إسلام ويب

البحار الزاخرة في فضل المغفرةللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد خلق الله الإنسان وجعله معرض للخطأ والتقصير والنسيان، ومن رحمته سبحانه أن فتح باب التوبة والمغفرة لمن عاد إليه وتاب واستغفر من ذنوبه، وحث سبحانه على المبادرة إلى التوبة، ويسر طريقها للسالكين، وسمى نفسه الغفور الرحيم.

    1.   

    الحث على المبادرة بالتوبة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين، ثم أما بعد:

    قال تعالى في محكم آياته وهو أصدق القائلين، وكلام الملوك ملوك الكلام قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:53-60].

    يا ابن آدم ابسط الحزن على قراب الأسف، وقل قد قدم الغائب، وقل: قد مسنا وأهلنا الضر.

    يا غافر الذنب العظيم وقابلاً للتوب قلب تائب ناجاك

    أترده وترد صادق توبتي حاشاك تطرد تائباً حاشاك

    ما لي وأبواب الملوك وأنت من خلق الملوك وقسم الأرزاق

    ما لي وما للأقوياء وأنت يا رب القوي ولا تحد قواك

    يا أيها الماء المهين من الذي سواك ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد واراك

    ومن الذي غذاك من نعمائه ومن الكروب جمعيها أنجاك

    ومن الذي شق العيون فأبصرت ومن الذي بظهوره أعلاك

    ومن الذي تعصي ويغفر دائماً ومن الذي تنسى ولا ينساك

    قال ابن مسعود الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (وتمسكوا بهدي ابن أم عبد) قال: وددت لو أن الله غفر لي ذنباً واحداً وأني دعيت، ولا يدرى لي نسب.

    إن مغفرة الذنب عظيمة، وأرجى آية في كتاب الله عز وجل للعصاة النافرين الشاردين عن باب الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، وليس العجب من نائم لا يدري كم مر من عمره، إنما الأعجب من نائم في يقظته، فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84].

    آخر العدد فراق روحك، آخر العدد ركوب نعشك، آخر العدد دخول قبرك، آخر العدد عرصات القيامة، وتطاير الصحف، آخر العدد المرور على الصراط، فاتق الله عز وجل في أيامك التي تذهب هدراً، ولا تدري ما قيمتها، فمغفرة الذنوب لها قدر عظيم عند الله عز وجل، ويكفي من شأنها أن غفران الذنوب صفة من صفات الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:3]، والتوب هنا: مصدر، بمعنى أن أقل توبة يقبلها الله عز وجل، فما ظنك بالتوبة النصوح، (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم).

    ومن أعجب الأشياء: أن تعرفه ثم لا تحبه، وأنت تسمع داعيه ثم تتأخر في إجابته، وأنت تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، وتعلم قدر غضبه ثم تتعرض له، وتعلم قسوة القلب عند الخوض في غير حديثه ثم لا ترتاح إلى ذكره، وأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه، وأنك أحوج شيء إليه، وأنت فيما يبعدك عنه راغب، لقد أعطاك ما لم تأمل، وبلغك ما لم تطلب، وستر عليك من القبيح ما لو فاح لضجت المشام، فكم عدو حط منك بالذم فرقاك، وكم أعطش من شراب الأماني خلقاً وسقاك، وكم أمات بعض من لم يبلغ مرادك وأبقاك.

    يا أهل الموت والفناء! كيف تستنكفون عن عبادته ولا رب لكم غيره، ولا واحد وارث لكم سواه، ينادى بصوت عزته: لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون، ويصاح على محجة حجته: لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، وينزل جاسوس علمه: لا يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ويترنم منشد فضله: لا تقطنوا من رحمة الله، ويهتف بقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وكل موافق ومخالف يمشي وفق مشيئته، ويتقلب في قبضته، يا ابن آدم إنه ليس أعز من خالق طلبته بيده، وليس أذل من مخلوق هو بيد طالبه.

    1.   

    فضل المغفرة

    إن للمغفرة فضلاً عظيماً، فالله عز وجل وصف نفسه بأنه الغفار، فقال سبحانه: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:14]، وقد كتبها الله تعالى بيده قبل أن يخلق الخلق، فكتب كتاب الرحمة بيده، فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تسبق غضبي.

    وقد فتح الله عز وجل باب التوبة أمام اليهود -عليهم لعائن الله- وهم الذين قالوا: إن يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وهم الذين ادعوا له الولد، وقتلوا أنبياءه، وأمام النصارى الذين قالوا: إن ثالث ثلاثة، فقال الله عز وجل: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [المائدة:74]، فيقتلون أولياءه ثم يدعوهم إلى التوبة!! إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج:10] أي: حرقوا المؤمنين والمؤمنات، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10].

    فأي كرم أفضل من كرم الله عز وجل، وأي نعمة سابغة أفضل من نعم الله عز وجل، هذا فعله بمن عصاه فكيف إرادته بمن أطاعه، إن كان هذا فعل الله عز وجل بالبعيدين عن بابه، فكيف بالمقربين الداعين إلى ثوابه؟!

    حكى ذو النون المصري أنه رأى ضفدعة كبيرة تسبح في الغدير وعليها أفعى، فقال: إن لهذه الضفدعة لشأناً، فعبر وراءها الغدير فلما وصلت إلى سطح الغدير الثاني إذا برجل سكران مخمور نائم وحية أخرى أرادت أن تلسعه في أذنه، وإذا بالأفعى تنزل من على ظهر هذه الضفدع ثم تستجمع كل قواها فتقتل تلك الأفعى، فيوقظه ذو النون ويقول له:

    يا غافلاً والجليل يحرسه عن كل شيء دب في الظلم

    كيف تنام العيون عن ملك تأتيك منه فوائد النعم

    فبكى الرجل فقال: يا رب، هذه إرادتك بمن عصاك فكيف إرادتك بمن أطاعك؟

    إن فضل الله عز وجل في التوبة لا يدانيه فضل، والله تبارك وتعالى يسوي بين دعوته إلى الجنة وبين دعوته إلى المغفرة، قال الله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة:221]، فيسوي بين الجنة وبين المغفرة، بل لا يدخلون الجنة حتى يغفر الله عز وجل لهم، قال الله عز وجل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].

    وقال: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21].

    فالله عز وجل من كرمه وفضله يدعو عباده إلى المغفرة، ويفتح لهم باب التوبة على مصراعيه.

    استغفار حملة العرش للمؤمنين

    ومن فضل المغفرة وعظمها: استغفار حملة العرش للمؤمنين، ومن نحن حتى يستغفر لنا أحد حملة العرش الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أحدهم: (أذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش قد مرقت رجلاه الأرض السابعة، وعنقه منثنية تحت العرش، والعرش على كاهله، خفقان الطير ما بين منكبيه مسيرة سبعمائة سنة) صححه الشيخ الألباني .

    فهؤلاء يستغفرون لك، يقول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7].

    ثم يذكر هذا التائب في الملأ الأعلى، وينادى: هذا التائب قد أقبل على ربه، فسيد القضاة أبي بن كعب يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يأمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة:1]، قال: وذكرت يا رسول الله هناك في الملأ الأعلى، قال: نعم، فبكى أبي، فقيل له: لم البكاء؟ قال: ولم لا أبكي، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]).

    يقول سيدنا يحيى بن معاذ : يا غفول يا جهول لو سمعت صرير الأقلام في اللوح المحفوظ وهي تكتب اسمك عند توبتك، وعند ذكرك لمولاك، لمت شوقاً إلى مولاك.

    يا جوهرة بمزبلة لا تعرف قدرها! أنت المراد من هذا الكون، كم من ملك في السموات والأرض لا تذوق أعينهم غمضاً ليس لهم مرتبة: تتجافى جنوبهم عن المضاجع، فإذا قمت من الليل ساعة أو نصف ساعة فإنك تحمل صفة: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، وكم ملك في السموات والأرض ما ذاقوا طعاماً، وما شربوا شراباً ليس لهم مرتبة: (ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).

    كم من ملك في السموات والأرض مسخرون لخدمتك يدخلون عليك دخول الرجل على سيده: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24].

    يا ولي الله! إن ربك يستأذنك في زيارتك، هذا قدرك عند الله عز وجل، وينسبك الله عز وجل إلى نفسه، فكفاك جزاءً على الطاعة أن رضيك لها أهلاً حتى لو لم يكن هناك جنة، كفاك ما تجد في صدرك من أحاسيس ومن شوق إلى الله عز وجل، ومن رضاً عنه سبحانه، بل يكفيك نعمة ذهابك إلى المساجد، فهذه نعمة أنت لا تقدرها، ولكن غيرك يحس بألم فقدها، حين يتمتع بكامل صحته، وبكامل عافيته ولا يستطيع أن يذهب إلى المسجد، وأنت تأتي إلى المسجد كل يوم خمس مرات، فكفاك جزاءً على الطاعة أن رضيك لها أهلاً.

    وحسبي انتسابي من بعيد إليكم وذلك حظ مثله يتيمم

    إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم تهلل بشراً ضاحكاً يتبسم

    امتنان الله على نبيه بالمغفرة

    من فضل المغفرة: أن الله تبارك وتعالى امتن بها على نبيه، فقال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح:1-2].

    وفرح القلب الكبير.. قلب رسولنا بهذه المغفرة، وبغفران ما تقدم وما تأخر من ذنوبه، فيقول: (لقد أنزلت علي الليلة آيات أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) أحب إليه من حمر النعم، وأحب إلي من الدنيا وما فيها، ففرح القلب الكبير وأدى شكر هذه النعمة.

    تقول له السيدة عائشة حينما رأته يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تقول: يا رسول الله! أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! يقول: (يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً).

    الشفاعة العظمى هي طلب المغفرة لأًصحاب الكبائر من هذه الأمة

    ومن أعظم المغفرة عند الله عز وجل: أن طلب المغفرة هي الشفاعة العظمى، وهي مقام نبينا المحمود، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، والمقام المحمود لم ينله أحد من البشر إلا نبينا.

    إن مقام الشفاعة العظمى للخلائق بأسرهم هو مقام طلب المغفرة لأصحاب الكبائر من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي الدعوة التي خبأها الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي).

    بل إن الله عز وجل يخيره بين أن يدخل شطر أمته الجنة وبين الشفاعة وطلب المغفرة للخلق، فيختار الشفاعة لأمته، وهذا يدل على عظم هذه الشفاعة، ومن هنا نعلم قول سيدنا عبد الله بن مسعود : وددت أن الله غفر لي ذنباً واحداً ولا يدرى لي نسب.

    وسؤال المغفرة والعفو عن الذنوب هو: السؤال في أحلى ليالي العمر، فقد يهون العمر إلا ليلة القدر، فأعظم دعاء مأثور عن نبينا: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا)، وأجمل ما يقوله الإنسان في ليلة القدر سؤال المغفرة، بل يقول النبي صلى الله عليه وسلم لصديق هذه الأمة ولحبيبه: (سل الله العافية، ما من الله تبارك وتعالى على عبده بأكثر من سؤاله العافية، وبأكثر من أن يستجيب الله تبارك وتعالى له).

    ودعوة الأنبياء كانت دعوة للتوحيد ولغفران الذنوب، يقول سيدنا نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:10-13] أي: ما لكم لا تعظمون الله وتخافون منه.

    ويذكر أنه كان هناك امرأة عاقر عقيم لا تلد، فأخذت هذه الآية وجعلت تمسح بها على بطنها وتدعو الله عز وجل، وتستغفر من ذنبها، ثم من الله تبارك وتعالى عليها بأن حملت بعد أن احتار فيها الأطباء، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:10-13].

    إن انكسار القلب وخضوعه وذله واستسلامه بين يدي الله عز وجل، وخضوع الجوارح -كل ذلك لا يحصل إلا بذنب، ثم يتوب العبد منه، وأنين المستغفرين أحب إلى الله عز وجل من زجل المسبحين، تقابل المولى عز وجل بضعفك وذلك وفقرك وتقول: أسألك بغناك عني، وبفقري إليك، أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، هذه ناصية خاطئة كاذبة بين يديك، أسألك سؤال من رغم لك أنفه، وذلت لك جبهته إلا عفوت عني، ولذلك كان سيد الاستغفار كما جاء عن شداد بن أوس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

    هذا الدعاء كان سيد الاستغفار لأنك تسير إلى الله عز وجل بين مشاهدتك لنعم الله عز وجل عليك، وبين ذكرك لعيوب نفسك، فانظر إلى ربك نظرة، ثم انظر إلى نفسك الحقيرة اللوامة نظرة، فستعود إلى الله عز وجل قائلاً (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي)، فقد خلوت بمحارم الله عز وجل ولم ترك إلا عين الله عز وجل، ثم أقدمت على المعصية وجعلت الله أهون الناظرين إليك.

    إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني

    وتخفي الذنب من خلقي وبالعصيان تأتيني

    فما قولي له لما يعاتبني ويقصيني

    إذا ارتكبت ذنباً واحداً فاعلم أن الله مطلع عليك، وهو يراقبك من فوق سبع سموات، يقول بلال بن سعد : لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلا كبرياء من واجهته بها.

    يا رب أتراك تغفر وترحم من لم تقر عيناه بالمعاصي حتى علم أن لا عين تراه غيرك، قدر قيمة هذا الجناب العظيم، وابك بكاء الندم على ما فاتك من طاعة الله عز وجل.

    ابن سنة كان تائباً، فلما حسب سنين عمره وجدها إحدى وستين سنة، وعدد أيامها عشرون ألف يوم، فقال: إن كان هذا عدد الأيام فكيف وفي كل لحظة ذنب، كيف تلقى الملك، ثم مات الرجل من ساعته.

    حرمان الله الشيطان من المغفرة ومنه بها على ابن آدم

    ومن عظم المغفرة: أن الله عز وجل حرمها الشيطان ومن بها على ابن آدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تيسير الله سبحانه لطريق التوبة

    الحمد لله حبيب قلوب التائبين، ومنتهى رغبة السالكين، ومحط آمال الراحلين.

    من عظم التوبة عند الله عز وجل: أن الله سهل سبيلها لهذه الأمة، فجعل مجرد الندم توبة، ولم يسهل طريقها على بني إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله عز وجل، فلم يتب الله عز وجل عليهم حتى قام كل رجل منهم على الآخر بسيفه، فلم يأذن الله تبارك وتعالى في التوبة لعبده موسى إلا بعد قتل سبعون ألف يهودي، كما قال الله تبارك وتعالى: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] يعني: اقتلوا إخوانكم ممن عبدوا العجل، وألقى الله تبارك وتعالى عليهم الظلمة، ثم أمسك الرجل من الذين لم يعبدوا العجل السكين وطعن بها من وجده ممن عبد العجل، سواء كان أباه، أو أخاه، حتى قتل سبعون ألف يهودي، ثم تاب الله تبارك وتعالى عليهم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الندم توبة)، ويكفي أن يعلم الله عز وجل الصدق من قلبك فيتوب عليك.

    وانظر إلى الذين تاب الله تبارك وتعالى عليهم كـعكرمة بن أبي جهل الذي حاد الله ورسوله، وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، ثم بعد ذلك من الله عليه بالتوبة، وقتل شهيداً في سبيل الله عز وجل.

    وسيدنا خالد بن الوليد في معركة اليرموك يقول له: يا أبا عمرو استبقنا لنفسك، فيقول: إليك عني يا خالد ، لقد قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل معركة أفأفر اليوم عن الجنة!! من يبايع على الموت؟ فقتل، وقتل عمه، وقتل ابنه.

    ويتوب الله على سجاح التي ادعت النبوة كما قال العلامة ابن كثير، بل وعلى طليحة الأزدي الذي ادعى النبوة، ولم يسلم إلا في عهد أبي بكر ، وكان أحد أبطال معركة القادسية ومات شهيداً بعد القادسية، فماذا تنتظر بعد ذلك وقد فتح باب التوبة على مصراعيها.

    والأمر مع الله عز وجل ليس بالأيام، ولا بعدد السنين التي قضيتها في طاعته، فقد يتوب تائب اليوم ويعلي الله تبارك وتعالى درجته، فانظر إلى السحرة الذين كانوا في أول الأمر يقسمون برأس فرعون، ويعدون القرب من فرعون مغنماً، ثم بعد ذلك يتوب الله تبارك وتعالى عليهم، فلما سجدوا نظروا إلى قصورهم في الجنة فقالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:72-73].

    أيها المؤمنون! لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم آلهة، جاء في الأثر: يا داود حببني إلى خلقي، قال: كيف يا ربي؟ قال: ذكرهم بنعمي عليهم، فإنهم لم يعرفوا مني إلا الجميل، يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورحمتي إياهم لتقطعت أوصالهم شوقاً إلي، هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف بالمقبلين علي!

    ادع إلى الله عز وجل لعل الله ينقذ بك أحد الشباب الضائعين فيكون في ميزان حسناتك، ويكون خيراً لك من الدنيا وما فيها، حبب الله عز وجل إلى خلقه، لا تقنطهم من رحمة الله عز وجل، لا تنظر في ذنب الناس كأنك إله، يسر الأمر على عباد الله عز وجل، ووسع لهم طريق التوبة، وضيق أنت على نفسك بالخوف، كما كان الفضيل بن عياض، فقد رأى أهل الموقف وهم يبكون فبكى رحمه الله إلى قبيل الغروب وهو قابض بيده على لحيته، ثم قال: واسوأتاه منك وإن عفوت، واخجلي منك حتى وإن غفرت لي حتى وإن تبت علي، ثم بعد ذلك يقول لـشعيب بن حرب : من أسوأ الناس؟ قال: لا أدري، قال: من يظن أن الله عز وجل لا يغفر لهؤلاء، أفترى لو أن جماعة مثل هؤلاء أتوا إلى باب غني فسألوه دانقاً -أي: سدس درهم- أفكان يردهم مع بكائهم؟ قال: لا، قال: فوالله للمغفرة أهون على الله عز وجل من الدانق على هذا الغني.

    هذا هو الفضيل بن عياض سيد من سادات الأمة، كان سيدنا سفيان بن عيينة إذا قابله يقبل يده، ويقبل رأسه، وسيدنا عبد الله بن المبارك يقول له: إيه لا يحسن هذا غيرك يا طبيب القلوب.

    يقول عبد الله بن المبارك : كنت كلما قسا قلبي نظرت إلى وجه الفضيل ، فجدد لي الحزن، فأمقت نفسي.

    وقد كان الفضيل في أول أمره قاطع طريق، وكان عاشقاً للنساء، وبينما هو ذات ليلة يتسلق الجدار ليصل إلى معشوقته، سمع قول الله عز وجل: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16]، فقال: آن الأوان، وتاب إلى الله وقبل العلماء يديه، هذا هو الفضيل بن عياض .

    وكذلك بشر الحافي ، كان الإمام أحمد إذا سئل عن مسألة من مسائل الزهد يقول: أتسألوني عن الورع وفيكم بشر؟! وقد كان في بداية أمره يستمع إلى الغناء وإلى الجواري، ثم مر عابد ببابه فقال لجاريته: لمن هذا القصر؟ قالت: لسيدها بشر، قال: عبد هو أم حر؟ قالت: حر، قال: صدقت يا بنيتي! لو كان عبداً لاستعمل آداب العبودية، ولرأى حق العبودية، فسمعه بشر من بيته فخرج إلى الرجل حافياً وتاب على يديه، ثم بعد ذلك ما لبس نعلاً في رجله، وقال: حالة وصلت إلى الله عن طريقها وعرفت الله بها، لا أفارقها أبداً.

    1.   

    حجب التوبة عن المنافقين

    1.   

    سؤال الأنبياء مغفرة الله

    من عظم المغفرة أن الأنبياء يسألونها من الله تعالى، يقول سيدنا نوح: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [نوح:28].

    وقال إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82].

    فعليك أيها المسلم أن تسأل الله المغفرة فإنك من الله بمكان، قال حبيبنا الشيخ أبو إسحاق : لا تحقر نفسك، أنت عند الله بمكان، فقبل أن توجد يستغفر لك الأنبياء، فسيدنا نوح يقول: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28].

    وأنت داخل في عموم وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28].

    وسيدنا إبراهيم يدعو لك كما جاء في سورة إبراهيم: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41].

    والنبي صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19].

    وأصحاب الأنبياء يسألون الله عز وجل المغفرة، كما قال الله عز وجل: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:146-147].

    وأولوا الألباب يسألون المغفرة رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193].

    وكذلك المتهجدين الذين يقومون الليل بين يدي الله عز وجل، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:17].

    1.   

    استمرار المغفرة إلى عرصات القيامة

    1.   

    من كذب بالشفاعة فليس من أهلها

    ومن عظم المغفرة: أن من كذب بالشفاعة -وهي: سؤال المغفرة- فلا يكون من شفعاء الله عز وجل في عباده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن اللعانين -أي: الذين يسألون الله عز وجل طرد عباده من رحمته- لا يكونون شفعاء للناس يوم القيامة).

    وقال سيدنا أنس : من كذب بالشفاعة فليس من أهلها. فلا تقبل منه شفاعة.

    ولذلك: من آدب الإسلام ومن معتقد أهل السنة والجماعة: أنك لا تدعو على كافر حي على ظهر الأرض باللعنة؛ لأن اللعنة دعاء بالطرد مطلقاً من رحمة الله، وطالما أنه في دار الدنيا فقد يختم الله له بالإسلام، كما ختم لـعكرمة بن أبي جهل ، وباب التوبة مفتوح، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : لا تدعو على معين باللعنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على رعل وذكوان حتى نزل عليه قول الله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128]، وهم يحاربونه، ويقتلون أصحابه، وبرغم هذا يقول له الله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران:128].

    وادع على الكافرين بما شئت، قل مثلاً: لعنة الله على الكافرين، لعنة الله على اليهود، لعنة الله على النصارى، أما المعين فلا يجوز لعنه باسمه، ولا تدعو عليه مطلقاً، وإذا قلت: الله يلعن المتبرجات وأنت تقصد واحدة بعينها فهذا لا يجوز، فالدعاء باللعن على المعين لا يجوز، وهذا من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده.

    1.   

    شفاعة النبي لأهل الكبائر

    من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يثبتون الشفاعة لنبينا صلى الله عليه وسلم، وأما الخوارج فيضيقون باب الرحمة، ويحجرون واسعاً، ويكفرون من يأتي بالكبيرة، ويحكمون عليه بالخلود في النار، والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، ولكنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر.

    وأما أهل السنة فيقولون: لا نحكم على معين بالنار، فقد يتوب الله تبارك وتعالى عليه، والناس على الإسلام، ولا نستطيع أن نحكم على واحد بالنار، كما لا نستطيع أن نحكم على رجل بالجنة، إلا من حكم له الشارع.

    1.   

    الاستغفار شعار الصالحين

    شعار الصالحين في كل لحظة هو الاستغفار، وحتى بعد الطاعات؛ لأنهم يعلمون أن لله من العظمة ما هو فوق طاعات الخلق، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [آل عمران:17].

    فهم أناس يقومون معظم الليل، فإذا كان السحر مدوا أيديهم مستغفرين، والنبي صلى الله عليه وسلم بعد مشوار من الدعوة والجهاد يأمره الله عز وجل بالاستغفار فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3].

    وسيدنا نوح بعد تسعمائة وخمسين سنة من الدعوة يختم دعوته بالاستغفار رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [نوح:28].

    فالباب مفتوح ولا يغلق أبداً، فهيا إلى ظلال الرحمة الندية المحيية لموتى النفوس، يا عفو عفوك عند السكرات، وفي القبور عفوك، وعند العرصات عفوك، وعند تطاير الصحف عفوك، وعند الميزان عفوك، وعلى الصراط عفوك.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

    رب اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، إليك أواهين مخبتين، تقبل توبتنا، واغفر حوبتنا، واسلل سخائم صدورنا، بك استعنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولبابك نقرع فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا.

    اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، وحسن النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك.

    اللهم احشرنا مع نبينا غير خزايا ولا نادمين، ولا مفتونين، ولا مبدلين.

    اللهم داو أمراض قلوبنا، اللهم لا تجمع بيننا وبين قوم طالما عاديناهم فيك، اللهم اجعل نبينا خير النبيين منزلاً يوم القيامة، اللهم شرف بنيانه، وأعل مكانه، وأتم نوره وتبيانه.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.