إسلام ويب

قصة البقرةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة البقرة.. سورة ذات شأن، وهي أطول سور القرآن ومن أكثرها أحكاماً، وفي تسميتها بهذا الاسم إشارةً إلى ضرورة النظر في القصة الواردة فيها، ومن خلال هذه القصة يتبين لنا استهزاء يهود بني إسرائيل بنبيهم، وإساءة أدبهم مع الله سبحانه وتعالى، وتعنتهم وتكلفهم في الأوامر التي أمروا بها، وهذه القصة من جملة القصص التي قصها الله تعالى للعظة والاعتبار..

    1.   

    أهمية سورة البقرة وسبب تسميتها بذلك

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    فقصة البقرة.. قصة ذات شأن، وسورة البقرة هي أطول سور القرآن وأكثرها أحكاماً، ومع ذلك جعل عنوانها البقرة، إشارة إلى القصة المذكورة فيها، والعناوين أنساب المضامين، كما أن العناوين أنساب الكتب، وكما أن النسب معتبر عند بني آدم، فكذلك العنوان معتبر في المضمون، أن عنونة هذه السورة الطويلة بالبقرة إشارة إلى ضرورة النظر في القصة، وهي كما ذكرت قصة ذات شأن وكلنا يعلمها، لكن أريد أن نقف على بعض جوانبها، لنفهم حقيقة الصراع الدائر بين المسلمين والكافرين.

    1.   

    قصة بني إسرائيل مع البقرة التي أمروا بذبحها

    قصة البقرة.. هي قصة تتعلق ببني إسرائيل -باليهود على وجه الخصوص- قتل قتيل منهم فاحتاروا من الذي قتله فذهبوا إلى نبي الله موسى عليه السلام ليسألوه عن قاتل هذا القتيل، فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، وواضح أنه لا علاقة بين السؤال والجواب في الظاهر، فاعترض بنو إسرائيل لهذا الجهل، وهذا الفارق بين السؤال والجواب، وكان المفترض وهم يخاطبون نبياً ينقل عن الله صراحة لا ينقل عن رأيه أن يسلموا حتى وإن لم يعلموا الحكمة من الخطاب، فإذا صح نسبة خطاب إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز لأحد قط أن يعترض على كلام ينسب إلى الله ورسوله، بدعوى الجهل به، وأنه لا علاقة بين السؤال والجواب، هذا غلو وتنطع يعاقب الله عز وجل عليه، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) أي لما سألوه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) تواضع فنسب الأمر إلى الله، ما قال: أنا آمركم أن تذبحوا بقرة، وحتى لو قال هذه العبارة لوجب أن يمتثلوا طالما أنه نبي مرسل من عند الله، كما أن في نسبة الكلام والأمر إلى الله قداسة.

    فـكعب بن مالك لما تخلف في غزوة تبوك، وتاب الله عليه وأنزل توبته، جاء كعب بن مالك فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أبشر بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس منذ ولدتك أمك، قال: يا رسول الله! أهذا من الله أم منك؟ فقال: من الله، فقال كعب بن مالك : إذاً لا معقب لحكمه) ، بمعنى أنه أكثر تثبيتاً للفؤاد وليس تشتيتاً، وليس هناك فرق بين ما يأتي من عند الله وما يأتي من عند النبي عليه الصلاة والسلام، إنما إذا جاء من عند الله مباشرة يسكن القلب مباشرة.

    وكذلك عائشة رضي الله عنها، لما ابتليت في حديث الإفك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أبشري يا عائشة ! قالت أم رومان : قومي إليه فاحمديه، قالت: والله! لا أحمده ولا أحمد إلا الله، وفي بعض طرق الحديث أنها قالت: أمنك أم من الله؟)

    فإذا قال موسى عليه السلام: إن الله يأمركم وجب عليهم التنفيذ، ومن المعلوم أن الأمر المجرد من الله عز وجل يفيد الوجوب، والوجوب هو طلب الفعل من المكلف على سبيل الإلزام ليس له فيه اختيار، فإذا قيل: افعل.. يجب أن يفعل، ليس هناك حل آخر، وهذا معنى الأمر، إذا جاء الفعل بصيغة الأمر أفاد الوجوب ابتداءً: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، إذاً واضح أنه مبلغ عن الله، وواضح أنه جاء بأمر ليس لهم فيه اختيار: قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [البقرة:67] مع أن الكلام واضح أن الأمر من عند الله، قالوا: أتهزأ بنا وتسخر منا، وهذا سوء أدب؛ أن يعلم أن الأمر من الله ثم يرد هذا الأمر، ومعلوم أن الذي يستهزئ بالله عز وجل كافر.

    نقل إسحاق بن راهويه إجماع أهل العلم أن من سب الله كفر، ومن سب دينه كفر، ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم كفر كفراً مجرداً عن الإيمان، لا يوجد كفر دون كفر في هذه المسائل الثلاثة، يكفر بمجرد ما يسب يخرج من الملة فوراً وتترتب عليه كل أحكام المرتد، فيفرق بينه وبين امرأته، ولا يدفع عنه الحكم أن يقول: أنا كنت غضبان، ولا مغلوباً على عقلي، لأنه المعروف أن السب يعني تنقيص، ولا يسب ربه رجل فيه خير، وتوقير الله عز وجل لا يحتاج إلى علم، حتى يقال: أنا كنت جاهل، جاهل بقدر ربك، هذا كفر مجرد.

    فكأنهم ينسبون موسى إلى الكفر، وينسبونه إلى الاستهزاء بالله عز وجل، وهو يصرح ويقول (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)، فيقولون: أتتخذنا هزواً، كأنما قالوا: أنت تهزأ بنا، ونقلك عن الله غير صحيح، هذا معنى أتتخذنا هزواً، فرد عليهم رداً رفيقاً، رغم بشاعة ما قالوا في حقه من نسبته إلى الاستهزاء بأحكام الله، قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67].. رد رفيق ورقيق، وهكذا ينبغي عليك إذا رأيت جاهلاً أن لا تساويه في جهله فتكون جاهلاً مثله، رجل يسب لا تقل له اتق الله، لأنك إذا ذكرته بالله في غمرة الغضب سب الله، إنما سكنه ولا تقل له اتق الله، فإذا كان هائجاً والرجل يسب ويُرَجِّع في الكلام، ما هو المانع في غمرة الغضب أن يفعل ذلك، لا تعرض ربك للسب.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن من يلعن والديه، قالوا: يا رسول الله! أو يلعن أحدنا والديه؟ قال: نعم. يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه..) رجل يسب رجلاً فالرجل يسب أباه وأمه كأنما هو الذي سبه لأنه هو الذي جره إلى ذلك، وقد قال الله عز وجل لنا مؤدباً وناهياً وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]، وأنت عندما تسب حجراً أو شجراً أو خشباً، ما هو قيمة الخشب؟ سيرد عليك عابد الحجر بسب ربك، فلا تسب الأصنام، لماذا؟ لأنهم عندما يسبون رب العالمين يرتكبون جرماً عظيماً، بخلاف ما إذا أنت سببت حجراً أو شجراً أو مدراً أو أي معبود من دون الله عز وجل.

    بل بلغ الأمر أكثر من ذلك، فقد عزر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجلد رجلاً قال والله ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.. جلده حد القاذف، وقال: نفيك عنهم الزنا وكونك تقول ذلك فيه إشعار إلى أنه زانٍ أو ممكن أن يزني، فوصل الأمر بصيانة الأعراض والتحذير من تهمة الزنا إلى هذا الحد، أن يجلد من ينفي الزنا عن والديه لأن فيه إشعاراً بأن هذا وقع منهما.

    فموسى عليه السلام يرد على هؤلاء الجهلة الذين ينسبونه إلى الاستهزاء بأحكام الله عز وجل رداً رفيقاً، والرد الرفيق أبلغ، وهو يوصل الكلام إلى القلب، قد يكابر الرجل عندما يسمع الحجة، وهو بداخله مقتنع، لكن حمله الكبر على عدم الاعتراف، كما قال تبارك وتعالى: وَجَحَدُوا بِهَا [النمل:14] أي بلسانهم وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] يعني هو في دخيلة نفسه يعلم الصدق، فأنت اجعل لقلبه طريقاً.

    فإن الله تبارك وتعالى قال لموسى لما أرسله هو وأخاه هارون إلى فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44]، فرد موسى عليه السلام على بني إسرائيل: أعوذ بالله: أي ألجأ إليه وأحتمي به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: (أعوذ بك منك) لأنه لا يحميك منه إلا هو، أعوذ برضاك من سخطك، هو هذا معنى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.

    قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ [البقرة:68] وهذا فيه جفاء أنهم لا ينسبون أنفسهم إلى الله، (اَدْعُ لَنَا رَبَّكَ) وهذا مثل قولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [المائدة:24] وأيضاً: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ [المائدة:112] كأنه رب موسى عليه السلام وحده، والأخيار ينسبون أنفسهم إلى الله لأن هذا شرف.. كما قال يوسف عليه السلام: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23]، وقوله: إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [يوسف:50].

    وهكذا (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي..) إذاً هم يسألون عن ماهية الشيء، ماهية الشيء حقيقته وأصله.

    (اذبحوا بقرة..) هذه لا تحتاج إلى وصف ماهية، لذا لو قال رجل لآخر: اشتر لي حماراً، فاشترى حماراً لأجزأه ذلك.

    قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ [البقرة:68] ثم جدد ذكر الأمر مرة أخرى، افتتح الكلام إن الله يأمركم، وبعد ذلك ختم فقال: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [البقرة:68]، تجديد الأمر ولفظ الأمر.

    لا فارض: أي ليست مسنة كبيرة، كما قال الشاعر:

    يا رب ذي ظغن علي فـارض له قرء كقرء الحائض

    يقول: إن هناك رجلاً كرهه لي فارض كبير، له قروء: يعني له حالات تهيج فيها عداوته علي كما تهيج الحائض في أوقات حيضها، فرب ذي ظغن علي فارض أي: كبير.

    ففارض لا هي كبيرة جداً ولا هي بكر لم تحمل.

    (عوان بين ذلك): متوسطة شابة، وهذا كلام واضح جداً.

    (فافعلوا ما تؤمرون) لأنه يعلم أنهم لا يمتثلون لما يؤمرون به فأكد عليهم لذلك.

    أنا والله -يا إخواننا- أقلب كفي عجباً بعد هذا الكلام المبين، نحن نثق بوعود هؤلاء اليهود وهم كاذبون -ولعن الله السياسة التي لا دين لها- رب العالمين يقول هؤلاء لا وعود لهم ولا عهد لهم ولا ذمة لهم، ومع ذلك نقول: لهم ذمة ولهم عهد، وهذه مخالفة صريحة للقرآن، نصف القرآن فيه ذم بني إسرائيل، وبيان لغدرهم وقتلهم للأنبياء وخلفهم للوعود.

    ها هي الدولة الفلسطينية قالوا لهم: (18%)، بعد ذلك قالوا: (18%) كثير، إذاً (3%) محمية طبيعية، (10%) يأخذوها، ثم اعترضوا على (10%)، وبقي (7%)، وهكذا يتدرجون لصالحهم لأنهم لا مبادئ لهم ولا عهد ولا ذمة، ومطلوب الآن إخراج كل الآيات القرآنية التي تذم بني إسرائيل من مناهج التربية الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص ممنوع تدريس سورة البقرة، لأنها فيها عداء للسلام، وفيها تهييج للعداوات، وقد استجابت مدارسنا لذلك، تطبيعاً لسياسة السلام، فحذفت الآيات المتعلقة ببني إسرائيل من كتب الدين، وقد رأيت هذا بنفسي وقارنت بين المناهج السنة الماضية والسنة هذه وجدت أنه حُذف كلام رب العالمين آيات، وهذا مطبق الآن، وطالما المسألة خرج منها الدين والتقوى فسينتصر من هو أقوى عدة.

    إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول للجيش إذا أرسله يغزو: (اتقوا الله واجتنبوا معاصيه؛ فإنكم إذا عصيتم ربكم استويتم مع عدوكم في المعصية؛ ففاقوكم بالعدد ثم يغلبونكم)، خاب وخسر قوم هان عليهم كتاب ربهم فحذفوا منه الآيات إرضاءً لليهود، والآن تتطوع الشرطة الفلسطينية بضرب حركة حماس وسجنهم، وفي الأخير تستطيع إسرائيل في غمضة عين أن تجتاح الأراضي الفلسطينية بالكامل وتأخذها، من يردهم؟ ما أحد يردهم، لأن لا تستطيع أن تشتري السلاح بغمضة عين.

    وفي قصة البقرة نموذج لبني إسرائيل مع الله ومع رسول الله موسى عليه السلام، قوم عندهم عناد وخصومات ولا يسلمون بشيء على الإطلاق، كل شيء يضعون فيه إشكالات عدة، كما وضعوا استشكالاً في قضية أوضح من الشمس في رابعة النهار.. اذبحوا بقرة.. قالوا: ما هي هذه البقرة؟! ما هي أوصاف البقرة؟! إنك تسأل عن ماهية لا تسأل عن صفة، لو قلت لك مثلاً: هات حماراً وحشياً، وصفته، وقلت: وحشياً، لكن لو قلت: أعطيني حماراً، لا يوجد أي معنى أن تقول لي: حمار ما صفته؟ طالما أنني ما وصفت، وإنما أطلقت، وهذا الإطلاق موجود في أذهان بني آدم.

    (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وبدءوا بعمل مسلسل الاستشكالات، مع أنها بقرة معروفة والكلام واضح، كأنما قال الكلام واضح يحتاج إلى مزيد إيضاح (فافعلوا ما تؤمرون).

    لكنهم وضعوا اشكالاً آخر في القضية، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا [البقرة:69]، ومن المعلوم أن البقر على ألون معروفة وأي لو منها يجزئ، قال: (إنه يقول) -انظر لا زال موسى عليه السلام ينسب الكلام إلى الله رب العالمين-: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [البقرة:69]، بدأ التضييق في الوصف: (صفراء) وهذه ليست معلومة، لكن (فاقع لونها)، كأنما شعاع الشمس يجري في جلدها، بقرة تلمع، طيب من أين يأتون بها؟ فالبقر منه أصفر لكن (صفراء فاقع لونها) هذه لا يوجد مثلها، وإن وجدت فهي قليلة للغاية (تسر الناظرين).

    مع ذلك وضعوا إشكالاً آخر مع هذا الوضوح، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [البقرة:70]، أي تتشابه وهي لا توجد إلا في كل ألف بقرة؟! وهذا استخفاف واضح جداً.

    إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا [البقرة:70-71]، وهنا حصل تضييق في الوصف أكثر من ذي قبل! (بقرة لا ذلول) أي ما حرثت أرضاً قط، ومن سيعطينا شهادة أن هذه البقرة ما جرت محراثاً، ولا حرثت أرضاً، من يستطيع أن يدلي بهذه الشهادة، وإنما كانت الأبقار أصلاً تحرث الأرض، ويُسنى عليها الماء لسقي الأرض.

    (مسلمة) أي خالية من العيوب، لا فيها قرن مكسور ولا عور ولا عرج ولا فيها أي شيء يعيبها، لا شية فيها: لونها صافٍ (100%) لا يخالط جلدها لون آخر مغاير ولو كان شعرة واحدة.

    شددوا فشدد الله عليهم، فذبحوها وما كادوا يفعلون ما أمروا به.

    فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:73] الحمد لله أنه لم يقل: اضربوا القتيل بوجهها وإلا برأسها وإلا ببطنها، وإلا كانوا سيضعون اشكالاً جديداً أيضاً؛ لكنه قال: اضربوه ببعضها.

    ولما ضربوه ببعضها قام الرجل القتيل، فتكلم وقال: قتلني فلان، ثم هل آمنوا بمثل هذه المعجزة: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ [البقرة:74]، فقلوبهم أشد قسوة من الحجارة، وهذا كقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179]، فالغافلون ليسوا كالأنعام فحسب بل هم أشد ضلالاً من الأنعام.

    والسر في ذلك: أن الله وهب هذا الرجل العقل فتصرف تصرف الأنعام فكان الخطاطة القِيَميّ بعقله أنزل من الأنعام، إن الذي يعصي الله بنعمه أشر من الذي يعصيه بغير هذه النعم؛ لأن هذا قبيح، فعند أن يعطيه الله المال فيعصي الله، بذلك المال الذي وهبه الله؛ فهذا أشد قبحاً وأشد كفراً للنعمة.

    1.   

    الغلو في الدين وأنواعه

    هذا التعنت وهذا الجحود وهذا الغلو في رد أمر الله تبارك وتعالى امتحنت به هذه الأمة، امتحنت بالغلو العقدي، وامتحنت بالغلو الجزئي في العمل، مع الفرق بين النوع الأول والثاني، الغلو الاعتقادي أشر؛ لأن صاحب البدعة لا يدع بدعته على الإطلاق مهما عُير، ثم هو يظن أن بدعته دين، فهو يريد أن يمضيه على الناس، كالخوارج مثلاً.

    النبي عليه الصلاة والسلام وصف الخوارج بأنهم أعبد الناس، وأكثر الناس صلاة وصياماً، وأقرأ الناس للقرآن، قال صلى الله عليه وسلم: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، هؤلاء الناس ماذا يفعلون؟ قال عليه الصلاة والسلام: (يقتلون أهل الإسلام ويذرون أهل الأوثان)، يقتلون أهل الإسلام، فجماعة الهجرة والتكفير تعتقد أن دمي ودمك حلال، بينما النصارى واليهود أمنوا على دمائهم من هؤلاء.

    ففي مرة من المرات أحد المبتدعة مر على فرقة من فرق الخوارج، ومن المعلوم أن الخوارج يستبيحون دماء المسلمين، فأول ما عرف أنه وقع -ومن معه- في قبضة الخوارج، قال: أنا سأحتال لكم حيلة، حتى ننجو بجلودنا، فقال لأصحابه: أنا سأتكلم عنكم وأنتم لا تتكلموا، فلما دخلوا على هؤلاء الخوارج، سألوهم من أنتم؟ قال: نحن قوم مشركون، جئنا نسمع كلام الله، فنجا ومن معه من الهلاك المحقق؛ لأنه قال: أنا مشرك، لو قال لهم: أنا مسلم لقتلوه.

    وذلك من فهمهم لقوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، فأخذوهم وأسمعوهم كلام الله، وأمّنوهم فقالوا: اتركونا نفكر في كلام الله الذي سمعناه، ونجوا بذلك، فالخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.

    رجل اغتاب أحد المسلمين عند الحسن البصري فقال له الحسن: سلم منك اليهود والنصارى والمجوس ولم يسلم منك أخوك المسلم، يعني أنه يغتاب أخاه في هذه المدة، وقد سلم من لسانه اليهودي والنصراني والمجوسي؛ فهؤلاء يتحركون بهذه العقيدة؛ لأن هذا الانحراف والغلو العقدي أخطر بكثير من الغلو العملي الذي غاية ما فيه أنه يتعلق بالشخص ذاته.

    كما في حديث أنس في الصحيحين أن رهطاً جاءوا أبيات النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عمله، فلما سمعوا أنه يتزوج النساء، وأنه يقوم وينام ويصوم ويفطر، قال بعضهم لبعض. هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أي: هذا رسول الله عمل أو لم يعمل فهو مغفور له، أما نحن فلابد أن نجدّ ونجتهد، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، والثاني قال: أقوم ولا أنام، والثالث قال: أنا لا أتزوج النساء، فقصت عائشة رضي الله عنها هذا الكلام على النبي عليه الصلاة والسلام، فأزعجه الأمر، ونادى في الناس، فاجتمعوا فقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، ألا إني أتقاكم لله وأشدكم لله خشية)؛ وذلك لأنهم تقالُّوا عبادة النبي عليه الصلاة والسلام فهؤلاء في نهاية الأمر وقعوا في الغلو الجزئي العملي الذي يعود على الشخص نفسه، بخلاف الغلو الاعتقادي، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، إذ أن أصحاب الثنتين والسبعين فرقة غلوا في الاعتقاد وخرجوا عن الحنيفية السمحة، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: (كلها في النار) .. بسبب انحرافهم عن الجادة: (إلا واحدة).

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    الغلو في الطاعات ممنوع

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    قال الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، الطغيان: هو الغلو، وترك الاستقامة، ولذلك الغلو يحتاج إلى توبة حتى وإن كان في الشيء، إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لـابن عباس في الحج: (التقط لي مثل حصى الخذف وإياكم والغلو، فإنه أهلك من كان قبلكم).. حصى الخذف الحصيات التي ترجم بها الجمرات في منى وتجمع من مزدلفة ينبغي أن تكون صغيرة مثل حبة الفول، هذا معنى مثل حصى الخذف، مثل الحجر الذي يوضع في المقلاع، فإذا أراد شخص أن يرمي بالمقلاع فإنه لا يأتي بحجر كبير إنما يأتي بحجر صغير، أي بمثل الحجر الذي تخذف به إذا رميت بالمقلاع.

    و(إياكم والغلو): أي إياك والغلو في اختيار حجم الحجر، فالشخص إذا زاد عن مثل حبة الفول في اختيار الحجر فقد غلا، حتى في هذه الجزئية البسيطة، (إياكم والغلو)، إن رمي الجمرات مسألة رمزية، أنت عندما ترمي الجمرات هذه مسألة رمزية، حتى يذكرك بالعداوة التي بينك وبين الشيطان، والتي نسيتها من جملة ما نسيت العداوات في الدين، من منا يكره اليهودي كرماً دائماً، أو النصراني كره دائم، ألم يبق في قلوبنا غيرة وحمية لرب العالمين؟! ألم يُشتم ربك؟! ألم يُسب ربك؟! قال الله تبارك وتعالى: (شتمني ابن آدم، وما كان له أن يشتمني، وكذبني ابن آدم، وما كان له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله أن لي ولداً، وأنا الله الأحد، الفرد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد) هذه جريمة؛ لأن نسبة الولد إلى الله تنقيص له تبارك وتعالى، فاليهود والنصارى يشتمون رب العالمين بذلك، من يكرههم في داخله أول ما يراهم ويحمل الغل عليهم، هل هذا موجود؟ لا. ما هو السبب؟ ضياع عقيدة الولاء والبراء، لو أن رجلاً سب أباك لربما دخلت معه في معركة وضحيت بحياتك؛ لأنه سب أباك، وهذا يسب رب العالمين، فأين ولاؤك له.

    جيء برجل نصراني مرة إلى شريك بن عبد الله النخعي -أحد قضاة المسلمين- وكان هذا الرجل وثيق الصلة بامرأة أمير المؤمنين، يخدمها، وكان يظن أن صلته بزوجة أمير المؤمنين قد ترعب القاضي، لكن القضاة في ذلك الزمن كانوا متدثرين بالدين، وعزهم كان بعز هذا الإسلام، وكان الخلفاء يوقرونهم فقضى عليه شريك بالجلد، فجلد الرجل وبعد ذلك ركب بغلته مذلولاً ومتضايقاً يضرب البغلة، فقال له شريك : ويحك لا تضربها فإن البغلة التي تركبها هذه أعبد لله منك. (وكذبني ابن آدم، وما كان له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقوله أنني لا أحيي الموتى، وليس آخر الخلق بأشق علي من أولهم).. إنشاء الإنسان من عدم يختلف عن إنشائه بعدما كان له أصل، الأول أقوى، فهؤلاء كذبوا الله وشتموه.

    ظهر في هذه الأزمنة مصطلح الأخوة الإنسانية والوحدة الوطنية، وهذا ليس تحريضاً مني على النصارى ولا على اليهود، لكن هذه مسألة عقيدة، نحن لا نظلم أحداً، ولا نجور على أحد، ولا نستحل مال أحد، ولا نستحل دم أحد، إلا بشرع الله.

    لا تقولوا أنني أتعنت في ذلك، نحن لا نستحل مال ولا دم أحد ونعاشر بالمعروف ولا نظلم، لكن يبقى لي عقيدتي التي لا أفرط فيها، لا أظلمه لكن أكرهه، ولا أحبه ولا أواليه ولا أقول يوماً ما: إنه أخي.. أبداً ولا تخرج من فمي ولا تجري على لساني؛ لأن هذا حرام، هذه كبيرة من الكبائر، لا يحل للمسلم أن يقول: إخواننا اليهود أو النصارى، ولا أتولاهم ولا أحبهم؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المرء مع من أحب).

    الغلو في الدين حتى في مقدار الحجر الذي ترمى به الجمرات ممنوع، الغلو في الدين حتى في الطاعات ممنوع، في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فوجد حبلاً مربوطاً بين ساريتين، قال: لمن هذا؟ قالوا: لـزينب إذا تعبت من كثرة القيام لله، طرحت جسدها على هذا الحبل لتريح رجليها، فقال عليه الصلاة والسلام: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد، إن الله لا يمل حتى تملوا).

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد فلعله يسب نفسه وهو لا يدري). حتى في هذه الطاعات الغلو ممنوع؛ لأن القلب له إقبال وإدبار: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، فالغلو حتى في العبادة ممقوت، ونهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هذا دعوة إلى الكسل والنوم والخلود للراحة، بدعوى عدم الغلو، لا. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ليصل أحدكم نشاطه).. آخر طاقتك افعلها، فإذا أحسست بالفتور اجلس حتى لا تكره العبادة، وحتى تكون مقبلاً على ربك تبارك وتعالى.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.