إسلام ويب

تفسير سورة الأنعام - الآيات [84-90]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل منته على خليله إبراهيم عليه السلام، بأن هدى ذريته، وجعل منهم الأنبياء، وفضلهم على العالمين، ويحذرهم بأنهم لو أشركوا لحبطت جميع أعمالهم، ثم يسلي الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم؛ بأنه إن كفرت به قريش فسيأتي الله بقوم يؤمنون به، ويأمره بأن يقتدي بالأنبياء من قبله

    1.   

    تابع تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى, أما بعد:

    فإن ربنا تبارك وتعالى بعدما قص علينا خبر إبراهيم مع أبيه وقومه، وكيف أنه ناظرهم على عقيدة التوحيد، بين ربنا جل جلاله نعمته على خليله إبراهيم عليه السلام، فقال سبحانه: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا [الأنعام:84]، (ووهبنا) النون نون العظمة، والهبة عطاء من الله عز وجل.

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ [الأنعام:84]، عوض الله عز وجل إبراهيم عليه السلام لما ترك أباه وقومه، وهاجر من وطنه إيثاراً لرضا الله عز وجل ورغبة في ما عنده، فوهب له هذه الذرية الصالحة ليأنس بها ويطمئن إليها.

    وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ [الأنعام:84]، وهب الله له إسحاق على كبر منه، كما حكى ربنا في سورة هود: أن الملائكة لما بشرته بمولد إسحاق أقبلت امرأته في صرة، أي: في صيحة وضجة، فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [الذاريات:29]، وفي سورة هود: قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود:72].

    وبعدما وهب الله له إسحاق جعل من ذرية إسحاق يعقوب عليه السلام الذي هو حفيد إبراهيم، قال الله عز وجل: كُلاًّ هَدَيْنَا [الأنعام:84]، (كلاً)، التنوين هنا: للعوض، وتقدير الكلام: كل واحد منهم هديناه، كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ [الأنعام:84]، ونوح عليه السلام يسمونه آدم الصغير؛ لأن جميع البشر من ذرية نوح؛ لأنه عليه السلام لما دعا قومه إلى الله فأبوا، أرسل الله عز وجل عليهم الطوفان فأهلكهم جميعاً، وما نجا إلا نوحاً ومن آمن معه، قال سبحانه: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ [الصافات:77].

    أوجه الشبه بين إبراهيم ونوح عليهما السلام

    ذكر الله عز وجل نوحاً بعدما ذكر إبراهيم للشبه الذي بينهما، فإن إبراهيم عليه السلام جادل أباه وقومه، وكذلك نوح عليه السلام جادل قومه، وشدد في الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، فواجهه قومه بالنكير، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً [نوح:23]، ثم قالوا له: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود:32-34]، وهذا وجه من أوجه الشبه بين نوح وإبراهيم عليهما السلام.

    الوجه الثاني: أن جميع الأنبياء بعد نوح هم من ذرية نوح، وكذلك جميع الأنبياء بعد إبراهيم من ذرية إبراهيم، وقد قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد:26]، وقال عن إبراهيم عليه السلام: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ [العنكبوت:27].

    عود الضمير في قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان ...)

    قال الله عز وجل: وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ [الأنعام:84]، والسؤال في قول ربنا جل جلاله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ [الأنعام:84]، من ذرية من؟ إبراهيم أم نوح؟ قولان لأهل التفسير:

    قال بعضهم: ومن ذرية نوح؛ لأن نوحاً هو أقرب مذكور، والضمير يرجع إليه، وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ [الأنعام:84]، أي من ذرية نوح، واستدلوا على ذلك بوجه آخر، وهو أن في هؤلاء الأنبياء المذكورين لوطاً وهو عليه السلام ليس من ذرية إبراهيم بل هو ابن أخيه باتفاق المؤرخين.

    وقال بعض المفسرين: بل الضمير يرجع إلى إبراهيم؛ لأن السياق كله حديث عن إبراهيم عليه السلام.

    الأنبياء الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان ...)

    قال الله عز وجل: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الأنعام:84]، داود عليه السلام هو أول أنبياء بني إسرائيل الذي جمع الله له بين النبوة والملك، فكان نبياً ملكاً، وهذا النبي المبارك قد أثنى عليه ربه جل جلاله في كتابه، فقال: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص:20]، وقال عنه وعن ولده: وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء:79].

    وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ [الأنعام:84]، سليمان بن داود، قال الله عنه وعن أبيه: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ [النمل:15-16]، سليمان عليه السلام آتاه الله عز وجل ملكاً عظيماً، فسخر له الطير والإنس والجن، وسخر له ما شاء من خلقه استجابة لدعوته حين قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ص:35].

    وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ [الأنعام:84]، وأيوب هو: العبد الصالح الذي قال الله عنه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، وَمُوسَى وَهَارُونَ [الأنعام:84] وهما ابنا عمران اللذان أرسلهما الله عز وجل إلى فرعون اللئيم وأمرهما بأن يلينا له القول، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود:96-97].

    وموسى عليه السلام كانت منته على هارون عظيمة؛ إذ جعل الله هارون نبياً استجابة لدعوة موسى، حين قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:25-32]، وحين قال: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص:34].

    وبعد أن ذكر الله عز وجل هؤلاء الأنبياء؛ داود وسليمان وأيوب ويوسف وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وموسى وهارون.

    قال سبحانه: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الأنعام:84]، (وكذلك)، التشبيه راجع للهداية، لما قال: وَنُوحاً هَدَيْنَا [الأنعام:84]، أي: مثل هذه الهداية، نهدي بها كل من اتصف بوصف الإحسان، و(المحسنين) جمع محسن، وهو اسم فاعل من الإحسان، والإحسان كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم على درجتين: أن تعبد الله كأنك تراه، وهذه درجة سامية عالية، والتي بعدها: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    فهؤلاء المحسنون يهديهم الله عز وجل، كما قال سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين)

    قال الله عز وجل: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ [الأنعام:85]، ذكر ربنا جل جلاله زكريا، ذلك العبد الصالح والنبي الكريم، الذي نادى ربه نداءً خفياً، فاستجاب الله عز وجل دعوته وأصلح له زوجه ووهب له يحيى، بعدما شكا إلى الله عز وجل كبر سنه ووهن عظمه وعقم زوجه، استجاب الله عز وجل دعاءه وحقق رجاءه.

    ثم ذكر بعد زكريا ولده يحيى الذي سماه الله عز وجل سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، وكان واحداً من الأنبياء الذين قتلوا في سبيل الله عز وجل.

    وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى [الأنعام:85]، عيسى عليه السلام هو ابن مريم الذي جعله الله وأمه آية للعالمين، فخلقه من أم بلا أب، وأجرى على يديه تلك المعجزات الباهرات العظيمات، حين كلم الناس في المهد صبياً، وآتاه الله الحكمة، وكان ينبئ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وأنزل الله عليه مائدة من السماء.

    دخول أبناء البنات في الوقف على الذرية

    وهاهنا مسألة فقهية وهي: لو أن إنساناً قال: هذا المال وقف على ذريتي، أو قال: هذا المال وقف على أولادي، فهل يدخل في الأولاد أولاد البنات؟ ومعلوم أن كلامه هذا يشمل أولاده لصلبه، أي: الأولاد الذكور ومن تناسل منهم، وكذلك يشمل البنات، لكن من تناسل من البنات، هل يدخلون في هذا اللفظ؟ أنتم تقولون: لا؛ بناء على قول الفرزدق:

    بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد

    لكن في الآية دليل على أنهم يدخلون؛ لأن الله عز وجل قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ [الأنعام:84]، ثم قال: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى [الأنعام:85]، وعيسى هو ابن مريم ، فعيسى ليس من ذرية إبراهيم من جهة الآباء، وإنما من جهة بنته مريم ؛ ولذلك قال بعض أهل العلم: من قال: هذا المال وقف على ذريتي، يدخل في ذلك أولاد البنات كذلك، واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن : ( إن ابني هذا سيد )، فسمى الحسن ابناً، مع أن الحسن هو ابن بنته.

    وهذه المسألة هي التي قال فيها الطاغية الغشوم، الحجاج بن يوسف للعبد الصالح يحيى بن يعمر ، قال له: أنت تزعم أن الحسن و الحسين أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له: بلى، أنا أزعم ذلك، قال له: والله لئن لم تأتني بآية لأجعلنك نكالاً، فهذا الإمام الفذ رحمه الله ما تردد، بل قال له: أما تقرأ سورة الأنعام؟ قال: بلى، قال: أما تقرأ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ [الأنعام:84]، إلى أن ذكر عيسى، وإنما عيسى ابن بنت، وليس ابن ابن. وهذا حكم فرعي استفيد من هذه الآية المباركة.

    نبي الله إلياس عليه السلام

    الشهادة للأنبياء بصلاح النية والعمل

    قال تعالى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ [الأنعام:85]، يشهد ربنا جل جلاله شهادة حق لهؤلاء النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ بأنهم جميعاً كانوا صالحين، والصالحون جمع صالح، والصالح هو من جمع بين صلاح النية وصلاح القول والعمل.

    فمن كان قوله وعمله صالحاً ولم تكن النية كذلك لم يوصف بالصلاح، وكذلك من كانت نيته صالحة ولكن عمله ليس على مقتضى الشرع فإنه لا يوصف بالصلاح، بل الصالح من جمع بين الأمرين، بين صلاح النية وصلاح القول والعمل، وهذا الذي ذكره ربنا في قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء:125]، أي: أخلص قصده لله، وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً [النساء:125]، وفي قوله سبحانه: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين)

    قال الله عز وجل: وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام:86]، إسماعيل عليه السلام هو ابن إبراهيم لصلبه وهو ابنه البكر، الذي رزقه الله عز وجل إياه حين تسرى بـهاجر المصرية، التي أهداها إليه فرعون مصر إلى سارة ، وسارة أهدت هاجر إلى إبراهيم فوطئها فاستولدها إسماعيل عليه السلام، فغارت سارة فأخذ إبراهيم عليه السلام هاجر وابنها وأسكنهما في جبال فاران في مكة، بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم.

    وإسماعيل كإسحاق، رزق الله إبراهيم إياه أيضاً على كبر، لكنه حين رزق بإسحاق كان أكبر منه حين رزق بإسماعيل، وهذا المعنى في قول ربنا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم:39].

    زيارة إبراهيم عليه السلام لولده إسماعيل

    تقدم معنا الكلام في أن إسماعيل عليه السلام هو الذبيح، وإسماعيل هو الذي أثنى عليه ربنا في كتابه، فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً [مريم:54-55]، وهذا النبي الكريم عليه السلام كان أبوه يتعاهده بالزيارة، وأمره حين زاره لأول مرة بأن يطلق امرأته؛ لأنها لم تشكر نعمة الله، ولم ترضَ ولم تقنع بما رزق الله، بل شكت إليه الفقر والحاجة، وقالت: نحن بشر حال، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه السلام، وقولي له: غير عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل أخبرته زوجه، فقال: ذاك أبي وقد أمرني أن أطلقك، الحقي بأهلك. ثم أحدث بعدها زواجاً آخر، فجاء يزوره فسأل زوجته عن حالهم، فشكرت ربها وأثنت عليه خيراً، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فأقرئيه السلام، وقولي له: ثبت عتبة بابك.

    قال أهل التفسير: وقد بعث الله إسماعيل إلى قبيلة جرهم، وإسماعيل عليه السلام هو أبو العرب المستعربة الذي تناسل منهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك يقال له: هو ابن الذبيح، نسبة إلى إسماعيل، ويقال له: ابن الذبيحين؛ نسبة إلى إسماعيل وعبد الله أبيه؛ لأن القرعة خرجت عليه قبل أن تحفر زمزم.

    نبي الله اليسع عليه السلام

    قال الله عز وجل: وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ [الأنعام:86]، هذه قراءة الجمهور، واليسع، بإسكان اللام وفتح الياء والسين والعين، وقرأ حمزة و الكسائي بتشديد اللام وإسكان الياء: واليسع، كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ [الأنعام:85]، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ [الأنعام:86]، واليسع عليه السلام ذكره الله عز وجل في هذه الآية فهو معدود في النبيين بإجماع المسلمين.

    ذكر يونس عليه السلام وإلقائه في البحر

    ثم ذكر بعده يونس عليه السلام وهو ذو النون، الذي ذكر ربنا جل جلاله خبره في سورة الأنبياء: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء:87]، والنون هو: الحوت، وَذَا النُّونِ )) أي: صاحب الحوت.

    وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً [الأنبياء:87]، أي: مغاضباً لقومه، كارهاً إياهم.

    فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، أي: أن لن نضيق عليه، ولا تحسبوا أن (لن نقدر) من القدرة، لا، بل هي من القدر، بمعنى: التضييق، كقول ربنا سبحانه: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:16]، لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7]، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ [الأنبياء:87]، أي: أن لن نضيق عليه.

    فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ [الأنبياء:87]، في الظلمات الثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة البطن.

    أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء:87-88]، وفي سورة الصافات: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الصافات:139-140]، فيونس كان قد أنذر قومه حلول العذاب، فلما استيقن قومه صدقه، وسارعوا إلى الله عز وجل بالبكاء، ففرقوا بين الأمهات وأطفالهن، وبين البهائم ونسلهن، وضجوا جميعاً بالبكاء والتوبة إلى الله فتاب الله عليهم، قال الله عز وجل: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس:98]، والظاهر -والعلم عند الله- طالما أنه كشف عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا فإنه سيكشف عنهم عذاب الآخرة مالم ينكثوا، أي: مالم يرجعوا عن توبتهم.

    خروج يونس عليه السلام غاضباً من قومه

    فيونس عليه السلام لما وجد أن العذاب لم ينزل خرج مغاضباً، وزعم بعض المفسرين أنه كان من شريعتهم أن الكاذب يقتل، فيونس عليه السلام خرج فراراً من القتل، قال الله عز وجل: (( إِذْ أَبَقَ )) أي: هرب، إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ [الصافات:140-141]، وهذه السفينة لم تمض بهم، وإنما بقيت راسية على الماء لا تتحرك، فقالوا: لا بد أن نسهم فنلقي أحدنا، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، أي: كان سهمه داحضاً، فخرجت عليه القرعة بأن يلقى هو، فكأن قومه استثقلوا ذلك، أي: الناس الذين كانوا في السفينة، فأعادوا القرعة فخرجت عليه، ثم أعادوا القرعة فخرجت عليه، فألقوه، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141].

    فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ [الصافات:142]، أي: ملوم من الله عز وجل، فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143-144]، لكان بطن الحوت قبره إلى يوم القيامة.

    خروج يونس عليه السلام من بطن الحوت وإيمان قومه

    قال سبحانه: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ [الصافات:145]، أي: مريض، كالفرخ الوليد، لا ريش له، ومن رحمة الله عز وجل أنه أنبت عليه شجرةً من يقطين، شجرة الدبا، شجرة القرع، قالوا: ومن خصائصها أن الذباب لا يقع عليها، ظلها وارف، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [الصافات:146-148]. يذكر الله عز وجل يونس عليه السلام.

    وكثير من المؤرخين يقولون: إن يونس ليس من ذرية إبراهيم، ومعنى ذلك: أنه لم يكن بعد إبراهيم؛ لأن كل من جاء بعد إبراهيم هو من ذرية إبراهيم؛ لأن الله عز وجل قال: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [العنكبوت:27].

    وكلهم متفقون على أن يونس بعث إلى أهل نينوى -وهي قرية من قرى الموصل في العراق- وهذا ثابت في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حين أوى إلى بستان عتبة بن ربيعة بعد أن ضربه أهل الطائف فأدموه، فرق عليه عتبة و شيبة وعطفتهما الرحم، فقالا لخادمهما عداس : خذ قطفاً من عنب فاذهب به إلى ذلك الرجل، فذهب به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: باسم الله، لما أراد أن يأكل، فعجب عداس ، وقال له: ما سمعت أحداً من أهل هذه البلاد يقول بالذي قلت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أي بلد أنت؟ قال: من نينوى، قال: بلد العبد الصالح يونس بن متى، فقال له عداس : وما أعلمك ما يونس بن متى؟ فقال له: ذاك أخي نبي وأنا نبي، فأقبل عداس يقبل رأسه ويديه ورجليه صلوات ربي وسلامه عليه، فقال أحد الكافرين لأخيه: إن محمداً قد أفسد عليك غلامك )، يعني: نحن أحسنا إليه بالعنب وهو أفسده في دقائق معدودة.

    نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تفضيله على يونس بن متى

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان يثني على يونس فيقول: ( لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى )، قال أهل الحديث: قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام؛ لئلا يدب في نفس مؤمن شعور بانتقاص يونس، يعني: إذا قرأ هذه الآيات بأنه أبق وأنه ألقي في البحر، وأن الحوت التقمه وأنه نبذ بالعراء وهو سقيم، فلربما يشعر بعض الناس بشيء من الانتقاص لهذا النبي الكريم؛ ولذلك قطع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: ( لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى )، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه.

    ذكر لوط عليه السلام وعذاب الله لقومه

    قال الله عز وجل: وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً [الأنعام:86]، أما لوط عليه السلام فهو ابن أخي إبراهيم، وقد أرسله الله عز وجل إلى سدوم وما حولها من تلك القرى التي كان أهلها بنص القرآن فاسقين، وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [الأنبياء:74]، وبنص القرآن كذلك كانوا مسرفين وكانوا عادين، وكانوا يأتون فاحشة ما سبقهم إليها أحد من العالمين، وكانوا يأتونها على الملأ، جهاراً نهاراً، وقد قال لهم نبيهم: وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29]، فلما لم يستجيبوا له، وقالوا: أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56]، جعل الله عز وجل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، مسومة عند ربك للمسرفين.

    تفضيل كل نبي على أهل زمانه

    قال الله عز وجل: وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام:86]، (وكلاً)، التنوين هنا: للعوض، أي: وكل واحد من هؤلاء فضلنا على العالمين، يعني: عالم زمانهم، لا مطلق العالمين؛ بدليل أنه جاء من بعدهم من هو أفضل وأكرم على الله منهم، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    وهاهنا مسألة قال بها بعض أهل العلم، فقد استدل بهذه الآية على تفضيل الأنبياء على الملائكة، وهذه المسألة من فضول العلم، لا ينبغي أن نضيع وقتاً في بحثها، ولو أن أحدنا لقي الله وهو لم يبحث في هذه المسألة، ولم يعرف الأدلة فيها ما سأله الله هذا السؤال: هل الأنبياء أفضل أم الملائكة؟ بل إننا نؤمن بالأنبياء ونؤمن بالملائكة وندين الله عز وجل بحبهم، ولا نفرق بين أحد من رسله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم)

    قال الله عز وجل: وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:87].

    أي: من آباء هؤلاء المذكورين، ذكر الله عز وجل نوحاً ومن بعده، وأن الله عز وجل هدى بعض آبائه، فيشمل ذلك آدم وإدريس؛ لأن أهل التاريخ يزعمون بأن إدريس هو جد نوح عليه السلام، فهؤلاء الآباء مهتدون، وقد ذكر الله عز وجل في هذه الآية أنه هدى بعض الأصول وبعض الفروع وبعض الحواشي، الأصول كـآدم وإدريس، وأما الفروع فما أكثرهم من أبناء هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأما الحواشي فكإخوة يوسف عليه السلام، فهؤلاء جميعاً هداة مهتدون، قال الله عز وجل: وَمِنْ آبَائِهِمْ [الأنعام:87]، و(من) هنا للتبعيض، أي: وبعض آبائهم، وبعض إخوانهم، وبعض ذرياتهم.

    وَاجْتَبَيْنَاهُمْ [الأنعام:87]، الاجتباء: الاصطفاء والاختيار، اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ [الحج:75].

    وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:87]، الصراط هو: الطريق، والمستقيم هو: الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير يمدح عمر بن عبد العزيز رحمه الله:

    أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم

    ويبين الله عز وجل أن بعض هؤلاء الآباء والإخوان والأبناء كانوا على صراط مستقيم، وقد اختارهم الله عز وجل واصطفاهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ...)

    قال سبحانه: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

    (ذلك) إشارة إلى ما مضى في قوله سبحانه: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83]، إلى أن قال: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ [الأنعام:84]، وذكر أن هؤلاء الأنبياء محسنون، صالحون، مفضلون على العالمين، أي: على عالم زمانهم، قال سبحانه: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ [الأنعام:88]، أي: ذلك الذي مضى كله فضل منه ونعمة، قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران:73]، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [الأنعام:88]، يهدي الله عز وجل من يشاء ويضل من يشاء، لا يسأل عمَّا يفعل، يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [الأنعام:88]، قال سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

    والحبط أصله انتفاخ بطن الدابة إذا أكلت من العلف فوق طاقتها، وهو الذي يصحبه هلاك، فشبه الله عز وجل المشرك الذي يأتي بأعمال ظاهرها صلاح واستقامة بهذه الدابة التي تستكثر من العلف، وفي هذا العلف هلاكها، يقول الله عز وجل: هؤلاء الأنبياء على جلالة قدرهم وارتفاع مكانهم وعظيم منزلتهم عند ربهم، لو أنهم قارفوا الشرك فإن عملهم سيحبط، وحاشاهم، صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا المعنى ذكره ربنا في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    بطلان عمل المرتد

    يقول الله عز وجل: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

    أخذ من هذه الآية إمامنا مالك بن أنس رحمه الله حكماً فقهياً وهو أن المسلم -نعوذ بالله من الردة، ونسأل الله عز وجل إيماناً لا يرتد ونعيماً لا ينفد، ونسأله مرافقة نبيه صلى الله عليه وسلم في أعلى جنان الخلد- إذا ارتد فقد حبط عمله؛ ولذلك لو أنه حج ثم ارتد وجبت عليه حجة أخرى إذا تاب، ولو أنه توضأ ثم ارتد، فالإمام مالك جعل الردة من نواقض الوضوء فيجب عليه أن يتوضأ مرة أخرى، وكذلك لو أنه كان متزوجاً ثم ارتد فقد بطل نكاحه، مرةً قال: يبطل بفسخ، ومرةً قال: تكون طلقةً بائنة، ولا بد إذا رجع إلى الإسلام أن يجدد نكاحه؛ استدلالاً بهذه الآية: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، واستدلالاً بقوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، وأما الإمام الشافعي رحمه الله فقال: لا يحبط عمله إلا إذا مات على الكفر والعياذ بالله؛ لأن الله عز وجل قيد ذلك المطلق فقال: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217]؛ ولذلك قال: من ارتد ثم أسلم وكان قد حج أجزأته حجته، وإذا كان متوضئاً لا يلزمه أن يعيد وضوءه، وقس على ذلك.

    دليل من قال ببطلان عمل المرتد

    دليل الإمام مالك في بطلان عمل المرتد هذه الآيات المطلقة: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5]، ودليل الشافعي رحمه الله حمل المطلق على المقيد؛ لأن الله عز وجل قيد الإحباط بالموت على الكفر.

    أما المالكية رحمهم الله فيقولون: لا، قول ربنا جل جلاله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217]، هو من باب اللف والنشر المرتبين، واللف والنشر قد يكونا مرتبين وقد يكونا مفرقين، فقالوا: هاهنا جريمتان وعقوبتان، فالجريمة الأولى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ [البقرة:217]، والجريمة الثانية: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]، وأمامهما عقوبتان: العقوبة الأولى: فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [البقرة:217]، والعقوبة الثانية: وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217].

    وقالوا: كل جريمة أمامها عقوبة، وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [البقرة:217]؛ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ [البقرة:217]، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ [البقرة:217]؛ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217].

    وهذا يدل على سعة عقول هؤلاء العلماء رحمهم الله، ولكل دليله.

    أحوال حمل المطلق على المقيد

    وللفائدة: حمل المطلق على المقيد له أحوال ثلاثة:

    الأولى: أن يتحد الحكم والسبب، والثانية: أن يتحد الحكم ويختلف السبب، والثالثة: أن يتحد السبب ويختلف الحكم.

    أما إذا اتحد الحكم والسبب فلا خلاف بين أهل العلم في أنه يحمل المطلق على المقيد.

    وأما إذا اتحد الحكم واختلف السبب، ومثاله: كفارة القتل الخطأ: عتق رقبة، وكفارة اليمين: عتق رقبة، وكفارة الظهار: عتق رقبة، فالحكم واحد، لكن الأسباب مختلفة.

    قيد الله عز وجل الرقبة في كفارة القتل الخطأ بأن تكون مؤمنة، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وهناك في كفارة اليمين، قال: تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]ع، وفي كفارة الظهار، قال: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3]، فجمهور العلماء قالوا: يحمل المطلق على المقيد رغم اختلاف السبب.

    وأما إذا اتحد السبب واختلف الحكم، ومثاله قول الله عز وجل في كفارة الظهار: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة:2]، واحد قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، والناس لا يعرفون هذا الكلام الفصيح الآن، لكنهم يعرفون: أنت حرام مثل أمي، أو أختي، ويمكن أن يزيد عمته وخالته ومحبوبته!

    فهذا الذي قال هذا الكلام، قال الله عز وجل في عقوبته: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [المجادلة:3]، فقبل أن يرجع إلى إتيان زوجته يجب عليه أن يحرر رقبه، فمن لم يجد؟ قال الله عز وجل: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة:4]، كذلك من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فصيام الشهرين المتتابعين، قال الله عز وجل: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً [المجادلة:4]، ولم يقل: من قبل أن يتماسا، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ نعم، عند جمهور العلماء أيضاً يحمل المطلق على المقيد.

    فالشاهد هاهنا، أن الإمام مالك رحمه الله لا يحمل هذه الآية على تلك، بل يقول: مطلق الشرك محبط للعمل، قال الله عز وجل: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ...)

    يقول الله عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [الأنعام:89]، أي: أولئك الأنبياء المذكورون، صلوات الله وسلامه عليهم، آتاهم الله عز وجل، جنس الكتاب، فيصدق ذلك على صحف إبراهيم وعلى توراة موسى، وعلى إنجيل عيسى وعلى زبور داود، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ [الأنعام:89]، (الحكم) بمعنى: الحكمة، وهي: الفهم والعقل عن الله عز وجل.

    اشتقاق لفظ النبوة والقراءات فيها

    قال تعالى: وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [الأنعام:89].

    قرأ نافع رحمه الله بالهمز: والنبوءة، وكلمة النبوءة مشتقة من النبأ، ولا تقول العرب: نبأ، إلا على الخبر ذي البال، فلا تقول العرب: جاء نبأ عن حمار الحجام، أنه مات حمار الحجام مثلاً، فهذا ليس بنبأ، بل هذا خبر، والحمار يموت أو يعيش، فهذا خبر، لكن إذا كان خبراً عظيماً يسمونه: نبأ، فالنبيء سمي نبيئاً؛ لأنه منبأ من الله ولأنه منبئ للناس، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ:1-2].

    وأما على قراءة الياء: النبي، أو النبوة، بالواو، فهي مشتقة من النبوة، والنبوة هي: المكان المرتفع؛ لعلو منزلة الأنبياء وارتفاع مكانتهم عند الله عز وجل.

    المراد بالقوم في قوله تعالى: (فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين)

    قال سبحانه: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89]، من هؤلاء القوم؟ للمفسرين أقوال ثلاثة:

    القول الأول: بأن المقصود الأنبياء المذكورون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يقول الله عز وجل: فإن يكفر بها هؤلاء المجرمون، كـأبي جهل و أبي لهب ، فإن الله عز وجل جعل من عباده أناساً صالحين، طيبين قد وكلهم برسالته، وتبليغ دينه وقاموا بذلك خير قيام.

    القول الثاني: أن المراد بذلك خصوص المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، الذين تابعوا محمداً صلى الله عليه وسلم وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه.

    القول الثالث: بأن الآية تصدق على كل مؤمن موحد، وهذا هو أولى الأقوال بالصواب؛ لأنه يعم القولين السابقين.

    فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً [الأنعام:89]، أي: مؤمنين، موحدين، ليسوا بالكتاب والحكم والنبوة كافرين، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ...)

    ثم قال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90].

    (أولئك) الإشارة إلى الأنبياء الثمانية عشر المذكورين في الآيات السابقة. الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [الأنعام:90]، هنا أثبت ربنا جل جلاله أن هؤلاء الأنبياء هداة مهديون، ثم وجه الخطاب لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال: فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، (اقتده) فيها قراءات، قراءة الجمهور بهاء السكت وصلاً ووقفاً، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وقرأ بعضهم بهاء السكت وقفاً وبالكسرة وصلاً، وهم حمزة و الكسائي .

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، إذا وقف، أما إذا وصل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ ))، بكسرة من غير همز، وقرأ بعضهم بالكسرة اختلاساً، وصلاً ووقفاً، (اقتد)، وصلاً ووقفاً، وقرأ بعضهم بإشباع كسرة الهاء، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وهي قراءة ابن عامر رحمه الله. وكلها قراءات صحيحة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    دلالة أمر النبي صلى الله علي وسلم بالاقتداء بالأنبياء وهو أفضل منهم

    ولطالب العلم أن يسأل سؤالاً فيقول: أليس محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل النبيين؟! اللهم نعم! فكيف يؤمر الفاضل بأن يقتدي بالمفضول؟!

    والجواب: أن اقتداءه صلوات ربي وسلامه عليه بهؤلاء الأنبياء أدل أعلى ظهور فضيلته، وعظيم مكانته؛ لأنه عليه الصلاة والسلام حصل الهدى الذي حصله من كان قبله من الأنبياء، واقتدى بهم في جميل فعالهم ثم زاد عليهم؛ ولذلك قال بعضهم في قصة الإسراء: الله عز وجل أسرى بنبيه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السموات العلى؛ لأن بيت المقدس هو مهاجر الأنبياء قبله، فأراد الله عز وجل أن يجمع له أشتات الفضائل؛ لئلا يتميز عليه نبي من الأنبياء.

    دلالة الآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا

    قال الله عز وجل: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، استدل بهذه الآية جمهور العلماء القائلون: بأن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن الله أمر نبيه بأن يقتدي بالأنبياء، واستدلوا بقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف:111]، واستدلوا بقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات:137-138]، واستدلوا بالحديث الثابت في صحيح البخاري : أن مجاهد بن جبر قال لــعبد الله بن عباس : من أين أخذت سجدة (ص) في قول ربنا سبحانه: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص:24]، فقال له: لأن الله تعالى قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ [الأنعام:84]، وقال لنبيه: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وقد سجدها داود فسجدها محمد صلى الله عليه وسلم، وصلوات الله وسلامه على جميع النبيين.

    والإمام الشافعي رحمه الله قال: ليس شرع من قبلنا شرعاً لنا، استدلالاً بقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48].

    والتحقيق أن هذه المسألة طرفان ووسط:

    الطرف الأول: أجمع أهل العلم على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا دل شرعنا على أنه شرع لنا، كما في قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ [المائدة:45]، وهذا شرع لنا؛ ولذلك ( لما كسرت الربيع رضي الله عنها سن جارية، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: القصاص، القصاص، فقال أخوها أنس : يا رسول الله! أتكسر سن الربيع ؟ والله لا تكسر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أنس ! كتاب الله القصاص، وقرأ هذه الآية: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] )، مع أنها شرع من قبلنا، ( فقال أنس : والله لا تكسر، فرضي أولياء تلك الجارية بالدية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره ).

    ثانياً: أجمع أهل العلم على أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا في حالتين:

    الحالة الأولى: الإسرائيليات التي لم يقم دليل من شرعنا عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [العنكبوت:46] ).

    الحالة الثانية: إذا كان شرع من قبلنا قد جاء شرعنا بخلافه، مثال ذلك: الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، فبنو إسرائيل كانوا إذا وقع على ثوب أحدهم نجاسة لا بد أن يقطعه، فالجزء الذي تنجس يقطع، قال الله عز وجل في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، ومن الإصر الذي كان عليهم أن التوبة عندهم أن يقتل بعضهم بعضاً، قال تعالى: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]، أي: ليقتل بعضكم بعضاً، وفي ديننا والحمد لله رب العالمين، نذنب ثم نتوب ونستغفر فيما بيننا وبين ربنا، دون أن نفضح أنفسنا.

    والوسط المختلف فيه: إذا كان شرعاً لمن قبلنا ولم يأت في شرعنا ما يدل على أنه شرع لنا، ولم يأت في شرعنا ما يدل على أنه ليس شرعاً لنا، مثاله: الأخذ بالقرائن.

    فالمالكية رحمهم الله يقولون: إن القرينة إذا قويت ربما قامت مقام البينة، ويستدلون على ذلك بقصة يوسف: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ [يوسف:26]، إلى أن قال سبحانه: فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ [يوسف:28]، هنا العزيز حكم، فقال: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ [يوسف:28]، بأي شيء حكم؟ بالقميص، فهو ما كان شاهداً، ولا كان هناك شاهد، لكن القرينة قامت مقام البينة، لكن للأسف الرجل ما كان عنده غيرة، واكتفى بأن يقول: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنْ الْخَاطِئِينَ [يوسف:29].

    أيضاً مما قاله المالكية أخذاً من شرع من قبلنا: بأن القرينة إذا عارضتها قرينة أقوى منها أسقطتها، مثالها:

    لما جاء إخوة يوسف على قميصه بدم كذب، وهذه قرينة على أن الذئب أكله، هذه قرينة أنه دم يوسف، ويعقوب عليه السلام رجل نبي، والنبي ذكي، فتش القميص فوجده سليماً، فقال لهم: متى كان الذئب حليماً! يأكل يوسف ولا يمزق القميص؟ يعني هل يعقل أن الذئب فتح الأزرار وقلع القميص وفرشه، وبعدها بدأ يأكل؟! فهاهنا قرينة وجود الدم، لكن عارضتها قرينة أقوى وهي سلامة القميص.

    كذلك أخذ أهل العلم جواز الإجارة الطويلة، كأن يؤجر منك أحد الناس بيتاً أو حانوتاً لمدة عشرين سنة، فهل يجوز أم لا يجوز؟ يجوز، فمن أين أخذوا ذلك؟ من قصة موسى، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27]، وأخذوا الكفالة من قول يوسف عليه السلام: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف:72]، وغير ذلك.. وهناك أمثلة كثيرة أخذوها من شرع من قبلنا؛ استدلالاً بهذه الآية: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً [الأنعام:90]، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطلب من الناس أجراً، كشأن الأنبياء من قبله، يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ [هود:51]، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109]، وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29]، وكل الأنبياء كانوا كذلك صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام:90].

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم! وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.