إسلام ويب

معيشة أصحاب النبيللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عاش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حياة التقشف والزهد، وصبروا على ضيق ذات اليد وشظف العيش في سبيل الله عز وجل، فجعلهم الله خير أمة، واصطفاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فكانوا نعم أصحاب وخير أتباع. فعلينا أن نقتدي بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزهد وحسن الخلق، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتابعته، لنفلح كما أفلحوا دنيا وأخرى.

    1.   

    شرح حديث (شرب أهل الصفة من قدح لبن..)

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

    روى الإمام البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (والله الذي لا إله غيره، لقد رأيتُني أعتمد على كبدي من الجوع، ولقد وقفتُ في طريقهم يوماً فمر بي أبو بكر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعي، ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني، -وفي رواية قال: إلا رجاء أن يشبعني- فأجابني وانصرف، فمر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعي، ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني -وفي رواية: يشبعني- قال: فمر ولم يفعل، قال: حتى جاء أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم فنظر في وجهي فعرف ما بي، فتبسم وقال: أبا هر ! الحق بنا، قال: فانطلقت معه حتى دخل الدار مع بعض أصحابه فوجد قدحاً فيه لبن، فقال: من أين هذا؟ فقالوا: أهداه لك فلان الأنصاري، فقال: يا أبا هر ! الحق بأهل الصفة فادعهم يشركوننا في هذا اللبن، قال: فأحزنني ذلك؛ لأنني رجوت أن أشرب شربة أقيم بها صلبي، وما يفعل هذا اللبن في أهل الصفة، وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بُد، فانطلق أبو هريرة رضي الله عنه ودعا أهل الصفة، قال: وقد أحزنني أيضاً أنني دعوتهم فسأكون آخرهم شرباً، ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بُد، فانطلق فدعاهم فجاءوا فجلسوا، فوضع يده على الإناء وسمى الله تبارك وتعالى، ثم قال: أبا هر ! اسقهم، قال: فأعطيت الأول فشرب حتى رده، فأخذته فأعطيته الثاني، فشرب ورده، فأخذته فأعطيته الثالث.. وهكذا، حتى شربوا جميعاً واللبن كما هو، قال: فلما وصلت إليه صلى الله عليه وسلم نظر إلي وتبسم، وقال: أبا هر ! لم يبق إلا أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: أبا هر ! اقعد قال: فقعدت، قال: اشرب، فشربت، ثم قال: اشرب، فشربت، ثم قال: اشرب اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، فقال: أرني فسمى الله تبارك وتعالى، وشرب الفضلة).

    لقد بوب الإمام البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله: (باب معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم).

    قوة الإيمان خير من قوة الأبدان

    في الحقيقة أن هذا الجيل فريد، ولا أظن أن يتكرر هذا الجيل أبداً إلا أن يشاء الله رب العالمين.

    وهذه عاقبة الإخلاص، أي رجل يخلص لدعوته يرضى بالمر في سبيلها، الصحابة رضوان الله عليهم كانت السمة العامة لعيشهم هو الشظف، ومع ذلك بارك الله تبارك وتعالى لهم في أبدانهم وقوتهم.

    ربما أننا نأكل في المرة الواحدة من ألوان الطعام ما لم يأكله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره، ولا أقول: ربما، بل أقول: نحن نأكل طعاماً ما أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً، قالت عائشة رضي الله عنها: (لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع من خبز الشعير)، أما خبز البر الذي هو القمح الذي نأكله الآن فما رآه بعينيه، ولا أكله قط، ولا رأى منخلاً قط بعينيه، إنما كانوا يأتون بالشعير فيذرونه في الهواء، وما بقي كانوا يعجنونه على حاله ويأكلونه.

    هذا هو أكل النبي عليه الصلاة والسلام، وأكل أصحابه رضوان الله عليهم.

    طعام الصحابة في بدر وطعام الكفار

    في معركة بدر خرج أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يريدون عير قريش، فجمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، كانوا يقتسمون التمرات، لأنهم ما خرجوا لقتال حتى يتأهبوا ويأخذوا معهم الزاد، إنما هي حفنة تمر، وانطلقوا لكي أن يقطعوا على قريش الطريق ويغنموا العير ويرجعوا، ظنوها ساعةً من نهار، وعلى الجانب الآخر خرجت قريش تريد القتال، حتى لما أرسل أبو سفيان إلى مكة بعدما نجا قال لهم: ارجعوا فقد نجت العير ولا حاجة للخروج، لكن تعس قوم رأسهم أبو جهل، قال: لا والله لا بد أن نسير، حتى نرد بدراً فنشرب الخمر وتغنينا النساء، فيسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً.

    وانطلقوا إلى بدر، وكانوا يأكلون في اليوم الواحد عشرة من الجمال، في الوقت الذي كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقتسمون التمرة، ويعتقبون البعير، كل واحد يركب مرحلة، لأنهم لا يوجد عندهم ظهر، كل شخص يركب مثلاً نصف كيلو وينزل، وأخوه الثاني يركب نصف كيلو وهكذا، وغلب الذين كانوا يقسمون التمرات على الذين كانوا يأكلون عشرة من الجمال.

    يخطئ من يظن أن جودة الطعام هي السبب الرئيس في صحة البدن.

    لا. وإلا لمات الفقير.

    بل أنا أقول انظر إلى عامل البنيان الذي يصعد بالخرسانة المسلحة على كتفه، وانظر إلى ساكن القصر الذي قبل أن يأكل لا بد أن يأخذ الحبوب، ويأخذ الدواء، وهذا الرجل فقير، يأكل خبزاً ويأكل جبناً، وبعد أن يأكل يبدأ يمارس العمل الشاق طيلة النهار، الطعام الجيد الفاخر ليس هو السبب الوحيد أبداً في حياة البدن، وإلا لما مرض غني ولما عاش فقير.

    فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كانت هذه هي السمة العامة لهم، هل كانوا فقراء؟ لم يكونوا جميعاً كذلك، بل كان فيهم أغنياء، وكانت حياتهم أيضاً هي حياة الزهد.

    عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح كان صائماً، فقُرِّب إليه طعام، قال (مات مصعب بن عمير وهو أفضل مني، فلم نجد له بردة نكفنه بها، ومات حمزة وهو أفضل مني، ومات فلان وهو أفضل مني، فلا زال يبكي حتى ترك الطعام)، فـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه غناه مشهور، حتى أنهم ذكروا أن الذهب الذي كان يملكه كان يقطع بالفئوس من غناه، وكان إذا قبض قبضة من التراب وتاجر فيها ربح؛ لكن الزهد كان سمة هؤلاء.

    والفرق بين هذا الجيل الفريد وبين كثير من الأجيال التي جاءت من بعده، أن الدنيا كانت في أيديهم ولم تكن في قلوبهم، لذلك كان الواحد منهم مستعداً أن يضحي بالدنيا كلها في ساعة فداءٍ لله تبارك وتعالى، ولا يندم عليها، لذلك ما هزموا أبداً، وظلوا سادة حتى ماتوا.

    خلودُنا إلى الأرض، هو الذي صنع فينا هذا الذل، وجعلنا في هذا الموقع الذي لا ينبغي لأمة الإسلام أن تكون فيه.

    الفرق بين أصحاب يوشع بن نون وأعدائهم الجبارين

    في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ..) وهذا النبي هو يوشع بن نون عليه السلام، وكان خرج ليقاتل الجبارين، وقد قرأتُ في بعض الروايات الإسرائيلية أن هؤلاء الجبابرة كان طول أحدهم أكثر من ستين ذراعاً، وهذه الرواية فيها نكارة، لأن آدم عليه السلام أول مخلوق كان طوله ستين ذراعاً، قال عليه الصلاة والسلام: (فلا زال الخلق يتناقص إلى يوم القيامة).

    فنتصور أنه لا يوجد إنسان في الأرض أطول من آدم عليه السلام؛ لكن الرواية هكذا قالت أن طولهم كان طولاً شديداً، وقوم يوشع كان طولهم معتدلاً، لدرجة أن أحد قوم يوشع عليه السلام دخل بستاناً يتجسس على هؤلاء الجبارين، فأحد من هؤلاء الجبارين، يبدو أنه كان يجمع برتقالاً أو عنباً أو شيئاً من هذا، وجد هذا مختبئاً فوضعه في كمه ومضى به، فخُذ من هذه الرواية الفرق بين قوم يوشع وبين الجبارين، وحتى اسمهم (الجبابرة) يظهر منه مدى ضخامة أجسامهم وقوتهم. (فقال يوشع بن نون عليه السلام: لا يتبعني أحد ثلاثة نفر: لا يتبعني رجل بنى بامرأة ولما يدخل بها، ولا رجل رفع بيوتاً ولم يرم سُقُفها، ولا رجل له خلفات ينتظر نتاجها ...) لأن هؤلاء يُهْزَم المرء بهم، الرجل الذي عقد على المرأة ولما يدخل بها يتمنى أن يرجع حتى يبني بها، فلذلك إذا رأى بارقة السيوف هرب، لا ينتصر إلا الذي ودَّع الدنيا عندما يخرج، وأيقن أنه لن يعود، هذا هو الذي ينتصر، أما الذي يؤمل أن يعود فإنه كلما رأى بارقة السيوف هرب بجلده، لأنه يريد أن يعود حتى يتمم مراده الذي تركه.

    (ورجلٌ رفع بيوتاً)، أي: رفع الجدر ولا يزال السقف غير مكتمل فهو يتمنى أن يرجع ويكمل البيت لكي يسكن فيه، (ورجل له خلفات): التي هي الضأن أو المعز، (ينتظر نتاجها)، أي: عنده مثلاً مائة رأس ومنتظر أنها ستلد أيضاً مائة رأس، ويحلم أنه يكبر هذه التجارة.

    قال: لا يتبعني أحد من هؤلاء؛ لأن الذي يتمنى أن يعود أو يضع في حسبانه أن يعود لا ينتصر، وهنا كلمة نسبت مرة إلى أبي بكر الصديق ومرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كان يحصل نوع من المكاتبات بينه وبين عدوه كان يقول لهم: لقد جئتك برجال يحرصون على الموت حرصكم على الحياة، أنت ماذا تفعل به إذا أراد الموت، إن انتصر وغلبك كان سيداً في الأرض، وإن قتلته فاز بمراده، فما تفعل برجل ينتظر إحدى الحسنيين؛ لذلك كانوا يرهبونهم وهم في مكانهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، أي: يكون بيني وبين عدوي مسيرة شهر على الأقدام وهو مرعوب مني، وأنا لم أتحرك من مكاني.

    فالإخلاد إلى الدنيا هو سبب هذا الوهن الذي دب إلينا.

    فيوشع بن نون عليه السلام انطلق بالجيش ووصل القرية -كما في رواية الحاكم - يوم الجمعة، وبدأ القتال عصر يوم الجمعة، وأولئك جبارون، وهؤلاء بالنسبة للجبارين أقزام، لكن القوة هي قوة القلب، ليست قوة البدن، لو تجمع قلبك قوي ساعدك، ولو تفكك قلبك ذهبت قوتك، ولذلك أنت تجد إنساناً أول ما يخاف تنفلت أعصابه وتنهار قواه، طالما قلبه تفتت انتهت قوته، إنما الإنسان إذا تجمع قلبه قوي ساعده، والمؤمن قلبه بيد الله عز وجل، فلا يخاف الموت؛ لأنه يتمناه، لذلك ما كانوا يضعفون أبداً.

    هؤلاء -الذين يعتبرون أقزاماً بالنسبة للجبابرة- ظلوا يقاتلونهم قتالاً شديداً حتى غربت الشمس، وكادوا أن يدخلوا البلد، أي: أنهم هزموا الجبارين، ولكن ما زالوا يقاتلون فلول الجبارين الأخيرة، فلو أن الشمس غربت يكون قد ذهب جهادهم كله، ومن الممكن أن يبدءوا الجهاد من اليوم التالي، ومن الممكن ألا يضمنوا النتائج، (فالتفت يوشع عليه السلام إلى الشمس وقال: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم ردها علينا، فرجعت الشمس كما كانت، فلا زال يقاتل حتى فتح له).

    فنحن نفهم من هذا أن الدنيا إذا كانت في القلب فهو الخور، والضعف الحقيقي، أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما كانوا كذلك، كانت الدنيا في أيديهم، وكانوا سادة الأرض، ما كان هناك في الدنيا أمة أعز من هذه الأمة؛ لكن لم تكن الدنيا في قلوبهم، كثير من الأجيال التي أتت بعد ذلك الدنيا ليست في أيديهم فقط، بل في قلوبهم، وهذه من المصائب، ليتها إذ حلت في قلوبهم كانت في أيديهم، لكن حلت في قلوبهم وليس في أيديهم منها شيء.

    1.   

    زهد الصحابة في الدنيا وحسن أخلاقهم

    كان زهد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في الدنيا، أما القلب فهو خالٍِ تماماً منها، إلا ما شاء الله تبارك وتعالى من ما لا يكاد ينجو منه بشر.

    حقيقة الزهد أن يزهد المرء بعد الوجدان، كما قال القائل: ليس الزاهد هو الذي لا يجد شيئاً، إنما الزاهد من وجد فزهد؛ لأن الذي لا يجد شيئاً فهو زاهد رغماً عنه؛ لأنه لا يوجد في يده شيء حتى يزهد فيه، إنما الزهد الذي يجد ثم يترك.

    فصحابة النبي عليه الصلاة والسلام لم يكونوا جميعاً فقراء، إنما كانوا من الزاهدين العابدين.

    أبو هريرة رضي الله عنه يحكي موقفاً، وأبو هريرة له مواقف كثيرة، وكل صحابي له مواقف كثيرة، لكن هذا موقف وقع لـأبي هريرة رضي الله عنه، فيصدِّره بالقسم لأن الصورة التي يحكيها صورة عجيبة يقول: (والله الذي لا إله غيره، لقد كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، حتى كنت أُصْرَع بين المنبر والحجرة، فيجيء الجائي فيظن أن بي جنوناً وما بي جنون، ما بي إلا الجوع ...)، رجل جائع إلى درجة أنه يُصرع ويعتمد على الأرض بكبده، أي: لا يستطيع أن يمشي على قدميه، إنما يزحف زحفاً، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يربط الأحجار على بطنه ويشده بالحبل، لأن هذا يخفف ألم الجوع.

    عزة النفس عند الصحابة

    فـأبو هريرة لم يستطيع أن يمشي على قدميه، بل كان يمشي زحفاً من الجوع، فلأنه كريم وعزيز النفس، كأنه استحيا أن يقول لواحد من الصحابة: خذني أتغدى معك، فاحتال حيلة، والكريم يفضل أن يموت ولا يريق ماء وجهه، كما قال الشافعي رحمه الله وهو يصور الإنسان الكريم قال:

    لَقَلْعُ ضرسِ وضَربُ حبسِ

    ونزعُ نفسِ وردُّ أمسِ

    ***

    وقَرُّ بردِ وقودُ فردِ

    ودبغُ جلدِ بغير شمسِ

    ***

    ونفخُ نارِ وحملُ عارِ

    وبيعُ دارِ بربع فلسِ

    ***

    كل هذا

    أهون من وقفة حرٍّ

    يرجو نوالاً بباب نحسِ

    الأشياء التي ذكرها الشافعي منها مستحيل، كرد أمس، وهو أن يُرجع يوم أمس مرة أخرى، ومنها أن يدبغ الجلد بغير شمس، وهذا لا يكون أبداً، ومنها أن يبيع داره بربع فلس، فهو يقول: إن الإنسان لو ارتكب كل هذه الأشياء، فإنه أهون من أن يقف على باب لئيم يطلب عطاءً؛ لأن عنده من حرارة النفس والعزة ما يمنعه أن يقف على باب لئيم.

    فـأبو هريرة رضي الله عنه احتال حيلة يحصل بها مقصوده ويحفظ بها ماء وجهه، فصلى الصحابة الفرض، فخرج قبلهم جميعاً وسبقهم ووقف على الطريق، فمر أبو بكر الصديق قال: (... فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعي ...) يعني: أنا لا أجهلها، بل أحفظها وأعلم تأويلها؛ لكن سأله لعله يقول له: تعال معي نتغدى، والذي جعل أبا هريرة يفعل هذا أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن أبو هريرة يسأله قط، إلا يقول له: لا أجيبك حتى نتغدى، فقال: إذاً نسلك هذا السبيل، وأبو بكر الصديق خير الناس بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأمَّل فيه أنه لو سأله السؤال سيقول له: تعال نتمشى، فإذا وصل معه إلى باب البيت فغير ممكن أن يقول له: مع السلامة، سيقول له: تفضل! فمجرد أن يقول: تفضل يكون الرجل داخلاً بكرامته، فقال: (... فأجابني وانصرف ...).

    قال: (فجاء عمر ، فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعِي، رجاء أن يستتبعني -وفي الرواية الأخرى:- رجاء أن يشبعني، قال: فأجابني وانصرف).

    ملاحظة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه

    (قال: حتى مر أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم، قال: فلما رآني عرف ما بي فتبسم)، وهذا من حسن خلقه عليه الصلاة والسلام، الإنسان المدهوش يستحب لك أن تلاطفه وتبش في وجهه، إذا رأيت إنساناً مكروباً فاضحك في وجهه حتى يزول ما عنده من الوحشة، وبعد ذلك سله، فمثلاً: إنسان جاء فابدأ ضيفه ولاطفه، ثم قل له: خيراً! ماذا تريد؟

    فالنبي عليه الصلاة والسلام أول ما رآه عرفه، والإنسان الجائع يظهر عليه أثر الجوع مباشرة، فرجل يعتمد على كبده من الجوع ويزحف على الأرض، فهذا واضح أنه هزيل لا يستطيع أن يقوم.

    وقد كان أبو هريرة ليس له صنعة، كان يقول: كنت أمشي مع النبي عليه الصلاة والسلام على ملء بطني، لأنه فقير، وكان من أهل الصفة، فأول ما رآه النبي عليه الصلاة والسلام تبسم، قال: (فتبسم وعرف ما بي، فقال: أبا هر ! الحق بنا)، ومن حسن خلقه عليه الصلاة والسلام أيضاً أن يرخم اسم أبي هريرة، وذلك أن الترخيم يكون فيه نوع من الملاطفة، فعندما ترخم اسم شخص، مثلاً شخص اسمه محمد فتقول له: (يا أبو حِمِيد) أو أشياء من هذا القبيل فهذه ملاطفة، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يرخم بعض الأسماء، وهذا الترخيم يدل على الملاطفة، أي: أن بينه وبينه وُدّاً لدرجة أنه يرخم اسمه، ولا يوجد بينهما احتشام ولا حاجز ولا شيء من هذا، ووجدنا النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يرخم في باب اللطف، والترخيم هو حذف جزء من الاسم.

    ومثله حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم قالت: (كنت نائمة، فدخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، ففتح الباب رويداً رويداً -أي: بهدوء شديد-، ومشى على أطراف أصابعه رويداً رويداً، وحمل نعله في يده، ووضع جنبه على الفراش رويداً رويداً) هي كانت تنظر هذا من تحت اللحاف، وهو يظنها نائمة، (فما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش حتى قام فأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق، قالت: فقمت فتقنعت إزاري وانطلقت وراءه) وذلك لتنظر أين يذهب، فهي امرأة عندها غيرة شديدة، فظنت أنه ذاهب إلى أم سلمة أو أم حبيبة ، فانطلقت وراءه، فاستمرت تمشي وراءه حتى ذهب إلى البقيع، فرفع يديه ثلاثاً يرفعها ويخفضها، ثم انحرف راجعاً إلى البيت قالت: فانحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -أي مشي بطيئاً- فأحضرت وسبقته، أول ما وصلت الحجرة دخلت تحت اللحاف، فهذه امرأة تجري، فكان من تتابع النَّفَس وتلاحقه أن بطنها يرتفع وينخفض، فأول ما دخل وجد اللحاف يرتفع وينخفض، فقال: ما لك يا عائش هذا هو الترخيم، فحذف بعض الاسم: (ما لك يا عائش حشيا رابية) أي: هل عندك مرض صدري، لأنه تركها مستريحة، وهذا ليس منظر امرأة نائمة، قالت: (لا شيء، قال لها: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ -وذكرت له ما حدث- قالت: فلهزني في صدري لهزةً أوجعتني، وقال: أظننتِ أن يحيف عليك الله ورسوله -أي: بأن تكون الليلة لك وأذهب لغيرك- إن جبريل أتاني فناداني، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك، فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، وكرهت أن أوقظك فتستوحشي، فقال: إن ربكَ يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم ..) إلى آخر الحديث.

    فانظر اللطف، لما رأى بطنها يرتفع وينخفض قال: (مالك يا عائش !)، الترخيم يدل على اللطف، كذلك كان يقول لـأسامة بن زيد : (يا أسيد) ترخيم، وأسامة بن زيد هو الحب ابن الحب، وكان محبوباً عند الرسول عليه الصلاة والسلام، فالترخيم يعرف إذا كان للطف أو للتقريع من سياق الكلام، كما يقول العلماء: إن السياق من المقيِّدات.

    فمثلاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، قال: (يُجاء برجل فيقول الله تبارك وتعالى له: أيْ فُل!) (فُلْ) ترخيم: (يا فلان)، فهذا ترخيم، لكن هذا الترخيم استهزاء واحتقار، ونحن عرفنا أنه ترخيم استهزاء واحتقار، لأن دلالة الكلام تدل عليه قال: (أي فُلْ! ألم أذَرْك ترأس وتربع)، (تربع) كان أهل الجاهلية إذا أغاروا على قوم أخذوا ربع ما غنموا وأعطوه لكبير الحي يضيف به الضيفان، ويقوم به على النائبات، فالمعنى: كنت تأخذ المرباع وأنت جالس في بيتك، (ألم أذَرْك ترأس)، -أي: تكون رأساً قال: (وأزوجك من النساء، وأركبك من الخيل والإبل، فأين شكرك؟! قال: رب نسيت، قال: فاليوم أنساك).

    فواضح من السياق أن قوله: (أيْ فُلْ) ترخيم إهانة وتقريع، كما قال تبارك وتعالى لأحد الكافرين: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:49]، ومعروف أن عبارة (العزيز الكريم) لا تكون عادةً بهذا اللفظ إلا للإكرام والعزة، فهذا السياق دل على أن عبارة (العزيز الكريم) ليس المقصود بها الإكرام، بل المقصود بها الإهانة، وهكذا.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام لما وجد ما عند أبي هريرة من الجوع والشحوب على وجهه، أولاً: تبسم حتى يزيل ما عنده من الكآبة، ثم رخم اسمه لمزيد من اللطف، قال: (أبا هر ! الحق بنا) فـأبو هريرة بالنسبة له هذه هي الغنيمة الباردة، هذا الذي كان يريد، فانطلق خلف النبي عليه الصلاة والسلام، فلما دخل وجد إناءَ لبن، قال: (من أين هذا؟)، وفي هذا دليل على استحباب أن يتفقد الرجل بيته، فلا يدخل فيلقى جهازاً كبيراً يخرق العين، ثم يمر عليه كأن أحداً لم يأت بجهاز، فمن الممكن أن يكون ولده سرق، فلا بد أول ما يدخل أن يتفقد كل شيء في بيته، أي شيء هو لم يستجلبه يقول: من أين هذا؟ ويتفقد، فلعل ولده سرقه أو نحو ذلك.

    كرم الصحابة وسخاء نفوسهم

    كان النبي عليه الصلاة والسلام من عادته أول ما يدخل البيت أن يتفقد بيته ويتفقد مواضع الخير في بيته، كما أمر عائشة رضي الله عنها أن توزع الأضحية.

    فـعائشة رضي الله عنها من الخير الذي عندها وهي توزع نسيت أن تبقي لنفسها شيئاً من الأضحية، لتأكله مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى ذكَّرَتها الجارية، فبقي من الضأن أو الماعز الرجلان الأماميتان -اليدان- فقط، فالنبي عليه الصلاة والسلام أول ما دخل البيت قال: (ما فعلت في الأضحية؟) يسأل ويتفقد مواضع الخير في بيته، ولذلك أول ما يدخل الإنسان لا يسأل امرأته: أجهزتِ الغداء؟ بل يسأل: أصليتِ الظهر؟ أصيلتِ العصر؟ والأولاد: أصلوا؟

    فأول ما دخل عليه الصلاة والسلام قال: (ما فعلت -أي: في الأضحية-، فقالت: يا رسول الله! ذهبت كلُّها إلا ذراعُها، فقال عليه الصلاة والسلام -قول الرجل الذي ينظر إلى الآخرة-: بل بقيت كلُّها إلا ذراعُها) أي: بقيت عند الله تبارك وتعالى؛ لأنها خرجت صدقة، فلما دخل عليه الصلاة والسلام وجد الإناء، فقال: (من أين؟ قالت: أهداه لك فلان الأنصاري).

    وكان عليه الصلاة والسلام من عادته أنه إذا جاءته صدقة أرسلها كلها إلى أهل الصفة ولم يرْزَأهم شيئاً، فإذا جاءته هدية أرسل إليهم يشركهم فيها، وكان هذا من رأفته عليه الصلاة والسلام بأصحابه، فأهل الصفة تركوا ديارهم واغتربوا في سبيل الله، فكان يأكل معهم، إذا جاءت هدية أشركهم فيها، وإذا جاءت صدقة ذهب بها إليهم كلها، وما يرْزَأهم شيئاً؛ لأن الصدقة محرمة عليه -عليه الصلاة والسلام-.

    وأيضاً من الأمثلة على لطفه عليه الصلاة والسلام، وأنه كان يحب أن يُشْرِك الأمة معه في ذلك، ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في غزوة الأحزاب، في حفر الخندق، قال جابر رضي الله عنه: (مرت بنا ثلاثة أيام ونحن نحفر الخندق، ما ذقنا فيها ذواقاً، قال: فاعترضتنا كُدْية عظيمة لا تعمل فيها المعاول) أي: صخرة ضخمة، يكسرون فيها، ولم تنكسر، قال: (فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوجدته قد ربط الحجر على بطنه من الجوع ...) كان النبي قدوة، أنا عندما أرى الرسول عليه الصلاة والسلام أو أرى قائدي يربط الحجر على بطنه من الجوع فأنى أنسى الجوع؛ لكن إذا كنت أراه يأكل ويتغدى ويرمي اللحم خارجاً، وأنا رجل أعاني شظف العيش، وبعد ذلك يقوم خطيباً ويقول لي: التقشف وشد الحزام، هذا الرجل كاذب، قد أكون جباناً لا أستطيع أن أقول له: أنت كاذب؛ لكن أنا في قرارة قلبي أعلم أنه كاذب، فتقل القدوة به، ومهما يأمر ويتكلم فأنا لن أسمع، لأنه كاذب يعيش في نعيم وأنا أعاني الضنك؛ لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان أول جائع فيهم.

    فوجده جابر رابطاً على بطنه الحجر من الجوع، فقال: (يا رسول الله! كُدْية عظيمة لا تعمل فيها المعاول، قال: فقام وأعرفُ الجوع في وجهه، فأمسك المعول، وقال: باسم الله، وضربها، فصارت كثيباً أهيل -صارت رملاً- فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أذهب البيت، فأذن له، فذهب إلى امرأته، وقال لها: لقد رأيتُ شيئاً آنفاً ما لي عليه صبر، رأيت الجوع بوجه النبي صلى الله عليه وسلم، فما عندك من الطعام؟) أرجو أن تستحضر أن جابراً أيضاً جائع، ظل ثلاثة أيام ما عنده طعام، فكان من المتصور أن ينسى جوع غيره لجوع نفسه، لكن المحب ينسى جوع نفسه لجوع من يحب، لذلك قال: رأيت شيئاً ما لي عليه صبر، ماذا عندك؟ (قالت: عناق -شاة أو ماعز صغيرة- وصاع من شعير، فقال: اذبحي العناق واعجني، فقالت له: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه) تعني: لا تذهب وتحضرهم كلهم؛ لأنه ليس ثَمَّ طعام عندي.

    فأخذ جابر الوصية وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهمس في أذنه: عندنا عناق، وصاع من شعير، أي: تعال وبعض أصحابك، قال جابر : فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يصيح: يا أهل الخندق! قد صنع لكم جابر طعاماً، قال جابر : فأدركني من الحياء ما لا يعلمه إلا الله؛ رجل دعا أناساً إلى الطعام وليس عندهم طعام، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: اذهب فقل لهم: أن يضعوا اللحم على النار، ولا يخبزوا حتى أجيء، وجاء بأهل الخندق جميعاً وانطلق إلى البيت، فأول ما سمعت امرأة جابر وقع الأقدام ورأت هذا العدد الكبير، قالت له: بِكَ وبِكَ! تلومه وتعنفه، ماذا يأكلون؟! أنا قلت لك، ونبهت عليك، قال: قد قلتُ الذي قلتِ لي، قالت: أوَعَلِم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلتُه لك؟ قال: نعم، قالت: فرسول الله أعلم، قال: فَسَرَّتْ عني، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال: أين البُرْمة -التي فيها اللحم-؟ فجِيْء بها، فبصق فيها وبارك. أين العجين؟ فِجيْء به، فبصق فيه وبارك، قال جابر : فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تحولوا وتركوه، وكانوا ألف رجل، وإن البرمة لتغط باللحم كما هو، وإن العجين ليُخْبَز كما هو.

    فانظر .. من رأفته عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يستأثر بالأكل وهو عارف أن الذين يحفرون الخندق جوعى، حتى صاح فيهم: (لقد صنع لكم جابر طعاماً) مهما كان الشيء قليلاً، لكن المواساة به جيدة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: (خير الصدقة جهد المقل)، إذا كنت محتاجاً لهذا الدينار الذي تتصدق به، فهذا أفضل الصدقة، لأنك وقيت شح نفسك، رأيت غيرك أولى منك، فهذا أفضل الصدقة، جهد المقل.

    موقف أبي هريرة مع قدح اللبن وأهل الصفة

    فـأبو هريرة رضي الله عنه أول ما دخل وجد كوب اللبن فاستبشر، قال: إذاً: سنشرب؛ لكن تبددت فرحته عندما قال له: (أبا هر ! الحق بأهل الصفة يشركوننا في هذا اللبن) هو كوب! وأهل الصفة كانوا أربعمائة رجل تقريباً، يعني: لو أن كلَّ واحدٍ شَمَّهُ شَمَّةً لانتهى، وأبو هريرة جائع ويريد أن يشرب- قال: فأحزنني ذلك؛ لأنني كنت أريد أن أشرب شربةً أتقوى بها، وما يفعل هذا اللبن في أهل الصفة ثم شيء آخر أحزنه، وهو أنه طالما أنه دعاهم فهو الذي سيسقيهم، و(ساقي القوم آخرهم شرباً)، إذاً: لن يجد لبناً، لكنه قال: (ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بُد) أي: فلو مات من الجوع لا بد أن يسمع ويطيع، فذهب فدعاهم، فأقبلوا وجلسوا جميعاً، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أبا هر ! اسقهم) وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام وضع يده عليه وسمى الله تبارك وتعالى، وأعطاه لـأبي هريرة ، وأبو هريرة أمسك الكوب ليعطيه لواحد يشرب حتى يروي ظمأه، واللبنُ كما هو لم ينقص، فيأخذه أبو هريرة ويعطيه للآخر فيشرب، فيأخذه منه ويعطيه للثالث ...

    وفي هذا دليل على أنه ليس من المروءة استخدام الضيف، فـأبو هريرة لم يترك كلَّ أحد يناول أخاه، بل كان يأخذ ويعطي بنفسه، فليس من المروءة إذا جاءك ضيف أن تقول: يَدُك يا شيخ، خذ معي هذا الكرسي، وضعه هنا، أو تنتظر حتى يأتيك أضياف لتغير وضع البيت، فتنقل الدولاب هنا، والسرير هنا، وتستغل الأضياف، فهذا ليس من المروءة بل الضيف ضيف، يأتي عزيزاً ويأتي مكرماً، ويجلس ولا يفعل شيئاً.

    قال أبو هريرة : (... فشربوا جميعاً حتى وَصَلْتُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فنظر إلي وتبسم) الرسول عليه الصلاة والسلام كان عارفاً أن أبا هريرة حزين، وكان يعلم أنه يهجس في نفس أبي هريرة أنه لن يجد لبناً، لذلك بعدما انتهى أبو هريرة من إعطاء اللبن لأهل الصفة، نظر إليه وتبسم. (وقال: أبا هر ! لم يبقَ إلا أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله! قال: أبا هر ! اقعد)، وفي هذا دليل على مشروعية الشرب قاعداً، والخلاف بين العلماء في المسألة معروف، والجماهير على جواز الشرب قائماً، لكنهم يفضلون القعود.

    وهنا لطيفة أذكرها: كان الإمام الكسائي إمام اللغة المشهور وأحد القراء السبعة من أصحاب القراءات المتواترة، واسمه: علي بن أحمد - مرة داخلاً على هارون الرشيد ، وكان هارون متكئاً، فدخل عليه الكسائي فقال له هارون : اجلس، فقال له: بل (اقعد) يا أمير المؤمنين! يعني الصواب أن تقول: اقعد، لا أن تقول: اجلس، فقال له: وما الفرق بينهما؟ قال: الجلوس يكون من اتكاء، والقعود يكون من قيام.

    وهذا أغلب استخدامات العرب، ولا مانع أن يوضع هذا مكان ذاك؛ ومن الممكن أن يوضع الجلوس مكان القعود؛ لكن أغلب استخدامات العرب إذا كان الشخص واقفاً أن يقولوا له: اقعد، وإذا كان الرجل متكئاً يقولون له: اجلس.

    وحديث أبي بكرة لما كان الرسول عليه الصلاة والسلام متكئاً فجلس قال: (ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور)، كان متكئاً فجلس.

    وحديث ابن عباس في الصحيحين لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه شهراً، فدخل عمر بن الخطاب ، فقال: (لم أرَ في البيت شيئاً يردُّ البصر، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فإنه وسَّع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، قال: وكان متكئاً فجلس ...).

    فـأبو هريرة واقف، قال: (... أبا هر ! اقعد. قال: فقعدت، قال: اشرب، فشربت. اشرب، اشرب، اشرب، ظل يقول له: اشرب حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً ...) وفي هذا دليل على جواز أن يأكل المرء حتى يشبع؛ لكن القدر المستحب أن يقسم معدته ثلاثة أثلاث، لا أن يملأ الثلاثة أثلاث أكلاً. بل يترك لنَفَسِه الثلث، وثلثاً لشرابه.

    فهنا حين يقول: (... والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً) يدل على أنه ملأ بطنه إلى الأخير، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر عليه، وهذا هو الدليل؛ وهو إقرار النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: (أرني، قال: فأعطيته الإناء، فسمى الله وشرب الفضلة).

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    والحمد لله رب العالمين.