إسلام ويب

فقه الصلاة شروط الإمامةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإمامة في الصلاة من أرفع المناصب الدينية وأجلها، ولا تصح إلا لمن توافرت فيه الشروط المؤهلة لذلك، ولا يشترط في الإمام أن يكون بالغاً ولا سالماً من البدعة الغير مكفرة أو الفسق، ولا يشترط فيه ألا يكون مأموماً أو معيداً ندباً. والقدوة بالإمام لها شروط، فلا تصح القدوة إلا بها. وهنالك أشخاص تجوز إمامتهم وأشخاص يكره إمامتهم.

    1.   

    شروط الإمام في الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن واله، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فما زال الكلام عن الشروط التي يجب توافرها في الإمام؛ لأن الإمامة من أرفع المناصب الدينية وأجلها، فلا يصلح لها إلا من توافرت فيه شروط.

    وأول هذه الشروط: الذكورة، فلا تؤم المرأة الرجال.

    ثانياً: الإسلام؛ لأن الكافر لا يقبل ولا يصح منه عمل أصلاً.

    ثالثاً: العقل، فلا تصح إمامة مجنون ولا سكران.

    1.   

    حكم إمامة الصبي في الصلاة

    رابعاً: وهو عند المالكية: البلوغ، بناء على أن الصبي الذي لم يبلغ الحلم فإن الصلاة في حقه ليست فريضة إنما هي نافلة، ولا يصح عندهم أن يؤم المتنفل المفترض.

    أدلة المجوزين لإمامة الصبي

    استدل المجوزون لإمامة الصبي بحديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه أن أباه لما أسلم جاء إلى قومه وقال: جئتكم من عند رسول الله حقاً عليه الصلاة والسلام، وأنه عليه الصلاة والسلام قد أوصاه بأن يصلي صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا، وأنه قال: (وليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً) قال: فنظروا فوجدوه أكثرهم قرآناً فقدموه بين أيديهم وهو ابن ست سنين أو سبع سنين.

    فهذا دليل على أن الصبي يصلي بالناس صلاة الفريضة، لأن قول الرجل عن النبي صلى الله عليه وسلم صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا يدل على الفرائض الموقوتة بأوقات معلومة، ثم قوله صلى الله عليه وسلم: (ليؤذن لكم أحدكم) أي: الأذان يكون للفريضة، فمعنى ذلك أن هذه الصلوات التي أم فيها عمرو بن سلمة قومه كانت صلوات مفروضة.

    أدلة المانعين لإمامة الصبي والرد عليها

    المانعون لإمامة الصبي ردوا على هذا الحديث بأجوبة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم).

    والعدالة شرط في الإمامة، والصبي ليس عدلاً.

    وبأن صلاة الصبي غير صحيحة؛ لأن الصحة معناها موافقة الأمر والصبي غير مأمور.

    أما قولهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاث) فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر في هذا الحديث بأن هؤلاء الثلاثة: النائم والصبي والمجنون، لا تكتب عليهم سيئاتهم، فلو أن أحدهم أتى منكراً فإن الله عز وجل برحمته لا يؤاخذه ولا يحاسبه، فلا علاقة بين النص وبين إمامة الصبي.

    أما قولهم: العدالة شرط في الإمام والصبي ليس عدلاً، فهذا القول ليس صحيحاً في طرفيه، فالعدالة ليست شرطاً في صحة الإمامة؛ لأنه تصح إمامة الفاسق.

    وأما أن الصبي ليس عدلاً فمن أين لهم ذلك؟ فليس بالضرورة أن الصبي ليس عدلاً.

    وكذلك قولهم بأن صلاة الصبي غير صحيحة؛ لأن الصحة معناها موافقة الأمر والصبي غير مأمور، فالجواب أن الصحة معناها استيفاء الأركان والشروط، والصبي يمكن أن يستوفيهما، فيمكن أن يتوضأ وضوءاً صحيحاً ثم يأتي بشروط الصلاة وبأركانها كاملةً، فتصح صلاته.

    القول الراجح في إمامة الصبي

    القول الصحيح -والعلم عند الله تعالى- أن إمامة الصبي جائزة في الفريضة والنافلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد الأمر فقال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم سناً أو قال: إسلاماً)

    لذلك نجد الناس في كثير من المساجد إذا غاب منهم الإمام انتظروا حتى يأتي رجل بالغ أو مسن وفي القوم حفظة لكنهم صغار، فيقرأ المسن قراءة ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأنه استقر في عرف الناس أن الإمام لازم أن يكون رجلاً كبيراً في السن، أما الذي ما طر شاربه وما غلظت لحيته فلا يؤم الناس في الصلاة أبداً.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم) وقال لوالد عمرو بن سلمة رضي الله عنهما: (وليؤمكم أكثركم قرآناً) ولم يقل: وليؤمكم أكبركم سناً.

    نعم لو كان الحفظة كثيرين فإننا نقدم من كان أعلم بالسنة، ولو كانوا بالسنة سواء فإننا نقدم أقدمهم سناً، أما أن يتقدم أكبرهم سناً وفي القوم أحفظ منه للقرآن وأعلم بالسنة فلا ينبغي.

    1.   

    بقية شروط الإمام في الصلاة

    خامساً: أن يكون عالماً بشروط الصلاة وأركانها وبما يفسدها وبكيفية إصلاح الخلل الطارئ عليها.

    والنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن من أشراط الساعة: (غلماناً يتخذون القرآن مزامير يقدمونه يغنيهم)، فلا يصير همنا أننا نقدم الذي صوته جميل، نعم الصوت الجميل مطلوب؛ لأنه يرغب في الصلاة، والتجويد مطلوب، لكن أهم من هذا أن يكون فقيهاً، فيعرف شروط الصلاة وأركانها ومبطلاتها، ويعرف كيف يصلح الخلل.

    لذلك نجد في كثير من المساجد الإمام يخطئ ثم بعد ذلك يقع في حيص بيص، فلا يسعفه فقهه ولا معلوماته، حتى بلغ الحال ببعض الأئمة- لما أكثر الناس من جداله- قال لهم: يا إخواننا امشوا وصلاتكم صحيحة على مسئوليتي، فما وجد حجة يقنعهم بها إلا أن يصرفهم بالأوامر العسكرية، فما يصلح هذا الكلام! فلابد للإمام أن يكون عالماً بالشروط والأركان.

    1.   

    أنواع البدعة

    سادساً: أن يكون سالماً من البدعة، والبدعة إما أن تكون مكفرة أو غير مكفرة.

    صور البدعة المكفرة وحكم الاقتداء بصاحبها

    إذا كانت البدعة مكفرة فلا يصح الاقتداء بكافر، كمن يعتقد كفر الشيخين أبي بكر و عمر فهو ليس بمسلم؛ لأنه مكذب للقرآن.

    أو من يعتقد أن الصحابة قد ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يعتقد في قلبه أن الإسلام لا يصلح لزماننا هذا، وأن تشريعات الإسلام في قضايا المرأة كالحجاب والميراث، وفي قضايا الحدود وما أشبه ذلك،كانت صالحة للزمان السابق أما في القرن العشرين فلا.

    أو: من يعتقد أن الأولياء يتحكمون في الكون وأن ملك الموت لا يقبض روح أحد من العباد إلا بعدما يستأذن الأقطاب الأربعة أو الثمانية أو الستة عشر، فمن اعتقد أن لأحد في الكون تصرفاً سوى الله رب العالمين، أو أن الولي الفلاني يعلم الغيب، فليس من أهل الإسلام.

    لكن هناك بدع كثيرة ليست مكفرة، وتوجد في ممارسات الناس وأفعالهم ولا أطيل بذكر أمثلتها.

    البدع التي ظهرت في عهد الصحابة

    وقد نجمت البدع في عهد الصحابة، كبدعة الخوارج نسأل الله العافية، وكذلك الشيعة وإن لم يظهروا بتكفير الصحابة، وإنما ظهروا بالتشيع لـعلي وتقديمه على الشيخين أبي بكر و عمر .

    ولذلك عندما تقرأ في تراجم بعض رواة الصحيحين وأن فيهم تشيعاً، فلا يخطر على بالك التشيع الموجود الآن، كما قيل في عبد الملك بن هشام صاحب السيرة رحمه الله.

    فالبدعة إذا لم تكن مكفرة، فلا حرج أن يصلي المسلم خلف المبتدع.

    1.   

    حكم إمامة الفاسق

    الرد على من لا يجيز إمامة الفاسق

    سابعاً: أن يكون سالماً من الفسق، وهذا عند المالكية رحمهم الله تعالى، ويرد عليهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) رواه أبو داود وقال الحافظ: رواته ثقات.

    وأخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج .

    وأخرج مسلم أن أبا سعيد صلى خلف مروان بن الحكم .

    وقد ثبت تواتراً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أنه (سيكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله بم تأمرنا؟ قال: صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة).

    تعريف العدالة

    ليس من شرط الإمام أن يكون عدلاً. والعدالة هي: ملكة في النفس تحمل على فعل الجميل وترك القبيح، وأعلاها: ليس لها حد، وإنما المثل الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدناها: السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة.

    فالسلامة من أسباب الفسق ألا يكون الإمام سارقاً ولا زانياً ولا خماراً ولا مرابياً ولا فحاشاً ولا سباباً ولا لعاناً ولا بذيئاً ولا طعاناً.

    والسلامة من خوارم المروءة، بأن لا يأكل أمام الناس ما يسمى تسالي مثلاً أو لبانة أو يلبس الملابس التي لا تليق به.

    صلاة بعض السلف خلف الحجاج بن يوسف

    ليس من شرط الإمام أن يكون عدلاً، فلقد تواتر عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون خلف أئمة بني أمية وحالهم كما تعلمون.

    ومن ذلك: أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الذي كان يقول للناس: والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرج خارج من الباب الآخر ضربت عنقه.

    وخرج إلى صلاة الجمعة فسمع ضجة فقال: ما هذا؟ قالوا له: أهل السجن يشتكون من الحر. فقال: قولوا لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون. أي: جعل نفسه كرب العالمين! فهذا الرجل أخباره معروفة.

    و الحسن البصري رحمه الله -على ورعه- لما سمع بموت الحجاج ، خرَّ لله ساجداً وخطب في الناس فقال: اللهم إنك أمت الحجاج فاقطع عنا سنته، فإنه جاءنا أخيفشاً أعيشاً يمد بيد قصيرة البنان، والله ما غبرها في سبيل الله، يصعد على المنبر فيخطب حتى تفوته الصلاة وتحته مائة ألف أو يزيدون، وما يقدر رجل منهم أن يقول له: الصلاة أيها الأمير، فاحمدوا الله على العافية. هيهات هيهات حال دون ذلك السيف والسوط.

    وكان من هؤلاء الذين يحضرون خطبة الحجاج أنس بن مالك، فكان يصلي رضي الله عنه الفريضة جالساً، ويومئ في صلاته، خوفاً على خروج وقت الصلاة، فإذا نزل الحجاج ليصلي بالناس كان يصلي معه، ويعتبرها نافلة، أما الفريضة فقد أوقعها في وقتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان ويصلونها لغير وقتها -كـالحجاج بن يوسف- قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة) فهذا دليل على جواز الصلاة خلف الفاسق؛ لأن الذي يميت الصلاة ويصليها لغير وقتها فاسقاً، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي خلفه نافلة، ولا فرق بين النافلة والفريضة.

    وكذلك أبو سعيد الخدري كان يصلي خلف مروان بن الحكم والحديث معروف في صحيح مسلم ، كان مروان أميراً على المدينة وأمر بمنبر الرسول صلى الله عليه وسلم فأخرج يوم العيد، فطلع مروان المنبر، فأمسكه أبو سعيد بيده وقال له: الصلاة الصلاة، يعني: صلاة العيد أولاً ثم الخطبة، قال له: لو صلينا ما جلس لنا أحد، أي أنهم سينصرفون عنه لأنهم كارهين له، فقال له أبو سعيد: السنة، فقال له: يا أبا سعيد قد مضى ما تعرف، فقال أبو سعيد : والله للذي أعرف خير من الذي لا أعرف.

    و أبو سعيد قام يصلي خلف هذا الرجل، والعمدة في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب الجهاد مع كل أمير براً كان أو فاجراً، وأوجب الصلاة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر.

    الخلاصة: لا خلاف بين أهل العلم أن الصلاة خلف الفاسق مكروهة، إنما النزاع في الصحة، والأصل أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، والإجماع أن الصلاة خلف الفاسق مكروهة، والصحيح إن شاء الله أنها صحيحة؛ لأن هذا الفاسق استوفى الشروط والأركان، فصلاته لنفسه صحيحة فكذلك صلاته لغيره صحيحة.

    أما إذا كان الإمام يدخن أو يحلق لحيته أو يخففها، فلو أمكن أن يزاح من غير فتنة فهو المطلوب، أما إذا لم تكن إزاحته إلا بفتنة، فيختلف الناس في المسجد وتأتي الشرطة كما حصل في بعض المساجد فلا يزاح، فيصلى خلف الفاسق وحسابه على الله.

    1.   

    الأسئلة

    الرد على من قال إن الخضر لا يزال حياً

    السؤال: ما حكم من قال: إنه رأى الخضر؟

    الجواب: كثير من الناس يذكرون أنهم رأوا الخضر، فقد يكونون لقوا جنياً- مثلاً- وقال لهم: هو الخضر.

    خاصة أن بعض الأئمة الكبار مثل الإمام النووي يرى بأن الخضر حي، والإمام ابن القيم رحمه الله ساق في المنار المنيف عشرة أدلة على أن الخضر قد مات، أوضحها قوله صلى الله عليه وسلم لما كان قاعداً مع الصحابة: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه لا يأتي على الناس مائة عام وعلى وجه الأرض نفس منفوسة ممن هو عليها اليوم) فلو كان الخضر حياً في تلك الليلة، فإذا تمت مائة سنة فالمفروض أن يكون قد مات.

    واستدل بقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ[الرحمن:26]، وكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[آل عمران:185] وكذلك لو كان الخضر حياً لكان المفروض أن يأتي للرسول صلى الله عليه وسلم ويبايعه ويصلي معه ويشهد معه الغزوات والمعارك.

    فحقيقة هذه المسألة التي حصل فيها ضلال كبير من بعض الناس الذين يقولون بأنهم رأوا الخضر، بلغ السخط ببعضهم أن قال: ذهبت لأحد الصالحين، وقلت له أريد أرى نبي الله الخضر، فقال: تأتي وتصلي معنا صلاة الجمعة.

    قال: فلما صليت أقبل رجل ثيابه وسخانه، فقلت للإمام: رأيت نبي الله الخضر؟

    فقال لي: أنت لما كنت تصلي ورأيت ذلك الرجل الوسخان، فإنه نبي الله الخضر! فإلى الله المشتكى.

    1.   

    تابع شروط الإمام في الصلاة

    ثامناً: ألا يكون مأموماً بأن أدرك ركعة فأكثر، أما إن أدرك أقل من ركعة فتصح إمامته، وهذا عند المالكية وتقدم معنا أن الجماعة تدرك بركعة.

    فلو أنني جئت في التشهد الأخير، فسلم الإمام فقمت لأتم الصلاة، فيأتي بعض الناس المتأخرين فقدمونني ويصلون خلفي لأنني لست مأموماً، وتقدم معنا في المبطلات أن هذا الصنف من الناس لو سجد مع الإمام سجود السهو فإنَّ صلاته باطلة، أما إذا أدرك ركعة مع الإمام فهو مأموم فلا يصح أن يتحول المأموم إماماً.

    ويمكن أن يرد عليهم هذا الشرط بصلاة أبي بكر بالناس، وذلك (لما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف حين تشاجروا حتى رمى بعضهم بعضاً بالحجارة، فتأخر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سيدنا بلال لـأبي بكر رضي الله عنه: حضرت الصلاة وقد تأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بلال الصلاة وتقدم أبو بكر، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ الناس يتنحنحون وكان أبو بكر رجلاً إذا صلى لا يلتفت، فلما أكثر الناس من التنحنح التفت أبو بكر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه أن مكانك، فحمد أبو بكر ربه ثم رجع القهقرى حتى قام في الصف وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس، وبعد الصلاة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر : ما منعك أن تمكث إذ أمرتك، قال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله)

    فالرسول صلى الله عليه وسلم كان مأموماً فتحول إماماً، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مسبوقاً.

    فمن صلى الفريضة منفرداً فأراد أن يعيد مع الجماعة لتحصيل فضيلتها، فصلى بهم إماماً، فعند المالكية لا تصح إمامته؛ لأن صلاته الثانية نافلة.

    ويرد عليهم بحديث معاذ رضي الله عنه أنه (كان يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب فيصلي بقومه)، حتى جاءوا فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله يأتينا معاذ بعدما كلت أبداننا في العمل بالنهار فيطول علينا، أي: يصلي بنا صلاة طويلة؛ لأنه فقيه رضي الله عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال: (أفتان أنت يا معاذ! أين أنت من إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت) أي: أرشده صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ بسور المفصل القصيرة.

    ورواية ثانية أيضاً أن معاذاً صلى بهم فقرأ سورة طويلة، فانصرف أحد المصلين من الصلاة ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو معاذاً ، فقال معاذ : يا رسول الله إنه منافق، لأنه قطع الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تغيظ على معاذ وغضب وكرر له الكلام نفسه.

    لذلك الأصل في الإمام أن يخفف بالناس، وليس معناها أن ينقر صلاته، لأن الإمام ابن القيم قال: تعلق النقارون بحديث (من صلى بالناس فليخفف) أي: كأنهم جعلوا الحديث إذا صلى أحدكم بالناس فليستعجل.

    فالخلاصة في الشروط التي يجب أن تتوافر في الإمام: أن يكون مسلماً عاقلاً، ذكراً، عالماً بشروط الصلاة وأركانها وبما يفسدها وبإصلاح الخلل فيها، وأن يكون سالماً من البدعة المكفرة.

    ولا يشترط في الإمام أن يكون بالغاً، ولا أن يكون سالماً من البدعة غير المكفرة، ولا أن يكون سالماً من الفسق، ولا يشترط في الإمام ألا يكون مأموماً، وألا يكون معيداً ندباً.

    والكفر قد يكون كفراً ظاهراً، نحو: إنسان لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وقد يكون كفراً خفياً كمن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلي مع الناس الخمس الصلوات لكنه والعياذ بالله متلبس ببدعة مكفرة قد تخفى على كثير من الناس.

    مثلاً يقال لك: إن فلاناً هذا شيوعي، فتقول: والله الشيوعي كافر. فيقال لك: لكنه يصلي.

    أو تجد مثلاً إنساناً كافراً اسمه محمود مثل عبد الله بن أبي ابن سلول وهو كافر أخس من أبي جهل .

    1.   

    شروط الاقتداء

    حكم نية الاقتداء بالإمام

    المسألة الرابعة: شروط الاقتداء، وهي كما يلي:

    أولاً: أن ينوي المأموم الاقتداء بالإمام أولاً، فلا ينتقل منفرد إلى جماعة إلا بنية، فمن صلى صلاة الظهر منفرداً -مثلاً-، ثم بعد ذلك وجد جماعة فلا يصح أن يدخل معهم في الجماعة إلا بعد أن يستأنف نية القدوة من جديد لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات).

    حكم اختلاف نية الإمام عن المأموم في الصلاة

    ثانياً: أن يتساوي المأموم والإمام في عين الصلاة وصفتها، فلا تصح صلاة من يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، ولا تصح صلاة من يصلي أداءً خلف من يصلي قضاءً، ولا تصح صلاة المفترض خلف المتنفل ولا العكس لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه).

    لكن أيها الإخوان هذه المسألة تحتاج إلى نقاش، فقد ثبت من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سافر سفراً إلا صلى ركعتين فلما كان في غزوة الفتح مكث ثمانية عشر يوماً يصلي بالناس ركعتين إلا المغرب، وكان إذا قضى صلاته قال: يا أهل مكة! أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، أي: جمع مسافر) رواه أحمد ، وكذلك كان يفعل عمر حين يقدم مكة رواه مالك في الموطأ.

    وثبت أن معاذاً كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة متفق عليه.

    وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان في صلاة الخوف يصلي بكل طائفة ركعتين.

    وروت عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود من المسجد فيؤم أهله، فلو طبقت هذه السنة، بأن يصلي المسلم صلاة العشاء في المسجد ثم يرجع إلى أهله فيصلي بهم كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك الحديث السابق الذي ذكرناه عن إمامة الفاسق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه سيكون أئمة يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويؤخرونها عن وقتها، قالوا: فما تأمرنا يارسول الله؟ قال: صلوا الصلاة لوقتها ثم صلوا مع القوم فإنها لكم نافلة) فأباح النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي المصلي بنية النافلة خلف من يصلي مفترضاً، فهذا دليل على اختلاف عين الصلاة.

    كذلك النبي صلى الله عليه وسلم أباح صلاة المسافر خلف المقيم والمقيم خلف المسافر، فقد اختلفت صفة الصلاة، ويأمر أهل مكة من ورائه أن يصلوها أربعاً.

    وثبت أن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي بالناس نافلة وهم يصلون فريضة، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الفريضة ثم يرجع فيصلي بأهله، أي: بنسائه عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أنه لا يشترط أن تتحد صلاة المأموم والإمام في عين الصلاة أو صفتها.

    أما قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) يفسرها قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد) يعني: لا تسابقوه ولا تماثلوه.

    حكم من صلى قائماً خلف إمام قاعد

    ثالثاً: عدم نقص الإمام في القدرة على الأركان عن المأموم، فلا يصلي قادر على القيام خلف عاجز عنه.

    ويرد عليه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت عنه بأنه (صلى قاعداً والصحابة من خلفه قيام).

    واختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون) هل هو منسوخ أم أنه يفرق بين من ابتدأ الصلاة قائماً ثم جلس، ومن ابتدأها قاعداً من البداية، فتصوروا لو أننا نصلي جماعة وليس فينا قارئ إلا مقعد، أو أننا لا نعرف شروط الصلاة ولا أركانها، وما فينا إلا فقيه لا يقدر على القيام إما لعذر دائم أو لعذر طارئ، فهل يصلي بنا جاهل لا يعرف عن شروط الصلاة ولا عن أركانها شيئاً أم الفقيه؟

    حكم من سابق الإمام في ركن من أركان الصلاة

    رابعاً: عدم مساواة المأموم للإمام في الإحرام والسلام، فإن تقدمه أو ساواه فيهما بطلت صلاته، والله أعلم.

    فبعض الناس يسبق الإمام في تكبيرة الإحرام والسلام، فمجرد ما يقول الإمام: أس،إذا به يقول: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم، فإذا سلم الإمام الثانية، إذا بالرجل في السيارة، فهذا صلاته باطلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما يخشى أحدكم إذا سابق إمامه أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار) نسأل الله العافية والسلامة.

    ومما يستدل به على جهل الإمام أن يطول في تكبيرة الإحرام أو في السلام، فمن صلى بالناس فليكبر تكبيرة الإحرام سريعاً وكذلك عندما يسلم، فقد يكون الإمام هو السبب في بطلان صلاة بعض المؤتمين، وما يصنعه كثير من الأئمة في السودان من التمهل في السلام، لا ينبغي ذلك.

    إذاً شروط الاقتداء ما يلي:

    الشرط الأول: أن ينوي المأموم الاقتداء بالإمام أولاً، فلا ينتقل منفرد إلى جماعة إلا بها.

    الشرط الرابع: عدم مساواة المأموم للإمام في الإحرام والسلام.

    أما الشرط الثاني والثالث فليس للمالكية دليل فيما ذكروا.

    1.   

    من تكره إمامتهم؟

    حكم إمامة الأعرابي للحضري

    المسألة الخامسة: من تكره إمامتهم؟ وهم ما يلي:

    أولاً: تكره إمامة الأعرابي -ساكن البادية سواء كان عربياً أو أعجمياً- بالحضري، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا تؤمن امرأة رجلاً، ولا أعرابي مهاجراً، ولا يؤمن فاجر مؤمناً) رواه ابن ماجة وفي إسناده عبد الله بن محمد التميمي وهو تالف من التلف، قال البخاري : منكر الحديث. وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به. وقال غيره: كان يسرق الأحاديث ويخلط المتون، فهذا حديثه لا يصلح للاحتجاج.

    فلو أن أعرابياً تفقه في البادية وجاء ليصلي بنا، فهل نقول له: لا تصل بنا لأنك من البادية؟ لا يصح ذلك.

    لكن المالكية قالوا: الأغلب أن الأعراب في البادية يخلون بالسنن، حتى الذي يصلي منهم، ولو تأملتم الذين يبيعون الخراف، فإن أغلبهم جاءوا من البادية، وصلاتهم مخالفة للسنة، فالمالكية عندهم وجهة نظر في هذه المسألة، وهي أنه لا يؤم أعرابي -بدوي- حضرياً.

    حكم إمامة من كان به سلس بول أو قروح

    ثانياً: ذو السلس أو القروح إلا لمثله، فذو السلس هو الذي لا يتحكم في البول عافانا الله جميعاً، كذلك الإنسان الذي عنده قروح، فقد تتفجر بدون اختياره، وقد تظهر بقع الدم وغيرها.

    فالمالكية يريدون أن تطمئن قلوب الناس تجاه الإمام فلا يداخلهم شك ولا ريب، ولذلك من كان به سلس أو قروح، فلا يستحب له أن يصلي بالناس.

    حكم إمامة مجهول العدالة

    ثالثاً: مجهول الحال وهو الذي لا تعرف عدالته من عدمها، فلا نعرف عنه لا بدعة ولا سنة، فإمامته مكروهة، فإذا كان الإنسان لا يُعرف فلا يُقدم ليؤم بالناس، فإذا كنا في مرض الأبدان لا نذهب إلا إلى الطبيب المشهور، وإذا خربت السيارة فإننا نفتش عن الميكانيكي الممتاز، فلماذا فقط في الصلاة أي واحد يصلي بنا؟

    حكم إمامة من لا يعرف أبوه

    رابعاً: مجهول النسب، وهو الذي لا يعرف من أبوه.

    روى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن رجلاً كان يؤم الناس بالعقيق فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز فنهاه، قال مالك : وإنما نهاه؛ لأنه كان لا يعرف أباه.

    وقال الإمام الباجي رحمه الله: لأن الإمامة موضع رفعة وشرف، وكل ما من شأنه أن يؤثر في ذلك فالأحسن تجنبه، كما أن ذلك قد يعرض الإمام لكلام الناس فيأثمون بسببه.

    فإذا كان هذا الرجل قد تفقه وتعلم فهو جدير بأن يصلي بالناس، وإن طعنوا فيه بسبب جهالة النسب.

    حكم إمامة العبد

    خامساً: العبد لا يؤم الناس، وهذا عند المالكية.

    وفي زماننا هذا لا يوجد عبيد، لكن لو فرض بأن وجد سبيل شرعي للرق فقدر الله أن عبداً فقيهاً تقدم ليصلي بالناس، فعلى العين والرأس.

    والذي يدل على إمامة العبد، حديث ابن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأولون فنزلوا العصبة - موضع بقباء- قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآناً، وكان فيهم عمر بن الخطاب و أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي رواه البخاري .

    فـعمر بن الخطاب العدوي شريف و أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي كريم وكلاهما قرشيان، وتقدم عليهما للصلاة سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (خذوا القرآن من أربعة) وعد من بينهم سالماً رضي الله عنه.

    فالعبد يصلي بالناس؛ لأنه ثبت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سالماً كان يصلي بالناس، فلذلك سيدنا عمر قال: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته -أي كنت سأجعله خليفة- فإذا سألني ربي قلت له: سمعت نبيك صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين) و سالم هذا ممن رفعهم الله بالقرآن.

    حكم إمامة الخصي

    سادساً: الخصي.

    وعلى هذا فإن الذين تكره إمامتهم ستة أصناف:

    إمامة الأعرابي للحضري، وإمامة ذي السلس وذي القروح إلا لمثله، وإمامة مجهول العدالة والنسب، وإمامة العبد، وإمامة الخصي.

    1.   

    من تجوز إمامتهم؟

    الذين تجوز إمامتهم هم:

    الأول: الأعمى، فيصح أن يصلي بالناس، والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم استخلف عبد الله بن أم مكتوم مراراً، قيل: ثلاث عشرة مرة ليصلي بالناس لما كان يخرج إلى الغزوات، وأحياناً كان يستخلفه عليه الصلاة والسلام إماماً ووالياً.

    الثاني: المخالف في الفروع، فمثلاً مالكي يصلي خلف شافعي أو حنفي يصلي خلف حنبلي والعكس؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مختلفين في اجتهادهم، وكان بعضهم يصلي خلف بعض ولم يزل الناس كذلك.

    الثالث: الصبي، فيجوز أن يصلي بمثله.

    كذلك يجوز فصل الإمام عن المأموم بنهر صغير أو طريق بما يسمع معه قول الإمام أو مأمومه أو يراه، فمثلاً في الحرمين أو في غيرهما أحياناً قد يكونون في زحام، بحيث إن الناس يصلون وبينهم وبين الحرم شارع.

    وأحياناً هنا أيضاً في مساجدنا فإن الناس يضطرون للصلاة خارج جدار أو خارج صحن المسجد، فلا حرج أن يكون الإمام مفصولاً عن المأمومين، بحيث إن المأموم يسمع صوت الإمام، أو يرى الإمام، أو يرى من يرى الإمام، لحديث عائشة قالت: (كان لنا حصيرة نبسطها بالنهار ونحتجر بها بالليل، -أي نعملها حجرة-، فصلى فيها رسول الله ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته فصلوا بصلاته التراويح، فلما كانت الليلة الثانية كثروا فاطلع عليهم فقال: اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا).

    قال الشوكاني رحمة الله عليه: الحديث يدل على أن الحائل بين الإمام والمؤتمين غير مانع من صحة الصلاة، والعلم عند الله.