاء عليها لو طبق شرع الله كما ينبغي، لكن التسويف والتأجيل والمماطلة توغر الصدور، وتدفع بعض الناس إلى أن يأخذ الحق بيده، مع أن إجماع العلماء منعقد على أن تطبيق الحدود ليس للأفراد، وإنما المخاطب بذلك هم ولاة الأمر، حتى في حد السرقة وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا[المائدة:38]، فلو أنك وجدت لصاً في بيتك فقطعت يده لأصبح الأمر فوضى، فيكون الأمر هنا موجه للحاكم، وكذلك حد الزنا الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا[النور:2]، الأمر للحاكم، وكذا قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا[المائدة:33] الأمر للحاكم، فتقصير الحاكم في تطبيق الشريعة الإلهية يؤدي بالناس إلى أن يأخذوا حقوقهم بأيديهم ويحدثوا في الأرض الفساد.

    وقد ختم اللهُ هذه الآية المباركة بالتوعد بالعذاب الأليم للمعتدي ثم قال بعدها: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ))، قال أهل العلم: هذه الآية من فصيحات القرآن، وقد عجزت العرب عن الإتيان بمثلها، فقد عبروا عن القصاص بقولهم: القتل أنفى للقتل، وبقولهم: القتل أبعد للقتل، لكن هذا الكلام لا يعد شيئاً أمام فصاحة هذه الآية.

    ما يستفاد من آية القصاص

    هذه الآية يستفاد منها فوائد:

    الفائدة الأولى: يجب على أولياء القاتل بل على القاتل نفسه أن يمكن أولياء القتيل من القصاص، فيحرم علينا أن نعرف عن إنسان أنه قاتل ومعتدي ثم نأويه ونحميه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وهذا من إيواء المحدث المحرم في دين الله عز وجل، بل يجب علينا أن نسلمه من أجل أن يطبق حكم الله فيه.

    ثانياً: لا يجوز لأولياء القاتل أن يحولوا بين إقامة الحد وبين أولياء الدم.

    ثالثاً: قال الله عز وجل: (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ))، هذا العموم يخرج منه الوالد، فلو أن الوالد قتل ابنه فإنه لا يقتل به.

    يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير المنار: إن الله عز وجل جبل الأصول -أي: الآباء- على الشفقة والرحمة، فقد يقسو الولد على الوالد وقلما يقسو الوالد على الولد، وإن والداً يقتل ولده عامداً هذا ما يحدث إلا نادراً، وهو إما بسبب أن الولد قد خرج عن الأدب تماماً وأوغر صدر الأب، أو لأن الأب قد أحاط به عذر من طيش أو جنون أو غير ذلك، لكن في طبيعة البشر أن الوالد يتحمل الجوع، ويتحمل الآلام، ويتحمل السهر في مقابل أن يريح ولده، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل الوالد بالولد).

    وقد أجمع جمهور العلماء على أن الجماعة تقتل بالواحد، فلو أن مجموعة من الناس تعاونوا على قتل واحد فإن جمهور العلماء يرون أن هؤلاء الجماعة يقتلون بالواحد، وقد حدث في زمان عمر رضي الله عنه أن اجتمعت امرأة وخادمها وخليلها على قتل غلام زوجها من امرأة أخرى، فعرضت القضية على عمر رضي الله عنه فقال: إن الله تعالى يقول: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[المائدة:45]، وهؤلاء جماعة، فـعلي رضي الله عنه هو العالم الكامل، فقال له: يا أمير المؤمنين! أرأيت لو أن جماعة من الناس اشتركوا في سرقة بعير، -يعني واحد أخذ الكراع، والثاني أخذ السنام، والثالث أخذ الكبد وهكذا- أكنت قاطعهم؟ قال: اللهم نعم، قال له: هكذا فافعل، اقتلهم جميعاً، فانشرح صدر عمر لهذا الحكم وقال: والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، قالوا: ومن ناحية النظر لو لم يقتل الجماعة بالواحد لأفضى ذلك إلى القتل وإلى الفساد والنظر صحيح.

    وقد دلت الآية على أن الأصل وجوب القود، وأن الدية بدل منه، كما دلت على أنه يجب على القاتل أداء بإحسان من غير مطل ولا إساءة فعلية ولا قولية.

    1.   

    وجوب صوم شهر رمضان

    النداء الخامس في الآية الثانية والثمانين بعد المائة: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:183]، ينادينا الله جل جلاله ويخبرنا بأن الصيام عبادة مفروضة، وحق واجب يجب أن يؤدى خالصاً لله عز وجل، وكتب بمعنى فرض، ويقصد به الكتابة الأزلية في اللوح المحفوظ أو الكتابة الشرعية التي أنزلها الله عز وجل في كتابه الكريم.

    و الصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ))، الكاف في محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف، كتب عليكم الصيام صياماً كالذي كتب على الذين من قبلكم.

    قال بعض أهل التفسير: وجه الشبه في أصل الصوم، أي: أن الصوم مفروض عليكم كما فرض على من كان قبلكم، وقال بعضهم: بل الشبه في القدر والصفة، في القدر شهر، وفي الصفة إمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

    وقال بعضهم: بل التشبيه في الوقت، أي: أن الله فرض علينا صيام رمضان كما فرضه على من كان قبلنا، قال أهل التفسير: وقد قال الله عز وجل كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )) ترغيباً لعباده.

    قال الألوسي رحمه الله: لأن في الصوم مشقة، والمشقة إذا عمت طابت، وهذا الكلام نجد مصداقه في الواقع، فالإنسان إذا صام رمضان لا يشعر بذلك التعب والإرهاق الذي يشعر به لو صام الإثنين والخميس، فحين يكون الناس كلهم صائمين يخفف ذلك المشقة عن النفس، ولذلك يقول الله عز وجل من أجل أن يرغبنا: يا عبادي؛ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الصيام لستم فيه بدعاً من الناس، فقد فرضته عليكم كما فرضته على من كان قبلكم من الأنبياء والأمم، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )).

    أحوال تشريع الصيام

    وهذه الكتابة مرت بأطوار، كما هو الحال في أغلب التشريعات، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال) أي: تشريع الصلاة مر بثلاثة أطوار وتشريع الصيام مر بثلاثة أطوار.

    أما الصلاة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بعد أن هاجر إلى المدينة سبعة عشر شهراً يستقبل بيت المقدس حتى أنزل الله عليه: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ[البقرة:144] فوجهه إلى الكعبة.

    ثم إنه كان إذا حان وقت الصلاة يؤذن الصحابة بعضهم بعضاً، أي: كان يخبر بعضهم بعضاً، الصلاة الصلاة الصلاة، (حتى نقسوا أو كادوا ينقسون) أي: حتى كادوا يستعملون الناقوس، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد بن عبد ربه (جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني رأيت فيما يرى النائم ولو شئت لقلت: ما كنت نائماً، بين أنا بين النائم واليقظان إذ أتاني رجل عليه ثوبان أخضران فقال لي: يا عبد الله قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله مثنى، حتى فرغ من الأذان، ثم مكث ساعة فعاد فقال مثل ما قال أولاً غير أنه زاد قد قامت الصلاة مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علمها بلالاً فإنه أندى منك صوتاً)، وكان الرجل يأتي إلى الصلاة وقد سبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعضها، فكان يشير إلى من بجواره: كم صليتم؟ فيخبره فيأتي بما فاته ثم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أن: الصحابي كان إذا جاء وقد فاتته ركعة فإنه يأتي بها أولاً ثم يدخل في الركعة الثانية مع الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم إن معاذاً جاء يوماً وقد سبق ببعض الصلاة فقال: (والله لا أجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على حال إلا كنت عليه فيها، فدخل على الحال التي عليها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وبعدما سلم قام معاذ فأتم، فقال عليه الصلاة والسلام: (قد سن لكم معاذ سنة فاتبعوه) ومن ذلك اليوم وإلى يومنا هذا إذا جاء الإنسان مسبوقاً فإنه يدخل مع الإمام وبعد سلام الإمام يقوم فيتم الصلاة.

    وكذلك الصيام أحيل ثلاثة أحوال، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما هاجر إلى المدينة كان يصوم يوم عاشورا وثلاثة أيام من كل شهر، حتى أنزل الله عليه هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:183]، إلى قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[البقرة:184]، فكان من شاء صام ومن شاء أطعم؛ لأن الصيام على التخيير، فالذي يريد يصوم، والذي لا يريد لا يصوم، وله الحق في ذلك، ويطعم عن كل يوم مسكيناً، حتى أنزل الله عز وجل قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ[البقرة:185]، فصار الصوم واجباً على الغني والفقير، فهذان حالان.

    ثم إن الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل ويشرب ويأتي النساء ما لم ينم، أي: إذا غربت الشمس فله الحق في أن يأكل ويشرب ويأتي النساء، فإذا نام منع من هذا كله إلى غروب الشمس من اليوم الذي يليه.

    ثم إن رجلاً من الأنصار -والرواية في صحيح البخاري- يقال له: قيس بن صرمة كان يعمل صائماً حتى أمسى، فجاء إلى أهله، فصلى ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح.

    وفي بعض الروايات (أنه رضي الله عنه جاء وبينما زوجه تهيئ له طعاماً إذ غلبته عيناه فنام، فجاءت زوجته فقالت: يا هنتاه أنمت؟ فأصبح رضي الله عنه صائماً، فرآه رسول صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً فقال: مالي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟ قال: يا رسول الله! إني عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائما) أي: أن هذا الرجل صام يومين متتابعين، فجاء الفرج من الله عز وجل بقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة:187]، فلو أن أحداً منا الآن رجع بعد صلاة التراويح فنام، فإنه يمكنه أن يقوم قبل الفجر فيأكل ويشرب ولا حرج عليه في ذلك، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ))، والحمد لله رب العالمين.

    الحكمة من الصيام

    قال الله عز وجل: (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ))، هذه هي الحكمة من فرضية الصيام، وهي أن تحصل تقوى الله في القلب، والتقوى ظاهرة في فعل المسلم الذي يصوم لله، فيعاني من الحر الشديد، والجوع الشديد، وهو في بيته وحده، وليس معه أحد من البشر، وعنده ألوان الطعام والشراب، ونفسه تتوق إلى تناول هذه المطعومات والمشروبات، لكن الذي يمنعه هو تقوى الله عز وجل، فتقوى الله تجعله لا يأكل ولا يشرب، لم؟ لأنه يؤمن حقاً بأن الله يراه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) سبحانه وتعالى.

    يقول العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله: والغالب على أحوال الأمم في جاهليتها وبخاصة العرب هو الاستكثار من تناول الملذات، من المآكل والخمور ولهو النساء والدعة، وكل ذلك يوفر القوى الجسمانية والدموية في الأجساد، فتقوى الطبائع الحيوانية التي في الإنسان من القوة الشهوية والقوة الغضبية، وتطغيان على القوة العاقلة، أي: أن الإنسان مركب من روح وجسد، والجسد طبعه كالطبيعة الحيوانية يتوق إلى الطعام والشراب والنكاح، وفيه قوة غضبية تميل إلى التسور على الناس والاعتداء عليهم، وفيه القوة الشهوية، لكن هناك القوة العاقلة، والصيام ينمي هذه القوة العاقلة ويزيدها، ويضعف القوة الشهوية والقوة البهيمية؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد الشباب الذين لا يستطيعون الزواج إلى الصيام فإنه وجاء، فجاءت الشرائع بشرع الصيام.

    يقول صاحب المنار رحمه الله: في كل الأديان الصوم مشروع، بل حتى في غير الديانات التي أصلها سماوي، أي: في غير اليهودية والنصرانية، حتى الرومانيون عرفوا الصيام، والفراعنة، والوثنيون ممن يعبدون البقر أو يعبدون بوذا أو غير ذلك عندهم لون من ألوان الصيام، فكأن العقلاء جميعاً متفقون على أن الصيام يهدئ النفس، ويرقق الطبع، وهذا الصيام لا يؤتي أكله إلا إذا التزم فيه الإنسان بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي الحديث: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، وقال: (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم).

    ما يستفاد من آية الصوم

    في آية الصوم فوائد، منها:

    أولاً: فرضية الصيام، وأنه واجب بإيجاب الله عز وجل.

    ثانياً: أن الصيام كان مفروضاً على الأمم التي كانت قبلنا.

    ثالثاً: في الآية تنشيط لهذه الأمة، فكأن الله يقول: يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي لكم أن تنشطوا في العبادات من أجل أن تتفوقوا على من كان قبلكم من الأمم، وهذا تنافس مشروع كما قال الله عز وجل: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[المطففين:26].

    رابعاً: الصيام ليس من الأمور الثقيلة التي اختصت بها هذه الأمة.

    خامساً: الحكمة من فرضية الصيام تحصيل تقوى الله عز وجل، فإن الصيام من أقوى الأسباب في تحصيل التقوى.

    سادساً: تنبيه أهل التربية والعاملين في الخير أن يرغبوا الناس في الخير بكل أنواع المرغبات، فإن الله عز وجل رغبنا بالنداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ))، ثم رغبنا بأن الصيام كان مفروضاً على الأمم قبلنا، ثم رغبنا بذكر العلة لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ))، ثم رغبنا رابعاً فقال: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ[البقرة:184]، فإذا أراد أحد أن يلقي على الناس موعظة فليقل لهم: عندي كلمتان فاسمعوهما، ثم يتكلم؛ لأن مجالس العلم للشيطان فيها نصيب وحضور، ولذلك تجد أن عندنا استعداد للجلوس على المدرجات لمشاهدة مباراة كرة القدم أكثر من ساعتين وثلاث دون أن نشعر بملل، لكن في مجلس العلم نشعر بالحر، وبالبرد، وبالجوع، وبالعطش، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    فلذلك إذا أراد الإنسان أن يرغب الناس في الخير، مثل أن يرغب الأطفال في الصيام، أو في الصلاة، أو في قراءة القرآن، أو في أي لون من ألوان البر؛ فليستعمل المرغبات، بأن يبين لهم الفوائد ولا بأس أن يعطيهم الجوائز والعطايا السخية، فالنفس البشرية جبلت على حب العاجلة، فلا نعد الناس فقط بأجر الآخرة، وإنما كما قال الله عز وجل: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ[القيامة:20]، فالناس يحبون الجزاء العاجل.