إسلام ويب

انتصار الدعوةللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الدعوة الإسلامية تحتاج منا إلى أن ننصرها، وأن نضحي في سبيلها، فإن فعلنا ذلك صار النصر حليفنا. ولقد نصر الله تعالى رسله وأنبياءه والدعاة الصادقين من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم الدين، وكان نصر الله لهم بوسائل شتى وأساليب متعددة.

    1.   

    المفهوم الحقيقي للانتصار

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134] ، ثم أما بعد:

    حين يبدو الشر نافشاً، والخير ضاوياً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق؛ تضطرب بعض المفاهيم عند بعض الشباب العاملين في الساحة الإسلامية، وغياب المعنى الحقيقي لهذه المفاهيم الإيمانية يجعل الناس ينحرفون عن المنهج يمنة ويسرة، ومفهوم الانتصار إذا غاب معناه الحقيقي أو قصر في معناه بعض الشباب فإنهم ينحرفون عن المنهج يمنة ويسرة.

    وقد يقول قائل: إن الله تبارك وتعالى يقول: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] ، والله تبارك وتعالى يقول: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173] .

    ويقول تبارك وتعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، فهل تحقق هذا الانتصار؟ وهل تحققت هذه الغاية ليحيى بن زكريا حينما ذبح؟ أو تحقق هذا الانتصار لزكريا حينما شنق؟ أو لإبراهيم حينما هاجر من بلدته؟ أو لنوح وهو لم يستطع أن يقيم دولة إسلامية بالمعنى الضيق الذي يفهمه الناس؟ فغياب المعنى الحقيقي لمفهوم الانتصار، وتقصير بعض الشباب في التمكين لشرع الله في الأرض، وقيام دولة تطبق منهج الله تبارك وتعالى، حصر النصر في هذا المعنى فقط، وجعل بعض الشباب يتصور أن لزاماً عليه أن يقيم هذا المنهج بأي وسيلة وإلا فشلت دعوته، وإن لم يستطع أن يقيم هذا الانتصار، وأن يجعل من هذه الدولة التي تحكم بشرع الله تبارك وتعالى حقيقة قائمة في واقعنا، كانت الهزيمة للدعوة، وتجعله يلجأ إلى وسائل ويستعجل اقتطاف الثمرة.

    وآخرون قالوا: إن كان الأمر هو قيام الدولة الإسلامية فلنقمها بأي وسيلة حتى بالترخص أو بالالتقاء مع الباطل في منتصف الطريق، وهذا من باب التفريط.

    وقد يقول البعض الآخر: أين هو الانتصار؟ إنا ندعو إلى الله تبارك وتعالى منذ عشر سنوات ونحن مضطهدون ومستضعفون في الأرض، فيشك في دعوته وإخوانه، ويقول: لا بد أن نغير هذا الطريق، ثم يميل إلى تفسير القرآن والسنة بما يوافق حالته المعنوية فيقول: ليس عليك هداهملَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [البقرة:272]، ثم يقبع في بيته ويعتذر من مخالطة الناس.

    فغياب المفهوم الحقيقي لمعنى الانتصار يجعل بعض الناس يستعملون العنف، والبعض الآخر يترخصون بوسائل غير شرعية، ويعملون بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، وهي قاعدة وثنية، أو عن طريق الانتخابات أو بأي شكل من الأشكال، والآخر يقبع في بيته، إذاً: فما معنى الانتصار؟

    1.   

    معاني الانتصار

    إن الانتصار له ثمانية معاني، فإذا تحقق واحد منها فقد تحقق معنى الانتصار، وقد تتحقق كلها في زمان معين أو في مكان معين، وهي ما يلي:

    المعنى الأول: وهو المتبادر إلى الذهن، انتصار الدعوة والداعية، فقد تنتصر الدعوة عند الناس ولا ينتصر الداعية كغلام الراهب لما قتل، فقد انتصر منهجه وانتصرت دعوته، ولم يمكن انتصار منهج غلام الراهب إلا بقتله، حيث قال للملك الظالم الطاغية: إنك لن تقتلني حتى تأخذ من كنانتي سهماً ثم تجمع أهل البلدة وتقول: باسم الله رب الغلام، فقتل الداعية وآمنت القرية بأكملها، ووقع المحظور.

    ويتحقق هذا المعنى وهو أن الله تبارك وتعالى يهلك الظالمين في حياة الرسل أو في حياة الدعاة، ويمكن للرسل أو الدعاة تطبيق شرع الله تبارك وتعالى في الأرض.

    وقد تحقق هذا المعنى لبعض الرسل ومنهم: سيدنا داود، قال تعالى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ [ص:26] ، ويقول المولى تبارك وتعالى: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:251] .

    وتحقق أيضاً لسيدنا سليمان الذي آتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وتحقق هذا المعنى أيضاً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله له تبارك وتعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1] ، وقال تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، واستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم دولة إسلامية بسيطة، ويحقق منهاج الله تبارك وتعالى في الأرض.

    هذا هو المعنى الأول وهو المتبادر إلى الذهن، وهو الذي يدون في ذهن أكثر الشباب المنتمي للحركة الإسلامية، وهو أن يمكن المولى تبارك وتعالى لشرعه أن يحكم الأرض وأن يسود، لأن الله تبارك وتعالى فطر النفوس على محبة الخير وعلى استعجاله، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف:13] ، والإنسان يود أن تكتحل عينه بقيام دولة الخلافة، ويود أن يستنشق عبير الطاعة والذكر وتطبيق شرع الله تبارك وتعالى في الأرض، ومع بعد الناس عن دين الله تبارك وتعالى يتمنى الإنسان أنه يغمض عينيه ثم يفتحهما ودولة الإسلام قائمة في الأرض، هذا هو المعنى الأول المتبادر للذهن.

    ولكن هل معنى الانتصار هو هذا المعنى فقط؟ ولو قصرنا الانتصار على هذا المعنى فقط فأين نحن من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرهط، والنبي يأتي ومعه الرجل والرجلان، والنبي يأتي وليس معه أحد) ، وهذا نبي من الأنبياء يقرع أبواب الجنة ولم يستجب له أحد، فهل هو ما استطاع أن يقيم دولة لله في الأرض وأن يطبق فيها منهاج الله تبارك وتعالى؟! هل معنى ذلك أن هذا النبي فشل في دعوته؟ فحصرنا لمفهوم الانتصار في المعنى الأول فقط معناه أن النبي قد فشل في دعوته، ولكن الانتصار له معان كثيرة كما سنوضحها.

    فالنصر يكون بغلبة الرسل وأنبياء الله والدعاة على أهل الباطل والمعاندين لدعوة الرسل، ويمكن الله تبارك وتعالى لهم من قيام دولة في الأرض تطبق منهاج الله تبارك وتعالى.

    المعنى الثاني: إهلاك الله تبارك وتعالى للظالمين في حياة الرسل، إن المولى تبارك وتعالى ينتقم من الظالمين في حياة الرسل إذا لم يتمكنوا من إقامة دولة إسلامية لهم، كسيدنا نوح عليه الصلاة والسلام، قال الله تبارك وتعالى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:10-14].

    فما قص الله تبارك وتعالى علينا أن نوحاً عليه الصلاة والسلام استطاع أن يقيم دولة يطبق فيها حكم الله تبارك وتعالى، فكل ما في القرآن أن إهلاك الله تبارك وتعالى للظالمين في حياة سيدنا نوح كان نصراً فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، واستجاب الله لدعاء نبيه بالنصر، وتحقق هذا النصر بإهلاك الظالمين.

    المعنى الثالث: أن ينتقم المولى تبارك وتعالى من أعداء الرسل أو الدعاة بعد موت الرسل أو موت الدعاة ورحيلهم إلى الله تبارك وتعالى، فسيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام السيد الحصور الذي قال عنه الله تبارك وتعالى: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12] أي: آتاه الله النبوة من الصغر، تأتيه مومسة من مومسات بني إسرائيل -أي: امرأة بغية- وكانت ابنتها عشيقة للملك، فلما امتنع يحيى عليه الصلاة والسلام من مجاراتها قالت لابنتها: إن أراد منك الملك شيئاً فقولي له: رأس يحيى، وفي إحدى جلسات الملك مع العشيقة طلبت منه مطلباً واحداً فقط وهو رأس يحيى عليه الصلاة والسلام، فبعث بالجزارين فأتوا برأسه، ثم أرسلت بهذا الرأس إلى أمها وأرادت هذه أن تقبل الفم الذي ما نالت منه شيئاً في دار الدنيا، وكلما أرادت أن تقبله يطير الفم من بين يديها، ثم أتت الابنة لزيارة أمها فخسف الله بقدمها في الأرض ثم بساقها ثم بحقوها ثم بصدرها فلما رأت الأم أن ابنتها ستغيب تمنت لو يبقى لها تذكار من ابنتها، فقالت: اقطعوا رأسها يبقى هذا الرأس عندي، فكما قتل يحيى قتلت هذه المرأة التي كانت سبباً في قتله، ثم سلط الله بختنصر على اليهود فذبح منهم الآلاف المؤلفة لدم يحيى حتى سكن هذا الدم، فهذا انتقام من الله تبارك وتعالى لرسله بعد موت الرسل، يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر:51].

    قال الإمام ابن جرير الطبري: إنا بإعلائنا لهم على من كذبهم، أو بانتقامنا في الحياة الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسلنا، كالذي فعلناه بقتلة يحيى بن زكريا بتسليطنا بختنصر عليهم حتى انتصرنا به من قتلهم له.

    فهذا نص من ابن جرير الطبري أن الانتصار قد يحدث لنبي بعد وفاته، وهذا معنى من معاني الانتصار.

    المعنى الرابع: أن ما يتصوره الناس هزيمة للرسل أو للداعية هو في ذاته أكبر نصر، فالقتل للداعية نصر، قال الله تبارك وتعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]، فقتل الداعية انتصار له، يقول الله تبارك وتعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فإن كان الله تبارك وتعالى يمن على نسمات عباده المؤمنين -أي: أرواحهم- بقول رسوله صلى الله عليه وسلم: (نسمة المؤمن -يعني روح المؤمن بعد موته- في حواصل طير على نهر بباب الجنة، تلعق من ثمار الجنة).

    يعني: أن المولى تبارك وتعالى يأذن لأرواح المؤمنين أن تكون في حواصل طير تكون على شاطئ نهر بباب الجنة، تأكل من ثمار الجنة، ولكن لا يأذن الله لها بأن تسرح في الجنة، فتظل واقفة على باب الجنة وتأكل من الثمار ولا تسرح في أرجاء الجنة، فهذه روح المؤمن العادي أما روح الشهيد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في أرجاء الجنة حيث تشاء، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بأرجاء العرش) ، فأرواح الشهداء تتنقل في الجنة كما تشاء؛ لأنها حبست أقدامها عن الفرار من أرض المعركة في دار الدنيا، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بأرجاء العرش.

    يا ويح شعري وما ارتفعت بنا همم إلى الجنان وتالي القوم أواب

    إلى كواعب للأطراف قاصرة وظل طوبى وعصر الشدو ينساب

    إلى قناديل ذهب علقت شرفاً بعرش ربي لمن قتلوا وما غابوا

    والصادقون يعدون هذا نصراً، فـحرام بن ملحان حينما طعن في غزوة مؤتة لطخ الدم على وجهه وقال: فزت ورب الكعبة!

    و عمير بن الحمام ألقى بتمراته وقال: إنها لحياة طويلة إن مكثت في الدنيا حتى آكل تمراتي هذه.

    وتغنى جعفر الطيار بقوله:

    يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها

    علي إن لاقيتها ضرابها

    و عامر بن فهيرة راعي الغنم لـ أبي بكر الصديق لما طعنه جبار بن سلمى قال: فزت ورب الكعبة.

    فحدوث الشهادة لرجل هذا فضل من الله تبارك وتعالى، وقد يعطي الله تبارك وتعالى بشائر ونسمات الجنة لرجل قبل أن يقتل شهيداً، فـأنس بن النضر في معركة أحد قال له سعد بن معاذ : إلى أين يا أبا عمرو ؟! قال: واهاً لريح الجنة! أي: شم ريح الجنة قبل أن يدخل المعركة، ثم قال: إني لأشم رائحة الجنة من دون أحد، فهذا نصر، وأي نصر أشرف من أن يعطي الله تبارك وتعالى ريح الجنة لعبد قبل أن يشرع في أي عمل صالح!

    قال الله تبارك وتعالى عن الشهداء: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فقد تركوا الصعاليك في دار الدنيا الذين لم يصلوا ولم يصوموا ولم يزكوا، ويتأذى المؤمنين برؤية أجسامهم، فأبدلهم الله تبارك وتعالى بالقرب منه، ومن الملائكة، ومن العرش، فهذا نصر.

    وقوله تعالى: يُرْزَقُونَ [آل عمران:169] أتى بالفعل المضارع ليدل على التجدد والاستمرار، فرزقهم في الجنة دائم، ورزق الدنيا ينقطع.

    كان أحد الصالحين إذا مر بسوق فاكهة يقول: السلام عليك، موعدك الجنة أنت المقطوعة الممنوعة، أما الجنة فأكلها دائم وظلها. فهذا هو النصر الحقيقي.

    وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشهيد أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، ويلبس تاج الكرامة، ويأمن من الفزع الأكبر، وكفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة، ويؤمن من الصعق، أليس في هذا نصر؟ وكل خصلة من هذه تساوي الدنيا وما عليها، ويزوج بسبعين امرأة من الحور العين.

    أما المؤمن العادي فيزوج باثنتين من الحور العين؛ وذلك لأن الشهيد لما فارق الزوجات وهان عليه ذلك في سبيل الله تبارك وتعالى عوضه الله تبارك وتعالى بكثرة الزوجات، والمرأة في دار الدنيا قبل دخولها إلى الجنة لا تساوي قلامة الظفر من نساء أهل الجنة: الحور العين اللاتي خلقن من الزعفران.

    دع المصوغات من ماء وطين .. واشغل هواك بحور العين

    فقتل الداعية انتصار له من حيث إنه رزق بالشهادة وذلك انتصار لمنهجه، كغلام الراهب، والسيد قطب رحمه الله، يقول أحد الشيوعيين: إنني أتمنى أن أقتل كما قتل السيد قطب ، وتنتشر كتبي كما انتشرت كتب السيد قطب ، وينتشر منهجي كما انتشر منهج السيد قطب .

    بل إن مطابع النصارى في لبنان حرصت على أن تطبع كتب السيد قطب كالظلال، ومعالم في الطريق؛ لما رأت من إقبال الناس على شراء كتب هذا الداعية العظيم الذي رحل إلى ربه.

    يقول الشيخ السيد قطب رحمه الله: إن كلماتنا وأقوالنا ستظل جثثاً هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء عاشت وانتفضت بين الأحياء.

    وأيضاً: في قتل الداعية أو في موته في سبيل دعوته ذكر طيب بعد وفاته، قال الله تبارك وتعالى عن إبراهيم: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، ومعنى لسان صدق: أي: الذكر الحسن، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:108-109].

    فالصالحون يبقى لهم الذكر، والظلمة مهزومون حتى عند الحشرات والخنافس والأرض وغيرها، فهي تلعن الظلمة من بني آدم، وعلى الطرف الآخر فإن الحيتان في قاع البحار وحتى النملة في جحرها لتستغفر لمعلم الناس الخير، (إن الله وأهل السماء وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحيتان لتصلي على معلم الناس الخير) .

    فقتل الداعية انتصار له من كل الجوانب، وقد يطرد الداعية من بلده ويكون في هذا نصر له حتى وإن لم يستطع إقامة دولة لله تبارك وتعالى، فسيدنا إبراهيم طرد من بلده ومكن الله تبارك وتعالى له في بلدة أخرى، وقال الله تبارك وتعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، فالهجرة من مكة إلى المدينة نصر، وكان من أسبابها الطرد من مكة.

    فخروج الداعية من بلده انتصار؛ لأن الله تبارك وتعالى قد يمكن له بيئة صالحة تنتشر فيها دعوته أكثر من الانتشار في بلدته، فمكة كان فيها غلاظ الأكباد وقساة القلوب من عبدة الأوثان، فقد اجتمعوا وتآمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وتربصوا به الدوائر، وباتوا على باب منزله، في حين أن صخر مكة كان يحن للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم علي قبل البعثة) ، فالحجر يحن للنبي صلى الله عليه وسلم وقساة القلوب يريدون قتله.

    ويح قوم دفنوا نبياً بأرض ألفته ظلالها والضباب

    وتلوه وحن جذع إليه وقلوه ورده الغرباء

    ونحى المصطفى المدينة واشتاقت إليه من مكة الأنحاء

    فالمولى تبارك وتعالى يمكن للداعية أرضاً جديدة ينشر فيها فكره ومنهجه، وينجيه من بطش المشركين، فعندما طرد الصحابة من مكة وهاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم، نشروا فكرهم في الحبشة، فلحقهم بعض سادات قريش وطلبوا من ملك الحبشة أن يردهم إلى مكة؛ فامتنع أن يردهم مرة ثانية، بل وأسلم على أيدي هؤلاء الصحابة، فطرد الداعية من بلده نصر له ولدينه.

    وحبس الداعية إن كان في الله تبارك وتعالى فهو نصر له؛ لأنه يتفرغ للعبادة، فقد ينشغل عن العبادة بسبب الدعوة فلا يخلو بنفسه كثيراً، وأما في الحبس فقد يخلو بنفسه، ولذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمية حين أدخلوه قلعة دمشق ونظر إلى أسوارها تمثل بقوله تعالى: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13].

    وكتب في السجن أجمل مؤلفاته، حتى قال حين أخرج من السجن: لو يعلمون ما أسدوا إلي من الجميل بسجنهم إياي في القلعة ما كافأتهم عليه بملء القلعة ذهباً.

    وقال أيضاً: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي، إن معي كتاب الله وسنة نبيه، إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني عن بلدي فنفيي سياحة، وإن سجنوني فأنا في خلوة مع ربي، إن المحبوس من حبس عن ربه، وإن الأسير من أسره هواه، وليس السجن حبس الجسم قهراً فهو أنس برب العالمين، إن السجين سجين الروح عن الهادي الأمين.

    ولما مات شيخ الإسلام ابن تيمية في سجنه دخل عليه أربعة من الحفاظ يغسلونه، وحملت الجماهير المؤمنة نعش شيخ الإسلام ابن تيمية ، وما استطاع ساجنوه في يوم موته أن يخرجوا من بيوتهم خوفاً من بطش العامة.

    وصدق بعض السلف حين قال: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز، فقد كانت جنازة شيخ الإسلام ابن تيمية ثاني جنازة في التاريخ الإسلامي بعد جنازة الإمام أحمد بن حنبل .

    وقد كان لا يتصور أن مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية التي ألفها في السجن وقبل السجن وقد أخذوا منه الكتب وأقلام الفحم التي كان يكتب بها، أنها ستصل إلى عامة الناس، حتى وصلت إلى الدول الأوروبية، مع أنهم أحرقوا كتبه، ودعاة السنة كانوا يخفون مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد كان أهل البدع لا يقبلون الكتب التي فيها ذكر اسم ابن تيمية ، ولكن لصدق هذا الإمام انتشرت كتبه في القرى والمدن.

    وبعض الناس يقول: إن الوهابية هم خوارج هذا العصر، والذي أسس قواعدها هو شيخ الإسلام ابن تيمية .

    ونقول له:

    يا ناطح الجبل العالي لتثلمه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

    أو كما يقول القائل:

    كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

    أو كما يقول القائل:

    قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم

    وقال الآخر:

    والحق أبيض لو يبغون رؤيته هيهات يبصر من في ناظريه عمى

    وصرخة الحق تأباها مسامعهم من يسمع الحق منهم يشتكي الصمما

    فسجن الداعية نصر له ولدعوته.

    المعنى الخامس من معاني النصر: الهزيمة النفسية عند الظالمين، وعدم الشعور بالسعادة والطمأنينة والراحة في الحياة الدنيا، فلا يستطيع الظالم أن ينام نوماً طبيعياً، أو يأكل في أي وقت وينام ويرتاح كما يأكل غيره وينام، فهو لا يقدر أن يمشي بمفرده حتى في الأماكن التي يأمن فيها الناس على حياتهم كالمساجد، فلا يدخلها إلا خائفاً أو معه حرس من الناس يحرسونه، قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114] .

    وقال الله تبارك وتعالى: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ [آل عمران:119] ، وقال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:120] .

    وقال الله تبارك وتعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا [الأحزاب:25] .

    ففي نصر الداعية السعادة، يقول أحدهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من سعادة لجالدونا عليها بالسيوف. أي: وإن خرجوا من الدنيا وهم صفر اليدين من كل شيء من عرض الدنيا، ويقول آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أجمل ما فيها: لذة الأنس بالله.

    ويقول قائلهم: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها القلب طرباً.

    ويقول آخر: لو كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.

    فشيخ الإسلام ابن تيمية كان خالي الأوصاف من كل شيء، وشدد الله تبارك وتعالى عليه البلاء حتى ابتلاه بالقمل، ولذلك فقد عمل له خيط زئبق حتى يمنعه من هذا الهوان، وبرغم هذا كله كان يخرج إلى الصحراء ويقول:

    وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك القلب بالسر خالياً

    قال له نائب السلطنة: إنك تريد أن تدبر مؤامرة مع ملك المغول لتستولي على الحكم، فيرد عليه ويقول: إن ملكك وملك ملك المغول لا يساوي عندي خردلة، أي: لا يساوي عندي فلساً واحداً.

    وسيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه عندما كان أميراً أراد أن يبني له بيتاً، فقال للبناء: كيف تبنيه؟ قال: إن قمت فيه بلغ رأسك السقف، وإن نمت فيه بلغت رجلك آخره، فقال: هكذا تبني.

    و سعد بن أبي وقاص عندما اتخذ لبيته باباً، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر محمد بن سلمة أن يكسر الباب ويضعه في النار، ففعل محمد بن سلمة ذلك.

    بطل القادسية بأسرها يفعل به هكذا، وهو خال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    و سعيد بن جبير دعا على الحجاج قبل أن يقتله، فاستجاب الله له، وذلك لما أمر الحجاج بإلقاء القبض على سعيد بن جبير، فرفض بعض الحراس أن يسلموه للحجاج لما رأوا من صلاحه وتقواه، فأبى سعيد إلا أن يمضي إلى قدره، فدخل على الحجاج فسلم عليه، فلم يرد السلام، ثم سأله عن اسمه، قال: سعيد بن جبير ، فقال الحجاج : بل شقي بن كسير، قال: أمي أعلم باسمي منك، قال: الويل لك ولأمك، قال: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: لأبدلنك بالحياة ناراً تلظى، قال: لو أعلم أن ذلك لك لاتخذتك إلهاً من دون الله، قال: اختر لنفسك يا سعيد أي موتة تريد، قال سعيد : بل اختر لنفسك أنت، فو الله! ما تقتلني قتلة إلا وقتلت مثلها يوم القيامة، فقال: خذوه إلى غير القبلة، قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115] ، فقال: ألقوه على الأرض، قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55] ، فقال: اذبحوه، قال سعيد : خذها مني حتى تلقاني غداً عند الله، أما إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    فالداعية لا يكتسب لنفسه أبداً ولا ينتصر لنفسه أبداً، وإنما كل ما يهمه هو انتصار دعوته، والخوف على الناس من الفتنة، ثم دعا عليه فقال: اللهم لا تسلطه على أحد من بعدي، أي: اللهم لا تمكنه من قتل أحد من بعدي، ثم مات سعيد بن جبير وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، ومكث الحجاج بعده خمسة عشر يوماً ما تهنأ بطعم نوم، فكان يقوم من نومه فزعاً ويقول: مالي ولـسعيد بن جبير .. مالي ولـسعيد بن جبير ، ولم يمكنه الله من قتل مسلم حتى لقى الله تبارك وتعالى بعد سعيد بن جبير .

    فما أحلى عيش الداعية مع كتاب الله تبارك وتعالى، ينزل عليه الأنس والسكينة، والذي لا يعيش مع القرآن يموت بغيره، ففي هذا أيضاً معنى من معاني الانتصار.

    المعنى السادس من معاني الانتصار: أن النصر قد يكون بقوة الحجة، قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ [الصافات:171-172].

    قال الإمام ابن جرير الطبري في معنى قوله تعالى: لَهُمُ الْمَنصُورُونَ [الصافات:172] أي: لهم النصر والغلبة بالحجج، يعني: أنهم المنصورون بعلو حجتهم على حجج الكاذبين، فالله تبارك وتعالى يبين لنا بقوة الحجة الرجال الصادقين من الكذابين، قال الله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:83]، وفي رفعة الدرجات نصر.

    وقال الله تبارك وتعالى عن إبراهيم لما حاجه الرجل الفاجر الكافر نمرود بن كنعان عندما قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] قال إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] ، والبهت هو الهزيمة المعنوية، فهذا من النصر المعنوي.

    إذاً: انتصار الداعية بالحجة نصر لدعوته، والعامي من الموحدين يغلب آلاف من المبتدعة بقوة حجته، كما قال ابن عبد الوهاب : إن الرجل العامي البسيط إذا كان من الموحدين ينتصر على جيش من علماء الضلالة والبدع بصدقه وبقوة حجته، فهذا أيضاً من النصر كما فصله الإمام ابن جرير الطبري .

    المعنى السابع من معاني الانتصار: أن انتصار الداعية غير محصور في زمان أو مكان، فزمان الدعوة الإسلامية هو الحياة الدنيا بأسرها، وقد يضيق الله تبارك وتعالى على الدعوة في مكان وتنتصر في مكان آخر، وكذا الزمان أيضاً، فلا تنحصر الدعوة في مكان معين ولا في وقت معين.

    فموسى عليه الصلاة والسلام انهزم في أرض فرعون ، ثم انتصر عليه بعد ذلك في مكان آخر.

    وقد يهزم الداعية في زمان ثم ينتصر في زمان آخر، مثلما حدث لشيخ الإسلام ابن تيمية فقد انتصر فكره بعد وفاته بقرون.

    والابتلاء نصر للداعي ولدعوته، ثم يمكن الله تبارك وتعالى له ويضع له القبول عند العامة، فلا يستطيع الظالمون أن يبطشوا به؛ لأنهم يخافون من العامة، فتنتصر دعوته بمنع الله تبارك وتعالى الظالمين من وصول البطش إليه.

    المعنى الثامن من معاني الانتصار: الثبات على المبدأ والمنهج، والاستعلاء على فتن الأرض كلها، مثل: فتنة الزوجة، وفتنة المال، وفتنة الجاه، وفتنة الولد وغيرها.

    فنوح عليه الصلاة والسلام ثبت على منهجه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

    وقد يقول قائل: هل إسلام ثلاثة عشر رجلاً منهم سيدنا نوح يساوي جهد تسعمائة وخمسين سنة من الصبر الجميل، ومن العناء الكريم من نبي من أولي العزم؟

    يقول سيد قطب : إن استقرار حقيقة الإيمان يوماً واحداً في الأرض ولو لحظة واحدة في قلب داعية واحد يساوي هذه الحصيلة كلها من الجهد والعناء، فبهذا الإيمان رفع الله تبارك وتعالى الإنسان إلى مكانته التي ارتضاه له؛ لدرجة أنه جعل الملائكة من حملة العرش يستغفرون له، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر:7] .

    فالله تبارك وتعالى جعل الملائكة من حملة العرش يستغفرون للمؤمن، فأي شأن للمؤمن إن لم يثبت على المنهج الصحيح أو ابتعد عن الدعوة؟

    فالمولى تبارك وتعالى جعل المؤمن في مرتبة أعلى من مرتبة الملائكة، فكم من ملك في السموات والأرض ما ذاقوا نوماً حتى يقبضهم الله تبارك وتعالى إليه ليس لهم مرتبة من تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، والمؤمن يصل إلى هذه المرتبة بقيام ساعات قليلة في جوف الله.

    وكم من ملك كريم ما ذاقوا طعاماً ولا شربوا شراباً منذ أن خلقهم الله تبارك وتعالى؟ وهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ، لكن ليس لهم مرتبة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة:7] ، والبرية من برى أي: خلق، والمعنى: الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير المخلوقات، ومن المخلوقات الملائكة.

    فاستقرار حقيقة الإيمان يوماً من الأيام في قلب رجل نصر للدعوة، ولذا تحمل أولو العزم من الرسل المزيد من العناء الكريم.

    نبي من الأنبياء يعيش طيلة عمره يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته فلم يستجب له أحد، ويثبت ولا يتزعزع ولا يضطرب إيمانه، ويقرع باب الجنة وحيداً فريداً، هذا نصر له؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:173] ، هذه الغلبة للنبي، فإن لم تكن للنبي أفتكون لداعية ويحرم منها نبي؟

    قالوا لأحد الصالحين: فلان عرف طريق الله تبارك وتعالى، ثم رجع مرة ثانية إلى فعل المعصية، فقال: لو عرف الله ما رجع إلى المعصية.

    فثبات الداعية على مبدئه وعلى منهجه وعلى دينه، واستعلائه على الفتن نصر لدعوته، والدليل على ذلك قول الإمام أحمد بن حنبل حينما قالوا له: أما ترى من انتصار الباطل على الحق؟

    قال: إن انتصار الباطل على الحق أن تنتقل قلوبنا من الهدى إلى الضلالة، لكن قلوبنا لازمة للحق.

    فهذه ثمان معان من معاني الانتصار، فلا تنحصر في معنى واحد.

    وثبات الداعية على دين الله تبارك وتعالى يكون باستعلائه على الفتن، والعيش مع القرآن الكريم، وفي هذا الوقت يحتاج الناس إلى أن يعيشوا مع الله، ويتنعموا بذكر الله تبارك وتعالى، وبتدبر آياته، وباستعراض القرآن الكريم، وما حدث للظالمين على مدار التاريخ الإسلامي، كقصة أصحاب الأخدود الذين رأوا النيران وهي تأكل كل شيء من الأجساد المؤمنة ولكنها لا تزيد جذوة الإيمان في صدورهم إلا تؤججاً، والذين تدور بهم الدائرة، وتلتف عليهم النار من الخلف حتى تهلكهم، الذين عملوا الحفرة وفيها النيران هم الذين وقعوا فيها، قال الله تبارك وتعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:1-4]، أي: الذين أشعلوا النيران في الأخدود التفت عليهم النار من الخلف حتى أحرقتهم، ولذا قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا [البروج:10] أي: عذبوا المؤمنين والمؤمنات بالحرق، والفتنة: هي التعذيب بالحرق، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج:10] .

    والقرآن الكريم أعظم وسيلة من وسائل الثبات.

    وسائل الثبات على دين الله تبارك وتعالى

    والمعنى التاسع من معاني النصر: الثبات على دين الله تبارك وتعالى، والوسائل التي تحقق الثبات في هذه الآونة ما يلي:

    الوسيلة الأولى: وهي تدبر كتاب الله تبارك وتعالى وتلاوته، وأن تنعم العين بالنظر لكتاب الله تبارك وتعالى، وأن تجلي به البصر، وأن تجلي القلب بالتنزه في رياض القرآن الكريم، ورحم الله أقواماً كان القرآن نعيمهم وعنوانهم ونزهتهم وبستانهم وأنسهم وريحانهم كما قال العلماء.

    يقول الله تبارك وتعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32] .

    فالقرآن أعظم وسيلة من وسائل الثبات في كل عصر حين تضطرب الأمور، وتختلط المفاهيم، فيرجع الصادقون إلى كتاب ربهم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42].

    الوسيلة الثانية من وسائل الثبات على طريق الله تبارك وتعالى: الاستقامة والعمل الصالح، يقول الله تبارك وتعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]، قال قتادة : أما في الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح.

    ويقول الله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النساء:66] ، فالمؤمن يجدد إيمانه دائماً بالعمل الصالح.

    يقول الإمام ابن تيمية قبل وفاته: أنا إلى الآن أجدد إيماني، كان يقول: ما أسلمت إسلاماً جيداً إلى الآن.

    وقال ابن دقيق العيد : والله ما تكلمت كلمة منذ أربعين سنة ولا فعلت فعلة إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله تبارك وتعالى.

    والـربيع بن خثيم منذ عشرين سنة ما تكلم بكلمة واحدة في أمر من أمور الدنيا، حتى إن ابنته وهي صبية قالت: يا أبتي! أأذهب ألعب؟ فقال لها: اذهبي يا بنيتي فاصنعي خيراً، ولما سئل عن ذلك قال: والله لا يكتب في صحيفة أعمالي أني أمرت باللعب. فكيف وحياتنا كلها لعب؟

    يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم: (لست من دد وليس الدد مني) .

    فالمثابرة على العمل الصالح ثبات على دين الله تبارك وتعالى، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ثابر على اثنتي عشرة ركعة وجبت له الجنة) .

    ويقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، ومن أحبه الله تبارك وتعالى ثبته على دينه.

    الوسيلة الثالثة: تدبر قصص الأنبياء والسابقين والتأسي بهم، يقول الله تبارك وتعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] ، فالإنسان حين ينظر إلى جبروت الظالم ينظر إلى القصص الغابرة في التاريخ: في تاريخ الأنبياء وفي تاريخ الدعوات، كقصة سحرة فرعون الذين كانوا في أول النهار يقولون: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:41-42]، ويقولون: وعزة فرعون أننا سنغلب، وفي آخر النهار سجدوا لرب هارون وموسى فـقَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء:49]، وكأن الإيمان يحتاج إلى إذن حين يدخل القلوب!! الإيمان لا يحتاج إلى إذن فإذا وصلت بشاشته القلوب استجاب القلب، قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه:71] ، فلما سجدوا لاحت لهم قصور الجنة، قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [الشعراء:50] ، وقالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:72-73] .

    يا دامي العينين والكفين إن الليل زائل

    لا غرفة التعذيب باقية ولا برد السلاسل

    وحبوب سنبلة تجف فتملأ الوادي سنابل.

    وحين يتدبر الإنسان قصة سيدنا موسى فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62]، فمن فقد الله فماذا وجد؟ ومن وجد الله فماذا فقد؟ ومن كان مع الله فأي شيء عليه؟

    الوسيلة الرابعة: الدعاء بتثبيت القلوب: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] ، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا [البقرة:250] .

    ومن مواضع استجابة الدعاء: الدعاء في جوف الليل الآخر، والدعاء عند السجود، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

    فالمؤمن يدعو الله تبارك وتعالى أن يثبته على الإسلام حتى يلقاه عليه، ويدعو الله تبارك وتعالى لنفسه ولإخوانه وللمسلمين أن يفرج الله تبارك وتعالى عنهم الكربات.

    الوسيلة الخامسة: ذكر الله تبارك وتعالى، فهو الباب الموصل للولاية العظمى، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] ، وذكر الله تبارك وتعالى مطلوب وخاصة في مواطن الفزع، وعند اشتداد الأمر، ومن ذكر الله تبارك وتعالى في كل حين غرس الله غرساً في الجنة، وبنى له قصوراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد! اقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وغراسها سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فهذا يغرس لك الغرس وأنت في دار الدنيا.

    والذي ثبت سيدنا يوسف من الوقوع في المعصية هو الذكر: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23] ، فقد جعله يثبت ويقاوم هذه الفتنة، فالذكر عامل وعنصر من عناصر التثبيت.

    الوسيلة السادسة: الحرص على العقيدة السليمة؛ عقيدة أهل السنة والجماعة: وهم الصحابة والتابعون وتابع التابعين من سلف هذه الأمة.

    قال علماء السلف: أكثر الناس شكاً عن الموت أهل الكلام.

    وقال سيدنا عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل.

    فمن كان على اعتقاد سليم ثبته الله تبارك وتعالى.

    قال هرقل لـأبي سفيان قبل إسلامه: هل يرتد أحد منهم سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، قال: وكذا الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

    الوسيلة السابعة: التربية الإيمانية العلمية الواعية المتدرجة وليست الحماسة الثائرة، فالتربية الإيمانية تحيي القلب والضمير بالخوف والرجاء والمحبة والتوكل على الله تبارك وتعالى، وتغذيه بعناصر تبعده عن الجفاف، وهذه العناصر تستمد من الكتاب والسنة، وهي: الخوف والرجاء والمحبة لله تبارك وتعالى والشوق إلى الله تبارك وتعالى.

    فالتربية العلمية القائمة على الدليل الصحيح تكون بعيداً عن التقليد الأعمى، والتربية الواعية التي تفهم منطلق الواقع وتعيشه لا تعيش في غيبوبة عن الواقع، وإنما تعيش بآلام المسلمين، وتعرف أعداء المسلمين ومصائب المسلمين، وتفهم خطط الكافرين، قال الله تبارك وتعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] ، فلابد أن يعلم المؤمن الواقع الذي تعيشه هذه الأمة.

    والتربية الإيمانية متدرجة لا تخضع للحماسة الزائفة، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [البقرة:246]، فانتكس حماسهم الزائف عندما فرض عليهم القتال، ثم لما ولي عليهم طالوت ملكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247] أي: فضله الله تعالى عليهم في العلم والجسم، ثم لما عبر بهم النهر: قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة:249] ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [البقرة:249] ، أما البقية الباقية لما جاء وقت القتال: قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249].

    فالقائد لا يخدع بحماس الجماهير الخائر والثائر، ولا بد من أن يختبرهم قبل المعركة الفاصلة؛ لأن الحماس قد يكون من باب البشارة.

    والمؤمن يعظم حرمات الله تبارك وتعالى ومنها: قتل المسلم بغير حق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح) .

    ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير الحق) .

    ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم امرئ مسلم لكبهم الله في النار) .

    ونقول لمن ينتسبون إلى الحركة الإسلامية: إن كان هؤلاء الظلمة من عادتهم أن يظلموا، فلتكن عادتكم أن تلتزموا بالشرع الذي تريدون تطبيقه على تصرفاتكم، وأنتم في المحنة إن علم الله تبارك وتعالى صدقكم، وأنكم مستضعفون يمن الله عز وجل عليكم، فسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام قال لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف:128-129]. فهذا منهج النبيين.

    ونحن كاتجاهات إسلامية متفرقة وكل منا يزعم أنه يريد دولة الإسلام، هل في خلافاتنا نطبق حكم الإسلام فيما بيننا؟ وهل تحلينا بخلق الإسلام الذي نريد تطبيقه على العوام؟ وهل اشتغلنا بمنهج النبوة في خصوماتنا؟

    لا، والله! فإن كنا نريد دولة على منهج النبوة وعلى منهج الخلافة الراشدة فلنلتزم بأخلاق النبوة، ولنسر على درب الخلافة الراشدة في الالتزام بالكتاب والسنة.

    وكل يدعي حباً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا

    إذا استبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكا

    فأما من بكى سيذوب وجداً وينطق بالهوى من قد تشاكا

    هل اشتغلنا بمنهج النبيين في الدعوة باللين والرفق؟ قال الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] .

    أتى شاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! ائذن لي في الزنا، قال الصحابة: مه.. مه؟ فقال: ادنوه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: فكذا الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أفتحبه لعمتك؟ لخالتك؟ قال: لا جعلني الله فداك، قال: فكذا الناس لا يحبونه لعماتهم ولا لخالاتهم، ثم وضع الرسول صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يلتفت الشاب بعد ذلك إلى شيء من ذلك) .

    وبال أعرابي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الصحابة: مه مه؟! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه -أي: لا تقطعوا عليه بوله-، فلما انتهى من بوله قال: يا رجل إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، إنما بنيت للذكر والصلاة) فقال الأعرابي: فقام إلي بأبي هو وأمي فلم يعنف ولم يثرب.

    و ثمامة بن أثال وقد قتل من المسلمين ما قتل، ثم أسر فربط في سارية من سواري المسجد، فخرج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا ثمامة ! ما عندك؟ قال: يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فخذ ما شئت، فتركه الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما كان في الغد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ما عندك يا ثمامة ؟! قال: ما قلته لك البارحة، وفي اليوم الثالث قال له: ما عندك يا ثمامة ؟! قال: ما قلته لك البارحة: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن تريد من المال فخذ منه ما شئت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اطلقوا سراحه، فذهب ثمامة إلى نخل في جوار المسجد فتوضأ ثم أتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد! والله ما كان هناك في الأرض أبغض إلي من وجهك، فوجهك اليوم أحب الوجوه إلي، يا محمد! والله ما كان دين في الأرض أبغض إلي من دينك فدينك اليوم أحب الدين إلي.

    يا محمد! والله ما كان بلدة في الأرض أبغض إلي من بلدتك فبلدتك اليوم أحب البلاد إلي، ثم قال: يا رسول الله! اقتادني خيلك وأنا أريد العمرة، قال: فاعتمر) ، ودخل مكة ملبياً مهللاً وكان أول رجل في تاريخ هذه الأمة المسلمة يدخل مكة ملبياً ثمامة بن أثال ، قيل: هو ملك اليمامة، وقيل: من زعماء الجاهلية، فلما دخل على أهل مكة قالوا له: (أصبأت واتبعت دين محمد؟! قال: والله ما صبأت ولكني أسلمت، ثم قال: والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى تؤمنوا بالله ورسوله) ، ثم ضرب عليهم حصاراً اقتصادياً استمر سنوات حتى أرسلت قريش إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد! تقتل رجالنا بالحرب، وأبناءنا بالجوع، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر ثمامة أن يفك عنهم الحصار الاقتصادي الذي ضربه عليهم.

    فالمطلوب اللين والرفق في الدعوة، والرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعين عليه أكثر مما يعين على غيره) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً رزقهم الرفق) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من رزق الرفق فقد رزق الخير كله) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من حرم الرفق فقد حرم الخير كله) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة ! إياك والعنف والفحش) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن شر الناس من تركه الناس اتقاء شره) .

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما خلا منه شيء إلا شانه) .

    فالداعية المسلم يلقى أخاه بوجه طلق، يقول الله تبارك وتعالى عن الرفق واللين: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] ، والقول اللين هو المداراة.

    وفرق بين المداراة وبين المداهنة، فالمداهنة هي التنازل عن الدين لظالم، أو جعل المنكر حقاً والحق باطلاً، قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9].

    وأما المداراة فهي الرفق، وكف الغضب، ولين الجانب، واحتمال أذى الناس، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كف غضبه ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه أتى الله به على رءوس الخلائق فزوجه من الحور العين ما يشاء) .

    فالمداراة هي طريقة الصادقين والصالحين من هذه الأمة.

    يقول العلامة العيني في تعريف المداراة: هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي واللطف به حتى ترده عما هو عليه.

    ويقول الإمام البغوي في قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه:44] قال: دارياه وارفقا به.

    والمداراة من فعل رسولنا صلى الله عليه وسلم ومن هديه، قال أبو الدرداء : إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، وهذا قول حسن بمجموع الطرق، وإن كان الإمام البخاري ذكره في تعليقاته بصيغة غير صيغة الجزم وهي صيغة التمريض، ولكن ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتيه الرجل من أهل الباطل فيستقبله استقبالاً حسناً، فهذا من باب المداراة.

    وحديث عائشة رضي الله عنها: (أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقالت: يا رسول الله! قلت للرجل أنه بئس أخو العشيرة ثم ألنت له في القول، قال: إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشه)، فالمداراة طريقة من طرق النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة.

    وعن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى رهطاً فترك رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟! -يعني: ما أعطيت مالاً لفلان- فوالله! إني لأراه مؤمناً أو مسلماً، فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً أو مسلماً، قال: فسكت قليلاً ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سعد ! إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه؛ خشية أن يكبه الله في النار) .

    وفي الحديث الصحيح: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـأبي ذر : كيف ترى جعيلاً) الذي هو ابن سراقة الضمري، وكان من فقراء المهاجرين، قال: (قلت: كشكله من الناس. قال: فكيف ترى فلاناً؟ قلت: سيداً من سادات الناس، قال: فـجعيل خير من ملء الأرض من مثل فلان، قال: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع؟) يعني: عندما دخل عليك استعددت له (فقال: إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به) .

    والمداراة تكون في حالات ضعف المؤمنين وخوفهم، وتكون في بداية مرحلة التمكين، وتكون في أثناء التمكين، وفي بداية الاستضعاف، ولكن تأتي بعض أحوال الداعية الصادق لا بد أن يكشر فيها.

    وبعض العلمانيين والشيوعيين ينتقصون دين الله ويقولون: إن فيه تضييقاً على حرية الناس، فهذا الكلام فيه ردة عن الإسلام.

    ولو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

    فإذا انتهكت حرمات الله تبارك وتعالى فإن المؤمنين يغضبون لحرمات الله إذا استحلت كما يغضب النمر.

    وقد ثبت أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال لـأبي موسى الأشعري ولـمعاذ بن جبل رضي الله عنهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا). لكن قد يجيء في وقت من الأوقات يستخدم فيه الشدة، فلما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا معاذاً وسيدنا أبا موسى الأشعري إلى اليمن ارتد رجل عن الإسلام، وجاء به إلى سيدنا أبي موسى رضي الله عنه، فلما رآه معاذ بن جبل وكان راكباً قال: والله لا أنزل حتى يضرب عنقه، فلما قطعت عنقه نزل معاذ بن جبل رضي الله عنه.

    ولما قال سيدنا عمران بن حصين رضي الله عنه لـبشير بن كعب وكان من خير التابعين: (الحياء خير كله)، قال: ولكنا نجد أن فيه خيراً، وأن منه ضعفاً ورقة، فقال عمران: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن رأيك! لا أحدثك أبداً، واحمرت عيناه، فما زال الصحابة يسكنونه رضي الله عنه حتى سكت، ثم أخذ يحدثه.

    ففي حالات معينة لا بد للإنسان أن يغضب لدين الله تبارك وتعالى، فالذين يردون السنة والقرآن ويطعنون فيهما ويشتمون الصحابة، لا بد أن نغضب عليهم لذلك، وخاصة عند الاستهزاء بدين الله تبارك وتعالى.

    الوسيلة الثامنة من وسائل الثبات على دين الله تبارك وتعالى: الثقة في طريق الحق، وهو طريق النبيين، وهذا الطريق اصطفاء من الله تبارك وتعالى، قال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل:59] أي: أن الله تبارك وتعالى اصطفاهم للدعوة، ويقول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [فاطر:32] ، ويقول الله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6] .

    فالعلم اصطفاء واتباع، وممارسة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى وسيلة من وسائل الثبات على دين الله تبارك وتعالى، وكذلك الالتفاف حول العناصر الصالحة والقدوات الصالحة.

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن من الناس مفاتيح للخير ومغاليق للشر) ، فالتربي على يدي القدوة الصالحة، والثقة بنصر الله وسيلتان من وسائل الثبات.

    فالمستقبل للإسلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وليتمن الله عز وجل هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) ، ويقول أيضاً: (إن الله زوى لي مشرق الأرض ومغربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها) فسترتفع المآذن يوماً من الأيام وتفتح الجيوش إيطاليا.

    يا جيل المصاحف! يا خمير الأرض! يا طلق الولادة! أنت الذي سيبدد الأوهام والأحزان، ويزرع في العيون نخيلها، فلكم تباطأ في الرحيل عن القرى عام الرمادة، وأقول: يا جيل المصاحف أكلت مواسمنا الجنادب، واستبد بنا الحواة، وغادرتنا آخر السحب الحميمة في السماء، ثباتاً على دين الله تبارك وتعالى، ورفقاً بالجهال من المسلمين، وصبراً على دين الله تبارك وتعالى، اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] ، عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الأعراف:129] .

    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم بناء المساجد على القبور

    السؤال: ما حكم بناء المساجد على القبور؟

    الجواب: بوب الإمام البخاري على هذه المسألة فقال: باب حرمة بناء المساجد على القبور، فالتحريم من الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر ما فعلوا، ولولا ذلك لأبرز قبره.

    وهذه المسألة فيصل بين أهل السنة والصوفية، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصلاة في المسجد الذي به قبر فرضاً كانت الصلاة أم نفلاً لا تصح، سواء قصد الصلاة إلى القبر أو لم يقصد، وإن صلاها ولا يعلم أن في المسجد قبراً فتصح ولا يعيدها.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من شرار الناس من تقوم عليهم الساعة والمتخذين على المساجد قبوراً) ، وقال: فاتخاذ القبور مساجد ذريعة للشرك، ولذا قالت عائشة: يحذر ما فعلوا، ولولا ذلك لأبرز قبره.

    ثانياً: أن الحسين رضوان الله عليه لم يأت جثمانه إلى مصر؛ لأن مقتله كان في كربلاء، قال الإمام البخاري : دفن جثمانه بالبقيع، وغيره من العلماء قال: الرأس والجسد دفنا في كربلاء.

    ولا يصح أن السيدة زينب أخت الحسين وبنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تترك هدي جدها، وهي تعلم أن إكرام الميت الإسراع في دفنه، وأن من السنة الإسراع في دفن الميت، فالسيدة زينب لم تخالف هدي جدها صلى الله عليه وسلم وهدي أبيها سيدنا علي رضي الله عنه، حيث قال لـأبي الهياج الأسدي : ألا أبعثك على ما بعثني عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته).

    فالعلماء قالوا: إن رأس الحسين لم يأت إلى مصر.